• ۱۲۱

    حقّه لغو فضلا عن توجّه الخطاب إليه.[1]

    وأما العصيان، فلا يكون قيدآ في الخطاب لكي يؤدّي ذلک إلى عدم صحّة الخطاب بالنسبة إلى العاصي لقبح خطاب من لا ينبعث منه؛ لأنّه لا يتعلّق الحكم إلى ما ثبت أو ترک للشيء بالضرورة، فلامحالة يلحظ ذلک العصيان كظرف للخطاب؛ فإنّ الوجدان شاهد على إمكان توجيه الخطاب إلى من يعلم بعصيانه، والعاصي في هذا الظرف قادر على إتيان التكليف، بل يكفي إمكان الإنبعاث والإنزجار في جعل الحكم ولايحتاج إلى فعليتهما؛ بمعني أنّ الداعي في الخطابات هو جعل ما يمكن أن يكون داعيآ ويصلح أن يكون باعثآ أو زاجرآ، وهو أمر يجتمع مع العصيان فيصحّ الخطاب إليه ويترتّب عليه الأثر، وهو أنّه يصحّ للمولى أن يعاقب العبد على عصيانه. ومنه أيضآ يظهر أنّه يجب قضاء الصلاة على النائمِ في جميع الوقت، بل يمكن أن نتمسّک لذلک بدليل وجوب القضاء كما لا يخفى.

    وبهذه المناقشات تردّ نظرية «عدم الإنحلال في الخطابات القانونية» ولولاها لكانت هذه النظرية نِعمَ القول، التي لها مساس مباشر بموضوعات الحقل الأصولي وبواسطته بموضوعات الحقل الفقهي فيدفع بها كثير من الغوامض التي تكون في الأصول والفقه. وسيجيء مزيد بيان في تطبيقاتها في المسار الفقهي والمسائل الأصولية.


    المبحث الرابع: الخطابات القانونية عند السيّد مصطفى الخميني(رحمه الله)

    إنّ السيّد الأصولي المحقّق الخميني(رحمه الله) قد أشار في بيان كفاية تعلّق الإرادة بالقانون العام مع إعتبار الحكم لكلّ أحد بما يخصّه، إلى أن تلک الإرادة الواحدة


    1 ـ دروس في مسائل علم الأصول :2 217.

  • ۱۲۲

    المتعلّقة بالخطاب العام القانوني، تنحلّ حكمآ.

    وتوضيح ذلک هو أنّه(رحمه الله) قد أشكل في بادء الأمر على عدم إنحلال الخطاب : بأنّ الخطاب إمّا أن يتعلّق بفرد فرد من المكلّفين أو لا يتعلّق، فإن قيل بالأول فهذا يوجب القول بأنّ الخطاب ينحلّ إلى الأفراد ولا يقول به السيّد الإمام (قدس سرّه) وإن قيل بالثاني، فمعناه أنّ الخطاب لا يتعلّق بالأفراد فلا يجب عليهم شيء، وعليه كيف يقال إن زيدآ عصى أو أطاع مع أنّ الخطاب لا ينحلّ إلى الخطاب الخاص المتوّجه إليه حسب الفرض.

    ثمّ قد أجاب السيّد المصطفى(رحمه الله) على هذا الإشكال: بأنّ الامام(قدس سرّه) حينما أنكر إنحلال الخطاب يقصد من ذلک الإنحلال الحقيقي لا الحكمي؛ فالخطاب القانوني وإن كان متعلّق بالجميع ولا ينحلّ إلى الأفراد حقيقةً إلّا أنّه ينحلّ حكمآ بمعنى أنّ العقل والعرف يحكمان بالإنحلال وإن لم ينحلّ حقيقةً.

    وتوضيح ذلک: إنّ الإرادة التشريعية عند المشهور معناها: إرادة المولى تحريک العبد، إلّا أنّ السيّد الإمام(قدس سرّه) يقول إنّ هذا التفسير للارادة غير تام، بل المقصود من الإرادة التشريعية هو إرادة جعل الحكم على نحو القانون. فالمولى حينما يقول : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)[1] فهذا الخطاب واحد والإنشاء واحد، إلّا أنّ الكثرة إعتبارية

    بلحاظ أنّ المراد معنى كلّي إنحلالي، فالإنحلال في المراد لا الإرادة إلّا أنّ الإنحلال يسري من المراد إلى الارادة ومعنى السراية: هو أنّ الارادة في الواقع ليست متعددةً بل لأنّ المراد متعدّد فيسري هذا التعدّد إلى الإرادة وهذا ما يسمّى بالانحلال الحكمي.

