• ۱۹۱

    العقليّة؛ غاية الأمر أنّ المكلّف معذور في مخالفته، وقد قرّرنا في محلّه أنّ التكاليف القانونيّة لا تخرج عن الفعليّة بواسطة الجهل والعذر، وأنّ مبادئ جعل القوانين الكلّية وغاياتها غيرهما في توجّه التكليف إلى الأشخاص. فحينئذٍ لو علمنا بأن لا مزاحم للتكليف إلّا العذر العقلي، وهو علّة منحصرة، فلا يبقى شکّ في ثبوت التكليف؛ ولو إحتملنا أنّ المساوق للعذر تحقّق علّة لسقوطه فيستصحب بقاؤه.[1]


    1 ـ كتاب البيع :1 649 650.

  • ۱۹۲
  • ۱۹۳

    فصل في خاتمة المطاف

    ويشتمل على :

    نتائج البحث وما يمكن إستخلاصه من مجموعة الأبحاث

  • ۱۹۴
  • ۱۹۵

    نتائج البحث

    إنّ من جملة المسائل المساعدة لفهم الإتجاهات العلمية هي تناول النظرية لوحدها وقياس مدى أهميتها في مسائل الأصول وأبواب الفقه من خلال ملاحظة تطبيقاتها المختلفة.

    وقد تبيّنا من خلال هذه الوقفة في رحاب الإمام الخميني (قدس سرّه) أنّ نظرية الخطابات القانونية كانت تتّسع لمفردات علمية وعملية تصلح لأن تكون نماذج تطبيقية لها فتعبّر عن العمق العلمي، وتساعد على تركيز الدعائم الأصولية والفقهية للمحافظة على تراثية القيّم والإحتفاظ بقيمة التراث الأصولي. فرأينا أن نتعرّض في هذه الخاتمة إلى جملة من المباحث والنتائج التي خرج بها الكتاب من بحث هذا الموضوع وبقدر أهمية هذه النتائج على الصعيد العلمي.

    1. الخطاب يدلّ لغويآ على توجيه الكلام المفيد لمن يفهم. والخطاب الشرعي هو كلام الله جلّ وعلا ثمّ سنّة رسوله (صلي الله عليه وآله) وأوصيائه صلوات الله عليهم بإعتبارها شارحةً ومبينةً لكلام الله عزّ وجلّ. ولا يخفى أنّ الخطاب الشرعي كاشف عن الحكم والحكم هو مدلول الخطاب.

  • ۱۹۶

    2. الحكم في دلالته اللغوية تعني: المنع، ويطلق أيضآ على إتقان الفعل والإتيان به علي الوجه الذي ينبغي فيه. وأمّا الحكم الشرعي إصطلاحآ فهو : التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان وتوجيهه. وينقسم إلى حكم تكليفي وهو: ما صدر بداعى البعث أو الزجر أو الترخيص ويتعلّق بأفعال الإنسان وما يوجّه سلوكه في مختلف جوانب حياته؛ وحكم وضعي وهو: الّذي يشرّع وضعآ معينآ وينظّم التشريعات الالهية والأحكام التكليفية، كالملكية والزوجية.

    3. كلمة القانون في اللغة تعني مقياس كلّ شيئ، وهو أمر كلّي ينطبق على جميع جزئياته التي تتعرّف أحكامها منه. وأمّا في الإصطلاح فتطلق على مجموعة القواعد التي تحكّم وتنظّم علاقات المخاطبين بها وسلوكهم في مجتمع‌ما، والتي تصف بأنّها قواعد عامّة فتكون مجرّدة من ذاتية الأفراد وصفاتها الشخصية والوقائع بحيث تخاطب جميع الأفراد بحسب الأمر الذي وضعت لأجله، كما وأنّه لابدّ من أن يكون لهذه القواعد صفة الإلزام والجبر.

