• ۱۸۱

    يكون من الأمر بالضدين.

    وقد إنقدح من جميع ما ذكرنا أنّه لم ينهض دليل على بطلان الإجارة على فرض صحّة الحجّ النيابي واللازم الإلتزام بالصحة.[1]


    المطلب الثاني: النماذج المعاملية

    هناک فروع تطبيقية أُخرى تتعلّق بالمعاملات وتبتني على مذهب السيّد الإمام (قدس سرّه) وتختلف أحكامها، فينبغي أن نستعرض أهمّها في الجهات التالية. وبقيت هناک شقوق وفروض أخرى، تكون من موارد هذه النظرية لايسعنا التعرّض لها إلّاأنّه يظهر حكمها ممّا بيّناه.


    الجهة الأولى: تصحيح معاملة الصبي

    قد يستدلّ على عدم صحّة عقد الصبي فيما إذا أنس منه الرشد، بأنّه مسلوب العبارة، طبقآ لطوائف من الأخبار كالمآثير التي تدلّ على أنّه مرفوع عنه القلم.[1] والظاهر أنّ القلم مرفوع عنهم لعدم الشعور، ومن عليه القلم هو الكبير العاقل المنتبّه لما فيه الشعور والإدراک، فكلّ تكليف ثابت للكبير بما هو مدرک عاقل مرفوع عن الصغير؛ ولكن ما يثبت له بما هو إنسان، فهو لا يرفع عنهم، فالأحكام الوضعيّة والضمانات وصحّة العقود والإيقاعات وأمثالها، ليست مورد الرفع.

    هذا ويرد عليه: بأنّ أكثر الصبيان خارجون عن الأدلة الإلزاميّة، لقبح الخطاب بالنسبة إليهم، بل وإمتناعه، فما هو الثابت ويساعد عليه الإعتبار هي الوضعيّات فقط، وفي رفعها إمتنان عليهم لبراءتهم من تدارک الخسارات بعد الكبر وهذه منّة قطعآ وإرفاق في حقّهم.


    1 ـ تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحج) :1 409 420.

    2 ـ وسائل الشيعة :29 90، و ج :1 45.

  • ۱۸۲

    فأجاب عنه السيّد الشهيد الخميني(رحمه الله): بأنّ توهّم أنّ الخطاب غير معقول، في غير محلّه؛ لأنّ ما هو الممنوع عقلا هو الخطاب الشخصيّ الخاصّ بهم دون الخطابات الكلّية القانونيّة.[1]


    الجهة الثانية: الأجير الخاص

    إذا آجر نفسه للغير بالإجارة الخاصّة المنافية للإجارة الأولى مع قيد المباشرة وضيق الوقت، فقد استدلّ على بطلان الإجارة الثانية بوجوه: منها، أنّه يجب الوفاء بعقد الإجارة الأُولى فورآ، ومعه لا يعقل إمضاء عقد الإجارة الثانية بالأمر بالوفاء به فورآ؛ لعدم القدرة على الوفاء به كذلک.

    وبكلمة أخرى، إنّ إيجاب الوفاء بعقد الإجارة الأُولى بعد فرض ضيق الوقت الموجب لصيرورة الوجوب فوريآ لا يجتمع مع إيجاب الوفاء بعقد الإجارة الثانية، الذي هو فوري أيضآ؛ لفرض كونه أجيرآ خاصّآ يكون جميع منافعه في المدّة المعيّنة أو بعضها للمستأجر الثاني، فمع ثبوت الأوّل لا يعقل إمضاء الثانية بالأمر بالوفاء نظرآ إلى عدم القدرة على إمتثالهما معآ فتتحقّق المنافاة بين الوجوبين كما هو ظاهر.