    قال السيّد مصطفى الخميني(رحمه الله) في تحريرات الأصول قبل أن يبيّن نظريته :

    إنّه قد ذهب القوم إلى إنحلال الخطاب إلى الخطابات: وهي أنّ كلّ واحد من


    1 ـ سورة المائدة: 1.

  • ۱۲۳

    أفراد المخاطبين، لا بدّ أن يكون مورد التكليف ومورد الحكم، من غير إرتباط حكمه بحكم الفرد الآخر، لأنّ العموم أصولي إستغراقي، فيكون الحكم الكلي منحلّاً إلى الأحكام الكثيرة، ولذلک تجري البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية، و يتعدّد العقاب والثواب بتعدّد المكلّفين، فيتعدّد الحكم، فيكون كلّ فرد مورد الحكم المخصوص به. ولكنّه كيف يعقل توجيه تلک الإرادة إلى الفرد الذي هو جاهل، والمولى ملتفت إلى جهله، وإلى الفرد الذي هو عاجز وغافل، والمولى ملتفت إلى حاله؟! فإن كان الخطاب القانوني، معناه عدم الإنحلال بحسب الأفراد، فيكون الأفراد بلا تكليف، فهو خلف. وإن أريد منه: أنّهم مع كونه قانونيآ مورد التكليف والحكم، فهو مناقضة ومستحيل. وبعبارة أخرى: لسنا قائلين بإنحلال الخطاب الذي هو معنى جزئي حرفي قائم بالمخاطب، وبما نصوّره بصورة المخاطب، بل مقصودنا من «إنحلال الخطاب» هو إنحلال الحكم العام الإستغراقي حسب الأفراد، وأنّ كلّ فرد مخصوص بحكم يخصّ به، ويستتبع إطاعته وعصيانه وثوابه وعقابه. فيتوجّه السؤال هنا إلى كيفية إمكان الإنحلال الحكمي الراجع إلى التكاليف الكثيرة، وكلّ تكليف متوجّه إلى شخص وباعث إياه نحو المادة، ولو كان هذا الشخص عاجزآ غافلا جاهلا، فكيف يتوجّه إليه هذا التكليف، فهل يكون هذا إلّا القول: بأنّ هؤلاء الأفراد بعناوين خارجة، ليسوا مورد التكليف الفعلي؟![1]

    ثمّ عالج الإشكال بناءً على مسلكه المختار من الإنحلال الحكمي قائلا :

    إذا أحطت خبرآ في طيّ هذه المقدمة، تقتدر على حلّ المعضلة الأخيرة: وهي أنّ كلّ واحد من الأفراد وإن كان محكومآ بحكم مخصوص به، والحكم وإن تقوم بالإرادة، بمعنى أنّه هو عينها، أو هو أمر متأخّر عنها لا حقّ بها، ولكن تكفي تلک


    1 ـ تحريرات في الأصول :3 451.

  • ۱۲۴

    الإرادة المتعلّقة بالكلّي والقانون العام لإعتبار الحكم المزبور لكلّ أحد؛ أو يقال بأنّ تلک الإرادة الواحدة المتعلّقة بالخطاب العام القانوني، تنحلّ حكم حسب الأفراد، وحسب حكم العقل وفهم العرف إلى الأفراد، فيكون الإنحلال إلى الكثير بنحو العموم الإستغراقي، ويكون الإنحلال حكميآ؛ ضرورة أنّ الوجدان قاض بوحدة الإرادة، فالكثرة إعتبارية بلحاظ أنّ المراد معنى كلّي إنحلالي. وهذا المعنى الإنحلالي يوجب سريان الإنحلال حكمآ إلى الإرادة، لا واقعآ وموضوعآ، فإنّه خلاف الوجدان، ومنافٍ للبرهان. فعلى هذا، كلّ فرد من الأفراد بما أنه إنسان، وبما أنّه مؤمن مسلم، محكوم بالحكم الإنحلالي الّذي يتوجّه إلى الآحاد، حسب توجيه الخطاب الكلّي، لا حسب توجيه الخطاب الشخصي. فقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)[1] وإن كان في قوة الإنحلال إلى أفراد المؤمن ومصاديقه الذاتيّة، ولكن لا يلزم من كونه في قوة الكثير، كون كلّ واحد من هذا الخطاب بالقوّة، جامعآ لجميع الشرائط المعتبرة في صحّة توجيه الخطاب الشخصي الفعلي. فما هي الشرائط في الخطاب الشخصي، شرائط لأجل أنّه خطاب فعلي، وإذا كان الخطاب بالقوّة فلا تعتبر تلک الشرائط، مع إنحلال هذا العام والقانون الكلّي إلى الكثير إنحلالا حكميآ موجبآ لصحّة إنتساب كلّ واحد إليه، وإختصاصه بالحكم المخصوص به.[2]