    4. الحلّ والحلول لغةً بمعنى الفتح. واستعمل في الأصول لإنحلال الحكم الشرعي المنشأ بإنشاء واحد إلى أحكام مستقلة شتّى بعدد أفراد الموضوع ومصاديقه، فلكلّ منها إمتثال مستقل وعصيان كذلک.

    5. ذهب المشهور إلى أنّ المراحل التي يمرّ بها الحكم في تدوينه حتّى يبلغ إلى المكلّف أربعة، هي: مرتبة الملاک وهي: ثبوت المقتضيي ووجود المصلحة في الحكم بما هو هو؛ ومرتبة الإنشاء وهي: مرتبة الجعل وصدور الحكم عن المولى لا بداعى البعث والزجر؛ ومرتبة الفعلية وهذه: مرحلة يبلغ الحكم فيها إلى درجة البعث والزجر جدّيآ وتمّ الأمر من قبل المولى فيصير الحكم حكمآ حقيقيّآ؛ ومرتبة التنجّز وهي: مرحلة وصول البعث أو الزجر إلى المكلّف بالحجّة المعتبرة من علم أو علمي.

  • ۱۹۷

    6. يعتقد الإمام الخميني (قدس سرّه) بأنّه ليس للأحكام إلّا مرتبتين: الإنشائية والفعلية؛ فإنّ مرحلة الإقتضاء تتمحّض في المصالح والمفاسد وهي أمور خارجيّة فتكون من مقدّماته. وأمّا مرحلة التنجّز فهي متأخّرة عن الحكم ومرتبطة بالعقل وتنجّزه الحكم على المكلّف. والمراد من مرحلة الفعلية هو: ما أوقعه الشارع في مورد جريان العمل ولزوم تطبيق العمل عليه متوجّهآ إلى جميع المكلّفين فلا تختصّ بالعالم والقادر، بل تشمل الجاهل والعاجز أيضآ، غاية الأمر أنّ العاجز والجاهل القاصر معذوران عقلا في المخالفة، ومرتبة الإنشاء هي: مرحلة جعل القانون ولكن ليس بحيث يكون بيد الإجراء والعمل.

    (عليه السلام). إنّ الأحكام الشرعية، تكليفيةً كانت أم وضعيةً، تنصبّ على الموضوعات. وقد إعتقد الأصحاب 4 بأنّ القضية المتضمّنة لحكم شرعي إنّما تكون مجعولة علي نهج القضية الحقيقية.

    8. زعم المشهور أنّ القضيّة الحقيقيّة هي ما كان الحكم فيها واردآ على العنوان والطبيعة بلحاظ مرآتيّة العنوان لما ينطبق عليه في الخارج، بحيث يرد الحكم على الخارجيّات بتوسّط العنوان الجامع لها؛ فإنّ الحكم فيها وإن رتّب على الطبيعة لكن لا بلحاظ تقرّرها العقلي، بل بلحاظ تقرّرها الخارجي، بحيث كلّما يفرض له من أفراد، تدخل فيه ويثبت لها الحكم على تقدير وجودها؛ بيد أنّ الحكم في القضية الخارجية الكلّية إنّما يكون مترتّبآ على الأفراد الخارجية إبتداءً من دون أن يكون هناک بين الأفراد جامع إقتضى ترتّب الحكم عليها بذلک الجامع. ومقتضى لحاظ الموضوع عنوانآ حاكيآ عن أفراده هو: إنحلال الحكم وتعدّد وجوده بعدد ما له من التطبيقات، فهناک موضوعات كثيرة وأحكام عديدة، كما ينحلّ الحكم والخطاب بلحاظ المكلّفين، الموجودين منهم والأفراد المقدّرة الوجود دون إستثناء. وعليه إنّ الوجوب الثابت في حقّ كلّ مكلّف غير الوجوب

  • ۱۹۸

    الثابت في حقّ المكلّف الآخر، فيستتبع إطاعته أو عصيانه على إستقلاله.