    فأجاب عنه سماحة آية الله العظمى الفاضل اللنكراني(رحمه الله): بأنّه لا منافاة بين الوجوبين وإن لم يكن سوى قدرة واحدة في البين، وذلک لما حقّقناه في الأُصول في مبحث الترتّب تبعآ لسيّدنا العلّامة الأُستاذ (قدس سرّه) من الفرق بين الخطابات الكليّة العامّة وبين الخطابات الشخصية المتوجّهة إلى آحاد المكلّفين، وأنّه لا يعتبر في إمكان توجّه الأولى إلى الآحاد ملاحظة أحوال كلّ من المخاطبين من حيث

    القدرة والعجز ونحوهما من الحالات المختلفة؛ غاية الأمر أنّ غير القادر معذور


    1 ـ كتاب البيع (للسيد مصطفى الخميني) :1 289 294.

  • ۱۸۳

    في مخالفة التكليف لا أنّه غير مكلّف أصلا، والدليل على عدم كون التكليف مشروطآ بالقدرة، بل كون عدمها عذرآ حكمهم بوجوب الإحتياط في صورة الشکّ في القدرة، مع أنّها لو كانت شرطآ لكان مقتضى القاعدة جريان أصالة البراءة للشکّ في شرط التكليف. وبالجملة: الخطابات العامّة متوجّهة إلى جميع المكلّفين من دون فرق بين القادرين والعاجزين؛ غاية الأمر كون الطائفة الثانية معذورين في المخالفة لأجل حكم العقل بذلک، وحينئذٍ نقول: إنّ الأمر بالوفاء بعقد الإجارة الأُولى وكذا الأمر بالوفاء بالثانية كلاهما ثابتان فعليان، وإن لم يكن المكلّف قادرآ على إمتثالهما؛ لأنّ العجز لا ينافي الفعلية كما مرّ، فما يقال من أنّ عدم القدرة على الوفاء بالعقدين يمنع عن فعلية الأمر بهما تعيينآ، لا يتم بناءً على ما ذكرنا من أنّ القدرة الواحدة لا تنافي فعلية الخطابين إذا كانا بنحو الكليّة والعموم. هذا ما يقتضيه التحقيق بالنسبة إلى الحكم التكليفي وهو وجوب الوفاء بالعقدين.[1]


    الجهة الثالثة: إعتبار القدرة في شروط العقد

    يعتبر في الإلزام على العمل بالشرط ولو كان بنحو شرط الفعل أن يكون داخلا تحت قدرة المشروط عليه؛ فإنّ الدليل على وجوب العمل بالشرط نحو قوله (صلي الله عليه وآله) «المؤمنون عند شروطهم».[2] فحينئذٍ :

    إن قلنا بأنّ التكليف الكلّي ينحلّ إلى تكاليف، ولا يعقل تعلّقه بالعاجز، فلا يوجب ذلک إيجاب العمل بمثل هذا الشرط؛ لقصور الأدلّة عمّن فقد القدرة عليه، وفي ترتّب الخيار عليه وجهان.


    1 ـ تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الإجارة): 467 472.

    2 ـ وسائل الشيعة :21 276.

  • ۱۸۴

    ولكن إن قلنا بأنّ الأحكام الكلّية القانونيّة لا تتقيّد بالقدرة كما لا تتقيّد بالعلم، ويكون الحكم الفعلي ثابتآ لموضوعه، سواء كان المكلّف عالمآ أم لا، وقادرآ أم لا. والجهل أحيانآ والعجز عذر للمكلّف في ترک المأمور به أو الإتيان بالمنهيّ عنه لا أنّه قيد للتكليف، يكون وجوب العمل بالشرط ثابتآ، والعذر عن الإتيان به لا يوجب بطلانه رأسآ، فيترتّب عليه الخيار قطعآ؛[1] فإنّ الخيار لم يترتّب على تخلّف الشرط إختيارآ، بل هو كقانون شرعي رتّب على مطلق التخلّف، فيشمل العاجز كالقادر؛ فإنّ التكاليف عامّة ولا تنحلّ إلى خطابات حسب أفراد المكلّفين.[2]


    الجهة الرابعة: جعل الخيار في المعاطات

    لو قلنا بأنّ المعاطاة عقد جائز فهل يدخل فيه الخيار أم لا؟

    قد يقال: إنّ جعل الخيار فيها لغو، فإنّها جائزة بالطبع وقابلة للفسخ بنفسها، ولا يقاس ذلک بإجتماع الخيارات في مورد واحد؛ فإنّ كلّآ منها قابل للإسقاط والفسخ بالآخر الباقي، بخلاف المقام؛ فإنّ الجواز حكميّ على الفرض غير قابل للإسقاط، فيصبح الخيار لغوآ وبلا أثر.

