• ۱۶۱

    التكليف بالعالمين والذاكرين، حتّى نحتاج إلى ضمّ الإجماع من الخارج لإثبات الإشتراک، كما لا يخفى على الفطن العارف.[1]


    الجهة التاسعة: تصحيح التمسّک بالإحتياط

    قد إستقرّت آراء المحقّقين من المتأخّرين على أنّ من شرائط تنجيز العلم الإجماليّ أن يكون تمام الأطراف ممّا يمكن عادةً إبتلاء المكلّف بها، فلو كان بعضها خارجآ عن محلّ الإبتلاء لا ينجِّز العلم، ويكون الطرف الآخر موردآ للبراءة العقليّة والشرعيّة. وعلّلوا ذلک بإستهجان الخطاب أو الخطاب المنجّز أو التكليف الفعليّ بالنسبة إلى الخارج عنه؛ ضرورة أنّ النهي المطلق عن شرب الخمر الموجود في أقصى بلاد المغرب يكون مستهجنآ؛ لأنّ التكاليف إنّما تتوجّه إلى المكلّفين لأجل إيجاد الداعي إلى الفعل أو الترک، فما لا يمكن عادةً تركه أو إتيانه لا مجال لتعلّق التكليف به. والمقصود من الخروج عن محلّ الإبتلاء أعمّ ممّا يكون غير مقدور عادةً، أو يرغب عنه الناس عادةً وتكون الدواعي مصروفةً عنه نوعآ، والميزان: إستهجان الخطاب عند العقلاء.[2]

    قال المحقّق النائيني(رحمه الله) في الفوائد :

    يعتبر في تأثير العلم الإجمالي إمكان الإبتلاء بكلّ واحد من الأطراف، فلا أثر للعلم الإجمالي إذا كان بعض أطرافه خارجآ عن مورد الإبتلاء؛ فإنّ المطلوب في باب النواهي مجرّد الترک وإستمرار العدم وعدم نقضه بالوجود، كما أنّ المطلوب في باب الأوامر هو مجرّد الفعل ونقض العدم الأزلي، ولا إشكال في إعتبار القدرة العقليّة على كلّ من طرفي الفعل والترک في صحّة كلّ من الأمر والنهي وإلّا لزم التكليف بما لا يطاق أو بتحصيل الحاصل. ولكن يختصّ النهي بقيد زائد، وهو أنّه


    1 ـ تحريرات في الأصول: :3 446 449.

    2 ـ أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية :2 214.

  • ۱۶۲

    يعتبر في صحّته مضافآ إلى القدرة العقليّة على الفعل المنهيّ عنه القدرة العاديّة عليه بحيث يتمكّن المكلّف عادةً من نقض العدم وفعل المنهيّ عنه، ولا يكفي في صحّة النهي مجرّد القدرة العقليّة على الفعل، لإستهجان التكليف بترک ما لا يقدر على فعله، فانّ الترک حاصل بنفسه. والتكليف المطلق بترک ما يكون منتركاً عادةً يكون كالتكليف المطلق بترک ما يكون منتركا عقلا من حيث اللغويّة والإستهجان، فلا يصحّ النهي المطلق عن شرب الخمر الموجود في أقصى بلاد الهند مع عدم إمكان الإبتلاء به عادةً.

    ثمّ إنّ مناط إستهجان الخطاب إنّما هو بعدم صلاحيته للدعوة إلى المتعلّق لبعد تمكّنه منه عادةً، بحيث يرى العرف مثل هذا الشخص أجنبيّآ عن هذا الفعل فعلا، من دون فرق بين كون خطابه أمرآ أو نهيآ. وكون الغرض من الأمر إيجاده ومن النهي تركه لا يجدي فرقآ في رفع إستهجان الخطاب إلى من هو أجنبيّ عن العمل، ويرونه العرف بحسب العادة غير قادر عليه، كما لو قيل لشخص قبل تزويجه : إرفق مع زوجتک، في ظرف لا يكون له أسباب الزواج مهيّئآ عادةً.[1]

