• ۱۳۱

    تمهيـد

    قد تقدّم البحث عن نظرية الخطابات القانونية، مفهومها وأركانها وأدلّتها والمناقشة فيها، ولكن تركت هذه النظرية تأثيرآ كبيرآ في قسم من البحوث الأصولية وفي مسار البحث الفقهي، فلها تفريعات ومعطيات، ويعتقد السيّد الشهيد مصطفى الخميني(رحمه الله) أنّ هذا الرأي هو بارقة ملكوتية يمكن أن ينحلّ بها كثير من المعضلات وأساس طائفة من المشكلات، فللّه تعالى درّه، وعليه أجره، جزاه الله خيرآ.[1]

    وسيظهر أنّ تطبيقاتها كثيرة وواسعة جدّآ سيّما عند الإمام الخميني(قدس سرّه) وقد سار أيضآ على هذا النهج ولده المحقّق السيّد مصطفى الخميني(رحمه الله) وتلميذه الألمعي سماحة آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني(رحمه الله) في كثير من مواضع الفقه والأصول. ونحن نسرد عدد من تطبيقاتها المختلفة في الحقل الأصولي ثمّ الفقهي.

    هذا، وسيلاحظ القارئ الكريم أنّ هناک عديدآ من الأدلّة لم نوردها في


    1 ـ تحريرات في الأصول :3 455.

  • ۱۳۲

    البحث، وذلک لأنّ التركيز في هذا الباب ليس على النتيجة أو تحديد الرأي النهائي في المسائل المطروحة، بل إنّما إطلالة سريعة على كيفية الإستدلال بالنظرية المذكورة.

    إذآ، قد وقع البحث حول معطيات هذه النظريّة في مبحثين :


    المبحث الأول: التطبيقات الأصولية للخطابات القانونية

    تظهر لوازم هذه النظرية (عدم إنحلال الخطابات القانونية) في مختلف المسائل الأصولية ونحن نشير هنا إلى نماذجها الأساسية في الجهات التالية :


    الجهة الأولى: شمولية الخطابات القرانية لغير الحاضرين

    هل تختصّ الخطابات الشفاهية نحو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)[1] و (يَا أَيُّهَا النَّاس)[2] بالموجودين في زمن الخطاب بل الحاضرين مجلس التخاطب، أو يعمّ المعدومين فضلا عن الغائبين عنه؟ وأنّه هل يستلزم شمول الخطاب للمعدومين المحال أو لا؟

    ولا يخفى عدم إختصاص النزاع بما يتضمّن خطابآ، بل يجري في جميع الأحكام الموضوعة على العناوين الكلّية ولو لم يكن بلسان الخطاب، مثل قوله تعالى: (وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)[3] وقوله تعالى: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَکَ الْوالِدانِ...)،[4] وقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ...)[5] فإنّه وإن لم يشملها عنوان البحث، لكن يشملها ملاكه؛ فإنّ الملاک في عدم الجواز، هو أنّ


    1 ـ سورة النساء: 59.

    2 ـ سورة البقرة: 21.

    3 ـ سورة آل عمران: 97.

    4 ـ سورة النساء: 7.

    5 ـ سورة الحجرات: 10.

  • ۱۳۳

    المعدوم لا يكون شيئآ، فكما لا يصلح مخاطبة المعدوم والحديث معه، فكذلک لا يصلح توجيه حكم تكليفي أو وضعي إليه؛ بداهة أنّه لا يصلح إيجاب الحجّ أو الدين مثلا على من كان معدومآ.[1]

    وعليه إنّ النزاع إنّما هو في أنّ شمول الخطابات القرآنيّة والأحكام المتعلّقة بالعناوين الكلّية الواردة فيها للمعدومين هل يستلزم تعلّق التكليف بهم والمخاطبة معهم الممتنع عقلا بداهةً، أو لا يستلزم ذلک الأمر المستحيل؟ فالنزاع إنّما هو في الملازمة بين الأمرين التي هي أمر عقلي.

