جواب آیة الله الحاج الشیخ محمد جواد الفاضل اللنکراني دامت برکاته علی شبهات حول الحکم الفقهي للارتداد

بسم الله الرحمن الرحیم


قال علي علیه السلام: «وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون!وأنتم لنقض ذمم آبائکم تأنفون»(نهج البلاغة/الخطبة 106).

أصدر الامام الخمیني رضوان الله تعالی علیه حکماً يقضي بارتداد سلمان رشدي، ولزوم قتله وإهدار دمه،ثم أصدر مرجع الشیعة الکبیر سماحة آیة الله العظمی الحاج الشیخ فاضل اللنکراني قدس سره من بعده حکماً يقضي بلزوم قتله وإهدار دمه أیضاً، لصدق عنوان الارتداد وسب النبي صلی الله علیه وآله.

وقد وصلتني أخیراً مجموعة من الرسائل ، جاء أحدها من أحد الشخصيات ممن له تاریخ طویل وباع في الحوزة العلمیة ، وله مؤلفات عدیدة أیضاً، ورد فيها بعض النقاط العلمیة والإشکالات الفقهیة حول حکم قتل المرتد. ولم تکن هذه أموراً جدیدة،بل هي إشکالات قدیمة وموروثة. لقد کنت أتوقع من هذا الأستاذ أن یطرح نقاطاً جدیدة وأموراً مستحدثة في میدان البحث والنقاش ، لتکون أبحاثا جادة، مع الاعتذار عن عدم الإجابة علی أيّ من الرسائل الواردة الأخری بنحو مستقل.

فارتأیت أن أجیب بجواب عام  وشامل، آملاً أن يكون لكل من له قلب أو سمع رهن الدین والمنطق والاستدلال، لیعثروا علی الحقیقة، ویذعنوا لها، فیسلموا تسلیماً. وأری من اللازم هنا أن أشير إلی هذه النقطة وهي:

أن كل إنسان مؤمن أو مسلم لا يسرّ لانحراف إنسان آخر أو لسوء عاقبته، ولا يسرّ لقتل إنسان أبداً، بل أن ما يوجب السرور والفرح هو تطبيق أحكام الله ، والطاعة لأوامره. والنقطة الهامة التي وردت في عبارات الأئمة المعصومين عليهم السلام، وخاصة ما ورد عن الإمام الحسين عليه السلام باعتبارها أحد أهم أهداف الدين وغاياته هي:

أن إقامة الحدود الالهية وتنفيذها هو أحد الأمور التي تم التأكيد عليها، يستتبعها بركات مادية ومعنوية عديدة. روی القطب الراوندي في لب اللباب عن النبي الاكرم صلی الله عليه وآله أنه قال:«حد يقام في الأرض أزكی من عبادة ستين عاماً».

وأقول بكل صراحة لكل المسلمين والبشرية جمعاء قبل بيان الجواب تفصيلاً :

بأن وجوب قتل المرتد هو من جملة الأحكام التي لم يتردد فيها أحد من الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين، وهي محل وفاق الشيعة والسنة أيضاً. وقد تردد عدد قليل جداً من العلماء في الأعوام الأخيرة، لا يتجاوز عددهم الأصابع في اليد الواحدة، ولا يمكن مقارنتهم بمئات الفقهاء المشهورين من القدماء والمتأخرين. إن هذا الحكم الذي سنفصح عنه بالتوضيح، هو حكم ضروري الدين، وأهل الاجتهاد يعلمون لا سبيل للاجتهاد في الضروريات.

إننا نعلن للجميع وبصوت عال من هذا المنبر وبکل اعتزاز وفخر أن كل ما له قيمة وحقيقة فهو قانون الله، ولا قيمة لأي قانون وشعار أمامه، ولا يمتلک أي أحد أو جماعة صلاحية أن يشرعوا قانوناً، بل الله وحده فقط هو القادر علی سن القوانين وتشريعها. وعلی المسلمين في العالم أن يعلموا أن وجوب قتل  المرتد قانون إلهي مسلّم به، تم تنفيذه في عصر الرسول صلی الله عليه وآله، وأمير المؤمنين عليه السلام أيضاً،والعصور التي تلتهما كذلك.

وسنبين بشكل موجز هنا بعض المحاور العلمية المختلفة في هذا البحث،يمكن تصنيفها إلی ستة محاور، بشكل مضغوط وموجز، وهي كما يلي:

المحور الأول:قتل المرتد المستفاد من القرآن.

المحور الثاني:قتل المرتد المستفاد من الروايات .

المحور الثالث:قتل المرتد ومسألة انتشار عدم الرضوخ الی القانون.

المحور الرابع:هل أن قتل المرتد وهن للدين ؟

المحور الخامس:هل يشترط حضور المعصوم عليه السلام في تنفيذ وإقامة الحدود ؟

المحور السادس:هل يتنافی وجوب قتل المرتد مع رحمة النبي صلی الله عليه وآله ورأفته؟


أما المحور الأول: قتل المرتد المستفاد من القرآن


1-ظن البعض أن حكم قتل المرتد لايستند إلی أي ثوابت ونصوص قرآنية. بل صرحوا أكثر من ذلك: أن هذا الحكم يتعارض مع روح القرآن!! ويبدو من هذا، أن هذا التصور کان قد نشأ في أوساط بعض أهل السنة. وأبين هنا كمقدمة :

صحيح أنه لا يوجد آية في القرآن الكريم تصرح بوجوب قتل المرتد. وإن أردنا الاستدلال بكتاب الله وحده علی وجوب قتل المرتد، وترك الروايات والإجماع، بل الضرورة أيضاً جانباً، فسيكون الاستدلال صعباً ومشكلاً للغاية. وينبغي الاشارة هنا إلی عدة مطالب:

المطلب الأول:

ألم يستدل فقيه أو مفسر للقرآن الكريم في كافة فترات التاريخ لهذا الحكم؟ وتشير عبارات المنكرين لحكم الارتداد لهذا المطلب، وهو: أنه لم يستدل أحد من أصحاب الرأي والنظر في كافة فترات التاريخ أبداً بالقرآن الكريم علی وجوب قتل المرتد. وتنشأ هذه الذهنية من عدم الدقة الكاملة في الآيات القرآنية من قبل بعض المخالفين ، أو عدم اطلاع ومعرفة البعض علی ذلک ، أو الضعف العلمي لجماعة آخرين منهم. ولإيضاح هذا المطلب، ينبغي القول هنا بما  يلي:

الف:
يستفاد من الآية الشريفة 54 في سورة البقرة استحقاق المرتد للقتل. قال تعالی: «وإذ قال موسی لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلی بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم».

اتجه كثير من بني إسرائيل بعد النجاة والخلاص من جيش فرعون، والغلبة عليهم، وذهاب موسی إلی طور سيناء لأخذ الألواح إلی عبادة عجل السامريّ ، فخرجوا عن أصل التوحيد. فقال لهم موسی عليه السلام: يا قوم، إنكم ظلمتم أنفسكم بسبب هذا الانحراف، فتوبوا إلی بارئكم،فاقتلوا أنفسكم.

والمراد من القتل في قوله تعالی«فاقتلوا أنفسكم»: ليس محاربة النفس والأهواء الشهوانية!،بل القتل الحقيقي الذي يعني به ازهاق الروح. ومن الواضح هنا: أن مسألة القتل تم عرضها من قبل الله تبارك وتعالی، وسبب ذلك: هو ارتداد بني إسرائيل بعد مشاهدتهم كل تلك المعاجز والآيات الالهية من موسی علیه السلام!. ويستفاد من الآية الشريفة ما  يلي :

أولاً : حصول الارتداد بين اليهود ، وهو موضوع للقتل ، وعقوبة هذا الفعل هو القتل .

ثانياً: يظهر من إجراء استصحاب أحكام الشرائع السابقة، إثبات هذا الحكم في الشريعة الاسلامية أيضاً، وترك مسألة النسخ جانباً. نعم، إن لم يرتض أحد هذا الاستصحاب ذلک، فعليه الاكتفاء بالمطلب الأول المتقدم تحديداً، وهذا المقدار كاف لتقريب المدعی.

ذكر الالوسي في تفسير روح المعاني 1/260: أن توبتهم هو القتل، إما في حقهم خاصة ، أو توبة المرتد مطلقاً  في شريعة موسی عليه السلام . وروي في ذيل الآية عن علي عليه السلام: أن بني إسرائيل سألوا موسی علی نبينا وآله وعليه السلام: یا موسی !ماتوبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضاً ، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه، فأوحی الله إلی موسی، مرهم فليرفعوا أيديهم ، وقد غفر لمن قتل، و تيب علی من بقي(انظر تفسير الدر المنثور).

أما النقطة المتبقية في هذا البحث فهي أن نقول: إن هذه الآية الشريفة في مورد عبادة العجل، وفي مورد الارتداد الجماعي والفئوي. وعلی هذا ، لا يمكن استفادة حكم الارتداد الشخصي منه. نعم،يمكن بقرينة «فتوبوا»استفادة أن تكون التوبة أمراً مستقلاً واجباً لكل أحد منهم ، وأن حكم وجوب القتل لارتداد كل منهم مستقلاً.

فيکون في النتيجة: أن ارتداد كل شخص هو موضع لاستحقاق القتل.

ب:
قال الفخر الرازي في التفسير الكبير(6/40الطبعة الأولی مصر)في ذيل الآية 217من سورة البقرة:
«ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم أصحاب النار هم فيها خالدون». «أما حبوط الأعمال في الدنيا فهو أنه يقتل عند الظفر به، ويقاتل إلی أن يظفر به، ولا تستحق من المؤمنين موالدة ، ولا نصراً ولا ثناء حسناً، وتبين زوجته منه، ولا يستحق الميراث من المسلمين».

من الواضح هنا: استفادة الفخر الرازي هذه الأحكام من إطلاق حبط الأعمال في الدنيا. ويشمل إطلاقه أيضاً الشهادتين والاسلام الذي كان سابقاً في دائرة الطهارة والاحترام، واحترام دمه. فبحبط الأعمال، يسقط كل ما قام به لفظاً وعملاً عن الاعتبار.  

