• ۱۴۱

    الحجّ مثلا على فرض الإستطاعة، ورأى إختلاف المكلّفين في واجديتهم للإستطاعة وعدمها، فأمر بالحجّ على فرض الإستطاعة، فقال عزّ من قائل: (وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)[1]، فمن كان مستطيعآ يَحُجّ، وينتظر الفاقد لها إلى أن يرزقه الله الإستطاعة.[2] ثمّ إنّ إنشاء البعث في الواجب المشروط ليس للتوصّل به إلى المبعوث إليه فعلا حتّى يتوهّم عدم معقوليته، بل للتوصّل إليه على تقدير تحقّق الشرط، وكم فرق بينهما؟! مثلا إنشاء إيجاب الحجّ على تقدير الإستطاعة إنّما هو للتوصّل به إلى إيجاب الحجّ في ظرف الإستطاعة لا قبله، وكم له نظير في الأوامر العرفية! كما هو أوضح من أن يخفى.[3]

    هذا، وبما سردناه يتّضح الحال أيضآ في مسألة أمر الآمر مع علمه بإنتفاء شرطه حيث يقول (قدس سرّه) في المناهج :

    إنّ هذا البحث ]أيضآ[ قد يقع في الأوامر الشخصيّة، كأمره تعالى للخليل (عليه السلام) وقد يقع في الأوامر الكلّية القانونيّة :

    فعلى الأوّل: فلا إشكال في إمتناع توجّه البعث لغرض الإنبعاث إلى من علم الآمر فقدان شرط التكليف فيه، بل لا يمكن ذلک بالنسبة إلى من يعلم أنّه لا ينبعث ولو عصيانآ، بل إلى من يعلم أنّه آت بنفسه بمتعلّق الطلب ولا يكون الطلب مؤثّرآ فيه بوجه، ضرورة أنّ البعث لغرض الإنبعاث إنّما يمكن فيما يحتمل أو يعلم تأثيره فيه، ومع العلم بعدم التأثير لا يمكن البعث لغرض الإنبعاث، وكذا الحال في الزجر والنهي. ولا يخفى أنّ مناط إمتناع إرادة البعث لغاية الإنبعاث في هذه الموارد واحد، وهو عدم تحقّق مبادئ الإرادة، من غير فرق بين إمتناع الإنبعاث ذاتآ أو وقوعآ أو إمكانه مع العلم بعدم وقوعه. هذا كلّه في الإرادة الشخصيّة


    1 ـ سورة آل عمران: 97.

    2 ـ جواهر الأصول :3 84.

    3 ـ المصدر :3 83.

  • ۱۴۲

    المتوجّهة إلى أشخاص معيّنين.

    وأمّا الإرادة التشريعيّة القانونية فغايتها ليست إنبعاث كلّ واحد واحد، بل الغاية فيه بحيث تصير مبدأ له هي أنّ هذا التشريع بما أنّه تشريع قانونيّ لا يكون بلا أثر، فإذا إحتمل أو علم تأثيره في أشخاص غير معيّنين من المجتمع في كافّة الأعصار والأمصار، تتحقّق الإرادة التشريعيّة على نعت التقنين، ولا يلزم فيها إحتمال التأثير في كلّ واحد؛ لأنّ التشريع القانونيّ ليس تشريعات مستقلّة بالنسبة إلى كلّ مكلّف، حتّى يكون بالنسبة إلى كلّ واحد بعثآ لغرض الإنبعاث، بل تشريع واحد متوجّه إلى عنوان منطبق على المكلّفين، وغرض هذا التشريع القانونيّ لا بدّ وأن يلحظ بالنسبة إليه، لا إلى كلّ واحد مستقلا، وإلّا لزم عدم تكليف العصاة والكفّار، بل والّذي يأتي بمتعلّق الأمر ويترک متعلّق النهي بإرادته بلا تأثير لتكليف المولى فيه، وهذا ممّا لا يمكن الإلتزام به. وقد عرفت أنّ مناط الإمتناع في البعث الشخصي في العاجز والقادر العاصي واحد، فإذن ما لا يجوز أمر الآمر مع العلم بإنتفاء الشرط فيه هو الأوامر الشخصيّة المتوجّهة إلى أشخاص معيّنين، وأمّا الأوامر الكليّة القانونيّة المتوجّهة إلى عامّة المكلّفين، فلا تجوز مع فقد عامّتهم للشرط، وأمّا مع كون الفاقد والواجد غير معيّنين مع وجودهما في كلّ عصر و مصر كما هو الحال خارج فلا يلزم تقييد التكليف بعنوان الواجد مثلا، وإلّا يلزم تقييده بعنوان غير العاصي وغير الجاهل وغير النائم، وهكذا، وهو كما ترى. فلا يكون الخطاب العامّ خطابات مستقلّةً لكلّ منها غاية مستقلّة، فتدبّر.[1]