    وحاصل الكلام أنّ العلم الإجمالي إنّما يكون مؤثّرآ إذا كان المعلوم بالإجمال ممّا يصحّ النهي عنه في أيّ طرف كان حتّى يعلم بالتكليف على كلّ تقدير، ومع خروج بعض الأطراف عن مورد الإبتلاء لا علم بالتكليف على كلّ تقدير، لإحتمال أن يكون متعلّق التكليف هو الخارج عن مورد الإبتلاء، فلا يجري فيه الأصل النافي للتكليف، لأنّه لا يترتّب عليه أثر عملي ويبقى الطرف الآخر الّذي يمكن الإبتلاء به جاريآ فيه الأصل بلا معارض.

    هذا، ولكنّ الإمام الخميني (قدس سرّه) يعتقد أنّ الخروج عن محلّ الإبتلاء لايوجب نقصانآ في التكليف، ولا بدّ من الخروج عن عهدته بترک ما يكون في محلّ الإبتلاء.


    1 ـ فوائد الاصول :4 51 54.

  • ۱۶۳

    وتوضيح ذلک كما يقوله السيّد الإمام (قدس سرّه) ردّآ على المسلک المشهور هو :

    أنّه يظهر من كلام الأصحاب 4 أنّهم تلقّوا ذلک على نحو إرسال المسلّمات والأصول المسلّمة. والوجه فيما ذكروه هو أنّهم يرون أنّ الخطاب العمومي الواحد ينحلّ إلى خطابات عديدة بعدد رءوس المكلّفين، بحيث يكون لكلّ من الخطابات المنحلّة إليها مبادئ تخصّه، حتّى يكون وزانها وزان الخطابات الشخصية، بحيث كلّ ما يصحّ فيه الخطاب الشخصي يصحّ فيه الخطاب العمومي، وكلّ ما لا يصحّ فيه ذلک لا يصحّ فيه هذه، مع أنّه ليس كذلک، بل خطاب واحد متعلّق بكثيرين، فلا تعدّد في ناحية الخطاب، بل التعدّد إنّما هو في ناحية المتعلّق.

    أضف إلى ذلک: أنّ الإرادة التشريعية ليست إرادة إتيان المكلّف وإنبعاثه نحو العمل، وإلّا يلزم في الإرادة الأزلية عدم إنفكاكها عنه وعدم إمكان العصيان، بل هي عبارة عن إرادة التقنين والجعل على نحو العموم، وفي مثله يراعى المصلحة العقلائية، ومعلوم: أنّه لا تتوقّف صحّته عندهم على صحّة الإنبعاث من كلّ أحد، كما يظهر بالتأمّل في القوانين العرفية.

    ومن هنا تبيّن أنّ إستهجان الخطاب الخاصّ غير إستهجان الخطاب الكلّيّ، فإنّ الأوّل فيما إذا كان الشخص غير متمكّن، والثاني فيا إذا كان العموم الّذي يكون غيره كالمعدوم غير متمكّن عادةً، أو مصروفة دواعيهم عنه.

    وبعبارة أخرى، إنّ الأحكام الكلّيّة القانونيّة مثل الأحكام الشرعيّة والخطابات الإلهيّة والنبويّة(صلي الله عليه وآله) وكذا أوامر الموالي العرفيّة الكلّيّة القانونيّة، فهي إنّما تُستهجن إذا كان المأمور به والمنهيّ عنه خارجآ عن إبتلاء جميع المكلّفين، وأمّا إذا لم يكن كذلک لإبتلاء بعض المكلّفين به، وإن خرج عن مورد إبتلاء بعضٍ آخر فهو غير مُستهجن. غاية الأمر أنّ العقل يحكم بمعذورية العاجز والجاهل القاصر في المخالفة، وليس ذلک تقييدآ لحكم الشارع.