روي في بعض الروايات عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:«شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله صلی الله عليه وآله، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث»

وقال المرحوم المحقق الخوئي في التنقيح (3/84): «لدينا روايات عديدة أن المناط في الاسلام وحقن الدماء والتوارث وجواز النكاح هو: الشهادة بالتوحيد ونبوة النبي الأكرم. ولعل الشيخ الطوسي من هذه الجهة أفتی : بأن المسلم لو حج ، ثم ارتد ، فالحج باطل أيضاً. ولو كنا نحن وإطلاق هذه الآية الشريفة، فالحق مع الشيخ الطوسي» وينبغي أن نجيب في هذا الاستدلال علی سؤالين:

السؤال الأول:

لو قال أحد: إن معنی حبط الأعمال فقط هو بطلان الأعمال من حيث الأجر والثواب الأخروي، ولا ملازمة له مع العقوبة والجزاء الدنيوي. فنقول في الجواب:

إن هذا بعيد عن الإنصاف،لأن الله سبحانه وتعالی صبغ أعماله كلها ، كالصلاة والصوم والعبادات والنكاح أيضاً وسائر الأمور الدنيوية بصبغة دينية، وكذلك الشهادة علی الاسلام والتوحيد والنبوة ، بسبب الارتداد الباطل، واعتقاده انتفائه، وبطلانه في الدنيا والآخرة أيضاً. ولازم هذا المطلب أن نقول: إن حبط الأعمال في الدنيا بمعنی العقوبة والجزاء الدنيوي.
 
وبعبارة أخری: المقصود من حبط الأعمال فقط إسقاط لأعمال البر التي ليس لها أجر أخروي. ولنقول إن الحبط يعني عدم ترتب الأجر الأخروي علی الأعمال، بل الحبط  بمعنی أنه لم يقم بأي عمل، وليس له أي شهادة. وأن ما كان سبباً لاحترامه لحد الآن، يمكن اعتباره كالعدم أيضاً،فلا احترام له بعد ذلك بانتفائه، وعدم الاحترام هذا، موضوع لاستحقاق العقوبة والجزاء في هذه الدنيا.

وبعبارةأخری: لو سلمنا أن الآية الشريفة وإطلاق حبط الأعمال في الدنيا لا ظهور لهما  في خصوص القتل،واعتقدنا أن أصل العقوبة والجزاء الدنيوي، هو معنی مطابقي أو لازم عادي له، ثم ادعی المخالفون وجوب قتل المرتد، وأن القرآن الكريم لم يحدد أو يطرح أي عقوبة وجزاء دنيوي للمرتد، فلا آية تدل بصراحة علی هذا الأمر، ولا ظهور دلالة. فهذا الاستدلال يخدش في الإدعاء تماماً.

ورد في تفسير كنز الدقائق(1/516 مطبعة نشر جامعة المدرسين):«لبطلان ما تخيلوه وفوات ما  للاسلام من الفوائد الدنيوية». فهو أيضاً فهم فوات الفوائد الدنيوية من الآية، ولهذه ملازمة عادية بالعقوبة والجزاء الدنيوي، يعني حبط العمل في الدنيا والآخرة، ولكل منهما معنی دقیق وواسع،كشرب الخمر والزنا،أو بعض المحرمات الأخری في الروايات التي عبّر فيها بحبط العمل.أما حبط العمل في الدنيا والآخرة: فهو ظاهر في الارتداد فقط ، ويشمل إطلاق مثل هذه الآثار لها أيضاً.

السؤال الثاني:
قيدت هذه الآية المباركة بلفظ «الموت» فقال جل وعلا: «فيمت وهو كافر». ولهذا القيد ظهور في أن حصول حبط الأعمال في الدنيا والآخرة عند ارتداد الشخص، وبقاء هذا الارتداد حتی وفاته، ومغادرة الدنيا وهو علی حالة الكفر. فعلی هذا، لا يمكننا أن نستفيد من الآية الشريفة: أن مجرد الارتداد سبب لحبط الاعمال، وترتب الآثار الدنيوية والأخروية.

الجواب: أولاً: ذكر في بعض آيات القرآن الكريم: مجرد الشرك والارتداد ، بلا قيد أن الموت سبب لحبط الأعمال،كقوله تعالی في هذه الآية الشريفة:«ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون». والآية الأخری أيضاً:«ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله».وقد ثبت في موضعه من مباحث الأصول أيضاً: عدم سريان قاعدة حمل المطلق علی المقيد في الموارد التي يكون كلا عنوانيهما إيجاباً ، ولیس بينهما تنافياً. فالنتيجة هي: أن آية محل البحث تبين مصداقاً من مصاديق المرتد.وأما عنوان الموت في حال الكفر، فلا خصوصية لها في المطلوب ، ومقصود الله المتعال.

ثانياً:
لوفرض تسلیمنا في هذا المورد بقاعدة المطلق والمقيد ، وإمكان سريانها هنا. فيكون هذا في حال ما  لو كان لها  قيد عنوان احترازيّ. في حال أنه يمكن القول: إن هذا القيد كناية عن عدم التوبة. يعني : شمول هذه الأحكام لمن ارتد ، ولم يتب بعد ذلك .

ثالثاً:
إذا أردنا وضع هذه الكلمات بعنوان قيد، فلا يكون بعدئذ عنواناً للحبط في الدنيا. مع أن للآية الشريفة ظهور في ذلك، وهو أن المرتد في هذه الدنيا مشمول لحبط الأعمال. وعلی هذا، لكي يكون فعلية لعنوان الحبط، علينا أن نقول: إن تمام الملاك هو الارتداد وعدم التوبة. وإن قلنا: إنه لا يمكن الحكم عليه الى حين الموت و وصول الأجل، فلا معنی حينئذ لحبط الأعمال في الدنيا.

ج:
قال شمس الدين السرخسي في كتابه المبسوط (الجزء العاشر طبعة دار المعرفة بيروت ص 98)في باب المرتدين: «والأصل في وجوب قتل المرتدين ، قوله تعالی:«أو يسلمون». قيل:الآية في المرتدين. واستدل بالآية 16 من سورة الفتح لوجوب قتل المرتدين أیضاً.

د:
ذكر الشهيد الثاني في مسالك الأفهام (15/22)بعد عدّه الارتداد من أفحش أقسام الكفر، وأسوأ أنواع الكفر وأقبحه، وأشد أقسام الكفر من حيث العقوبة والأحكام، فأشار إلی آيتين، يظهر منها الاستدلال بذلك ،هما:قوله تعالی: «ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهمم في الدنيا والآخرة».

وقوله تعالی : «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين». ثم روی النبوي الشريف: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدی ثلاث: كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد إحصان،أو قتل نفس بغير نفس». متمسكاً بهذه الأدلة. وظاهرها أنه استفاد من كلا الآيتين لزوم القتل،وإن لم يصرح بذلك .

ه:
مضافاً إلی إطلاق حبط الأعمال، يمكن التعبير أيضاً بقوله: «الفتنة أكبر من القتل» التي وردت في الآية 17 من سورة البقرة، واستفادة هذا المدعی منها أيضاً. في تفسير لفظ «الفتنة» الواردة في الآية قولان: ففسرها البعض بالكفر، والبعض الآخر بالارتداد. يعني: الفتنة هي ارتداد يتبعه الكفار، يريدون به إرجاع المسلمين عن دينهم، وهي أشد بكثير من قتل ذلك الشخص، وقد أشارت له رواية «الحضرمي».

وعلی هذا، الفتنة اسم مصدر لا مصدر، فيكون الارتداد أسوأ وأكبر وأقبح بكثير من القتل الاعتيادي. ألا يمكن استفادة جواز قتل المرتد من هذه العبارة؟ فإذا استتبع القتل الاعتيادي جواز قتل القاتل شرعاً وعقلاً وعقلائياً بعنوان القصاص،فكيف أن الارتداد الذي هو أكبر بكثير منه ، لا يمكن أن يمتلك قابلية استتباعه هذا الجواز أيضاًً؟!

التفتوا إلی أننا لا نريد استفادة فعلية وجوب القتل من الآية الشريفة ، بل إن هذا المقدار وهو أن يكون الارتداد بإمكانه وقابليته قادراً علی تحويل الموضوع إلی استحقاق القتل، فأي استبعاد في جواز قتل المرتد المستفاد من كلام النبي صلی الله عليه وآله أو الأئمة المعصومين عليهم السلام ، كما سنشير إليه لاحقاً في هذه الآية الكريمة؟!

وينبغي الالتفات هنا: إلی أن كل ارتداد هو فتنة حسب هذه الآية. فلا ينبغي تصور بعض أنواع الارتداد فتنة، وبعضه ليس فتنة، وأن ما عبرت به الآية الشريفة عن الارتداد بلفظ«الفتنة»، إنما هو حكاية عن عمق القبح وسوء الفعل في هذا الأمر .

و:
مضافاً إلی ما تقدم يمكن الاستدلال بآية أخری من القرآن أيضاً. وهو قوله تعالی في الآية الشريفة:
«إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا».
قال الشيخ الطوسي في المبسوط (كتاب قطاع الطريق ص21 من الحدود عن سلسلة الينابيع الفقهية):
«وقال قوم: المراد به المرتدون عن الاسلام، إذا ظفر بهم الإمام عاقبهم بهذه العقوبة، لأن الآية نزلت في العرينين، لأنهم دخلوا المدينة فاستوخموها، فانتفخت أجوافهم». وهم قوم مسلمون،مرضوا ، ولم يقدروا علی البقاء في المدينة، فأمرهم النبي صلی الله عليه وآله أن يخرجوا إلی لقاح إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا ذلك، فصحوا، فقتلوا الراعي، وارتدوا، واستاقوا الإبل، فبعث النبي عشرين رجلاً في طلبهم، فأخذهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وطرحهم في الحرة، حتی ماتوا». فالآية نزلت فيهم .

قال صاحب  حاشية كتاب التاج الجامع للأصول (3/19)في مورد أحاديث النبي صلی الله عليه وآله بعد ذكره هذه القضية: إن شأن نزول هذه الآية هم المرتدون،وهو نظر جمهور العلماء سلفاً وخلفاً .