    وقس على ما ذكر آنفآ مشكلة قبح التكليف التحريمي بحقّ من لا يوجد لديه الداعي إلى إرتكابه؛ كقبح تكليف صاحب المروّة بستر العورة؛ فإنّ الدواعي مصروفة عن كشف العورة، فلا يصحّ الخطاب؛ ونظيره نهي المكلّفين عن شرب


    1 ـ مناهج الوصول إلى علم الأصول :2 60.

  • ۱۴۳

    البول وأكل القاذورات ممّا يكون الدواعي عن الإتيان بها مصروفة؛ إذ أيّ فرق بين عدم القدرة العادية أو العقلية على العمل، وبين كون الدواعي مصروفة عنها؟!

    والجواب إنّ هكذا التكليف يوجب نقصانآ في التكليف الشخصي، ولكنّه بناءً على ما إختاره‌الإمام(قدس سرّه) مندفع جدّآ؛ فإنّ الخطابات الإلهية فعلية في حقّ الجميع؛ كان المكلّف عاجزآ أو جاهلا، أو مصروفآ عنه دواعيه أو لم يكن؛ وإن كان العجز والجهل عذرين عقليين.[2]


    الجهة الثالثة: إتحاد الطلب والإرادة ودفع الإشكال عن تكليف الكفّار

    قد اختلفت كلمات الأصوليين في إتحاد الطلب مع الإرادة مصداقآ، أو تغايرهما مفهومآ ومصداقآ. فعن المشهور من الإمامية والمعتزلة هو الإتحاد مصداقآ؛[2] وعن الأشاعرة إختلافهما مصداقآ ومفهومآ.[3]

    وعليه ربّما استدلّ للأشعري على إختلاف الطلب والإرادة كما أشار إليه في التحريرات بأنّه لاشبهة في إستحقاق الكفّار بل مطلق العصاة للعقاب، ولا شبهة في أنّ صحّة العقوبة منوطة بترشّح الإرادة الجدّية من المولى متوجّهة إلى أفعالهم وأعمالهم، ولا كلام في أنّ إرادته تعالى علة الإيجاد، فلا يعقل التفكيک بينها وبين متعلّقها، فلا بدّ من الإلتزام بأمر آخر وراء الإرادة، وهو المسمّى بـ«الطلب والكلام النفسيّ» وإلّا يلزم عدم صحّة العقوبة، بل وعدم إستحقاقهم.

    ويمكن تقريب هذا البرهان بوجه آخر: وهو أنّه تعالى وكلّ مولى إذا كان عالمآ بالكفر والعصيان، لا يتمكّن من ترشيح الإرادة الجدية بالنسبة إلى العبد المزبور، كما لا يعقل ترشيح الإرادة بالنسبة إلى بعث الحجر والعاجز والجاهل والناسي مع


    1 ـ تهذيب الأصول :3 233.

    2 ـ بدائع الأفكار(تقريرات المحقّق العراقي): 198.

    3 ـ فوائد الاصول :1 130.

  • ۱۴۴

    حفظ العناوين، فإذن يلزم عدم إستحقاق هؤلاء الكفرة الفجرة للعقوبة، لعدم إمكان تعلّق الإرادة بالبعث أيضآ، فلا بدّ من الإلتزام بالطلب الّذي هو محقّق إستحقاق العقوبة، ولا إرادة بعد ذلک رأسآ.