    قد ذهب السيّد الإمام (قدس سرّه) إلى عدم الإستلزام قائلا: إنّ تلک الأحكام الموضوعة على المكلّفين إنّما هو بنحو القضيّة الحقيقيّة والجعل القانونيّ على مصاديق العناوين بنحو الإجمال فيما إذا كانت القضيّة محصورةً، أو على نفس العناوين في غيرها.[2]

    وتوضيح ذلک كما تقدّم هو: أنّ القضيّة الحقيقيّة هي التي يكون الحكم فيها على نفس الطبيعة، وهي قابلة للصدق على كلّ فرد، ومتّحدة معها في الخارج؛ لا بمعنى وضعها للأفراد ولا بمعنى كون الطبيعة حاكيةً عنها ولهذا يصحّ أن يقال: إنّ كلّ فرد من الطبيعة إمّا موجود أو معدوم بلا تأوّل. فلا تكون القضايا الحقيقيّة أخبارآ عن الأفراد المعدومة، بل أخبار عن أفراد الطبيعة بلا قيد، وهي لا تصدق إلّا على الأفراد الموجودة في ظرف وجودها، فيكون الاخبار كذلک بحكم العقل من غير تقييد وإشتراط.[3]

    ثمّ إنّ في القضيّة الحقيقيّة يكون الحكم على الأفراد المتصوّرة بالوجه الإجماليّ، وهو عنوان «كلّ فرد»، أو «جميع الأفراد»، فعنوان «كلّ» و«جميع»


    1 ـ جواهر الأصول :4 448.

    2 ـ مناهج الوصول إلى علم الأصول :2 287.

    3 ـ المصدر :2 286.

  • ۱۳۴

    متعلّق للحكم، ولمّا كان هذا العنوان موضوعآ للكثرات بنحو الإجمال فبإضافته إلى الطبيعة يفيد أفرادها بنحو الإجمال، فالحكم في المحصورة على أفراد الطبيعة بنحو الإجمال، لا على نفس الطبيعة، ولا على الأفراد تفصيلا، فقولهم: إنّ الحكم على الطبيعة التي هي مرآة للأفراد، ليس بشيء.[1]

    إذآ، تبيّن أنّ عنوان المستطيع إنّما يصدق على خصوص المكلّف الموجود الحاصل له الإستطاعة، فكما أنّه لا يصدق على المكلّف الغير المستطيع كذلک لا يصدق على المعدوم بطريق أولى؛ لأنّه ليس بشيء. نعم، بعد الوجود وصيرورته متّصفآ بذلک الوصف ويتحقّق مصداق لذلک العنوان، يشمله الحكم،[2] فغاية ما هناک جعل الحكم على العنوان الذي لا ينطبق إلّا على الموجود خارجآ؛ فإنّ الشيء ما لم يوجد ولم يتشخّص ليس له ماهية كما ليس لها وجود. فالإنسان إنسان بالوجود، ولولاه لا إنسان ولا ماهية ولا غير ذلک. فالقصور من ناحية نفس العناوين لا من جانب الوضع.[3] فـ«كلّ نار حارّة» إخبار عن مصاديق النار، دلالة تصديقية؛ والمعدوم ليس مصداقآ للنار ولا لشيء آخر، كما أنّ الموجود الذهني ليس نارآ بالحمل الشائع، فينحصر الصدق على الأفراد الموجودة في ظرف وجودها، من غير أن يكون الوجود قيدآ، أو أن يفرض للمعدوم وجود أو ينزّل منزلة الوجود، ومن غير أن يكون القضية متضمّنة للشرط، كما تمور بها الألسن مورآ.[4]

    بناءً على ما إخترناه، لا يكون المعدوم مصداقآ لها حال العدم، ولا يتوجّه إليه التكليف؛ وأمّا إذا صار المصداق موجودآ فيشمله الحكم. فإذا رأى المكلّف أنّ


    1 ـ معتمد الأصول :1 315.

    2 ـ المصدر :1 316.

    3 ـ تهذيب الأصول :2 221.

    4 ـ المصدر :2 222.

  • ۱۳۵

    في كتاب الله تعالى: حجّ البيت على الناس إذا إستطاعوا، من غير تقييد بما يخصّصه بالموجودين في زمن الرسول، ويكون نفسه مصداقآ للمستطيع، يرى أنّه مأمور بالحجّ من غير توهّم أنّ ذلک الحكم على هذا العنوان مستلزم لتوجّه التكليف إلى المعدوم، ضرورة أنّه قبل وجوده وإستطاعته ليس من الناس ولا من أفراد المستطيع بالضرورة، وبعد وجوده وإستطاعته يصدق عليه هذان العنوانان، ولازم جعله كذلک شمول الحكم له.[1]

    وبالجملة: هذا القسم لا يستلزم جعل الحكم على المعدوم، بل على العنوان الذي لا ينطبق إلّا على الموجود. فاتّضح وجه شمول قوله تعالى: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ)[2] وأشباهه الواردة في الذكر الحكيم وغيره ويسقط الإشكال من إستلزام تعلّق التكليف بالمعدوم.