ز:
الدليل الآخر حسب بعض الروايات الواردة عن أمير المؤمنين عليه السلام في استشهاده بالآية 137من سورة النساء،لبيان حكم قتل المرتد: ما روي في كتاب دعائم الاسلام عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه الكرام عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «كان لا يزيد المرتد علی تركه ثلاثاً ليستتيبه،فإذا كان اليوم الرابع،قتله،من غير أن يستتاب،ثم يقرأ: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً».

الاستشهاد بهذه الآية دليل واضح علی استفادة الإمام عليه السلام وجوب قتل المرتد بنحو ما من الآية الشريفة. ويمكن أن لا يتضح لنا كيفية الاستدلال،لكن المعلوم هو فهم أصل وجوب القتل من الآية الشريفة . نعم، يحتمل استفادة الإطلاق من كلا عنواني عدم المغفرة الالهية، يعني لا في الدنيا ولا في الآخرة،وكذلك عدم الهداية الالهية،والاطلاق فيها أيضاً.

وإذا قيل: إن الآية الشريفة تدل علی عدم قبول توبة مثل هؤلاء الأشخاص فقط. فنقول في الجواب: إن هناك ملازمة بين هذا العنوان، يعني عدم قبول التوبة، ومسألة القتل. فليس عندنا في الفقه مورداً واحداً في عدم قبول توبة المجرم، وترك ذلك الشخص في نفس الوقت لحاله.

ويستنتج من النقاط المذكورة:ادعاء البعض ظهور الآيات من القرآن الكريم في لزوم معاقبة المرتد و قتله. وقول المنتقدين لهذا الحكم: إما أن نص الآية علی ذلك،أو نص الخبر القطعي المتيقن،بعيداً عن الفقاهة والاجتهاد.

ويتضح لكافة أهل النظر: أن أسس مباحث علم الأصول هي إثبات حجية الظواهر من ظاهر القرآن الكريم والروايات. وثبت أيضاً لدی الأصوليين: أن إطلاق الألفاظ هو أحد مصاديق الظواهر. إذ لم يعتقد عالم في استنباط الأحكام لحد الآن لزوم النص وتصريح الكلام في الحكم. وعلی كل حال، لا يمكن القطع بنفي الاستدلال بالقرآن الكريم علی قتل المرتد، وإن كان الاستدلال بذلك وحده مشكلاً وصعباً. وبعبارة أخری: إن دلت الروايات بوضوح علی الحكم ،فبإمكاننا استفادة عنوان التأييد من هذه الآيات علی الأقل.

المطلب الثاني:

من أدعی ملائمة مثل هذا الحكم مع روح القرآن. فينبغي الجواب عنه:

أولاً:كيف يكون لهم مثل هذه الدعوی الكبری! فادعاء معرفة روح القرآن أمر ثقيل وعسير جداً، ومثل هذا المطلب خارج عن أسلوب الاستدلال أصلاً. وبعبارة أخری: أنكم تمسكتم بشيء لا يمكن الأخذ به. وفي المقابل،يمكننا ادعاء ملائمة هذا الحكم مع روح القرآن، وكون التمسك بروح الدليل بلا روح أخيراً،فلا ينفع ذلك أي طرف من الأطراف .

ثانياً:لو دققنا في الآثار المترتبة علی المرتد في القرآن الكريم، فسنفهم جيداً استحقاق المرتد للعقوبة الدنيوية الشديدة. ذكر في القرآن الكريم ثمانية آثار للمرتد:

الأثر الأول: حبط الأعمال في الدنيا والآخرة.
الأثر الثاني: أنه في الآخرة من الخاسرين ، وليس أمامه طريق للخلاص .
الأثر الثالث: لن يغفر الله له أبداً.
الأثر الرابع: سلب التوفيق الإلهي منه.قال تعالی:«كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم»
الأثر الخامس: دخوله في جهنم.
الأثر السادس: خلوده في نار جهنم.
الأثر السابع: تزيين الشيطان لهم أفعالهم القبيحة والسيئة ، فيبتلهيم بالآمال الطوال.
الأثر الثامن: علی المرتد لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلی يوم القيامة . قال تعالی:«أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» هذه هي آثار الدلالة علی كون الارتداد ذنب في نظر القرآن الكريم ، بل ذنب ومعصية كبيرة ، وأنه من أشد الكبائر أيضاً. هل يمكن قبول عدم الملائمة لروح القرآن واستحقاق أشد العقوبة والجزاء الدنيوي، مع وجود هذه الآثار الأخروية الشديدة وبعض الدنيوية ؟! إن من يتحدث عن الحرية واحترام أي نوع من الأفكار وعقائد الآخرين، كيف يوجّه هذه الآثار الأخروية الشديدة  للارتداد؟!.

وبعبارة أخری: بناء علی هذه الرؤية، ليس للارتداد قابلية كون الموضوع للعقوبة والجزاء الدنيوي، ولا صلاحية موضوع الوقوع للعقوبة والجزاء الأخروي. عرض هؤلاء الأفراد الارتداد تحت عنوان حرية الفكر!وأنه حق إنساني وبشري. فلا يمكن تصور أي قبح فيه أخيراً . ولا يكون فيه قابلية العقوبة والجزاء الدنيوي ولا الأخروي بانتفاء القبح.

وفي النتيجة: ينبغي أن ينكروا العقوبات الأخروية للارتداد أيضاً.

فإن قلتم:إننا نقبل القبح في نفسه، فلا يستوحش بعدئذ من العقوبة والجزاء الدنيوي .

أمكن القول بناء علی هذا: بوجود ملازمة قهرية وعادية بين الآثار الشديدة المذكورة للمرتد في القرآن الكريم، مع عقوبته ومجازاته الدنيوية. و يمكن استفادة هذه الملازمة في قتل المرتد بما ورد عن النبي الأكرم صلی الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام. أي بمعنی استفادة هؤلاء لمثل هذه الملازمة من آيات الارتداد.

المطلب الثالث:
 
ينبغي السؤال ممن يرفع صوته عالياً عدم ورود مسألة العقوبة والجزاء الدنيوي بالنسبة للمرتد في القرآن الكريم هل تقبلون الحدود الأخری التي صرّح بها القرآن الكريم؟ فهل تقبلون حد الزنا والسرقة والمحارب والمفسد في الأرض المصرّح به في القرآن الكريم؟ إن هناك من يرفع شعار الحرية ويتخذه معلماً له، وينادي بحقوق الإنسان،ويبدي رأيه في ذلك!. فهؤلاء ينكرون مثل هذه الحدود أيضاً. وإن لم ينكروا ذلك،عليهم أن يوضحوا: كيف يقبلوا ذلك؟وينكرونها في المرتد؟! مع أن الارتداد أقبح وأشنع بكثير من الزنا وأسوأ بكثير من السرقة؟!
 

المطلب الرابع:

أولاً:إن قبلنا عدم إشارة القرآن الكريم أبداً لاستحقاق المرتد للعقوبة والجزاء الدنيوي.إلا أن هذا المعنی لا يوجّه أي ضربة لهذا الحكم،لأن كثيراً من الأحكام الفقهية لم ترد في القرآن الكريم، فهناك آلاف الأحكام لم ترد في مسألة الحج والزكاة والصلاة و...في القرآن الكريم.

ثانياً: لا يمكن تصور حقيقة للقرآن الكريم منفصلة عن كلام النبي صلی الله عليه وآله والأئمة المعصومين. فلا يمكن الوصول الی حقيقة القرآن الكريم دون مراجعة سنّة النبي الأكرم صلی الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام .قال الله تعالی في القرآن الكريم: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم». وينبغي أن يكون بيان القرآن وتفسيره من قبل النبي صلی الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام .قال الله تعالی في القرآن الكريم أيضاً: «وما آتاكم الرسول فخذوه».

يعني: أن علی المسلمين متابعة ما بيّنه النبي صلی الله عليه وآله علی أنه تفسير إلهي أو عنوان آخر. وبناء علی هذا: لو كان علی حسب الحديث أو أحاديث النبي صلی الله عليه وآله التي قال فيها:
بوجوب قتل المرتد فإن العمل به في الحقيقة عمل بالقرآن. فيصدق هذا الأمر بالنسبة للأئمة المعصومين عليهم السلام، وهم القرآن الناطق، والمفسر الحقيقي للقرآن.

والالتفات إلی حديث الثقلين، والتعبير بقوله: «لن يفترقا» يشير بوضوح لأهل الفهم والنظر إلی هذا المطلب تماماً، فلا يفصل القرآن الحقيقي عن العترة حسب هذا التعبير، وليس له قابلية الانفصال والانفكاك. فكما أن العترة الحقيقية لا تنفصل عن القرآن أيضاً ، وليس لها قابلية الانفصال عنه أبداً ،علی ضوء حديث الثقلين، فالاستدلال بالقرآن دون التوجه والالتفات إلی الروايات والأخبار وبالعكس ، باطل ومردود.
   
المحور الثاني :قتل المرتد المستفاد من الروايات

يلزم تحليل ودراسة هذا المطلب بشكل موجز وبإجمال من منظار روائي بعد تحليل أدلة لزوم قتل المرتد من منظار القرآن الكريم. استدل المخالفون لقتل المرتد بالنسبة للروايات والنصوص بعدة شبهات،أو توهموا ذلك .

الشبهة الأولی: توهم هؤلاء ندرة الروايات والنصوص الدالة علی وجوب قتل المرتد.

الشبهة الثانية: توهم هؤلاء أيضاً أن لهذه الروايات والنصوص عنوان الخبر الواحد .
وأن الدليل المهم لحجية خبر الواحد هو بناء العقلاء. فلو راجعنا بناءهم ، فلا نراهم يعملون بالأمور المهمة في الخبر الواحد كالقتل مثلاً.

أما الجواب علی التوهم الأول:

ألف:
ذكر بحث المرتد في الفقه والروايات في خمسة موارد:

كتاب الطهارة، كتاب النكاح، كتاب الصيد والذباحة، كتاب الإرث، وكتاب الحدود في حد المرتد.