    وعند ذلک تحصل المغايرة بين الطلب والإرادة بالضرورة، فإنّه إذا سئل عنه : «هل يريد ذلک» أو «أراده» فلا جواب إلّا: «أنّه لم يرده» لعدم الأمر به، وعدم إظهاره، بعد كون الإرادة هي الفعل النفسانيّ ومن مقولة الفعل تسامحآ، وإذا سئل عنه: «هل يطلبه ويشتهيه ويميل إليه» فالجواب: «نعم.»فتحصّل: أنّ تصحيح العقوبة لا ينحصر بالإرادة المظهرة أو الإرادة نفسها، أو الطلب الإنشائيّ، بل ربّما يكون تصحيح العقوبة بأمر آخر وهو الطلب، بل والإشتهاء النفسانيّ غير البالغ إلى حدّ الإرادة، لأجل الموانع الراجعة إلى إمتناع العبيد عن الإطاعة والامتثال.[1]

    ثمّ يقول السيّد الشهيد(رحمه الله) :

    ولعمري، إنّه بعد هذا التقريب، لا يتمكّن الأعلام من حلّ هذا الإعضال، وهذا من غير فرق بين ما ذكرناه في مصبّ الإرادة التشريعية، وبين كون مصبّها صدور الفعل عن الغير إختيارآ، وبين كون مصبّها إيصال الغير إلى الفائدة.

    فأجاب عن الإشكال وقال :

    إنّ الخلط بين الخطابات الشخصية والكلية القانونية يورث هذا الإشكال، وأوقع الأصحاب في إنحرافات. وإجمال الجواب هو أنّ من شرائط الخطاب الشخصي، إحتمال تأثير الأمر في المخاطب والمأمور، وإلّا فلا تصدر الإرادة الجدية مع فقد الإحتمال، ولعلّ لذلک قال الله تعالى: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنآ)[2] لعدم إمكان أمره تعالى جدّآ، لعلمه بعدم إنبعاثه مثلا.


    1 ـ تحريرات في الأصول :2 31.

    2 ـ سورة طه: 44.

  • ۱۴۵

    ومن شرائط الخطاب القانوني، إحتمال تأثير القانون في المجتمع البشري، من غير ملاحظة الأفراد والأشخاص، ومن غير إنحلال الخطاب إلى الخطابات، فإذا كان جميع المجتمع والأمة، كافرين ومتمرّدين وعاصين، فلا يعقل الخطاب القانوني الجدي أيضآ، إلّا من الغافل غير الملتفت. ولذلک صحّ الخطاب لجميع الطوائف المشار إليها، بما فيهم العالم والقادر والذاكر وغير المتمرّد والمؤمن، وغير ذلک، بمقدار يصحّ جعل القانون، ويمكن ترشّح الإرادة الجدية متعلّقة بمثل هذا القانون الكلي العام، فإفهم وإغتنم، فإنّه مزال الأقدام. وهذا ما أفاده السيّد الوالد المحقّق في المسائل المختلفة، وإن تغافل عنه هنا، والأمر سهل.[1]


    الجهة الرابعة: فعلية الحكمين المتزاحمين في عرض واحد

    إنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه الخاص في باب العبادات أو لا؟ قد أنكر الشيخ البهائي(رحمه الله) ثمرة البحث في هذه المسألة وذهب إلى أنّ الأمر بالشيء إذا لم يقتض النهي عن ضدّه، فلا أقلّ من عدم الأمر به؛ لإمتناع تعلّق الأمر بالضدّين معآ. فالضدّ إذا كان عبادةً يقع باطلا؛ لإعتبار قصد الأمر في صحّة العبادة.[2]

    وتوضيح ذلک هو أنّه قد يحكم ببطلان العبادة في مسألة الضدّ مطلقآ؛ نظرآ إلى أنّ صحّتها متوقّفة على تعلّق الأمر الفعلي بها، وحينئذٍ فلو لم نقل بالإقتضاء وأنّ الضدّ يصير منهيّآ عنه فلا أقلّ من عدم تعلّق الأمر الفعلي به؛ لإمتناع تعلّق الأمر بالمتضادّين، فبطلانه لو كان عبادةً يستند على هذا إلى عدم تعلّق الأمر به، كما أنّ بطلانه بناءً على الإقتضاء مسبّب عن تعلّق النهي به، فالضدّ العبادي باطل على أيّ


    1 ـ تحريرات في الأصول :2 30 32.

