• ۱۱

    المبحث الأوّل: أهمية الموضوع وتأريخه[1]

    إنّ هذا الموضوع وهو عدم الإنحلال في الأحكام المجعولة من قبل المشرّع المسمّاة بالخطابات الكلّية القانونية، من الأبحاث المهمّة والتي قد كثر الكلام حولها وإنّا لوشاهدنا هذه البحوث التي طرحت في هذه المسألة إجمالا يتضّح لنا مدى إهتمام الفقهاء والمحقّقين بشأنها؛ وذلک لأنّ البحوث الأصولية قد أثّر قسم منها على بعض المباني العلمية في سير عملية الإجتهاد بصورة عامة وبشكل كلّي نحو هذه النظرية، وإنّها بحقّ لخطوة صاعدة في حركة النهوض الفقهي ومبادرة تأسيسيّة موفّقة في سبيل تفعيل الإستنباط، حيث إنّها إستهدفت معالجة أحد الألغاز العويصة في الربط المنطقي بين الصياغات الكلّية للأحكام وبين تعلّقها بعهدة المكلّف على إنفراده من خلال بيان آلية معيّنة وميزة خاصة للخطاب القانوني فيتوصّل عبرها لتحريک المكلّف ودفعه صوب الإمتثال، فإنّ مثل هذه النظرية لم‌تطرح في المعالجات البحثية بنحو متناسب مع أهميتها وخطورتها ممّادعت الحاجة إلى ضرورة بيانها وعرضها على المستوى التصوري


    1 ـ الفصل التمهيدي من المقرّر المؤلّف وليس من أبحاث شيخنا الأستاذ حفظه الله.

  • ۱۲

    والمستوى التصديقي وتقصّي الآثار والنتائج المترتّبة على هذه النظرية أصوليآ وفقهيآ.

    نشأت نظرية الخطابات القانونية كما هو المعروف، في سياق المحاولات التي تصدّت للجواب على الشبهة المذكورة التي أوردها الشيخ البهائي(رحمه الله)[1] في بحث إقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاص في باب العبادات، ولايناسب المقام البحث عنه إلى أن جاء دور السيّد الإمام الخميني (قدس سرّه) فأبدع هذه النظرية عندما أجاب عن تلک العويصة، ولكنّها لم‌تبق بذلک المستوى، بل صارت أحد المباني الإستراتيجية لسماحته (قدس سرّه)في علمي الأصول والفقه،بل أصبحت قضية في غاية الأهميّة، لكونها فكرة كلية متلائمة ومواكبة لعصرنا الحاضر وحياة الإنسان المعاصر،لاسيماعلى‌الصعيدين الإجتماعي والسياسي،[2] فإنّ الأخذبهاسيتعرّف جيدآ على الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية المعاصرة بصورة واضحة ومنضبطة، وسيتّضح ذلک من بيان النظرية وتطبيقاتها في المسائل المختلفة.

    ومن هذا المنطلق، نلاحظ أنّ سماحة السيّد الإمام الخميني (قدس سرّه) قد غيّر المنهج الأصولي الذي كان سائدآ ومتفوّقآ فبدّل نظرية الموالي والعبيد إلى الرؤية القانونية، ولقد أعقبت آراؤه البديعة ثقافةً إسلاميةً وبلغ ذروته عندما هيمن على الشاه حينما أسقط الدولة البهلوية ووقعت إيران تحت سيطرته الدينية.


    المبحث الثاني: تبيين المفردات

    قبل الحديث عن البحث الأصولي في نظرية الخطابات الشرعية يجب أن نحدّد المفاهيم الأساسية أولا، ثمّ مضمونه وعناصره التي يتكوّن منها ثانيآ، لأنّا ما لم


    1 ـ زبدة الأصول: 117.

    2 ـ أنظر مقالة «تعلّق الخطابات الشرعية السياسية بالمكلّف السياسي وفقآ لنظرية الإمام الخميني (قدس سرّه) في الخطابات القانونية» ]بالفارسية[، مجلّة علمية تخصصية تعني بقرائات الثورة الإسلامية (فصلنامه علمى ـپژوهشى مطالعات إنقلاب إسلامى)، الرقم :16 43 62.

  • ۱۳

    نتبيّن المادّة المدروسة بصورة جيدة لا يمكننا بحال أن نتبيّن المنهج المتّبع في بحثنا، اذ المنهج العلمي في بحث أية مادّة يجب أن يكون مشتقّآ من طبيعة المادّة المدروسة.