فلو راجع الانسان بنحو الإجمال ما ورد من روايات في هذه الكتب المذكورة في مورد المرتد،لفهم بوضوح عدد الروايات والنصوص الواردة في المرتد ، وقد تجاوز أكثر من عشرين رواية .

فقد روی المرحوم ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي(8/256)باب حد المرتد،ثلاثاً وعشرين رواية،أكثر هذه الروايات صحيحة،استدل بها الفقهاء في الأبواب الخمسة المذكورة . فالوثوق الصدوري مبنی المحققين في حجية الخبر الواحد مضافاً إلی صحة سندها عندهم .

ومما لا شك فيه بلوغ هذه الروايات حد التواتر المعنوي والإجمالي . وقد قبل الفقهاء العظام في موارد أخری في الفقه مع وجود الحد الأدنی عشر روايات موضوع عنوان التواتر، فكيف الأمر فيما إذا بلغت الروايات ثلاثاً وعشرين رواية . فإذا وصلت الرواية حد التواتر، فلا حاجة بعد ذلك إلی تحليل ودراسة السند،وهذا أمر واضح،مسلّم به عند الفقهاء.

ب: لايمكن أن يلتفت الفقيه في عملية الاستنباط والاستدلال بالروايات إلی بعض الروايات والنصوص. بل عليه تحليل ودراسة كافة الطوائف المتعلقة بالموضوع. فإذا كان الموضوع: تحليل المرتد في الروايات والنصوص،فسنواجه عدة طوائف من هذه الروايات والنصوص:

الطائفة الأولی: الروايات المصرحة بدلالتها علی وجوب قتل المرتد:

ألف: صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقرعليه السلام: «قال:سألت أبا جعفر عليه السلام عن المرتد؟ فقال:من رغب عن الإسلام، و كفر بما أنزل الله علی محمد صلی الله عليه وآله بعد إسلامه،فلا توبة له،وقد وجب قتله، وبانت منه امرأته، ويقسم ما تركه علی ولده»(الكافي 7/256/ح1).

ب:
الحديث الخامس من هذا الباب،وهي صحيحة جميل بن دراج .«في رجل رجع عن الاسلام؟ قال عليه السلام:يستتاب،فإن تاب،وإلا قتل». صرّح في هذا الحديث بأصل استحقاق قتل المرتد.

 ج: الحديث العاشر من هذا الباب،عن الإمام الكاظم عليه السلام قال:«سألته عن مسلم تنصّر؟ قال عليه السلام:يقتل».

د:الحديث الحادي عشر من هذا الباب. قال عمار الساباطي:سمعت الإمام الصادق عليه السلام يقول:
«كل مسلم بين المسلمين ارتد عن الاسلام،وجحد محمداً نبوته،وكذّبه،فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه» .

ه:روي عن عبد الله بن أبي يعفورعن بزيع أنه قال للإمام الصادق عليه السلام: يظن شخص أنه نبي، ويدعي النبوة؟! فقال عليه السلام: «إن سمعته يقول ذلك،فاقتله».

و: ما روي في كتب أهل السنة عن النبي الأكرم صلی الله عليه وآله حكم وجوب قتل المرتد أيضاً.روي في كتاب جامع التالج الجامع للأصول في أحاديث الرسول(ج3ص17و18)عن النبي الأكرم صلی الله عليه وآله أنه قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله،وأنّي رسول الله، إلا بإحدی ثلاث: النفس بالنفس،والثيّب الزاني،والمفارق لدينه،التارك للجماعة». ثم قال:روی البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي هذه الرواية.

وقد صرحت هذه الرواية عن النبي صلی الله عليه وآله: بجواز قتل الإنسان في ثلاثة موارد: منها: من فرّق دينه، وارتد. وروی عن عكرمة: أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام قتل جماعة رجعوا عن الاسلام. وروي في كافة كتب حديث أهل السنة عدا صحيح مسلم عن ابن عباس: عن النبي صلی الله عليه وآله أنه قال: «من بدّل دينه فاقتلوه»(مجمع الزوائد للهيثمي 6/261)  

الطائفة الثانية:الروايات الواردة في خصوص المرأة المرتدة. وهي تدل علی عدم جواز قتلها. فلا ينبغي قتل المرأة إذا ارتدت. وتدل هذه الروايات جيداً علی أن هذا هو استثناء عن حكم المرتد،وأن أصل وجوب قتل المرتد أمر مسلم به.

الطائفة الثالثة:الروايات الدالة علی: الحكم بالقتل علی جملة من أصحاب الكبائر، إن تكرر منهم صدور الذنوب والمعاصي الكبيرة. ولاشك في أن الارتداد من الذنوب والمعاصي الكبيرة، بل هو من أشدّ الكبائر. واتفق الفقهاء علی أن المرتد إن لم يقتل في المرة الأولی، فيجب قتله في المرة الثالثة أو الرابعة .

واستدلوا في هذا المورد: برواية عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه قال: «أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة». نعم، ما ورد عن الزاني، إن أقيم عليه الحدّ مرتان، فارتكب ذلك الفعل مرة ثالثة، فينبغي قتله. وكذلك المسألة في مورد الارتداد أيضاً. كما صرح جميل بن دراج بذلك أيضاً في الحديث الخامس من هذا الباب.

والمقصود هو:  أن علی الفقيه أن يلتفت إلی هذه الجهة أيضاً. فإذا لم يكن لدينا رواية تدل بصراحة علی لزوم قتل المرتد علی وجه الفرض،أمكننا التمسك بهذا النوع من الروايات الدالة علی قتل المرتد ولو في حال التكرار أيضاً.

الطائفة الرابعة: الروايات الدالة علی أن الشهادة علی التوحيد ونبوة النبي الأكرم صلی الله عليه وآله توجب حقن الدماء وحفظها،وصحة النكاح والمواريث. المفهوم هذه الروايات هو عدم كون الشهادة مساوقة لانتفاء حقن الدماء. قال المرحوم المحقق الخوئي في التنقيح(3/84):«عندنا روايات عديدة ، المناط في حقن الدماء والتوارث وصحة النكاح هو الشهادة بالتوحيد ، ونبوة النبي الأكرم صلی الله عليه وآله».

ونتيجة هذه الطائفة هو: انتفاء  سبب حقن الدماء عمن ارتد.

الطائفة الخامسة: الروايات الدالة علی موارد أخری:حكم  فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بحكم المرتد علی بعض الأشخاص.

الرواية الأولی: عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:« أتي برجل قيل إنه تنصر،وعلق صليباً في عنقه،جيء به إلی علي بن أبي طالب عليه السلام. فقال له: إنه قد رفع إلي أنك تنصرت،ولعلك أردت أن تتزوج نصرانية،فنحن نزوجك إياهما،ولعلك ورثت من نصراني، فظننت أنا لا نورثك، فنحن نورثك. فرفض فقال له عليه السلام: فهل تنصرت كما قيل؟ فقال: نعم. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله أكبر. فقال الرجل: المسيح أكبر!. فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام بمجامع ثيابه، فأكبه لوجهه. فقال: طؤوه عباد الله. فوطؤوه بأقدامهم حتی مات»(مستدرك الوسائل 18/163) .

الرواية الثانية: عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:«أتي قوم أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا: السلام عليك ياربنا! فاستتابهم فلم يتوبوا. فحفر لهم حفيرة. وأوقد فيها ناراً. وحفر حفيرة أخری إلی جانبها. وأفضی بينهما. فلما لم يتوبوا. ألقاهم في الحفيرة وأوقد في الحفيرة الأخری حتی ماتوا»(الكافي 7/256،ح8) .

فلينتبه إلی أن مثل هذا المورد من الغلو هو من مصاديق الارتداد.

الرواية الثالثة: روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: « اتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل من بني ثعلبة قد تنصر بعد إسلامه فشهدوا عليه فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما تقول هؤلاء الشهود ؟ قال :صدقوا ، وأنا أرجع إلى الاسلام . فقال:أما لو أنك كذبت الشهود لضربت عنقك  وقد قبلت منك فلا تعد. فإنك إن رجعت لم أقبل منك رجوعا بعده». الظاهر من هذه الروایات وقوع مثل هذه الموارد في زمن حکومة أمیر المؤمنین علیه السلام. وقد أجری الإمام علیه السلام الحد في موارد عدیدة. ولا قرینة عندنا أبداً تدل علی أن صدور الأحکام فی مثل هذه القضایا: هي قضایا خاصة وخارجیة، أو ما اصطلح علیه أنها قضیة في واقعة. بل أن ظاهر هذه الروایات والأخبار يدل:

علی كون أمیر المؤمنین علیه السلام في مقام تطبیق الحکم الکلي والعام علی المصداق .

روي في کتب أهل السنة: أن النبي صلی الله علیه وآله:أصدر حکماً بقتل جماعة ارتدوا عن الاسلام.وقد أشرنا سابقاً إلی هذا في هذه الرسالة،فراجع التاج الجامع للأصول الصحاح في أحادیث الرسول (ج3ص17و18) .

ألا یمکن الاستناج من مجموع هذه الطوائف إذاً:
إمکان إصدار حکم القتل علی المرتد في الإسلام ؟! ثم، ألا یمکن فهم مسألة وجوب قتل المرتد من الروایات والأخبار جیداً  وبصورة واضحة ، كتقسیم أمواله بین ورثته، واعتداد زوجته عدة الوفاة بمجرد الارتداد؟! الظاهر ممن أنکر قتله، إنکارهم هذه الأحکام أیضاً!!.

یعني:

أولاً:
أنهم لا یعتبرون الاسلام سبباً لحفظ دمائهم وحرمتها.
ثانیاً:إنکارهم بینونة زوجته .
ثالثاً:رفضهم تقسیم أمواله .
رابعاً:اعتقادهم حلیة ذبیحته .