    وأما الخطابات الشفاهية نحو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)،[3] و (يَا أَيُّهَا النَّاس)[4] فقد يثار حولها إشكال آخر من جهة لزوم مخاطبة المعدوم، حيث إنّ معنى الخطاب توجيه الكلام إلى المخاطب، سواء اشتمل الكلام على «كاف» الخطاب أو أداة النداء، أو كان التوجيه إليه بالحمل الشائع من غير ما يدلّ وضعآ على التخاطب.

    فالجواب عنه أنّ خطابات الله تعالى في القرآن لم تقع بينه تعالى وبين المؤمنين، ولم يكن المؤمنون حتّى الحاضرين مجلس الوحي أو في مسجد النبي مخاطبين بها؛ ضرورة أنّ الوحي إنّما نزل على شخص رسول الله (صلي الله عليه وآله)، وكلام الله وخطاباته لم تكن مسموعةً لأحد من الأمّة.


    1 ـ نفس المصدر :2 225.

    2 ـ سورة النساء: 34.

    3 ـ نفس السورة: 59.

    4 ـ سورة البقرة: 21.

  • ۱۳۶

    بل الظاهر من الآيات والروايات كقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَْمِينُ عَلى قَلْبِکَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)،[1] أنّ الوحي إنّما كان بتوسّط أمين وحيه جبرائيل (عليه السلام) فجبرائيل غالبآ كان حاكيآ لتلک الخطابات منه تعالى إلى رسوله، وهو (صلي الله عليه وآله) حاک بالواسطة؛ فالقرآن هو حكاية الخطاب بلا واسطة، أو بواسطة أمين الوحي، وعلى أيّ حال، خطابات الله النازلة إلى رسول الله (صلي الله عليه وآله) لم تكن متوجّهةً إلى العباد مباشرةً، سواء كانوا حاضرين في مجلس الوحي أو في مسجد النبيّ، أم لا؛ فإنّها ليست خطابات شفاهية لفظية؛ بحيث يقابل فيها الشخص الشخص، فيخاطب بها الناس، لإستحالة أن يكلّمهم الله تعالى بلا واسطة، مع عدم لياقتهم لذلک، إلّا أنبياء الله (عليهم السلام) الذين بلغوا في الكمالات ما بلغوا، حتّى صاروا لائقين بأن يخاطبهم الله ويكلّمهم؛ بل لم يثبت وجود مجلس خطاب عند صدور الحكم ونزول الوحي. فالتعبير بالخطابات الشفاهية أيضآ مسامحة؛ لعدم كون واحد من المكلّفين مخاطبآ بها أصلا، بل إنّما هي قوانين كلّية بصورة المخاطبة أوحى الله تعالى بها نبيّه (صلي الله عليه وآله) وهو بلّغها إلى الناس كما أنزلت على قلبه.[2]

    هذا، وإنّ أحرف النداء موضوعة لإيجاده، لا للنداء الحقيقي، وهو جزئيّ حقيقيّ يوجد في آنٍ، ثمّ ينعدم وينقطع في الآن الثاني، ولا بقاء له، فلا يمكن نداء المعدوم وخطابه، بل الخطابات القرآنيّة الإلهيّة خطابات قانونيّة كتبيّة، كما هو منهج جميع العقلاء وديدنهم من الموالي العرفيّة؛ حيث إنّهم في مقام جعل القوانين يكتبون ذلک‌ولو بنحو النداء والخطاب، ثمّ يأمرون المبلِّغين بنشرها وتبليغها بين الناس، فمن إطّلع عليها يعلم بأنّه مكلّف ومخاطب بها لا بالخطاب الشخصي، فكذلک الخطابات القرآنيّة خطابات كتبيّة، نزل بها جبرئيل على قلب سيِّد


    1 ـ سورة الشعراء: 193 194.

    2 ـ تنقيح الأصول :2 386؛ معتمد الأصول :1 315.

  • ۱۳۷

    المرسلين(صلي الله عليه وآله) فإنّه مخاطب بتبليغ مثل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)[1] ونحوه إلى الناس، ولم يكن(صلي الله عليه وآله) أيضآ واسطة فيه؛ بأن يخاطب (صلي الله عليه وآله) الناس عن الله تعالى حتّى كأنّه تعالى خاطبهم؛ لما عرفت من عدم لياقتهم لذلک، فيستحيل وقوع غير الأنبياء مخاطَبين ـبالفتح له تعالى، ولا كشجرة موسى؛ بأن يكون خطابه وتبليغه تعالى بنحو إيجاد الصوت من الشجرة، وحينئذٍ فكلّ من هو مصداق لموضوع ذلک الخطاب الكتبي فهو محكوم بحكمه؛ بلا فرق في ذلک بين الموجودين في زمن القانون الكتبي وبين المعدومين، بدون أن يستلزم ذلک مخاطبة المعدوم، وحينئذٍ فليس للإشكال مجال.[2]