    فعلينا في البدء أن نلقي نظرةً ولو قصيرة على تعريف الخطاب والنعوت المتّصلة به من الحكم ومايرتبط به من أقسامه ومبادئه ومراحل جعله والتكليف، وتعريف القانون والإنحلال كمقدمة وتوطئة للبحث.


    المطلب الأول: تعريف الخطاب

    لمّا كانت الغاية التي يستهدفها الأصولي هي معرفة كيفية إستنباط الأحكام من الأدلّة التي عمدتها ترجع إلى «الخطاب الشرعي» فيفرض المعرفة به من حيث مفهومه وأقسامه.

    الخطاب: أحد مصدرَي فعل خاطب يخاطب خطابآ ومخاطبة، ويدلّ لغويآ على توجيه الكلام المفيد لمن يفهم، نقل من الدلالة على الحدث المجرّد من الزمن إلى الدلالة الإسمية، فأصبح في العرف العام يدلّ على ما خوطب به وهو: الكلام بَيْن متكلّم وسامع.[1] ومن ثمّ، لايطلق الكلام على لفظ الخطاب إلّا إذا كان متصفآ بخصوصية قصد الإفهام، لأنّ المعقول من قولنا: إنّه مخاطِب لنا، أنّه قد وجّه الخطاب نحونا ولا معنى لذلک إلّا أنّه قصد إفهامنا.

    ولا يخفى أنّ الخطاب الشرعي هو كلام الله جلّ وعلا (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)[2] ثمّ سنة رسول الله (صلي الله عليه وآله) وأوصيائه صلوات الله عليهم بإعتبارها شارحةً ومبينةً لكلام الله عز وجلّ.


    1 ـ المصباح المنير :2 173؛ مجمع البحرين :2 51.

    2 ـ سورة فصّلت: 42.

  • ۱۴

    هذا، وإنّ الخطاب الشرعي بإعتبارات مختلفة، له تقسيمات متعدّدة فيتنوّع إلى الخبر والإنشاء، وينقسم مضمونه أيضآ إلى قسمين: خطاب تكليف وخطاب وضع. ولا يخفى أنّ الخطاب كاشف عن الحكم، والحكم هو مدلول الخطاب. وبعبارة أخرى، إنّ الحكم ليس هو الخطاب نفسه بل المستفاد منه، فإنّ الحكم ليس قول الشارع: أوجبت عليک، بل نفس الوجوب المستفاد من ذلک الخطاب، كما سيأتي توضيحه.


    المطلب الثاني: تعريف الحكم الشرعي وأقسامه

    إنّ الحكم الشرعي ليس مفهومآ ذهنيآ مجرّدآ عن أحوال الخلق المختلفة، بل يكون محطّآ للنظر عند الفقيه والأصولي معآ ليتكفّلوا بتنظيم حياة الإنسان الماديّة والمعنوية ووقائعهم وفق تشريعات إلهية إسلامية، فالأوّل يدرس العناصر الخاصّة لإستنباطه بينما الثاني يدرس العناصر السيالة والمشتركة لإستنباطه.

    هذا، وتوجد في علم الأصول نقاط كثيرة متعلّقة بالحكم الشرعي فلابدّ لنا أن نستعرض بعض أهمّ النقاط المرتبطة وذات الصلة به ضمن جهات عديدة، ستأتي واحدة بعد أخرى كما يلي :


    الجهة الأولى: تعريف الحكم الشرعي

    الحكم: مصدر حكم يحكم، وفي دلالته اللغويّة تعني: القضاء، وهو يطلق أيضآ على معنى العلم والفقه[1] ويطلق أيضآ على إتقان الفعل والإتيان به على الوجه الذي ينبغي فيه، وأصل الحكم في اللغة بمعنى المنع، وبذلک سمّيت حَكمة الدّابة بهذا الإسم، لأنّها تذلّلها لراكبها حتّى تمنعها الجماح وغيره، فيقال أحكمت السفيه


    1 ـ تاج العروس من جواهر القاموس :16 160 و 165؛ لسان العرب :12 141.