وبلزوم إنکارهم لجمیع الأحکام الثابتة للمرتد في الفقه،لا یجعلهم ينکرون وجوب القتل فقط،ويقبلون الباقي !!. فلا یبقی مجال للشک في أن وجوب قتل المرتد هو من الأحکام المسلم بها والقطعیة في الدین الإسلامي، مع وجود هذه الطوائف المختلفة في نظرنا. وینبغي الالتفات إلی: أن هذه الروایات لم تنقل علی أنها محددة  بأمیر المؤمنین علیه السلام،وبزمن حکومته، أو خصوص زمن حکم النبي صلی الله علیه وآله، لکي یحتمل أن وجوب قتل المرتد هو حکم سیاسي، أو حکم مقید بزمن خاص، بل روي ذلک عن الأئمة المعصومین علیهم السلام کالإمام الباقر والصادق والکاظم والرضا علیهم السلام أيضاً.
ویکشف هذا الأمر: عن أن حکم المرتد عنوان لحکم دائم ومستمر إلی یوم القیامة. وبیّنوا أن هذه الروایات عنوان لقضیة حقیقیة، وقاعدة عامة لحکم المرتد .
 
أما الإجابة عن الوهم الثاني: وهو ما قیل:

إن روایات قتل المرتد خبر واحد،وعدم حجیة الخبر الواحد في الأمور الخطیرة.فنقول:

أولاً:
اتضح من روایات وجوب قتل المرتد التواتر المعنوي أو الإجمالي فيها، وإفادتها القطع .

ثانیاً: علی فرض کونها خبراً واحداً، فنقول في الجواب: لا فرق في حجیة الخبر الواحد بین الأمور الخطیرة وغیر الخطیرة! وهذا هو رأي کثیر من فحول  وأعاظم فقهاء الأصولیین. فقد عمل الفقهاء المتقدمین والمتأخرین من أول الفقه إلی آخره بالخبر الواحد الوارد في الدماء وغیر الدماء،الأموال وغیر الأموال، العبادات وغیرها، السیاسات وغیرها ، وتشهد کتبهم الفقهیة جلیاً بذلک. وقد بحثنا في أبحاث خارج الأصول كبحث حجیة خبر الواحد هذا المورد بالتفصیل البتة ، وهو موجود علی موقعنا الالکتروني (دروس خارج الأصول-العام الدراسي88-87-الدرس 77-مؤرخ16/1/1387).

ثالثاً: صرّح الشیخ الطوسي في بحث وجوب قتل المرتد:إجماع الأمة الإسلامیة علی ذلک. یعني: لیس إجماع الشیعة والسنة وحده ، بل إجماع الأمة کلها علی ذلک. وقد عد التعبیر بمثل هذا الحکم  في حد الحکم الضروري. إذ لیس مستند هذا الحکم بناء علی هذا ، هو الخبر فقط. بل یضم وجود مثل هذا الإجماع  أیضاً إلی ذلک .

رابعاً: ما هو ملاکنا في فصل وتفکیک الأمور الخطیرة عن غیر الخطیرة؟! تعرض مثل هذه الأمور في مباحث الخمس والزکاة المتعلقة بأموال الناس. والأموال الکثیرة في بعض الموارد. واستدل بأخبار الآحاد هذه.

فهل أن تعیین تکلیف هذا الحجم الکبیر من الأموال لا يشمله عنوان الأمور الخطیرة؟!. ففي باب الزکاة الذي هو أمر قرآني مسلم،لم تبیّن الشرائط والخصائص لدفع الزکاة في أي آیة من القرآن، أو  أيّ الموارد یعطی العشر؟ وأیها یعطی الواحد من عشرین؟ فقد ثبت ذلک وحده بالخبر الواحد فقط. فلم یثبت الذبح لملیوني حاجّ في منی إلا بالخبر الواحد «لا ذبح إلا في منی» إذ لم یعمل الفقهاء بعنوانه في خبر الثقة ، بل عمل به لشروط أخری كعمل الفقهاء، وخاصة المتقدمین منهم تحديداً، مع عدم وجود المعارض. وبناء علی هذا أيّ إشکال في العمل بخبر الواحد الثقة في الأمور المهمة مع وجود مثل هذه الشروط إذاً؟! إذ تتواجد مثل هذه الشروط في روایات قتل المرتد في فرض محل البحث.

خامساً:أثبتنا في محله أنکم سمعتم احتياط الفقهاء في مورد الدماء والفروج والأموال في الفقه وأن کثیراً منهم لم یفتوا بوجوب الاحتیاط. بل أفتوا بشدة الرجحان والاستحباب الشدید(راجعوا کتاب التلقیح الصناعي للمؤلف).

سادساً: إذا لم یدل خبر من الأخبار أو طوائف من الروایات والآیات أو الإجماع بصورة مستقلة علی المدعی ، فلا شک في اطمئنان الفقیه بالحکم من مجموعها.

المحور الثالث:

هل قتل المرتد إشاعة للفوضی وتحدّ للقانون؟ استعرضت بعض البحوث والدراسات مسألة إشاعة الفوضی وتحد القانون،أو تشجیع المؤمنین علی نقض القوانین. وذکروا: أن إثبات وتنفیذ کل حکم وخاصة الأحکام التي تتعلق بارواح البشر والنفوس  إنما هو مختص بالمحاکم الشرعیة ذات الصلاحیات القانونیة... وهنا عدة  نقاط تخص هذا الموضوع،وهي:

النقطة الأولی:إذا ثبت أو أحرز ارتداد شخص  باعتقاد هؤلاء الکتّاب في المحاکم ذات الصلاحیات القانونیة والتشريعیة،فهل یجوز القتل في مورده أم لا؟الظاهرهنا:هو إشكال هؤلاء الأشخاص علی أصل الحکم.
فعلی فرض إثبات الموضوع في المحاکم ذات الصلاحیات القانویة والتشریعیة،عدم اعتقادهم بهذه العقوبات الصادرة بحق مرتکبي الجرائم أیضاً.

النقطة الثانیة:لایوجد فقیه أو مرجع تقلید یحتفظ لنفسه حق القول بمثل هذه النظریة قبل إحراز موضوع الارتداد بالنسبة لشخص معین. فإذا أصدر الإمام الخمیني -رضوان الله علیه-مثل هذا الحکم في حق المرتد سلمان رشدي،فقد تحقق ذلک بعد إحراز الموضوع عنده تماماً ، وکذلک فتوی آیة الله العظمی فاضل اللنکراني بالنسبة إلی رافق تقي بعد ذلک.وقد ترجمت مطالب ذلک الشخص کراراً ومراراً،فصدرت هذه الفتوی بعد إحراز الموضوع. فهل أن الفقیه الجامع للشرائط مع الشرائط العدیدة المذکورة في محلها لا یمکنه إحراز الموضوع؟! وهل أن فلسفة تشکیل المحاکم هو عدم إحراز ووضوح للموضوع؟

وهل أن المحکمة تشرع لنفسها حکماً وقانوناً؟أم أنها تنفذ وتطبق القانون؟وهل أن المراحل الثلاثة البدویة وإعادة النظر والدیوان العالي لها خاصیة أخری غیر الإحراز الصحیح للموضوع؟

النقطة الثالثة:السؤال الأصلي هنا هو: أي محکمة من المحاکم تطلقون عليها تسميتها:بالمحکمة ذات الصلاحیات القانونیة والتشریعیة؟ هل لكونها لا تصدر أحکاماً تتطابق مع الشعارات الخداعة لحقوق الانسان،فتکون محاکم غیر صالحة؟! فیخدش في هذه الحالة في أکثر الأحکام الاسلامیة الصادرة عن هذه  المحاکم؟!! أم أن المحاکم ذات الصلاحیات القانونیة والتشریعیة هي محاکم کفوءة ، تعمل علی تطبیق القوانین الشرعیة المعتبرة وتنفیذها علی المصادیق؟!. یعني:المحاکم التي تعمل علی ضوء القرارات والضوابط الشرعیة.

ومن الواضح هنا: تطبيق هذه الأحكام الصادرة والعمل وفقها بصورة أحسن وأدق ، فيما لو صدرت من الفقیه . فالفقیه ینفذ القانون ویطبق حکم الله بالنسبة لمورده ومصداقه بدقة کاملة وبشکل صحیح. وهذا هو أحد شؤون الفقاهة. فالقضاء هو منصب مهم لرسول الله صلی الله علیه وآله ، والأئمة الطاهرین علیهم السلام، والفقهاء جامعي الشرائط،إلی حد یلزم فیه توفر شرط الاجتهاد فيهم .  إذ لا یمکن لغیر المجتهد أن یتصدی منصب القضاء والإفتاء في الاسلام حسب الحکم الأولي.

النقطة الرابعة
: هل أن نفس الحکم إشاعة للفوضی وإهمال للقانون أم تنفیذ له وتطبیقه؟ وبعبارة أخری: هل أنهم یشکلون علی الحکم أم علی کیفیة التنفیذ والتطبیق؟ وهل أن وجوب قتل المرتد لیس قانوناً إلهیاً؟ وهل أن الاعتماد علی وثائق وموازین حقوق الانسان فی الوقت الراهن،لا يعد نقضاً حقیقیاً للقانون فیما لو استلزم نفياً لحکم الله والمنع من تنفیذه؟ وهل نترک أحکام الله جانباً في عصرنا الراهن ؟ فنتوجه صوب الشعارات الظاهریة البرّاقة الخداعة ، وعدّها وسائل لتحصيل حقوق الانسان؟!

