• ۲۱

    النقطة الثانية: تقسيم الحكم إلى واقعي وظاهري

    إنّ الحكم الواقعي هو: الحكم الذي لم يفترض في موضوعه الشکّ في حكم شرعي مسبق أو لم يؤخذ في موضوعه عدم العلم به؛ فكلّ حكم ثبت لموضوعه دون أن يكون الشکّ في الحكم الواقعي جزءً لذلک الموضوع، بل هو متّجه نحو الشيء ذاته لتحديد حكمه مباشرةً فهو حكم واقعي، سواء افترض في مورده الشکّ كما في الأحكام المستفادة بواسطة الأمارات أو لم يفترض كما في الأحكام المستفادة بواسطة الأدلّة القطعيّة، بينما المقصود بالحكم الظاهري هو الحكم الذي أخذ في موضوعه الجهل بالواقع وإشترط فيه الشکّ في الحكم الواقعي وبهذا يتمحّض الحكم الظاهري في الأصول العمليّة؛ إذ هي التي إعتبر في جريانها الشکّ في الحكم الواقعي، فموضوع البراءة الشرعيّة مثلا هو الشکّ في التكليف المتوجّه للمكلّف واقعآ تجاه هذه الواقعة أو تلک، وهكذا سائر الأصول العمليّة، فإنّها جميعآ قد أخذ في موضوعاتها الشکّ في الحكم الواقعي.

    هذا، ويستشكل على التقسيم شيخنا الأستاذ حفظه الله فيقول: إنّه بناءً على تعريف الحكم الظاهري، يلزم من أخذ الشکّ في الحكم الواقعي كموضوع في الحكم الظاهري، تبدّل الموضوع؛ لإنّ ما يستفاد من قيد «مالم ينكشف الخلاف» في تعريف الحكم الظاهري هو: أنّ الموضوع فيه بعد العلم بالحكم الواقعي يصير موضوعآ آخر، فموضوع الحكم الواقعي هو ذات الشيء، وأما موضوع الحكم الظاهري فهو الشيء بوصف أنّه مشكوک حكمه الواقعي، فإذا زال الشکّ فقهرآ يتبدّل الموضوع ولايعقل بقاء الحكم الظاهري بحاله، وليس للمقسم أي الحكم موضوع واحد.

    إذآ بعد إختلاف الموضوع فلايصحّ أن يقال إنّ الموضوع الواحد له حكم واقعي وله أيضآ حكم ظاهري؛ خصوصآ، أنّ الحكم تابع للمصلحة والمفسدة في

  • ۲۲

    متعلّقه، مع أنّ الحكم الظاهري يخلو عن تلک المبادىء في ذلک. وعليه إطلاق الحكم على الحكم الظاهري يبتني على التسامح والتجوّز.


    النقطة الثالثة: تقسيم الحكم إلى أولي وثانوي

    الحكم الأولى هو الحكم المجعول للشيء أولا وبالذات وبصرف النظر عمّا يطرأ عليه من العوارض التي تقتضي تبدّل الحكم الأولي، وذلک كأكثر الأحكام الواقعية التي جعلت على الأفعال والذوات بعناوينها الأولية الخالية عن قيد طروّ العنواين الثانوية.

    والحكم الثانوي هو الحكم المترتّب على الموضوع المتّصف بوصف من العناوين الثانوية وما جعل للشيء بلحاظ ما يطرأ عليه من عناوين خاصّة كالإضطرار والإكراه ونحوهما لكي يتغيّر حكمه الأولي، ولو لا طروّ هذه العوارض لكان الموضوع مقتضيآ لحكم آخر هو المعبّر عنه بالحكم الأولي، كالحرمة المتعلّقة بالصوم بلحاظ كونه مضرّآ أو حرجيّآ على العبد.

    هذه هي أهمّ التقسيمات للحكم الشرعي وأوكلنا تطبيقاتها إلى القاري اللبيب، فإنّه مع التعرّف على هذه التقسيمات نتّسع بالحديث في الخطابات القانونية ويساعدنا على الخوض في آثارها ونماذجها.