    2 ـ زبدة الأصول: 117.

  • ۱۴۶

    تقدير.[1] فلا يحتاج في اثبات بطلان الضد العبادي إلى إثبات أنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده مطلقآ.

    هذا، وأجاب المحقّق النائيني(رحمه الله) عن الإشكال بتصحيح وجود الأمر المتعلّق بالعبادة بنحو الترتّب؛[2] بأن يكون الأمر بالأهمّ مطلقآ غير مشروط والأمر بالمهمّ مشروطآ بعصيان الأمر الأوّل بنحو الشرط المتأخّر أو بالبناء على معصيته. ولكنّ السيّد الإمام (قدس سرّه) إعترض على هذا الرأي وهدم أساس الترتب مع تفاصيله،[3] وعالج الإشكال بناءً على نظريته وصوّر الأمر بالمهمّ والأهمّ في عرض واحد، من دون أن تكون فعلية أحدهما متوقّفآ على عصيان الآخر كما هو مقتضى القول بالترتّب؛ فيقول في المعتمد :

    إنّ الخطابات الواردة في الشريعة إنّما تكون على نحو العموم، ولا يشترط فيها أن يكون كلّ واحد من المخاطبين قادرآ على إتيان متعلّقها، بل يعمّ القادر والعاجز، ومعذوريّة العاجز إنّما هو لحكم العقل بقبح عقابه على تقدير المخالفة، لا لعدم ثبوت التكليف في حقّه، وحينئذٍ فالعجز إمّا أن يكون متعلّقآ بالإتيان بمتعلّق التكليف الواحد، وحينئذٍ فلا إشكال في معذورية المكلّف في مخالفته، وإمّا أن يكون متعلّقآ بالجمع بين الإتيان بمتعلّق التكليفين أو أزيد بأن لا يكون عاجزآ عن الإتيان بمتعلّق هذا التكليف بخصوصه ولا يكون عاجزآ عن موافقة ذلک التكليف بخصوصه أيضآ، بل يكون عاجزآ عن الجمع بين موافقة التكليفين ومتابعة الأمرين.[4]

    ثمّ يقول (قدس سرّه) في المناهج :


    1 ـ معتمد الأصول :1 123.

    2 ـ فوائد الاصول :1 374 373.

    3 ـ مناهج الوصول إلى علم الأصول :2 30 58؛ تنقيح الأصول :2 121 125.

    4 ـ معتمد الأصول :1 131 132.

  • ۱۴۷

    وعندئذ إنّ متعلّقَي التكليفين قد يكونان متساويين في الجهة والمصلحة، وقد يكون أحدهما أهمّ. فعلى الأوّل، لا إشكال في حكم العقل بالتخيير، بمعنى أنّ العقل يرى أنّ المكلّف مخيّر في إتيان أيّهما شاء، فإذا إشتغل بأحدهما يكون في مخالفة الأمر الآخر معذورآ عقلا من غير أن يكون تقييد وإشتراط في التكليف والمكلّف‌به، ومع عدم إشتغاله بذلک لا يكون معذورآ في ترک واحد منهما، فإنّه قادر على إتيان كلّ واحد منهما، فتركه يكون بلا عذر، فإنّ العذر عدم القدرة، والفرض أنّه قادر على كلّ منهما، وإنّما يصير عاجزآ عن عذر إذا إشتغل بإتيان أحدهما، ومعه معذور في ترک الآخر، وأما مع عدم إشتغاله به فلا يكون معذورآ في ترک شيء منهما، والجمع لا يكون مكلّفآبه حتّى يقال إنّه غير قادر عليه، وهذا واضح بعد التأمّل.

    وأمّا إذا كان أحدهما أهمّ، فإن إشتغل بإتيان الأهمّ فهو معذور في ترک المهمّ،لعدم القدرة عليه مع إشتغاله بضدّه بحكم العقل، وإن إشتغل بالمهمّ فقد أتى بالمأمور به الفعليّ، لكن لا يكون معذورآ في ترک الأهمّ فيثاب بإتيان المهمّ ويعاقب بترک الأهمّ.