ألیس هذا هو أسوأ أسلوب في نقض أهم وأقوی قانون، وأقبح أسلوب لإیجاد الفوضی والهرج والمرج والتشتت؟! وهل إذا شجعنا نحن البشر علی تنفیذ أحکام دین الله وتطبیقه صحیح؟ أم إذا شجعنا علی الإعلانات العالمية الصادرة عن مفوضية حقوق الانسان؟!  وهل أن الإعلانات العالمية الصادرة عن مفوضیة حقوق الانسان التي تقدم هدايا وجوائز للمشعوذین مرتکبي اللواط ممن هم علی شاکلتهم قادر علی ضمان سعادة البشریة؟! إن علی المستشکلین أخیراً :إما قبلوهم الاسلام ؟ أو إعلانات مفوضية حقوق الانسان؟ فالجمع بین هذین الأمرین مستحیل. فإن قالوا: یجب علینا أن نفسر الاسلام في العصر الراهن علی ضوء هذه الاعلانات والوثائق المعلنة!. قلنا: معنی هذا:نفي الاسلام في الحقیقة. والعجب من بعض من یتألم ویقلق لنقض حاجز الاعلان عن وثیقة حقوق الانسان،إلا أن الغیرة الدینیة لاتسمح لهم أن یغضبوا علی من اعترف بنشر الأقاویل والاکاذیب المغرية والخداعة بنفسه !! بل أخذوا یدافعون عنهم بکل ما أوتوا من قوة !!. روي عن علي بن أبي طالب علیه السلام في الخطبة 106من نهج البلاغة أنه قال:
«وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون!وأنتم لنقض ذمم آبائکم تأنفون!وکانت أمور الله علیکم ترد،وعنکم تصدر،وإلیکم ترجع،فمکنتم الظلمة من منزلتکم،وألیتم إلیهم أزمتکم ، وأسلمتم أمور الله في أیدیهم ، یعملون بالشبهات،ویسیرون في الشهوات».

هذا ما قاله أمیر المؤمنین علیه السلام في بیان أسباب سقوط الأمة الاسلامیة وانحطاطها ،وانحراف أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله والعارفین بالدین عن مسیر الحق:«أنکم ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون!.وأنتم لنقض ذمم آبائکم تأنفون!...» وفي هذه الاشارة کفایة لأهله!!.

النقطة الخامسة: هناک ضوابط وشروط واضحة لتنفیذ الحدود وتطبیقها. وقد وضعت شروطاً أیضاً للقائم بها والمنفذ لها أیضاً. ولا یمکن الغفلة عن هذا الأمر وهو: اقتضاء المصلحة أحیاناً أن یکون المنفذ هم عموم الناس . یعني: أن الناس کافة مکلفون ومسؤولون عن تنفیذ حکم خاص.  ففي مورد المرتد وساب النبي صلی الله علیه وآله: خوطب کافة المسلمین بهذا التکلیف. وفلسفة هذا هو:  أن يعلم الجمیع : القبح الشدید للمرتد عند الله، واستحقاقه هذا الحکم منه، لیکون عبرة للجمیع! وهناك نوع وقایة ودفاع مشروع عن کیان الاسلام لحکم المرتد وساب النبي صلی الله عليه وآله.

إذ لا تسمح أصول الاسلام وفروعه مع العقل والمنطق لمن أحرز لدیه أحقیة الدین أن ینکره ، أو يستهين بأقدس المقدسات عنده ، وهو الوجود المبارک لرسول الله صلی الله علیه وآله. ولیس في مثل هذا الحکم جذباً للآخرین إلی الاسلام لکي نقول: إن هذا الحکم مانع من إقبال الآخرین ودخولهم في الاسلام . بل هو حصن حصین،یحفظ  کل المسلمین من التعرض إلی الإضرار به.  ومنع هذا الحکم للانسان المسلم من تسریع الخروج عن الدین، أوالدعوة الی التفکیر والتأمل فیه أکثر. ومن جهة أخری:استفادة الکفار من حربة الارتداد لضرب الاسلام علی فترات من التاریخ، فسدّ الله تعال هذا الطریق أمامهم ، وأغلقه إلی الأبد.

النقطة  السادس: قالوا: من لوازم صدور فتوی القتل وحکم اعدام المرتد وسابّ النبي صلی الله عليه وآله :  تشویه صورة الاسلام والتشیع والفقاهة، والدعوة الی العنف وعدم سعة الصدر... نعم،هناك من يريد معرفة الاسلام عن هذا الطریق فقط،دون ذکر خصوصیات هذا الحکم وشروطه. وبعبارة أخری: لو عرف ظاهراً من ذلک،وغفل عن سائر الأجزاء،فربما یلزم له مثل هذا اللازم. وأما إذا قیل للبشریة: إن المنطق والعقل هما الحاکمان في الاسلام. وفي الموارد التي يعرض سؤال لشخص ما، وخاصة في أوساط المسلمین، فعلی ضوء مدرسة أهل بیت العصمة والطهارة علیهم السلام ، هناک أشخاص وحجج منصبون من قبل الله تعالی ، یمکن مراجعتهم ، وأخذ الإجابة علی أسئلتهم. فإن لم یفعل ذلک، وعاند،فسیری نفسه فجأة من المعاندین ، ثم یظهر إنکاره بین الناس، وقد حددت له عقوبة في ذلك . إن حقیقة الارتداد بنفسه يعدّ نوعاً من التسیب والفوضی في الدین. فمن دعی إلی اعتماد  الفوضی والهرج والمرج والتسيّب ،لمَ لا ینتبه إلی هذه الحقیقة!! لقد ثبت حکم لزوم قتل المرتد وساب النبي صلی الله علیه وآله في صدر الاسلام الاول إلی عصرنا الحاضر،ولم یکن في أي عصر من العصور أو زمان من الأزمنة سبباً لتشویه سمعة الاسلام وصورته، منذ أن دعت البلدان المستعمرة للتبشير بحقوق الانسان،وشنّت حملتها الشعواء ومعارضتها للاسلام،فصرخت بصوت عال اعتراضاً علی ذلک ، مناهضة لحکم الله.
 فقالت: ماهذا الحکم؟ وانتهی هذا بالتعارض مع أغراضهم ومصالحهم حول الدین، فرافق تبلیغاتهم السیئة وغیر الصحیحة المسمومة والمغرضة إلی تعارض  أحکام الدین مع حکم العقل والحریة و الکرامة.

فلماذا نکون نحن المسلمون سطحیین وسذج، لنصدق هذه الترهات ببساطة، ونخدع بهذه العناوین المشبوهة والمدسوسة!. فیوماً یقولون بعدم انسجام أحکام الدین مع العقل ، وتنافرها معه! ویوماً آخریقولون:بأن الاسلام یتعارض مع الحریة! ویوم ثالث یقولون:بالکرامة الانسانیة وعدم رعایتها،وضرورة مناقشتها علی طاولة البحث! ومن الواضح جداً : أنه لا ینبغي  جعل الحکم الجزئي في فضاء القضاء، وفي جانبه الظاهري أیضاً ملاکاً للحسن والقبح!! وبعبارة أخری: لا یلزم عرض مسألة الحسن والقبح في حکم خاص. بل يلزم الأخذ به بنظر الاعتبار في المجموع .
أما بالنسبة إلی نوع هذا الملاک، فینبغي النظر إلی  المجموع ثم الحکم به ، والقضاء والفصل.
فلماذا تحترمون الانکار الشخصي والعناد لمن ذاق حقائق الدین ولمسها بیده، وأقیمت له الآیات والبینات؟!
ألا تعتقدون أن استحقاق عقوبته أسلوباً وتعاملا عنیفاً ، یحمل طابعاً خشناً في نفس الوقت وغیر منطقي؟! وهل تعطون أهمیة وقیمة لمن أنکر الشمس في رابعة النهار؟! ولماذا ترون الارتداد نوعاً من الفکر؟!! وتعدون معارضة هذا النوع من التفکیر عنواناً لتنافس الأفکار؟! ألا ترون أن الارتداد نوع لانکار للحقیقة ، لا یمکن رفضه أو الاعتراض عليه ، وإنکاره أبداً!.
ذکروا:  أن لزوم الدخول في عرصة الفکر والجدال بالتي هي أحسن ، والاستدلال القوي هو أمر صحیح!
إلا أن السؤال هنا هو: لو أنکر شخص هذا الأسلوب مثلاً،فکیف تضطهدونه وتواجهونه بقسوة وعنف؟!
ولو أنکر شخص للواضحات، فأحدث إنکاره هذا  خطراً علی الآخرین، فما هو حکم العقل هنا؟!
الانسان المرتد بطبيعته وفطرته مریض ، ومرضه هذا-یعني إنکاره عن هوی وحب للدنیا-سبب لانتشارهذا الوباء  وتفشیه بین الآخرین، ومجاميع الدین، فینبغي معاقبته إذاً ومجازاته .وأشار المستشکلون إلی الآیة الشریفة: «ادع إلی سبیل ربک بالحکمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن...»   فهل من الانصاف شمول هذه الآیة للمرتد أیضاً؟! وما نسبة هذه الآیة مع آیات الارتداد؟! ألم یروا قول الله تعالی في آیات الارتداد: «إن الذین آمنوا ثم کفروا ثم آمنوا ثم کفروا ثم ازدادوا کفراً لم یکن الله لیغفر الله لهم ولا لیهدیهم سبیلاً»! فمن واجهه الله بهذه الغلظة والشدّة ،أتشمله مثل هذه الآیة الشریفة ؟! إن من الواضح هنا:  أن یکون تعلق هذه الآیة المذکورة بمن لم یکن ماضياً علی الصراط المستقیم!فینبغي وضعه علی الصراط المستقیم! أما من کان ماشياً في طريق الله عزوجل، وأراد مخالفته عن هوی وعناد،فلا یکون مشمولاً لعنایة هذه الآیة الشریفة بعد ذلک أبداً. فهل يمكن عدّ من ارتکب جریمة القتل مشمولاً للآیة الشریفة؟! والقول مثلاً : بلزوم العمل مع القاتل بأحد هذه الطرق الثلاثة؟!. لكنّي لا أری عاقلاً یحتمل هذا المعنی وهو: أن يتعامل أحد مع من سعی إلی قتل الناس أو قام بإبادة جماعیة،و قتل منهم مقتلة عظيمة ، بالحکمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن! .