  • ۱۶۴

    إذا عرفت ذلک: فالعلم الإجماليّ المتعلِّق بالتكليف الفعلي المنجّز لا بدّ من الخروج عن عهدته، وهو يقتضي الموافقة القطعية والإحتماليّة، وترک المخالفة القطعيّة والإحتمالية، ومجرّد كون أحد الأطراف خارجآ عن محلّ الإبتلاء ومصروفة عنه الدواعي لا يوجب عدم تنجيز التكليف المعلوم.[1]

    وتبعه في ذلک المرجع الديني سماحة آية الله العظمى الفاضل اللنكراني(رحمه الله) وقال :

    إنّه لو كان بعض الأطراف في الشبهة المحصورة خارجآ عن محلّ الإبتلاء غير مقدور بالقدرة العاديّة لا يكون ذلک موجبآ لعدم تنجّز التكليف المعلوم إجمالا؛ لأنّ التكليف يكون ثابتآ ولو كان متعلّقه خارجآ عن محلّ الإبتلاء؛ لأنّ الخروج عن محلّ إبتلاء بعض المكلّفين لا يوجب إستهجان الخطاب العامّ والتكليف بنحو العموم، بل الملاک في الإستهجان هو خروجه عن محلّ إبتلاء عامّة المكلّفين أو أكثرهم، وحينئذ فلا بدّ من الإحتياط بترک ما هو محلّ للإبتلاء أيضآ، هذا مع العلم بالخروج.[2]


    الجهة العاشرة: إجراء الأصل العقلي في نسيان الأجزاء

    لو ثبت جزئيّة شيء للمأمور به في الجملة، وشُکّ في أنّه جزء على الإطلاق فتفسد الصلاة بالإخلال به مطلقآ ولو سهوآ، أو يختصّ جزئيّته بصورة الإلتفات، فلا تفسد الصلاة لو أخلّ به سهوآ و غفلةً. فهل الأصل العقلي عند ترک الجزء نسيانآ هو البراءة والإكتفاء بالناقص، أو الإشتغال ولزوم الإعادة؟

    قد إعتقد الشيخ الأنصاري(رحمه الله) بعدم جريان الأصل العقليّ؛ لأنّ ما هو جزء حال


    1 ـ أنظر: جواهر الأصول :3 320 322؛ أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية :2 215 217؛ تنقيح الأصول :2124 125.

    2 ـ دراسات في الأصول :3 381.

  • ۱۶۵

    التوجّه والإلتفات جزء حال السهو والغفلة أيضآ، فبإنتفائه ينتفي المركّب، والمأتيّ به ليس موافقآ للمأمور به؛ لأنّ الغفلة لا توجب تغيّر المأمور به ولا تغيّر الأمر المتوجّه إليه قبل الغفلة، ولم يحدث بالنسبة إليه من الشارع أمر آخر متوجّه إلى الغافل؛ لعدم إمكان توجيه الخطاب نحو الغافل والساهي - بعنوانهما- بالصلاة الفاقدة للجزء؛ لأنّه لو خاطبه كذلک فإمّا أن لا يتذكّر أصلا، فلا يوجب هذا الأمر إنبعاثه وتحريک عضلاته نحو الفعل المأمور به، وإن تذكّر وزال سهوه وغفلته بسبب توجيه الخطاب نحوه كذلک خرج عن عنوان الساهي الذي هو الموضوع للحكم في ذلک الخطاب، ويصير محكومآ بحكم الملتفت، وعلى أيّ تقدير فالخطاب الخاصّ به لغوٌ لا يمكن صدوره من الحكيم، وإذا إمتنع ذلک في حقّه وجب عليه الإعادة بمقتضى الأمر الأوّل ـإلى أن قال:ـ وهذا معنى ما إخترناه من فساد العبادة الفاقدة للجزء نسيانآ، بمعنى عدم كونها مأمورآ بها ولا مسقطآ عنه.[1]

    هذا، ولكن تُفصّي عن الإشكال بوجوهٍ :

    منها، ما أجاب به المحقّق النائيني قائلا: إنّ الأقوى جريان البراءة من الخصوصيّة الزائدة المشكوكة، وهي فيما نحن فيه جزئيّة المنسيّ في حال النسيان، فالأصل يقتضي عدم جزئيّة المنسيّ، ويلزمه أن يكون الجزء من الأجزاء الغير الركنيّة، لإختصاص جزئيّته بحال الذكر، فلا يلزم من الإخلال به نسيانآ بطلان العمل، وذلک من خواصّ الجزء الغير الركني. نعم، إنّ أقصى ما تقتضيه أصالة البراءة عن الجزء المنسيّ هو رفع الجزئيّة في حال النسيان فقط ولا تقتضي رفعها في تمام الوقت إلّا مع إستيعاب النسيان لتمام الوقت.[2]


    1 ـ فرائد الأصول: :2 363 364.