    ولكن أورد عليه السيّد الإمام (قدس سرّه) بأنّ هذا وأشباهه ممّا صدر عن عدّة من الأعاظم، خلط بين الأحكام القانونيّة والشخصيّة وقياس الأُولى بالثانية، وكم فرقٍ بين المقامين! فإنّ في الأحكام الشخصيّة البعث لا يمكن إلّا مع إمكان إنبعاث المكلّف بشخص التكليف، بخلاف الأحكام القانونيّة؛ فإنّ إمكان البعث غير موقوف على ذلک، بل غايته أنّه موقوف على إمكان البعث نحو الطبيعة؛ ولو


    1 ـ كتاب البيع :5 221 226، و333.

    2 ـ المصدر :5 334.

  • ۱۸۵

    كان بعض أشخاصه غير قابل للإمتثال، وهذا يظهر من ملاحظة تكليف الكفّار والعصاة الّذين يُعلم بعدم إنبعاثهم بالبعث وإنزجارهم بالزجر، ولا يصحّ البعث الشخصيّ نحوهم، بخلاف البعث القانونيّ الشامل لهم ولغيرهم.

    وبهذا البيان يظهر أنّ جعل الخيار قانونآ للبيع موقوف على عدم لغويّة هذا الجعل وإن كان في بعض أشخاصه كالمعاطاة بلا أثر. فلا يبعد ثبوته للإطلاق، ولا تلزم منه اللغوية، ولا سيّما مع صيرورتها لازمة بتلف أحد العوضين.[1]


    الجهة الخامسة: ضمان المقبوض بالعقد الفاسد

    لو قبض ما إبتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه، وصار مضمونآ عليه، فيجب عليه ردّه. وقد استدلّ للضمان مع التلف بدليل «على اليد».[2] وقد ذكر الشيخ(رحمه الله): أنّ الحديث ظاهر في إثبات الوضع والإستقرار في العهدة عينآ كان أو دينآ، بقرينة كلمة «على» وتعلّقها بالعين والمال لا الفعل، ولذا يمكن التمسّک به لإثبات الضمان في الصبيّ والمجنون إذا لم يكن يدهما ضعيفة لعدم التمييز والشعور.[3]

    ولكن يمكن النقض بالصبيّ الذي مات قبل بلوغه والمجنون الذي لم تحصل له الإفاقة أبدآ حتّى مات؛ إلّا أنّه يمكن دفع هذا الإشكال على مذاق السيّد الإمام(قدس سرّه) بأنّه لا يعتبر في الأحكام الفعلية القانونيّة أن يكون جميع موارد إنطباقها واجدةً للشرائط، ولذا إنّ القدرة والعلم ليسا بشرطين للتكليف والخطاب، بل إنّهما قيدان في مرحلة التنجّز. والعجز والجهل معذّران للمكلّف لا موجبان لإنتفاء توهّم الخطاب إليه، ولذا بنى المشهور على الإحتياط عند الشکّ في القدرة. وفي ما نحن فيه يمكن أن يقال: بأنّ المجنون كالنائم مكلّف قانونآ وإن كان معذورآ في


    1 ـ كتاب البيع (تقريرات لآية الله القديري): 128 129؛ كتاب البيع (للإمام الخميني) :1 234.

    2 ـ عوالي اللئالي :1 224.

    3 ـ كتاب المكاسب :3 181.