  • ۱۵

    وحكمته: إذا أخذت على يده ومنعته من سوء فعله.[1]

    وسمّي القاضي حَكمآ، لانّه يمنع المقضي عليه من مخالفة الأمر، والحكمة ذات صلة بمعنى المنع، لأنّها تمنع صاحبها عن أخلاق الأراذل والفساد.[2]

    وأمّا الحكم الشرعي إصطلاحآ فقد ذكروا له تعريفات وإختلفوا فيه، فعن المشهور بين قدماء الأصوليين، وخاصّةً بين العامّة: أنّه هو الخطاب الشرعي المتعلّق بأفعال المكلّفين.[3]

    وفي هذا التعريف عدة مجالات للتأمل :

    أولا، إنّ الخطاب الشرعي في الكتاب والسنة إنّما هو مبرز للحكم الشرعي وكاشف عنه ودالّ عليه وليس هو الحكم نفسه، فالحكم هو مدلول الخطاب.

    وثانيآ، إنّ الحكم الشرعي لاينحصر بما يتعلّق بأفعال المكلّفين، بل قد يتعلّق بذواتهم أو بأشياء أخرى ترتبط بهم.[4]

    وثالثآ، إنّ هذا التعريف شامل لما ورد فيه خطاب متعلّق بأفعال العباد ولكنّه ليس بحكم بل قصد به الإخبار، مثل قوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)[5]

    هذا، ولكن يرد على الملاحظة الأولى: أنّ أهل السنّة يقبلون أنّ الخطاب ليس هو عين الحكم حيث أنّهم فسّروا خطاب الله في كتبهم بأنّ المراد به كلامه تعالى، سواء دُلّ عليه بالقران الكريم مباشرةً أو بالسنّة أو بالإجماع أو بالقياس أو بغير ذلک من الأدلّة الشرعية التي هي كاشفة عن خطاب الله تعالى ومعرِّفة له.[6]

    وهناک تعريف ثانٍ للحكم الشرعي منقول عن الأصوليين وهو: خطاب الله


    1 ـ معجم مقائيس اللغة :2 91؛ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير :2 145.

    2 ـ المصباح المنير :2 145.

    3 ـ المعالم الجديدة للأصول: 99.

    4 ـ نفس المصدر.

    5 ـ سورة الصافات: 96.

    6 ـ الحكم الشرعي عند الأصوليين: 46.

  • ۱۶

    تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالإقتضاء أو التخيير أو الوضع.[1]

    وهذا التعريف أيضآ يرد عليه الإيراد الأول والثاني الواردين على التعريف السابق، ولكنّه لايرد عليه الإشكال الثالث الذي سردناه آنفآ، لتقييد الخطاب فيه بخصوص الإقتضاء أو التخيير أو الوضع. هذا، ولكنّ التعريفين السابقين ليسا بجامعين، لعدم شمولهما لقسم من الأحكام الوضعيّة التي لم يتعلّق بها خطاب من الشارع، وإنما انتزعت مما ورد فيه الخطاب من الأحكام التكليفية كالجزئية، والشرطية، والسببية.[2]

    وقد عرّف أيضآ بتعريف ثالث وهو: أنّ الحكم الشرعيّ هو ما كتب الله على عباده في نفس الأمر، والكاشف عنه والدّليل عليه هو: كلامه وكلام رسول الله (صلي الله عليه وآله) وأمنائه، والعقل القاطع.[3] ولكنّه ينحصر التعريف في الحكم الواقعي، ولايشمل جميع أفراده.

    هذا، وقد عرّف بتعريف رابع وهو أنّ الحكم هو: البعث الناشئ من الإرادة الجدّية بحيث تكون الإرادة كسائر المقدّمات من مبادئ حصول الحكم لا من مقوّماته؛ وذلک بشهادة العرف والعقلاء، فإنّ مجرّد صدور الأمر من المولى يكفي في إنتقال العبيد إلى وجوب الإتيان، من غير أن يخطر ببالهم أنّ أمره ناشٍ من الإرادة أو أنّ هنا إرادة في نفسه وهو يحكي عنها، بل إنّ البعث والإغراء بأيّ آلة كانت فهو تمام الموضوع لحكم العقلاء بوجوب الإمتثال.[4]

    ولا يخفى أنّ تفسير الحكم بالبعث الناشئ من الإرادة الجدّية يخرج الأحكام الخمسة خلا الوجوب من دائرة الحكم الشرعي ولايصحّ إطلاقه على الوضعيات


    1 ـ موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين :1 602.

    2 ـ الأصول العامة في الفقه المقارن: 52.

    3 ـ القوانين المحكمة في الأصول :3 299.

    4 ـ تهذيب الأصول :1 319.

  • ۱۷

    أيضآ. هذا، ويشمل التعريف للأوامر الإمتحانية التي تكون الارادة فيها قد نشأت في نفس المولى لأجل المصلحة في نفس الأمر لا في متعلّقه؛ مع أنّه لايعدّ من الأحكام الشرعية قطعآ.