    المطلب الثالث: تعريف التكليف

    التكليف لغةً، بمعنى ما فيه المشقّة والكلفة والتعب. جاء في المفردات: الكَلَف : الإيلاع بالشيء، وتكلّف الشيء ما يفعله الإنسان بإظهار كلَف مع مشقّة تناله في تعاطيه، وصارت الكلفة في التعارف إسمآ للمشقّة، والتكلّف إسم لما يفعل بمشقّة أو تصنّع أو تشبّع، ولذلک صار التكلّف على ضربين :

  • ۲۳

    1. محمود و هو ما يتحرّاه الإنسان ليتوصّل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلا عليه، ويصير كَلِفآ به ومحبّآ له، وبهذا النظر يستعمل التكليف في تكلّف العبادات.

    2. مذموم وهو ما يتحرّاه الإنسان مراءاةً أي رياءً، وإيّاه عني بقوله تعالى (قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)[1][2] ومن الكلفة المذمومة ما جاء في الخبر الشريف: «شرُّ الاِْخْوان من ]تَكَلَّفُ[ تُكُلِّفَ له».[3]

    وفي لسان العرب: «كلّفه تكليفآ إذا أمره بما يشقّ عليه. وتَكَلَّفْت الشيء : تجشَّمته على مشقّة وعلى خلاف عادتک. والكُلْفَةُ: ما تكلَّفْت من أمر في نائبة أوحق».[4]

    وفي المصباح المنير: «والكُلْفَةُ: ما تُكَلَّفُه على مشقّة، والجمع: كُلَف، مثل غُرفَة وغُرَف. والتكاليف: المشاقُّ أيضآ، الواحدةُ: تَكْلِفَة، وكَلِفْتُ الأمر من باب تَعِبَ : حمَلتُه على مشقّةٍ. ويتعدَّى إلى مفعُولٍ ثانٍ بالتَّضعيف، فيقال:كَلَّفْتُه الأَمر فَتَكَلَّفَهُ : مثل حَمّلتُه فتَحمَّله وزنآ ومعنًى عَلَى مشقّةٍ أَيضآ».[5]

    فنرى أنّ التكليف: هو تحميل وإلزام الغير بما فيه مشقّة وتعب، وهو لحوق ما يستصعب على النفس، قال الله تعالى: (وَ تَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الاَْنْفُسِ).[6] ومن ثمّ، ناسب أن يطلق عنوان التكليف لغةً على الأحكام الإلزاميّة فلا يشمل المستحبّات والمكروهات، لأنّ المكلّف في سعة من جهتها فتلحقها بتأمّل وتجوّز.


    1 ـ سورة ص: 86.

    2 ـ المفردات في الفاظ القرآن: 722.

    3 ـ نهج البلاغة (لصبحي الصالح): 559.

    4 ـ لسان العرب :9 307.

    5 ـ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير :2 537.

    6 ـ سورة النحل: 7.

  • ۲۴

    هذا كلّه بحسب المدلول اللغوي لعنوان التكليف. وأمّا في الإصطلاح فإنّ التكليف يطلق ويراد منه: الأحكام الشرعيّة المتّصلة بفعل المكلّف إبتداءً. والمكلّف هو من تتوافر فيه الأهلية والذي وضع عليه قلم التكليف الشرعي ودخل في خطاب (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ...)[1] وهو العاقل البالغ القادر.[2]