    ثمّ إنّ ما ذكرنا: من أنّ المقنّن لم يكن طرف المخاطبة في القوانين الإسلاميّة، بل يكون المقنّن غير المبلّغ؛ لأنّ الأوّل هو الله تعالى، والثاني هو الرسول (صلي الله عليه وآله) أوّلا، وذو الوسائط ثانيآ، بتوسّط الكتب وغيرها من وسائل التبليغ، سنّة جارية في جميع العالم؛ لأنّ المقنّن في القوانين العرفيّة والسياسيّة إمّا شخص، أو هيئة وجماعة، ولم يتعارف أن يكون الواضع مبلِّغآ، وكذلک لم يكن المبلّغ مخاطِبآ ومناديآ لأفراد الحكومة، بل كان ناقلا وحاكيآ للخطاب والنداء. فترى أنّ المقنّن يضع القوانين، وبعد وضعها يتشبّث في إبلاغها وإعلامها بالكتب والصحف والمذياع والتلفزيون ونحوها. وحينئذٍ: فالفرد الحائز للشرائط من الشعب المأمور بالعمل بها إذا عطف نظره إلى كتاب القانون لأهل وطنه لا يشکّ أنّه مأمور بالعمل به؛ وإن تأخّر عن زمان الجعل بكثير، بل لم يكن موجودآ في ظرف الوضع، ولكن جعل الحكم بصورة الخطاب على الناس في قول القائل «يا أيّها الناس» كافٍ في شموله له؛ وإن وجد بعد زمن الخطاب بمدّة متراخية. وما ذلک إلّا لأجل كون


    1 ـ سورة النساء: 59.

    2 ـ مناهج الوصول إلى علم الأصول :2 289.

  • ۱۳۸

    الخطاب كتبيآ أو شبيهآ بذلک، وهو ليس بخطاب لفظي حقيقةً، ولا يحتاج إلى مخاطب حاضر.

    والقانون الإسلامي المجعول في شريعتنا إنّما هو على هذا النحو مع خصوصيّة زائدة، وهو عدم إمكان المخاطبة فيه بالنسبة إلى الناس وإظهار الوحي الجاري بلسان الرسول (صلي الله عليه وآله) إنّما هو عن طريق التبليغ لا بنحو المخاطبة، فالخطاب بنحو (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)[1] مثلا لا يكون المخاطب فيها أحد من المؤمنين أصلا، بل إنّما هو خطاب كتبي حُفِظ بالكتب ليعمل به كلّ مَنْ نظر إليه، نظير الخطابات الواقعة في قوانين المكتوبة المنتشرة بين الناس ليطّلعوا عليها فيعملوا بها. فقوانينه عامّة لكلّ من بلغت إليه بأيّ نحو كان من غير لزوم محذور.[2]

    ووضّح ذلک تلميذه المحقّق سماحة آية الله العظمى الفاضل اللنكراني(رحمه الله) قائلا :

    إنّ دليل كون القرآن معجزةً بارزةً وكاملةً لرسول الله (صلي الله عليه وآله) هو أنّ بعد كون الإسلام بعنوان الدين الكامل والباقي والمستمرّ إلى يوم القيامة لا بدّ له من معجزة كذلک، ولا يمكن أن تكون معجزة دائميّة سوى الكتاب، ولذا لا يمكن لأحد من أبناء البشر الإتيان بمثل سورة صغيرة من القرآن إلى يوم القيامة. ويستفاد من ذلک أنّ ترتيب السور والآيات القرآنيّة وتدوين كلّ آية وسورة في محلّها بواسطة الكتاب كان في عصر رسول الله (صلي الله عليه وآله)، وأمره الناشئ من الوحي الإلهي؛ إذ لا يصحّ إطلاق الكتاب على الأوراق المنتشرة والمتفرّقة بين الناس، وتعريفه بالكتاب يهدينا إلى الإلتزام بذلک. فلا يكون مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)[3] خطابآ شفاهيّآ، بل يكون خطابآ كتبيّآ، ولا يلزم فيه حضور المخاطبين


    1 ـ سورة المائدة: 1.

    2 ـ مناهج الوصول إلى علم الأصول :2 289؛ تنقيح الأصول :2 386.

    3 ـ سورة المائدة: 1.