    وعليه من الأفضل إستبدال هذه الصيغ في تعريف الحكم الشرعي بما يكون مطّردآ ومنعكسآ فنقول تبعآ للسيد المحقّق الصدر(رحمه الله) إنّ الحكم عبارة عن : التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان وتوجيهه. والخطابات الشرعية في الكتاب والسنّة مبرزة للحكم الشرعي وكاشفة عنه، وليست هي الحكم الشرعي نفسه.[1]

    وتوضيحه إنّ الحكم الشرعي بلحاظ القانوني عبارة عن التشريع، فيكون من سنخ الأفعال الإختيارية الصادرة عن المشرّع الذي يُعنى بشئون الإنسان ويتعلّق بذاته أو بفعله أو بغيرهما مما يرتبط بالإنسان ومختلف جوانبها المادية والعبادية ـجماعات وأفراد فعالجتها الشرعية ونظّمتها جميعآ.

    هذا، والمراد من التشريع ما يشمل المنتزع منه لكي يدخل في التعريف بعض الأحكام الوضعية وهي الأحكام الإنتزاعية كالجزئية والشرطية؛ فإنّها ليست مجعولةً ومشرّعةً من قبل الشارع، بل هي منتزعة من تشريعات إلهية أخرى، ومايشمل أيضآ الحبّ والبغض المولويين والإرادة والكراهة المولويتين، فإنّها من مبادئ الحكم الشرعي والتشريع الإلهي وتعبّر عن روح الحكم وحقيقته.

    وعلى ضوء هذا البيان، قد إتضح الخلل في ما عرّفه السيّد الحكيم(رحمه الله) في الأصول العامة في الفقه المقارن من أنّ الحكم الشرعي هو: الإعتبار الشرعي المتعلّق بأفعال العباد تعلّقآ مباشرآ أو غير مباشر؛[2] وذلک لأنّ الحكم الشرعي قد


    1 ـ دروس في علم الأصول :1 61.

    2 ـ الأصول العامة في الفقه المقارن: 55.

  • ۱۸

    لا يتعلّق بأفعال المكلّفين، بل قد يتعلّق بذواتهم أو بأشياء أخرى ترتبط بهم، اذ الهدف من الحكم الشرعي تنظيم حياة الإنسان، و لغرض الوصول إلى هذه البغية كما نحتاج إلى خطاب متعلّق بأفعال المكلّفين كخطاب «صلّ» أو «لا تشرب الخمر»، كذلک نحتاج إلى خطاب متعلّق بذواتهم أو بأشياء أخرى تدخل في حياتهم من قبيل الأحكام والخطابات التي تنظّم علاقة الزوجية وتعتبر المرأة زوجة للرجل في ظلّ شروط معينة، أو تنظّم علاقة الملكية وتعتبر الشخص مالكآ للمال في ظلّ شروط معينة، فانّ الزوجية حكم شرعي متعلّق بذواتهم والملكية حكم شرعي متعلّق بالمال؛[1] فليس الفارق بين الحكم التكليفي والوضعي هو تعلّق الأول بفعل المكلّف مباشرة وعدم تعلّق الثاني به كذلک؛ فإنّ الحكم قد يكون رغم تعلّقه بفعل المكلّف مباشرة حكمآ وضعيآ لا تكليفيآ وذلک بلحاظ عدم توجيهه العملي المباشر كالجزئيّة والشرطية المتعلّقة بالعبادات.


    الجهة الثانية: تقسيمات الحكم الشرعي

    وبُغيةَ أن نتبيّن هذه الدراسة بشأن الخطابات القانونية ونماذجها التطبيقية ينبغي لنا التعرّف على التقسيمات والخصائص الشائعة التي ترتبط بالحكم والخطاب الشرعي ليكون الناظر على بصيرة ويتبيّن مَبلغ صحّة النظرية. وقد قسّموا الحكم أصحابنا الإمامية بتقسيمات متعددة نستعرضها كما يلي :


    النقطة الأولى: تقسيم الحكم الي تكليفي ووضعي

    ينقسم الحكم الشرعي إلى تكليفي ووضعي، حيث إنّ الحكم اذا صدر بداعي البعث أو الزجر أو الترخيص الذي يتعلّق بأفعال الإنسان وما يصلح ويوجّه


    1 ـ دروس في علم الأصول :1 61.