    2 ـ نفس المصدر :4 220.

  • ۱۶۶

    ومنها : ما أجاب به الإمام الخميني (قدس سرّه) بناءً على مسلكه المختار: إنّ ما هو الموضوع في دائرة التشريع هو عنوان المؤمنين أو الناس الأعمّ من العاجز والقادر، والجاهل والعالم، ولأجل ذلک يكون الحكم فعليآ في حقّ الجميع، غير أنّ العجز والجهل عذر عقلي عن تنجّز التكليف، والملاک لصحّة هذا الخطاب وعدم إستهجانه هو صلوحه لبعث عدد معتدّ به من المكلّفين.

    هذا، وحيث إنّ العجز والجهل مانع عن التنجيز لا عن الفعلية، فإنّ جريان البراءة لا يتوقّف على إختصاص الناسي والساهي بالخطاب، بل يكفي في ذلک الخطابات العامّة القانونية من قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوکِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ)[1] والخطابات الواردة على العناوين العامّة، من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)[2]، أو (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)[3] ضرورة أنّ الغرض من الخطاب هو بعث المكلّف نحو العمل، وهذه الخطابات كافية في البعث نحو العمل، غير أنّ العالم والعامد يبعث منه إلى المركّب التامّ، والساهي والغافل عن الجزء إلى المركّب الناقص؛ لأنّ المفروض هو سقوط التكليف بالجزء عن الناسي، وأنّه فرق بينه وبين غيره في تعلّق التكليف، فيكون إختصاصه بالخطاب مع حصول الغرض بتلک الخطابات لغوآ.

    وعليه إذا فرض أنّ الصلاة التامّة ذات مصلحة في حقّ الذاكر، والصلاة الناقصة ذات مصلحة وذات ملاک بالنسبة إلى غيره، والمفروض كما عرفت وجود خطاب واحد باعث لهما نحو المطلوب القائم به الملاک، يكون المقام حينئذٍ من صغريات الأقلّ والأكثر، إذا أتى الناسي بالمركّب ثمّ تنبّه؛ لأنّ الناسي بعد ما أتى بالمركّب الناقص ووقف على الجزء المنسي يشکّ في أنّ الجزء


    1 ـ سورة الإسراء: 78.

    2 ـ سورة النساء: 59.

    3 ـ سورة البقرة: 21.

  • ۱۶۷

    المنسي هل كان له إقتضاء بالنسبة إليه في حال النسيان حتّى يحتاج إلى الإعادة أو لا إقتضاء له؛ فتجري في حقّه البراءة من غير فرق بين النسيان المستوعب وغيره؛ لأنّ الأمر الداعي إلى المركّب داعٍ بعين تلک الدعوة إلى الأجزاء، والمفروض أنّ الأجزاء التي كان الأمر بالمركّب داعيآ إليها قد أتى بها الناسي، وبعد الإتيان بها يشکّ في أنّ الأمر هل له دعوة أخرى إلى إتيانها ثانيآ حتّى يكون داعيآ إلى إتيان الجزء المنسي أيضآ أولا؟ ومع الشکّ فالأصل البراءة.[1]

    هذا، ومن النتائج الأصولية للخطابات القانونية أيضآ عدم صلوح تقييد المطلقات بخطاب خاص بالنسبة إلى شخص أو طائفة معينة، بل الجمع العرفي بينهما إنّما يجري إذا كان كلّ منهما من الأحكام الكلّية القانونية.[2]


    المبحث الثاني: التطبيقات الفقهية للخطابات القانونية

    ثمّ انّ لهذه النظرية وما تتضمّنه من فعليّة التكاليف بالنسبة إلى جميع المخاطبين فروعآ وتطبيقات فقهية كثيرة في الأبواب الفقهية المختلفة، سنشير إليها في المطلبين وهما: الآثار العبادية والنماذج المعاملية.