    فقد اتّضح ممّا ذكرنا أنّ الأهمّ والمهمّ كالمتساويين في الأهمّيّة، كلّ منهما مأمور به في عرض الآخر، والأمران العرضيّان فعليّان متعلّقان بعنوانين كلّيّين من غير تعرُّض لهما لحال التزاحم وعجز المكلّف، والمطاردة التي تحصل في مقام الإتيان لاتوجب تقييد الأمرين أو أحدهما أو إشتراطهما أو إشتراط أحدهما بحال عصيان الآخر لا شرعآ ولا عقلا، بل تلک المطاردة لا توجب عقلا إلّا المعذورية العقليّة عن ترک أحد التكليفين حال الإشتغال بالآخر، وعن ترک المهمّ حال إشتغاله بالأهمّ.

    فظهر أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي عدم الأمر بضدّه في التكاليف الكلّية القانونيّة

  • ۱۴۸

    كما فيما نحن فيه. فما ادّعى شيخنا البهائيّ ليس على ما ينبغي، كما أنّ ما أجابوا عنه بنحو الترتُّب وتصوير الأمر بالمهمّ مشروطا بعصيان الأهمّ ممّا لا أساس له.[1]

    ويقول (قدس سرّه) في الجواهر :

    إنّهم قاسوا الخطابات العمومية القانونية أي الخطابات المتوجّهة إلى عامّة الناس أو جماعة منهم بالخطابات والأحكام الجزئية، فإعتبروا فيها ملاحظة حالات جميع أفراد مَن خوطب بها، بحيث لا يتوجّه الخطاب إلى العاجز أو الجاهل أو الساهي منهم، أو غيرهم، كما لا يتوجّه الخطاب الشخصي إليهم، مع أنّ لها شأنآ يغايره.

    وعليه إنّ الأحكام المتعلّقة بالطبائع لا تعرّض لها لحال الأفراد بالنظر إلى ذاتها فضلاً عن لحاظها بالنسبة إلى أفراد طبيعة أخرى فلم يكن مفاد المطلق إئت بالمتعلّق سواء أتيت بمتعلّق الآخر أم لا، بل غاية ما هناک هي أنّ الطبيعة تمام الموضوع للحكم.

    ومن ثمّ، إنّ الأمر بالشيئين اللذين لا يمكن إتيانهما وجمعهما في الوجود، لا يكون أمرآ بغير المقدور؛ وذلک لأنّه إذا فرض في زمان، تكليف بإنقاذ الغريق، وفي نفس ذلک الزمان تكليف آخر بإتيان الصلاة، فكلّ واحد من التكليفين لو لوحظ مستقلا يكون مقدورآ له، ولا يكون قيام التكليفين على الضدّين إلّا كقيام التكليف على الأمرين المتوافقين غير المتزاحمين في أنّ كلّ واحد حجّة في مفاده، لا في الجمع بينهما، فالأمر المتعلّق بكلّ من المتزاحمين لم يكن أمرآ بغير المقدور؛ لعدم المضادّة بينهما في مقام تعلّق التكليف، والمضادّة التي وقعت بينهما إنّما هي لجمعهما في الوجود، وهو غير متعلّق للتكليف. وتوارد الأمرين على موضوعين لا يمكن جمعهما في الوجود وفي زمان واحد إنّما يقبح في الخطابات


    1 ـ مناهج الوصول إلى علم الأصول :2 29 30.

  • ۱۴۹

    الشخصية، وأمّا في الخطابات القانونية التي تختلف حالات المكلّفين فغير مضرّ بعد إختلاف حالاتهم؛ فربّما كثيرآ لا يصادف المكلّف إلّا بواحد منهما، وربّما يتّفق تصادف المكلّف بهما.

    وبالجملة: يصحّ توارد الأمرين على عامّة المكلّفين في الخطابات القانونية؛ ومنهم المكلّف الواقف أمام المتزاحمين، ولا يستهجن، والذي يحكم به العقل هو أنّ المكلّف لا بدّ وأن يقوم بالوظيفة لإجابة الأمرين بنحوٍ لو خالف واحدآ منهما لعدم سعة الوقت لهما، لَعُدّ معذورآ.