  • ۱۸۶

    ترک الإمتثال، وهكذا في الصبيّ؛ فإنّ الجنون والصغر من قبيل الأعذار العقليّة التي يلتزم ببقاء فعليّة التكليف معها، فلا مانع من تعلّق الوضع حتّى مع العذر عن التكليف.[1]


    الجهة السادسة: حكم تعذّر المثل في المثلي

    لو تعذّر المثل في المثلي، فهل يجوز للمالک المطالبة بالقيمة، أو لا؟ فإنّ العين قد تلفت والمِثْل قد تعذّر، فمع جواز المطالبة بالقيمة يجب دفعها، وإلّا فينتظر المالک زمان رفع التعذّر.

    ذكر الشيخ (رحمه الله): «لو تعذّر المثل في المثليّ فمقتضى القاعدة وجوب دفع القيمة مع مطالبة المالک».[2] وقد ذُكر في وجه جواز المطالبة وجوه :

    منها، أنّ جعل الضمان في مورد تعذُّر المِثْل مع عدم وجوب دفع القيمة لغو، فيجب ذلک دفعآ لمحذور لَغويّة جعل الضمان.

    فأجاب عنه السيّد الإمام (قدس سرّه) بأنّ هذا خلط بين الأحكام القانونيّة والشخصيّة؛ فإنّ مبادئ جعل القانون مغاير لمبادئ جعل الحكم الشخصيّ، وهنا لا لغويّة في جعل الضمان قانونآ وإن لم يكن له في هذا المورد الشخصيّ أثر؛ فإنّ اللغوية في المجعولات القانونيّة تلاحظ بالنسبة إلى الحكم الكلّي القانوني، لا إلى آحاد المكلّفين وخصوصيّات التكليف.

    ومنها، بناء العقلاء على وجوب دفع القيمة في مورد تعذّر المثل.

    فالجواب عنه أيضآ هو: أنّ الأحكام القانونيّة لا تقاس بالأحكام الشخصيّة؛ لتغاير مبادئهما، ويمكن تحقّق مبادئ جعل القانون ولو كان في بعض مصاديقه


    1 ـ كتاب البيع :1 384؛ كتاب البيع (تقريرات لآية الله القديري): 237.

    2 ـ كتاب المكاسب :3 226.

  • ۱۸۷

    غير قابل للإمتثال، فتعذّر المثل في المورد الشخصيّ لا يوجب عدم تحقّق المبادئ في جعل حكم قانونيّ وهو: ضمان المثليّ بالمثل.[1]

    ومنها، الإلتزام بالإنقلاب إلى القيمة عند تعذّر المثل، بأن يقال: إنّ الوضع منتزع من التكليف، ولا يعقل التكليف بأداء المتعذّر، فلا بدّ من التكليف بأداء القيمة؛ لأنّ احتمال سقوط الضمان مطلقآ مخالف للضرورة، فمع التكليف بها ينتزع إشتغال الذمّة بالقيمة، وهو المطلوب، فللمالک مطالبتها، وليس للضامن التأخير.

    ولكن يمكن أن يجاب عنه بوجه ينتج عدم الإنقلاب ولو مع التعذّر إلى الأبد، وهو: أنّ التكاليف القانونيّة فعليّة على موضوعاتها غير مقيّدة ولا معلّقة، والأعذار العقليّة ليست قيودآ لها، فيكون التكليف الفعلي القانوني المتعلّق بعنوانه منشأً لإنتزاع الوضع مطلقآ.[2]


    الجهة السابعة: بدل الحيلولة عند تعذّر العين

    لو تعذّر الوصول إلى العين مع عدم التلف كما لو غرق أو سرق أو ضاع فالظاهر تسالمهم على بدل الحيلولة، وقد إستدلّ عليه المحقّق الإصفهاني(رحمه الله) بقاعدة اليد؛ فإنّ مفاد دليل اليد هو إعتبار العين في العهدة، وإنّ هذا الإعتبار فعلا في كلّ زمان تحتاج إلى أثر مصحّح، وإلّا كان إعتبارها لغوآ. وعليه الظاهر منها بمناسبة غايتها هو أنّ المأخوذ بنفسه في عهدة ذي اليد، والعهدة مع وجود العين تكليفيّة، ومع تلفها ماليّة يجب تداركها بحصّة مماثلة لها، وعند تعذّر ردّها وعدم تلفها لا تكون عهدة التكليف ولا عهدة تدارک نفسها، حيث إنّها غير تالفة، فلو لم يجب تداركها


    1 ـ كتاب البيع (تقريرات لآية الله القديري): 288 290.