  • ۱۳۹

    ومجلس التخاطب وأمثال ذلک، ويؤيّده تكليف الكفّار بفروع الدين، مثل تكليفهم بالأصول وشمول الأحكام لجميع أبناء البشر، وذكر عنوان المؤمنين في بعض الآيات يكون من باب المثال والإشارة إلى خصوصيّة بعض المكلّفين. ويؤيّده أيضا أنّ إستفادة الحكم من الآية المشتملة على أداة الخطاب والآية الغير المشتملة لها تكون على نحو واحد وجدانآ، ولا تختصّ الأولى بالحاضرين في مجلس التخاطب حتّى تشمل الغائبين والمعدومين بمعونة قاعدة الإشتراک، بل لا فرق بينهما من حيث شمول جميع المكلّفين بصورة القضيّة الحقيقيّة.[1]

    فظهر: أنّ القرآن كلّه حكاية لما أنزله الله تعالى على قلب رسوله الأعظم، فقوله (صلي الله عليه وآله): قال الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ...)[2] حكاية لخطابه تعالى إيّاه بقوله: «قل كذا...» فكان رسول الله (صلي الله عليه وآله) مبلّغآ لما أوحى الله تعالى لقلبه. وهذا نظير قولک لصاحبک: «قل لفلان كذا»فتكون الخطابات القرآنية شبيهة بالخطابات المصدّرة في أوائل الكتب والرسائل، فكما أنّ الخطابات الكتابية باقية إلى زماننا ونسبة الأوّلين والآخرين إليها على حدّ سواء، فكذلک الخطابات القرآنية. فلا محالة يكون إختصاصها إليهم بلا وجه، بل إختصاصها إليهم ثمّ تعميمها إلى غيرهم لغو باطل؛ إذلا وجه لهذا الجعل الثانوي من قوله مثلا «إنّ حكمي على الآخرين حكمي على الأوّلين» بعد إمكان الشمول للجميع على نسق واحد. بل عدم الدليل على الإختصاص كافٍ في بطلانه بعد كون العنوان عامّآ أو مطلقآ، وبعد كون الخطاب الكتبي إلى كلّ من يراه أمرآ متعارفآ، كما هو المعمول من أصحاب التأليف من الخطابات الكثيرة.[3]


    1 ـ دراسات في الأصول :2 521.

    2 ـ سورة الجمعة: 9.

    3 ـ جواهر الأصول :4 455؛ تهذيب الأصول: :2 227.

  • ۱۴۰

    الجهة الثانية: تصحيح الواجب المشروط قبل تحقّق شرطه وما شابه ذلک

    واجه الأصوليون في الواجب المشروط مشكلة، وحاصلها: أنّ إنشاء التكليف من المقدّمات التي يتوصّل بها المولى إلى تحصيل المكلّف‌به في الخارج، فإذا لم يكن الواجب المشروط قبل تحقّقه في الخارج مرادآ للمولى كما هو مذهب المشهور فلا يعقل أن يتوصّل العاقل إلى تحصيل ما لا يريده فعلاً بإنشاء التكليف المشروط.[1] وإذا لم يرده فعلا قبل تحقّق شرطه، فلا فائدة في الإنشاء والبعث الكذائي، وهل هو إلّا بعث عبث؟! فللمولى الحكيم أن يصبر إلى أن يتحقّق الشرط، فيأمره عند ذلک بإتيانه، دفعآ للغوية توجيه الخطاب إلى المكلّف وتكليفه بذلک قبل تحقّق شرطه.

    هذا، وإنّ حلّ هذه العويصة على نحو يطابق المبنى المشهور من إنحلال الأحكام ولحاظ الحالات الفردية للمكلّف في صحّة الخطاب، جعل القوم في موقف عظيم: فمنهم من صار بصدد تصحيح الشرط المتأخّر، ومنهم من تمسّک بأجوبة فرارآ عن الشرط المتأخّر.

    وقد تصدّى الإمام الخميني (قدس سرّه) لحلّ المشكلة عبر التمسّک بنظريته في الخطابات القانونية قائلا :

    إنّه إنّما يتطرّق هذا الإشكال في الخطابات الشخصية القائمة بمخاطب واحد مثلا؛ وأمّا في الخطابات والأحكام القانونية الكلّية المتوجّهة إلى عامّة المكلّفين بخطاب واحد، فلا مخلص للمشرّع المقنّن إلّا بجعله مشروطآ بعد ما يرى إختلاف آحاد المكلّفين في واجديتهم الشرط وعدمه. فإذن: لا مناص له إلّا من جعل الحكم على العنوان مشروطآ بالشرط لينبعث كلّ مَن كان واجدآ للشرط، وينتظر الفاقد إلى أن يتحقّق له الشرط. والشارع الأقدس حيث رأى مصلحة


    1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) :1 346.

۲۵,۲۸۳ بازدید