    إذا عرفت هذه المقدّمات فعند تزاحم التكليفين: فتارة: يكونان متساويين في الملاک والمصلحة، وأخرى: يكون لأحدهما مزية على الآخر :

    ففي صورة تساوي ملاک متعلّق التكليفين وتزاحم المهمّين، أو مصداقين من طبيعة واحدة، تكون الأحكام القانونية باقية على قوّتها الفعلي، ولكن مع ذلک لم ينسدّ باب الأعذار العقلية؛ بداهة أنّه مع كون الحكم فعليآ يرى العقل معذورية المكلّف، كما إذا كان جاهلا بالجهل القصوري، ففيما نحن فيه حيث يكون المكلّف أمام الأمرين المتزاحمين، ويكون له قدرة على الإتيان بكلّ واحد منهما، فإن صرف قدرته في أحدهما يكون معذورآ في ترک الآخر، وبالعكس من غير أن يكون ذلک‌تقييدآ وإشتراطآ في التكليف أو المكلَّف به، فيكون مخيّرآ في الإتيان بأيّهما شاء، ولو تركهما معآ لا لعذر يستحقّ عقابين.

    وأمّا إذا لم يصرف العبد قدرته في إنقاذ واحد منهما، بل تركهما، لا يكون له عذر له أصلا، بل يعاقب على تركهما، فترک الإنقاذ في إحدى الصورتين يكون عذرآ دون الأخرى، مع أنّه للمولى غرض وإشتياق تامّ في إنقاذ الغريقين في الصورتين.

    نعم، إذا إشتغل بأحدهما وصرف قدرته فيه وترک الآخر يُعدُّ معذورآ، فعند

  • ۱۵۰

    تركه كليهما لا لعذر يكون مسئولا بالنسبة إلى ترک كلّ منهما؛ لكونه مقدورآ له، فيعاقب عقابين. نعم الجمع بينهما غير مقدور له، لكنّه غير مكلّف به؛ لعدم تعلّق التكليف به، فتدبّر.

    فظهر: أنّ ما أفاده شيخنا البهائي(رحمه الله): من أنّ الأمر بالشيء وإن لم يقتض النهي عن ضدّه، إلّا أنّه يقتضي عدم الأمر به، لا وجه له؛ لصحّة الأمر بالضدّين في عرض واحد.[1]


    الجهة الخامسة: عدم إعتبار المندوحة في إجتماع الأمر والنهي

    إذا إجتمع متعلّق الأمر والنّهي من حيث الإيجاد والوجود فهل يوجب أن يتعلّق الأمر بعين ما تعلّق به النّهي ولو لمكان إطلاق كلّ منهما لمتعلّق الآخر؟ فيمتنع صدور مثل هذا الأمر والنّهي وتشريعهما معآ بلحاظ حال الإجتماع، ويكون بين الدّليلين المتكفّلين لذلک تعارض العموم من وجه؛ أو أنّه لا يلزم من الإجتماع المذكور تعلّق كلّ منهما بعين ما تعلّق به الآخر؟ فلا يمتنع تشريع مثل هذا الأمر والنّهي، ولا يكون بينهما تعارض.

    وعلى الثاني، فهل وجود المندوحة للمكلّف وتمكّنه من إيجاد الصّلاة خارج الدّار الغصبيّة مثل يجدى في رفع غائلة التّزاحم بين الأمر والنّهي ويكفى في إنطباق المأمور به والمنهي عنه على الجامع وهو الصّلاة في الدّار الغصبيّة فتصحّ الصّلاة؟ أو أنّ وجود المندوحة (أخذ قدرة المكلّف في التكليف) لا يجدى في ذلک‌ولا ينطبق المأمور به على المجمع؟[2]

    قد صرّح الأصوليون بلزوم وجود المندوحة لقبح التكليف بما لا يطاق في صورة عدم المندوحة، حيث إنّه مأمور بها فإذا نهي عنها ولا مندوحة له عن


    1 ـ جواهر الأصول :3 328 331.

    2 ـ فوائد الاصول :2 397.

۲۵,۲۹۰ بازدید