    2 ـ كتاب البيع :1 546 547.

  • ۱۸۸

    من حيث فوات السلطنة على الإنتفاعات بها كان إعتبار عهدتها فعلا لغوآ، فالإلتزام بكونها في العهدة فعلا يقتضي الإلتزام بأثر لها فعلا.[1]

    فيجيب (قدس سرّه) عن ذلک: أوّلا، أنّ دفع محذور اللغويّة غير منحصر بالإلتزام ببدل الحيلولة، بل المحذور يندفع بترتّب أثر آخر على هذا الإعتبار، كجواز المصالحة عليه وبيعه وغير ذلک من الآثار.

    وثانيآ، قد مرّ مرارآ أنّ قياس الأحكام القانونيّة بالشخصيّة أوجب مثل هذه الإشكالات، والحال أنّ مبادىء كلّ منهما وغاياته مغايرة لمبادئ الآخر وغاياته، وصحّة جعل القانون لا يدور مدار وجود المبادئ والغايات في الأشخاص، بل المصحّح له وجود أثر في محيط هذا القانون ولو في بعض الأفراد. وبكلمة أخرى، إنّ إعتبار العهدة في باب الضمانات، لا يكون إعتبارات كثيرة، في كلّ حال وآنٍ لها بحسبها غايات وآثار، بل لا بدّ وأن لا يكون إعتبار الأمر الوضعي بحسب الجعل القانوني لغوآ، وإلّا يلزم سقوط الدين عن ذمّة المديون لو فرض‌عدم قدرته على الأداء في برهة من الزمان وهو كما ترى.[2]


    الجهة الثامنة: وجوب الفحص عن المالک

    إنّه لو كان المالک مجهولا فهل يجب الفحص عنه أو لا؟

    قد إختار الشيخ الأعظم(رحمه الله) الثاني، تمسّكآ بإطلاق جملة من الروايات.[3] ولكنّه ليس في الروايات ما يمكن الإستناد إليها لترک الفحص والأقوى وجوبه عقلا.

    وقال المحقّق الميرزا الشيرازي(رحمه الله) في حاشيته: إنّ من بيده المال المجهول


    1 ـ كتاب المكاسب (للإصفهاني) :1 428.

    2 ـ كتاب البيع (تقريرات لآية الله القديري): 340؛ كتاب البيع (للإمام الخميني) :1 630.

    3 ـ كتاب المكاسب :2 185.

  • ۱۸۹

    مالكه إن علم بعثوره على مالكه بالفحص يجب عليه. وأما مع الشکّ فإمّا أن يكون التردّد بين من يقدر على إيصال المال اليه ومن لا يقدر أو بين من يقدر على الإيصال إلى كلّ منهم. وعلى الأوّل فامّا ان يكون ترديده بعد العلم بكونه محصورآ بين المقدورين أو بدونه فعلى الأول يجب الفحص لتنجيز التّكليف بعلمه بالقدرة عليه ولا يعلم سقوطه بخروج بعض أطرافه عن القدرة فيجب الفحص حتّى يتحقّق الإجمال أو يتحقّق عجزه عنه، وعلى الثّاني فلا يجب الفحص لما تقرّر في باب العلم الإجماليّ بالتّكليف من أنّ خروج بعض أطرافه المعيّن عن مورد التّكليف يوجب عدم وجوب الإحتياط بالنسبة إلى البعض الأخر، بل يرجع فيها إلى أصالة البراءة ونحوه مما يفيد فائدته ومع سقوط التكليف فلا مقتضى للفحص لعدم إشتراط إجراء الأصول في الشّبهات الموضوعيّة بالفحص.[1]