    المطلب الرابع: تعريف القانون ومراحل جعله

    إنّ كلمة القانون في اللغة تعني مقياس كلّ شيئ وطريقه، وقد يقال إنّ القانون أمر كلّي ينطبق على جميع جزئياته التي تتعرّف أحكامها منه.[3] والقاعدة هي القضية الكلّية التي تعرف منها بالقوة القريبة من الفعل أحوال جزئيات موضوعها وذلک مثل كلّ فاعل مرفوع، فإذا أردت أن تعرف حال زيد مثلا في جاءني زيد، فعليک‌أن تضمّ الصغرى السهلة الحصول، أعني زيد فاعل مع تلک القضية، وتقول : زيد فاعل، وكلّ فاعل مرفوع فيحصل لک معرفة أنّه مرفوع.[4]

    وأمّا في الإصطلاح فتطلق كلمة القانون في معناها العامّ على جميع القواعد والأنظمة التي تهدف إلى تنظيم الأنشطة الإجتماعية المختلفة وتحكّم سلوک الأفراد في المجتمع. والقانون في معناه العامّ هو جميع القواعد الملزمة والتي يلزم الأفراد إتباعها،[5] فتحملهم السلطة العامّة على إحترامها ولو بالقوّة عند الضرورة، حتّى يستقيم النظام في المجتمع؛ فإنّ الإنسان خُلِق ليعيش حياته ويتمتّع بوجوده، وهو في سبيل ذلک يقوم بالعديد من الأعمال والأنشطة، ندر منها ما


    1 ـ سورة البقرة: 183.

    2 ـ القول الرشيد في الإجتهاد والتقليد :1 26.

    3 ـ تاج العروس من جواهر القاموس :18 466.

    4 ـ معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية :3 63.

    5 ـ النظرية العامة للقانون :1 13.

  • ۲۵

    ينفرد بإنجازه، فطبيعة الحياة تقتضي التعاون بين الأفراد وبمرور الزمن وتطوّر العلاقات الإجتماعية وتشابكها غدا الأمر ملحّآ لنشوء علاقات مشتركة بين أفراد المجتمع متعاونين متكافئين لدفع عجلة الحياة، فأخذ الإنسان على عاتقه تدوين القواعد العامّة التي يحتويها القانون فيخاطب الأفراد ويتطلّب منهم إتّباع مسلک معين وإلّا يحقّ عليهم الجزاء.

    والمستخلص من التعريف للقانون: أنّه يطلق على مجموعة القواعد التي تحكّم وتنظّم علاقات المخاطبين بها وسلوكهم في مجتمع‌ما، والتي تصف بأنّها قواعد عامّة مجرّدة، كما وأنّه لابدّ من أن يكون لهذه القواعد صفة الإلزام والجبر.

    هذا ويقصد بالتجريد أنّ العنصر الذي ينصرف إليه الحكم لا يتخصّص بشخص أو بأشخاص معينين بذواتهم ولا بواقعة أو بوقائع معينة بذاتها، بل تنطبق على كلّ شخص توفّرت فيه صفات معينة وعلى كلّ علاقة إستكملت شروطآ معينة وبذلک‌يتحقّق عموم التطبيق، بمعنى أنّ الحكم ينطبق على كلّ من يتوافر فيه الوصف المذكور في الفرض، سواء كان شخصآ أو واقعةً. ولكن لا يشترط لتوافر صفة العمومية إنطباق القاعدة القانونية على جميع أفراد المجتمع؛ اذ قد يقتصر تطبيقها على طائفة أو فريق منه توافرت فيه صفات معينة.[1]

    وتوضيح ذلک هو أنّ التجريد كصفة في القاعدة يراد به أن القاعدة منذ نشوئها مجرّدة من الشروط الخاصّة الذاتية للوقائع أو الأشخاص، وهذا مما يسبغ لها العمومية في التطبيق، فالقواعد عند وضعها ينظر فيها للأوضاع الكلّية الغالبة دون الإستثناء، ففي حالة التكليف الذي يصدر في خصوص شخص معين بذاته أو واقعة معينة بعينه فإنّ ذلک يعدّ مجرّد قرار فرديّ شخصيّ لا قاعدة قانونية عامة وهذا القرار الفردي سوف يستنفد أغراضه بمجرّد صدوره للشخص أو الأشخاص


    1 ـ المبادىء القانونية العامة: 22.