    المطلب الأول: الآثار العبادية

    هناک تطبيقات فقهية عبادية لهذه النظرية نستعرض أهمّها فيما يلي :


    الجهة الأولى: حكم الصلاة في النجس مع الجهل بالحكم

    إنّ مقتضى إطلاق أدلّة شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «لا صلاة إلّا بطهور»،[3] بناءً على أنّ الطهور في المستثنى أعمّ من الخبث،


    1 ـ تهذيب الأصول :3 229 و 348.

    2 ـ كتاب البيع (للإمام الخميني) :2 602.

    3 ـ وسائل الشيعة :1 372.

  • ۱۶۸

    هو بطلان الصلاة الواقعة في النجس مطلقآ؛ سواء كان عن عمد، أو جهل بالحكم أو الموضوع، أو النسيان أو غيرها من الأعذار؛ فلا بدّ من إلتماس دليل على صحّة الصلاة المأتي بها في النجس.

    قد يقال إنّ الأدلة قاصرة عن إثبات الحكم للجاهل؛ لقبح تعلّق التكليف بالغافل،[1] وعليه يكون المأتي به مع النجاسة مجزيآ؛ لأنّه صلاة تامّة فيحقّه بعد عدم الدليل على إثبات المانعية أو الشرطية في حقّه.

    هذا، ويعتقد السيّد الإمام (قدس سرّه) بعدم قصور الأدلّة عن إثبات التكليف لمطلق المكلّفين، ولا مانع من تعلّقه بالعناوين الكلّية الشاملة لعامّة المكلّفين، وإن كان التارک عن عذر معذورآ في أدائه، فتشمل أدلّة الشرطية الجاهل أيضآ؛ والسرّ فيه : عدم إنحلال الخطاب المتعلّق بالعناوين كـ «الناس» و«المؤمنين» إلى خطابات جزئية بعدد النفوس أو العناوين الطارئة، ولهذا يكون العصاة مكلّفين، مع أنّ العاصي الذي يعلم المولى طغيانه، لا يمكن تكليفه جدّآ لغرض الإنبعاث؛ لإمتناع إنقداح إرادة التكليف جدّآ ممّن لا يطيع.[2]


    الجهة الثانية: حكم الورود في الصلاة قبل الوقت خطأً

    لو دخل في الصلاة قبل الوقت خطأً وإنكشف الخطاء قبل تمام الصلاة أو بعده فيمكن الإستدلال لصحّتها وإدراک الوقت، تبعآ للمشهور بما رواه إسماعيل بن رياح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال «إذا صلّيت وأنت ترى أنّک في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنک»[3] بناءً على أن يكون لفظ «ترى» الواقع في الرواية موضوعآ للكشف عن الواقع؛ فإنّ توجّه التكليف


    1 ـ مدارک الأحكام :2 344.

    2 ـ كتاب الطهارة (للإمام الخميني) :4 279 280.

    3 ـ وسائل الشيعة :4 206.

  • ۱۶۹

    إليه ]بناءً على القول بالإنحلال[ مشكوک فيه، لأنّ حال وجود الأمارة لا يكون التكليف الواقعي متوجّهآ إليه، لأنّه غير ملتفت، وبعد الإلتفات الحاصل بعد الصلاة يحتمل عدم توجّه التكليف إليه إذا أتى بالصلاة مع قيام ما يحتمل أماريته، ففي الحقيقة كان المورد من موارد الشکّ في التكليف.