    هذا وقد أورد سماحة الأستاذ حفظه الله على ما أفاده السيّد مصطفى الخميني (رحمه الله) :

    أولاً، إنّ ما ذكر وإن كان كلامآ دقيقآ، إلّا أنّ ما يستفاد من كلام السيّد الامام (قدس سرّه) هو أنّ الخطاب لا يمكن فيه الإنحلال مطلقآ فهو(قدس سرّه) يرفض الإنحلال بكلا قسميه الحقيقي والحكمي، ولو كان مراده (قدس سرّه) الإنحلال الحقيقي فحسب، لكان اللازم عليه


    1 ـ نفس السورة: 1.

    2 ـ تحريرات في الأصول :3 454 455.

  • ۱۲۵

    أن ينبّه على ذلک. فما أفاده(رحمه الله) معارض لما صرّح به والده من عدم الإنحلال في الخطاب بوجه من الوجوه، بل الخطاب متوجّه إلى عنوان عام واحد، من دون أن ينحلّ إلى تكليف مستقلّ لكلّ أحد من مكلّفين، فهذا أجنبي عن القول بالإنحلال.

    وثانياً، إنّه لو سلّمنا أنّ السيّد الإمام (قدس سرّه) يقصد من عدم الإنحلال: عدمَ الإنحلال الحقيقي، فحينئذ ينحلّ الخطاب إنحلالا حكميآ، ولكنّه لو قلنا بهذا التقريب الذي أفاده ولده الشهيد(رحمه الله) تعود المحاذير ويترتّب عليه ما يترتّب على القول بالإنحلال من تعدّد الإراده والحكم؛ وذلک لأنّ الفرد حينئذ يكون مخاطبآ وبالتالي، كيف يتوجّه الخطاب إلى العاجز والجاهل؟

    نعم، بناءً على ما فهمناه من نظرية الإمام، يمكن أن نجيب على ذلک: بأنّ الإرادة لا يمكن أن تنحلّ لابالإنحلال الحقيقي ولا بالإنحلال الحكمي، إلّا أنّ السيّد الامام(قدس سرّه) يريد أن يفكّک بين الخطاب والحجية، فالخطاب واحد إلّا أنّ الحجية على الجميع؛ لأنّ الخطاب قانوني متعلّق بالكل. فالخطاب واحد شامل للمجتمع وليس فيه إنحلال بعدد المكلّفين إلّا أنّ ذلک الخطاب الواحد حجّة عل الجميع.


    المبحث الخامس: كلام بعض المحقّقين في الخطابات القانونية ونقده

    قد ظهر ممّا تقدّم توضيح ما ذهب إليه الإمام الخميني (قدس سرّه) بما لا مزيد عليه، وقد أفادبعض المحقّقين حفظه الله في تبيين هذه النظرية ما لا يقول به السيّد الإمام وإليک ملخّص كلامه :

    إنّ الخطابات القانونية متأثرة عن وضع القانون في المجتمع الحالي الذي يعتبر ذلک كموجود مستقل في نفسه، فنشأت من وضع القانون يوميآ، بينما كانت تلک الخطابات في الأزمنة السابقة لم تعدّ عرفآ كأمر مستقل بل كانت شعاعآ لشخصية

  • ۱۲۶

    الحاكم فلم يكن لها وجود منحاز عن شخصية الأمراء. وبكلمة أخرى، لم يوجد القانون في الأزمنة السابقة إلّا ما أمر به المولى جورآ أو عدلا.