لقد أوضحنا حکم المرتد کثیراً ، لا لهدف جذب الآخرین إلی الاسلام،بل لبیان کونه عقوبة متعلقة بالمسلمین أنفسهم،ونوازع ورغبات کامنة في أنفسهم ، ولعدم استشراء مؤامرات الکفار إلی الآخرین .
وتکمن هنا نقطة هامة وهي: ضرورة إشاعة ونشر الفكر والعقل والعلم والاخلاق ، والتدخل في الشؤون الاجتماعیة والسیاسیة ، وتدبیر المجتمع عند تعریف الاسلام وعرضه، ولزوم شمولیة برامج الدین في کافة الأبعاد.  هذه هي طرق تعریف الدین الاسلامي . فلماذا لا تبینوا: عدم شمولية مثل هذا الحكم في خصوص الکافر الاصلي الذي بقي من البدایة إلی النهایة علی کفره؟!  یعني:عدم وجوب قتله؟!.

المحور الرابع: هل الحکم بقتل المرتد وهن للدین؟

قالوا: إن صدور مثل هذه الفتاوی والأحكام سبب لوهن الدین وإضعافه... والسؤال هو:ما ملاک الوهن في الدین؟ توجد أربعة احتمالات في هذا المورد،ینبغي تحلیل کل منها علی نحو مستقل:

ألف: العمل هو مصداق الوهن الذي یرفضه عقلاء العالم في كافة الأزمنة والأمکنة، ولا یتحقق عند رغبتهم ورضاهم. فنقول في هذا الفرض:

أولاً:
لا یرتض العقلاء في کل زمان ومکان إستهانة شخص ما  بمقدسات ملیارد ونیف إنسان أبداً! مع اعتقادهم بلزوم إصدار الأحکام بحقه ومعاقبته. وکلما کان المستهان به أو المنکر له أشد قداسة وشرفاً،فاستحقاقه أشد وأقسی طبعاً! وإذا کانت إهانته سبباً للانحراف أو إساءة العدو ، وأراد تخریب أصل الدین في المجموع،أو إضعافه، لزم مواجهته بحزم وجدیة فائقة، وعدم التساهل في ذلک أو التسامح.

ثانیاً:
لو فرض عدم استحقاق المرتد و سابّ النبي صلی الله علیه وآله للعقوبة في نظر العقلاء. فنقول: لقد خطّأهم الشارع في هذا المورد، واعتبر من أسلم، ثم أراد الارتداد، استحقاقه الشدید للعقاب. أما الکافر الأصلي الذي أراد البقاء علی کفره، فلا یری استحقاقه للعقاب الدنیوي. وبهذه القاعدة العامة یمکن للشارع أن یخطّئ العقلاء في بعض الموارد. هذا أمر یعلمه کل من له باع في الفقه والأصول، ولا مخالف في ذلک. نعم، لا یمکن للشارع أن یخطّئ حکم العقل أبداً، وهذا هو أحد موارد افتراق العقل والعقلاء، و قد بحث هذا المورد في أبحاث خارج الفقه والأصول.

ب: ملاک الوهن: عمل لا یطابق طبع الانسان، مع کراهیته لذلک. فنقول في هذا الفرض: لا تکره أي نفس مجازاة المرتد، و معاقبة سابّ أشرف الکائنات وأطهرها. وهذا أمر واضح.

ج: أن نقول: إن معیار الوهن في كل عمل أو قول لا یطابق میل الأشخاص غیر المتدینین، ورغبتهم! فيکون نتیجة هذا الفرض: اعتقادنا بوجود الوهن في کثیر من أحکام الاسلام، كالعبادات والعقوبات والمعاملات و السیاسات، بل في بعض الاخلاقیات والسلوکیات أيضاً، واعتقادنا بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر تدخل سافر في شؤون الآخرین أیضاً، وسبب للوهن. فعلینا الاعتقاد أیضاً بأن الجهاد والشهادة في سبیل الله سبب في الوهن کذلک علی هذا المبنی!!. 

د: ملاک الوهن كل عمل یفتقد التوجیه العقلي أو النقلي. الذي یبدو هنا صحة هذا الفرض لمعنی الوهن.

وقد أوضحنا في هذا البحث: التوجیه العقلي الواضح لحکم قتل المرتد، وسابّ النبي صلی الله علیه وآله، ودلالة الأدلة النقلیة علی ذلک أیضاً. أما المنظار العقلي: فإن إنکار الخالق والمالک الموجد للانسان کله، فهو موضوع استحقاق العقاب الدنیوي، وإدراک العقل أن الله تعالی قادر علی جعل هذا الحکم له باعتباره من مخلوقه.  ولا یری أي قبح في ذلك علی فرض الجعل.

وبعبارة أخری: السؤال الأصلي في هذا البحث هو: هل یمکن أن یحکم الله تعالی بمثل هذا الحکم في منظار العقل؟

مال بعض منکري حکم الارتداد إلی القول بهذا المطلب مع أننا لو افترضنا التسلیم بهذا القول وهو: القول بعودة کافة الملاکات في الأحکام العقلیة إلی حسن العدل وقبح الظلم-وقد تأمّل الامام الخمیني رضوان الله تعالی علیه في بعض أبحاثه الأصولیة في ذلک-في جعل حکم وجوب قتل المرتد أو سابّ النبي صلی الله علیه وآله عائداً إلی عدم تصور العقل قبحاً أو ظلماً، أو إدراکه، أو ارتضائه كون الله تعالی هو المالک الحقیقي للبشر، فيما  لو حکم بمثل هذا الحکم، ولم ینله ظلم من جهته، فهو حکم صحیح، وإدراک العقل هنا في مقام الثبوت و الإمکان، وقبول استحقاق العقاب والجزاء أیضاً، إنما يخص مقام الاثبات، وقد بیّن الشارع نوع الحکم هنا حسب الأدلة النقلیة.

أما النقطة الهامة في عنوان الوهن الذي غفل عنه: فهي عدّ هذا العنوان عنواناً ثانویاً کالحرج والاضطرار والتقیة وأمثال ذلک. وقد ثبت في محله عدم اعتبار مثل هذه العناوین في کافة الموارد والمصادیق . فلو طرح في بحث التقیة مسألة الدم في مورد مثلاً ، فلا اعتبار لها في ذلک «إذا بلغت الدم فلا تقیة». فلا موضوعیة في مورد وهن هذا العنوان في بعض الموارد.

إذ لم یتفوه أي فقیه من الفقهاء في الموارد المذکورة في الشدة والغلظة مع الکفار مثلاً: بعدم وجوب قتل الکفار إذا أدی إلی وهن الدین!! ویصدّق هذا المطلب كل من له شامة فقهية جیداً. وکذلک المسألة في خصوص المرتد. فلا أثر لهذا العنوان أبداً. نعم ، إن أوجب وهناً للدین في مثل حد الرجم ، أمکن تعطیله بشکل مؤقت. أما الحکم في ذاته وماهیته،فهو مواجهة الکفار والمنحرفین بشدة ،ویأبی  الکفار والمشرکون عن ذلک. وهذا هو سبب لکراهیتهم وابتعادهم ، إذ لا یمکن تحدیده بهذا العنوان .

المحور الخامس: هل یشترط تنفیذ الحدود وإقامتها بحضور المعصوم علیه السلام؟

 قالوا: اعتقد الکثیر من فحول الفقهاء: أن  تنفیذ الحدود وإقامتها ، والجهاد الابتدائي إنما هو مشروط  بحضور النبي صلی الله علیه وآله أو الإمام علیه السلام . والذي یبدو في نظرنا : بعد هذا المطلب عن التحقیق والواقع.

فالحقیقة عکس ذلک. مع أن مشهور القدماء کالشیخ المفید (المقنعة (810) وسلار (المراسم260) وأبو الصلاح الحلبي (الکافي 421) وابن زهرة (غنیة النزوع 436) وابن سعید (الجامع للشرائع 548) والشیخ الطوسي  صریحاً في کتاب المبسوط وبتوجیه قلیل في کتاب النهایة (النهایة 301) وکذلک العلامة صریحاً في التحریر (2/242) والقواعد (1/525) والارشاد (1/352) والتبصرة(90) والمختلف (4/478)والشهید الأول في الدروس (2/47) والمحقق الثاني في حاشیة الشرائع، والشهید الثاني في مسالک الافهام، والفاضل المقداد في التنقیح الرائع: هو الاعتقاد بمشروعیة ذلک، وجوازه في زمن الغیبة.

نعم، قد یستفاد المخالفة من بعض عبارات ابن إدریس في السرائر، واستفادتها من بعض الفقهاء أیضاً کالصیمري في غایة المرام، وابن فهد في المهذب البارع . ولکن ما ذکره المرحوم السید محمد باقر الشفتي في رسالة إقامة الحدود في زمن الغیبة(ص144)، استفادة موافقة ابن إدریس للمشهور كما يظهر من عباراته في آخر کتاب السرائر، لیس الجواز وحده فحسب، بل إصراره علی الموافقة أيضاً.

والسؤال المطروح هنا هو: ما دلیل من ادعی أن الکثیر من الفحول كان قد اشترط تنفیذ الحدود وإقامتها مقيد بالإمام المعصوم علیه السلام؟. وقد توقف المحقق الحلي في الشرائع والمختصر أیضاً، ولم يعد من المخالفین لهذا الحكم. وعدّ المرحوم المحقق الخوئي والخوانساري (السید أحمد) قدس الله سرهما، المحقق الحلي وابن إدریس من جملة المتوقفین في هذا الحكم. فمن هؤلاء الفحول الذین ادعوا ذلک بناء علی هذا ؟!!  قال صاحب الجواهر وهو محور عصر الفقاهة في (الجواهر ج21ص394):
«لا أجد فیه خلافاً إلا ما یحکی عن ظاهر ابني زهره وإدریس،ولم نتحققه،بل لعل المتحقق خلافه».

المحور السادس: هل یتناسب حکم وجوب قتل المرتد مع شفقة النبي صلی الله عليه وآله وعطفه ؟

 قالوا متسائلين: ماهو تناسب مثل هذه الفتاوی مع موازین شفقة النبي صلی الله عليه وآله  وعطفه ؟
فنقول في جوابهم: أولاًً: بعد مثل هذه التصریحات والتعابیرعن شأن الاجتهاد وصناعة الاستدلال الفقهي.

فهي أشبه ما تكون بالشعارات الرنانة. كأن نقول مثل هذه الکلمات: فلماذا خلق الله جهنم؟ أویعذب البعض یوم القیامة؟ إن کان أرحم الراحمین!