    9. يلحظ الموضوع في القضية الحقيقية مفروض الوجود في الرتبة السابقة على الحكم، وهذا معناه رجوع القضية الحقيقية إلى شرطية، مفادها: إذا وجد الموضوع وجد الحكم، فيكون موضوع القضية مقدّمها، ومحمولها تاليها، فيتعدّد الحكم بتعدّد موضوعه في الخارج كما يتعدّد بتعدّد الشرط وجودآ؛ فإنّه إستوت نسبة فعلية الجزاء إلى تمام فعليات الشرط، كما تقول: «النار حارّة» أو تقول: «إن وجدت نار فهي حارّة» أو تقول: «كلّما وجد في الخارج شيء وكان نارآ فهي حارّة.»

    10. قد جاء السيّد الإمام (قدس سرّه) بتقريب آخر في تحليل القضيّة الحقيقيّة والخارجيّة وذهب إلى أنّ المناط في الفرق بينهم بعد أنّ الحكم في كلّ واحدٍ منهما ثابت ومتعلّق بالعنوان الكلي إبتداءً هو أنّ العنوان في الخارجيّة مقيّد بقيد لا ينطبق إلّا على الأفراد الموجودة محقّقآ، وليس الحكم فيها متعلّقآ بذات الأفراد وأشخاصها الخارجيّة مباشرةً وبلا توسيط عنوان. وأمّا في القضايا الحقيقيّة فالموضوع فيها ذو قابلية يصلح أن ينطبق على الأفراد الموجودين حسب مرور الزمان، لا بمعنى كون الطبيعة حاكية عنها، بل لا تدلّ إلّا على نفس الطبيعة، وهي قابلة للصدق على الأفراد، ومتّحدة معها في الخارج. مع أنّه لايقيّد العنوان في الحقيقية بفرض وجود الموضوع، بل ينحصر الصدق في ظرف الوجود الخارجي من غير أن يكون الوجود قيدآ، فيكفي تعلّق الحكم بنفس العنوان القابل للصدق على الأفراد عبر الزمان؛ فهما يشتركان في أنّ الحكم على العنوان لا على الخارج ويفترقان في أنّ العنوان في القضية الخارجية له ضيق ذاتي لا ينطبق إلّا على الأفراد الموجودة فعلا.

    ويشتركان أيضآ في أنّ المقسم لهما القضية الكلّية البتّية المعتبرة في العلوم،

  • ۱۹۹

    لاالشرطيّة، فلا تنحلّ القضايا الحقيقيّة إلى الشرطيّة واقعآ، وليس ذلک مقصودآ ومرادآ للمحقّقين من المنطقيّين أيضآ؛ فإنّه ليس في الإخبار إشتراط أصلا، لكن لا تكون النار نارآ ولا حارّة إلّا بعد الوجود الخارجي، وهذا غير الإشتراط، ولا يكون مربوطآ بمفاد القضيّة. ولو كانت القضايا الحقيقيّة مشروطة حقيقةً، لزم أن يكن إثبات لوازم الماهيات لها بنحو القضية الحقيقيّة مشروطآ بوجودها الخارجيّ، مع أنّها لازمة لها من حيث هي، فقولنا: «كلّ أربعة زوج» قضيّة حقيقيّة جزمآ، ولو كانت مشروطةً لزم أن يكون إثبات الزوجيّة لها مشروطآ بالوجود الخارجيّ، مع أنّ اللوازم ثابتة لذواتها من غير إشتراط أصلا؛ لأنّ الإشتراط معناه دخالة الشرط في ثبوت الحكم، وهو خلاف الواقع في لوازم الماهيّات

    11. قد أورد الإمام الخميني (قدس سرّه) ومن تبعه على نظرية الإنحلال، بعضَ تبعاتها الفاسدة ومحاذيرها المبنائية، وهي: عدم صحّة الخطاب إلى العاصي والكافر،وعدم الإحتياط عند الشک في القدرة، ولزوم النسبية في الأحكام الوضعية، وإجتماع عدة أكاذيب في خبر واحد، وعدم وجوب القضاء على النائم في جميع الوقت.