    هذا، ولا نقول بعدم وجود توفّر لفظة «القانون» الذي يعدّ كلمة يونانية، في الأزمنة السابقة بل هذه موجودة حتّى قبل ظهور الإسلام؛ فالمراد أنّه لم يوجد بهذا النحو المتعارف والمكتوب في زماننا هذا.

    وعليه إنّ النظام السائد في بداءة ظهور الإسلام وزمن نزول الآيات هو نظام العبيد والموالي: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلا عَبْدآ مَمْلُوكآ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ).[1] فكان المنشأ لوجوب إطاعة العبد من المولى هو أنّ العبد كان جزءً من شخصية المولى وكان القانون شعاع لشخصيته، فتنحلّ أحكام الموالي إلى العبيد وحالاتهم، فلو لم يمتثل أوامر المولى ليصدق عليه أنّه قد ضيّع أمر المولى وأهان به.

    والأحكام الشرعية تشعر إلى الجوّ الحاكم حين النزول من سيطرة الموالي على العبيد. فليس الخطاب الشرعي بنحو الخطاب القانوني الدارج يوميآ في وضع القوانين.[2]

    والخلاصة إنّ ما يعتقده السيّد الإمام الخميني(رحمه الله) من كون الخطابات الشرعية خطابات قانونية، ليس إلّا ما ينعكس اليوم من وضع القوانين وعدِّها بوجود منحاز إعتباري دون أن يكون قوامه بوجود الأفراد.

    هذا، وناقشه الأستاذ حفظه الله بما يلي :

    أولا، إنّه لا ملازمة بين كون الخطاب قانونيآ وبين أن يكون للقانون وجود منحاز سوى شخصية الحاكم؛ فلا يصحّ تفريعه على إستقلال القانون، بل بالإمكان أن يتصوّر القانون وكان ذلک مرتبطآ بشخص الحاكم، فهو يجعل القانون الكلّي لعموم الناس من دون ملاحظة الأفراد. وبكلمة أخرى، لا يبتني مسلک الخطابات


    1 ـ سورة النحل: 75.

    2 ـ خطابات قانونيه ]بالفارسية[: 118 127.

  • ۱۲۷

    القانونية على وجود المنحاز للقانون أصلا، لأنّ المقنّن يلحظ النسبة بينه و بين المخاطب ويفرض المخاطب عامآ فيصدر الحكم بنحو قانوني ولا يحلظ الأفراد فيه.

    ثانيآ، لا معنى للتشقيق في القانون بلحاظ تحقّق وجوده في الخارج مستقلا وعدم تحقّقه كذلک؛ إذ الأمر الإعتباري لا يعقل تصويره بقطع النظر عن لحاظ الجاعل والمعتبر عليه؛ ولذلک نرى أنّه إذا تخلّف شخص عن القانون يقال له إنّک ضيعت حقّ الحاكم وحقوق الآخرين.

    ثالثآ، إنّ العبد آنذک لم يحسب من شخصية الموالي حتّى يعدّ عصيانه إهانة للمولى، بل إنّه كان جزءً من أموال المولى بحسب فهم العرف والعقلاء. أضف إلى ذلک، أنّه لا شبهة في لزوم إطاعته للمولى؛ فإنّ ذلک يحكم به العقل إقتضاءً لحقّ المولوية.

    رابعآ، إنّ ما يستفاد من كلامه من أنّه تحمل ألفاظ القران على الجوّ السائد في المجتمع زمن النزول وفي إطار نظام الموالي والعبيد خطأ جدّآ؛ إذ يلزم منه عدم حجّية القران وآياته لزماننا هذا، وهو مما تدفعه نفس الآيات القرآنية التي تكون هدى للناس وتتحدّى بالكتاب. إذآ، نحن نعتقد أنّ دلالة الآيات والروايات تختلف عن بقية الألفاظ والمكتوبات فلا يتدخّل في دلالتها فهم العرف وثقافته زمن النزول.

    نعم، هناک أمور توجب الظهور في معنى خاصّ أو تكون قرينةً على الفهم أو يكون هناک مختصّات بالنبي (صلي الله عليه وآله).

  • ۱۲۸
  • ۱۲۹

    البــاب الثــالث

    ويتضمّن مبحثين :

    المبحث الأوّل: التطبيقات الأصولية للخطابات القانونية

    المبحث الثاني: التطبيقات الفقهية للخطابات القانونية

  • ۱۳۰

۲۵,۲۹۴ بازدید