وبناء علی ما تقدم في استدلالهم:  ینبغي إنکار کافة الحدود الالهیة أصلاً في زمن الحضور وزمن الغیبة أیضاً!

ثانیاً: ورد في الوقائع التاريخية المسلم بها أن النبي صلی الله علیه وآله كان قد أجری حکم الارتداد علی بعض الأشخاص ، یعني:القتل(راجع کتاب التاج الجامع للأصول في أحادیث الرسول صلی الله علیه وآله ج3-صص18و19، وبعض المصادر التاریخیة) فکیف یوجّه هذا الفعل مع عطف النبي صلی الله علیه وآله ورحمته ؟ وکیف یفسّر قول الله تعالی: «أشداء علی الکفار رحماء بینهم»؟! فهل یدخل المرتد بعد الارتداد مع المسلمین والمؤمنین؟! فمن الواضح جدا:أنه لیس کذلک . وهل أن المرتد أسوأ وأدنی من الکافر رتبة في الثقافة القرآنیة؟

ثالثاً: إن في قتل المرتد سبباً للشفقة والرحمة لنوع المسلمین. فعدم معاقبته سبب لهدم مجتمعات المسلمین ، وضياعهم وخسارتهم. فلماذا تعرضوا الشفقة والرحمة فیما یعني شخص خاص وفرد معین بصورة مستقلة ، مع غض النظر عن الآخرین و الدین نفسه؟! وبعبارة أخری: لم یفسر هؤلاء  نبي الشفقة والرحمة تفسیراً صحیحاً . فرسول الله صلّی الله علیه وآله شفقة ورحمة للبشریة جمعاء ونوع الناس، ولیس لفرد محدّد أومنفصل.

مجموعة من الملاحظات:

الأولی: عدم اختصاص حکم الارتداد بالاسلام،بل تعرضت له سائر الأدیان أیضاً. استفید هذا المطلب من قوله تعالی: «ولقد أوحي إلیک وإلی الذین من قبلک لئن أشرکت لیحبطن عملک».

ودلالة الآیة المبارکة 54 من سورة البقرة علی ذلک أیضاً. وقد صرح القرآن الکریم علی أن عقوبة الارتداد في قوم موسی علیه السلام هي القتل . فلا تتحدد  أحکام عقوبة الارتداد بناء علی هذا بالدین الاسلامي. إذ ورد في بعض الأدیان والمذاهب الأخری کالیهودیة والمسیحیة أیضاً: من ارتد عن دینه فهو کافر ومرتد، تجب علیه العقوبة (راجع العهد القدیم،سفر التوریة،المثنی،الفصل 13،العهد الجدید،رسالة إلی المسیحیین الیهود من أصل عبري،المادة10،الجملة 26-32 ).

الثاني: یستفاد من مجموع الأدلة: أن الارتداد الباطني لیس موضوعاً لوجوب القتل إن لم یظهر. نعم،إن ظهرارتداده،وأعلن عن إنکاره له،حکم علیه بالقتل .

الثالث: یستفاد من القرآن الکریم: أن ثبوت الأحکام الدنیویة والأخرویة للمرتد ، تحصل فیما إذا علم الشخص بالاسلام ، وعرفه، ثم أنکره«من بعد ما تبین لهم». فاستثنی من کان شاکّاً في الدین عن هذا الحکم ،أو أنکره بسبب الإعلام والتبلیغات السیئة ، وتحریک الآخرین. فتأمل بعض الفقهاء في هذه الموارد ، وینبغي تحلیل ذلك ودراسته في موضعه مفصّلاً . قال المرحوم آیة الله العظمی فاضل الگلبایگاني قدس سره في جواب استفتاء له: لا یمکن تنفیذ حکم القتل علی المرتد ممن بلغ سنّ الشباب حدیثاً ، وصدق علیه عنوان الشاک في الاسلام،بل ینبغي إمهالهم .

الرابع: هل لتوبة المرتد أثر في رفع الآثار الدنیویة أم لا؟ عرض هذا البحث مفصّلاً في کتب الفقه والتفسیر.
فإن فرضنا في هذه الرسالة : هو استحقاق المرتد القتل، وإن لم یتب، بسبب ارتداده. یعني أننا عرضنا هذا البحث في القدر المتیقن .

الخامس: لا حاجة لصدور فتوی وحکم مرجع التقلید في لزوم قتل المرتد من الناحیة الفقهیة والبدویة. إذ یمکن تنفیذ هذا الحکم فیما لو حدث شيء بین المسلم والمرتد بالنظر الأولي والشرعي. روي عن عمار الساباطي عنه علیه السلام أنه قال:  «فإن دمه مباح لمن سمع ذلک». نعم،اقتضاء الاحتیاط أن یکون بنظر المجتهد الجامع للشرائط .

السادس: ینبغي الانتباه إلی هذا الأمر وهو: ما الفرق بین المرتد ومن بقي علی کفره الأصلي؟ ولماذا لم تذکر للکافر المستمر في کفره عقوبة القتل في الإسلام ؟ السر في هذا المطلب یکمن في: أن من ارتدی ثیاب الاسلام،ووضع نفسه في دائرة المسلمین،فمع إظهار ارتداده ، يكون قد أعلن حربه علی الاسلام،ومن الضروري هنا مواجهته وملاحقته بشدة،علی خلاف الکافر المستمر في الکفر.

السابع: ورد الخدشة في بعض کلمات العلماء في وجوب قتل المرتد ، بما یلي: اختلفت آراء العلماء في تعریف ضروري الدین.

فنقول في الجواب:

أولاً: ضروري الدین هو كل ما یکون محل وفاق بین الشیعة والسنة،دون حاجة إلی الاستدلال ، بل الاجماع علی صحة ذلک.

ثانیاً: علی فرض الاختلاف في المعنی الضروري. إلا أن هناک موردان قد بیّنا بوضوح في موضوع المرتد، وهما: ألف: الخروج عن الاسلام ، وإنکار نبوة النبي صلی الله علیه وآله. ب: تکذیب المعاد في بعض الروایات روي أنه: جيء بزندیق إلی أمیر المؤمنین علیه السلام، قد کذّب القیامة،فأمر علیه السلام بقتله. إن إنکار نبوة النبي صلی الله علیه وآله والمعاد أیضاً ، هو من أسباب الارتداد. فینبغي علیهم إذاً أن یقبلوا موارد حکم المرتد علی الأقل.

وبعبارة أخری: لیس للعنوان الضروري موضوعیة بنفسه،بل الوصول إلی المصادیق فقط. فلو اتضحت و أحرزت بعض المصادیق من خلال الروایات،فلا شك حینئذ في لزوم تنفيذ حکم القتل في ذلک المورد، صدق عنوان الضروري علی هذه المصادیق أم لم یصدق ؟

الثامن: یظهر من بعض الشبهات انتقاداً للأسلوب الاجتهادي الشائع في الحوزات العلمیة،والدعوة إلی لزوم البرمجة والتخطیط لبعض مباني معرفة الانسان والعالم ، وعلم التفسیر، وعرض النصوص بأسالیب جدیدة وحديثة في باب الاجتهاد. ولا مجال لصحة هذا الادعاء وسقمه . ویتطلب هذا بحثاً آخر ، لا یتسع له المجال في التفصیل مستقلاً .

إن ما تعرضنا لبیانه في هذه الرسالة ، ینطبق مع الأسلوب الاجتهادي الذي بلغ ألف عام من عمر روحانیته،  وعطاء رجال الدین والعلماء. وعلی ضوئه ، لا إشکال في حکم وجوب قتل المرتد ، وعدم کون هذا الحکم مؤقتاً. ولیس هذا سیاسیاً محضاً،وإن أمکن تواجد مثل هذه الحیثیة فیه أیضاً. إذ یستلزم اسلوب اقتراح البعض تغییر کثیر من أحکام الدین، فلا ینتج عنه سوی اضمحلال الدین، أو اللجوء إلی القوانین المشرعة من قبل البشر. وبعبارة أخری: یتبع ذلک اندراساً لتراث أهل البیت علیهم السلام ، وفقه الأئمة الطاهرین علیهم السلام .

التاسع: إننا نعتقد في الخاتمة بفتح هذا الملف وهو: هل یمکن إصدار الفقیه الجامع للشرائط أمراً یقضي  بوقف تنفیذ حکم الله في خصوص المرتد  فيما لو کانت المصلحة في تأخیره أو عدم تنفیذه وتطبیقه؟أو یکون لهذا العنوان مصادیق کثیرة في عدة موارد -فاذا  تحقق مثل هذا الحکم منذ البدایة حقیقة، فسوف لن یتحقق هذا الفرض- أم لا؟ ورد في بعض روایات تنفیذ الحدود عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنه قال: «لن أعطل حداً ثبت في مورد» وعلی كل حال، یحتاج هذا البحث إلی تأمل ودقة، بل عناية أکثر.

واغتنم هذه الفرصة في آخر حديثي ومن هذا المنبر: أن أعلن عن أن المرکز الفقهي للأئمة الأطهار علیهم السلام المرکز التخصصي  عن استعداده للبحث والمناظرة في هذا الموضوع،وبإمکان الباحثین في المجال الدیني والفقهي ، الراغبین في المشاركة بعيداً عن الضجیج السیاسي والتمایلات الغربیة، متابعة هذا الموضوع من خلال هذا الطریق . لقد كان ما ورد في هذه الرسالة بحثاً موجزاً في الدفاع عن حکم المرتد. ومن الواضح أيضاً أن بحثه التفصیلي بحاجة إلی مجال وأفق أوسع . وفّق الله الجمیع لفهم الحقیقة والعمل بها،وفهم الدین والعمل به إن شاء الله .
 

 
والسلام علی من اتبع الهدی
 
تاسوعاء الحسین علیه السلام لعام 1433
قم - محمد جواد الفاضل اللنکراني

 

تعليقات القراء

لا يوجد تعليق للعرض

إرسال التعليقات حول هذه المقالة

الإسم (الاختياري)

البريد الالكتروني (الاختياري)

الرمز الأمني