    12. إنّ الخطاب الشرعي عند الإمام الخميني (قدس سرّه) قد يقسّم إلى نوعين: شخصي وقانوني. والخطاب الشخصي هو: الخطاب المتوجّه إلى شخص أو صنف خاص من الناس، كالخطاب المتوجّه إلى شخص الرسول (صلي الله عليه وآله) أو نسائه، فيلقي التكليف إلى الفرد بشكل مختصّ به مستجمعآ لشرائط صدور الخطاب من العلم والقدرة على إتيان المأمور به وإحتمال إنبعاثه بمعنى كونه موردآ لإبتلائه ورغبته. ومن ثمّ، إنّ العقل حاكم بمعذوريّة العاجز والجاهل والساهي وغيرهم في مخالفة الحكم الشرعيّ فتوجيه الخطاب الشخصي إليهم لغو، بل ممتنع صدوره من الملتفت وحينئذ لا تصحّ العقوبة على المخالفة.

    13. إنّ خطاب الحكم المجعول بنحو القانون لا ينحلّ إلى الخطابات

  • ۲۰۰

    الشخصيّة بحسب أفراد المكلّفين أو بحسب أفراد الموضوع؛ والميزان في فعلية الحكم المجعول بنحو القانون أن يترتّب عليه إنبعاث عدة من المكلّفين خروجآ عن الإستهجان، ولا يعتبر ترتّب إنبعاث الجميع لبطلان الإنحلال.

    14. إنّ الحكم الكلي القانوني بخطابه لا ينظر إلى الحالات الطارئة على المكلّف الناشئة من جعل الحكم أو من الإبتلاء بالواقعة، ككونه عالمآ بجعل القانون أو جاهلا به، قادرآ أو عاجزآ عنه؛ فإنّ تلک الحالات متأخرة عن موضوع الحكم الكلّي و إنّ الخطاب الناظر إلى الموضوع في مقام الجعل مطلق لا يدخل في مدلوله تلک الحالات.

    15. إنّه لا شأن للعقل أن يتصرّف في مقام جعل التكليف ويقيّده بالقدرة لا بنحو الكشف عن التقييد شرعآ ولا بنحو الحكومة، بل إنّما شأنه الحكومة في مقام الإمتثال بأن يعذّر المكلّف إذا كان جاهلا قاصرآ بالإضافة إلى الحكم الكلّي القانوني أو عاجزآ عن إمتثاله، وإن كان طاغيآ أو عاصيآ يحكم عليه بإستحقاقه العقوبة. أمّا عدم تقييده شرعآ فباعتبار أنّ القدرة على الفعل من الحالات الطارئة في مقام الإمتثال فلا يرجع إلى مقام الجعل وفعلية الحكم، وأمّا عقلا فلأنّه ليس شأن العقل التصرّف في مقام الجعل بتقييد التكليف بالقدرة.

    16. قد أشكل السيّد الشهيد مصطفى الخميني(رحمه الله) على عدم إنحلال الخطاب : بأنّ الخطاب إمّا أن يتعلّق بفرد فرد من المكلّفين أو لا يتعلّق، فإن قيل بالأول فهذا يوجب القول بأنّ الخطاب ينحلّ إلى الأفراد ولا يقول به السيّد الإمام (قدس سرّه) وإن قيل بالثاني، فمعناه أنّ الخطاب لا يتعلّق بالأفراد فلا يجب عليهم شيء، وعليه كيف يقال إن زيدآ عصى أو أطاع مع أنّ الخطاب لا ينحلّ إلى الخطاب الخاص المتوّجه إليه حسب الفرض. فذهب إلى الإنحلال الحكمي لا الحقيقي؛ فالخطاب القانوني وإن كان متعلّقاً بالجميع ولا ينحلّ إلى الأفراد حقيقةً إلّا أنّه ينحلّ حكمآ،

۲۵,۲۸۹ بازدید