  • ۱۹

    سلوكه في مختلف جوانب حياته الشخصية والإجتماعية التي نظّمتها الشريعة، يسمّى تكليفيآ. والمشهور أنّ الأحكام التكليفية مجعولة بالجعل الشرعي كما يستفاد من النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة.

    وأمّا الحكم الّذي لم يكن بحكم تكليفي بل يشرّع وضعآ معينآ وينظّم التشريعات الالهية والأحكام التكليفية، من قبيل الأحكام التي تنظّم علاقات الملكية والزوجية ونحوهما، فيسمّى وضعيآ، لكونه غالبآ موضوعآ للحكم التكليفي. وبالجملة أنّ كلّ حكم وإعتبار شرعي سوي الخمسة المذكورة يعتبر حكمآ وضعيآ كالمشروعات التي تتضمّن السببية أو المانعية أو الشرطية أو الصحة والفساد.

    وبناءً على ما ذكرناه أنّ العلاقة بين الأحكام الوضعيّة والأحكام التكليفيّة وثيقة جدآ؛ إذ لا يتوفّر حكم وضعي إلّا ويوجد إلى جانبه حكم تكليفي، فالزوجيّة مثلا حكم شرعي وضعي توجد إلى جانبه أحكام تكليفية وهي وجوب إنفاق الزوج على زوجته ووجوب التمكين على الزوجة. والملكيّة حكم شرعي وضعي توجد إلى جانبه أحكام تكليفية من قبيل حرمة تصرّف غير المالک في المال إلّا بإذنه.[1]

    هذا ويقسّم الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام، وهي الوجوب والإستحباب والحرمة والكراهة والإباحة. ومنشأ التقسيم هو أنّ الحكم إذا يبعث نحو الشيء الّذي تعلّق به على وجه الحتم، ويطلب الفعل بدرجة الإلزام لكي يكون تاركه مستحقّآ للذمّ والعقاب، يعبّر عنه بالوجوب والفرض والمكتوب.

    وأمّا الحرمة فهي ضدّ الوجوب ويرادفها المحظور، والمعصية، والذنب،


    1 ـ المصدر نفسه :1 62.

  • ۲۰

    والمراد منها المنع، والحكم الشرعي الذي يزجر عن الشيء الّذي تعلّق به بدرجة الإلزام، فلا يحلّ إنتهاكه؛ فإنّ الشارع أوعد على فعله فيأثم المكلّف بإتيانه.[1]

    وأما الندب ويرادفه المستحب والسنّة والنفل فهو ما رغّب فيه الشارع ولم يوجبه وطلبه طلبآ غير جازم، والمطلوب فعله شرعآ من غير ذمّ على تركه مطلقآ، وعليه إنّ الندب هو الحكم الذي يبعث نحو الشيء الّذي تعلّق به بدرجة دون الإلزام، ولهذا يوجد إلى جانبه دائمآ رخصة من المشرّع في مخالفته، فيثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.[2]

    وأما الكراهة فهي تتعلّق بطلب الكفّ عن الفعل طلبآ غير جازم، فيكون حكمآ شرعيآ يزجر عن الشيء الّذي تعلّق به بدرجة دون الإلزام، فهي طلب الترک لا على سبيل الحتم والإلزام.

    وأما الإباحة فهي خلاف المحظور، والمراد منها الإحلال، وما يأذن الشارع في الأخذ منه والتّرک، فتقتضي التخيير وتفسح المجال للمكلّف لكي يختار الموقف الّذي يريده من فعل أو ترک، فإنّها ما إستوى طرفاها بالشرع وخلت من مدح أو ذمّ.[3]

    بقي هنا شيء، وهو أن الإباحة كما تنشأ من عدم المصلحة والمفسدة في الفعل أو لتساويهما فيه، كذلک قد تكون مع المصلحة الملزمة أو المفسدة الملزمة ولكن مع وجود مانع عن الإلزام بالفعل أو الترک أو وجود المقتضي للترخيص والإباحة كما في الإباحات الظاهرية، فيطلق على القسم الأول الإباحة اللاإقتضائية وعلى الثاني الإباحة الإقتضائية.[4]


    1 ـ القاموس الفقهي، لغةً وإصطلاحآ: 87.

    2 ـ معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية :3 276.

    3 ـ نفس المصدر :1 33؛ القاموس الفقهي، لغةً وإصطلاحآ: 42.

    4 ـ إصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها: 121.

۲۵,۲۸۸ بازدید