    فأورد عليه السيّد الإمام (قدس سرّه) بأنّ لازم ما ذكره هو إجراء البراءة في الشکّ في القدرة على الإيصال إبتداءً، ومبناه على ما يظهر من كلامه هو أنّ القدرة من القيود الشرعيّة المستكشفة بالعقل؛ فيرد عليه أنّ القدرة ونحوها من الأعذار العقليّة لإمتثال التكاليف، لا قيودها شرعآ أو عقلا، وأنّ التكاليف الكلّية القانونيّة فعليات على موضوعاتها من غير تقييد بالعلم والقدرة والإلتفات وغيرها، فحينئذ يجب الإحتياط عقلا مع الشکّ في القدرة، ويجب الفحص. فالإنصاف أنّه لا يمكن مساعدة القائل المدقّق التقيّ في المبنى ولا البناء.[2]


    الجهة التاسعة: رجوع المالک إلى جميع الأيادي مع بقاء العين

    لو تعاقبت الأيادي على عين مغصوبة مع بقائها، فهل للمالک الرجوع إلى كلّ من جرت يده عليها، ويجب عليه تحصيلها والتأدية إليه، أو وجوب الردّ مختصّ بمن


    1 ـ حاشية المكاسب (للميرزا الشيرازي) :1 187.

    2 ـ المكاسب المحرمة (للإمام الخميني) :2 398 402.

  • ۱۹۰

    هي في يده فعلا؟

    وقد استدلّ على الأوّل بقاعدة اليد، وهو مبنيّ على أن يكون المراد منها عهد العين بجريان اليد عليها، فيجب عليه الردّ حال وجودها، أو يكون المراد منها الحكم التكليفيّ فقط، وهو وجوب ردّها.

    هذا، وقد أضاف إليه الإمام (قدس سرّه): أنّه يمكن الإستدلال عليه أيضآ بالإستصحاب بأن يقال: إنّ العين إذا وقعت في يد كلّ غاصب أو من بحكمه يجب عليه ردّها إلى صاحبها، وبعد خروجها عن تحت يده، يشکّ في بقاء الوجوب فيستصحب كما يستصحب حكم الغاصب بالنسبة إلى كلّ منهم؛ لكنّه مبنيّ على ثبوت وجوب الردّ حتّى بالنسبة إلى الغاصب الذي يتعذّر عليه الردّ، إمّا لأجل عجزه عنه لضيق الوقت ونحوه، أو لجهله وغفلته؛ فإنّه بناءً على ثبوت الأحكام الكلّية القانونيّة الفعليّة لايفرق في ما نحن فيه بين العالم والجاهل، والقادر والعاجز.[1]


    الجهة العاشرة: ردّ العين إلى المالک قبل الوقوع تحت يد الغارم

    إنّ العين التالفة عرفآ تبقى على ملک مالكها لعدم دليل على خروجها منه، ولا تقتضي ماهيّة الغرامة ذلک، ولهذا لا يقولون به في بدل الحيلولة، كما أنّ العين المتعذّرة باقية عليه، فلو إرتفع العذر ورجعت التالفة، فهل يجب ردّها إلى صاحبها قبل وقوعها تحت يده، أو لا؟

    يقول السيّد الإمام (قدس سرّه): الظاهر قصور الأدلّة اللفظية مثل «لا يحلّ مال إمرئٍ مسلم»[2] عن إثبات وجوب ردّ العين.

    ثمّ يتمسّک (قدس سرّه) بناءً على نظريته، بإستصحاب وجود الأداء الثابت قبل التعذّر ويقول: إنّ التعذّر لا يوجب سقوط الوجوب، بل الوجوب على فعليّته في الأعذار


    1 ـ كتاب البيع :2 510 511.

    2 ـ وسائل الشيعة :14 572.

۲۵,۲۹۳ بازدید