    هذا وقد أورد عليه الإمام (قدس سرّه) إشكالا مبنائيآ من أنّ التكاليف القانونية الشرعية ثابتة وفعلية بالنسبة إلى جميع المكلّفين من غير فرق بين العالم والجاهل والناسي والساهي والعاجز وغيرهم، وإنّما المكلّف مع أحد تلک العناوين معذور عن العمل بالواقع وعن إطاعة المولى، فبعد الإلتفات يكون شكّه في إمتثال الأمر المعلوم وسقوط التكليف الفعلي، فتبطل الصلاة وتجب إعادتها.[1]


    الجهة الثالثة: سقوط الأداء في فاقد الطهورين

    إنّه يقتضي إطلاق آية الوضوء[2] أن تشترط الصلاة بالطهور مطلقآ ولو مع العجز عنه، ولكنّه توهّم بناءً على القول بالإنحلال، أنّ الأمر قاصر عن إثبات الشرطية حال العجز، لعدم إمكان توجّه الخطاب إلى العاجز؛ فإنّ العقل يستقلّ بقبح تكليفه.

    وقد أورد عليه المحقّق النائيني(رحمه الله): إنّ مثل تلک الأوامر إرشادية لا يعتبر فيها القدرة على متعلّقاتها؛ لأنّ مفادها ليس إلا الإرشاد إلى دخل متعلّقاتها في متعلّق الخطاب النفسي، ففي الحقيقة أنّ تلک الخطابات بمنزلة الإخبار؛ لا بعث فيها ولاتحريک إلى المتعلَّقات حتّى تقتضي القدرة عليها فتشمل صلاة العاجز أيضآ؛ فإنّه لا فرق بين الشرطية المستفادة من‌مثل «لا صلاة إلّا بطهور»[3] أو المستفادة


    1 ـ كتاب الخلل في الصلاة: 101.

    2 ـ سورة المائدة: 6.

    3 ـ وسائل الشيعة :1 372.

  • ۱۷۰

    من الأمر الإرشادي.[1]

    هذا، ويعترض عليه السيّد الإمام (قدس سرّه) بأنّ مطلق الأوامر نفسية كانت أو غيرية أو إرشادية، إنّما تستعمل في معناها وهو نفس البعث والإغراء، فإنّ الهيئة موضوعة لذلک من غير أن يكون الوجوب أو غيره مفادَها، لكن البعث إذا توجّه إلى طبيعة من غير دلالة على أنّه لأجل مطلوب آخر، ينتزع منه النفسية، وإذا تعلّق بشيء مع الدلالة على أنّه لآخر ينتزع منه الغيرية، أو الإرشاد إلى الشرطية أو الجزئية حسب اختلاف المقامات.

    فقوله تعالى (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...)[2] لا ينسلخ عن البعث إلى غسل الوجوه والأيدي، بحيث تكون الهيئة مستعملةً في الإخبار بإشتراط الصلاة بالوضوء؛ ضرورة أنّ هذا الإستعمال مع كونه غلطآ لا مجازآ مخالف لفهم العرف والعقلاء، بل الهيئة مستعملة في معناها وهو البعث والإغراء؛ لكن لما كانت مسبوقةً بقوله (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ...)[3] تكون دالّةً على أنّ البعث إليه لأجل إشتراط الصلاة به، ففَهم الشرطية أو إنتزاعها إنّما هو من البعث والإغراء مع خصوصية المورد.

    ثمّ يقول: إنّ الأوامر الكلّية القانونية غير مشروطة عقلا بصحّة توجّهها إلى كلّ فرد فرد من المكلّفين، وليست الخطابات الكلّية منحلّةً كلٌّ إلى خطابات متوجّهة إلى آحادهم؛ فيكون كلّ خطابٍ منحلٍّ منظورآ فيه شرائط توجّه الخطاب، وإلّا لزم منه مفاسد كعدم تكليف العصاة والكفّار، والجاهل بالحكم أو الموضوع، بل وإختصاص الوضعيات بمن يختصّ به التكاليف... إلى غير ذلک ممّا يطول ذكره، والخلط بين شرائط الخطاب الجزئي الشخصي والخطاب العامّ القانوني، منشأ


    1 ـ فوائد الاصول :4 251 253.

    2 ـ سورة المائدة: 6.

    3 ـ نفس السورة: 6.

۲۵,۲۸۶ بازدید