  • ۲۶

    المعيّنين بذواتهم دون إمتداده لغيرهم. وكذلک الأمر الصادر في وقائع معينة بذاتها حيث لن يمتدّ إلى غيرهم من الوقائع؛ فمثلا، القاعدة القانونية قد صنعت قاعدة مجرّدة بحيث من قتل مؤمنآ متعمّدآ يعاقب بالقود؛ فالقاعدة هنا لم تنظر إلى كون القاتل رجلا أو مرأةً، مواطنآ أم أجنبيآ، مشفقآ أم جاهلا، كبيرآ أم صغيرآ، غنيآ أم فقيرآ، فهي تسري إلى جميع الأفراد؛[1] بل هذه القاعدة هنا مجردة من جميع الصفات الشخصية أو الذاتية للأفراد، ويجعلها تتناول جميع الأشخاص المخاطبين بها. وإنّ هذا الأمر متواجد أيضآ في الحكم الشرعي المتعلّق بأفعال العباد وتصرّفاتهم؛ فإنّه يتناول بالخطاب المكلّفين على وجه العموم دون فرد وشخص معيّن بذاته بحكم، وينصرف أيضآ إلى جميع العلاقات المتماثلة بين الناس.

    فيتبيّن مما سبق أنّ العموم والتجريد كخاصية للقاعدة القانونية إنّما يقوم على الأمر الغالب في المجتمع حتّى لو وجد النادر منه وهو يقصد بذلک تحقيق المساواة بين الكافّة، فيثبت الطمأنينة بينهم.

    ثمّ إنّ القانون بإعتباره مجموعة قواعد إجتماعية، عادةً لا يتعرّض لتنظيم علاقة الإنسان بنفسه أو بربّه وكذلک قد لا يتعرّض لبعض واجبات الإنسان نحو الغير، بل يترک الإهتمام بهذه الأمور للشريعة المعتنقة أو لقواعد الأخلاق التي تتّفق في أصولها مع أحكام الدين فتتطبّق عرفآ في المجتمع.

    نعم، من المتصوّر في الدول الإسلامية التي إلتزمت بأحكام الشارع الكلّية وإستقت منها تقنينها أن تتوافق هذه التقنينات مع خطاباته والذي ينعكس في صورة الحكم الشرعي والتشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان وتوجيهه.


    1 ـ النظرية العامة للقانون: 26.

  • ۲۷

    ومن هنا نجد أنّ الأحكام الشريعة الإسلامية أعمّ من القانون بالمعنى الذي ذكرناه؛ فإنّه يختلف نطاق الدين عن نطاق القانون؛ فالدين يتناول واجبات الإنسان نحو ربّه ونحو نفسه ونحو غيره في حين أنّ القانون يقتصر على واجبات الإنسان نحو المجتمع.

    نعم، يشترک الأحكام الشريعة والقانون في جهات :

    منها أنّ المخاطب بالأحكام في الشريعة وفي القانون هو من تتوافر فيه الأهلية، بمعني أنّ الشريعة والقانون تتناول كلّ الأفراد الذين توافرت فيهم الأهلية وذلک بأن تبيّن فيهما صفات وشروط عامة متى توافرت في شخص عدّ الخطاب موجّهآ له في أيّ زمان أو مكان مادام هذه القاعدة الشرعية أو القانونية واجبة التطبيق.

    ومنها أنّ العموم والتجريد نجدها في الحكم الشرعي والقاعدة القانونية حيث أنّ الخطاب موجّه للمكلّفين سواء في القانون أو الشريعة؛ وذلک بمعنى أنّ النظام الشرعي أو القانوني في أيّ مكان لايستطيع أن يضع قواعد شرعية أو قانونية تحكم كلّ فرد بذاته وكلّ حالة بعينها ولذا تكون القواعد الشرعية والقانونية مجردةً من ذاتية الأفراد والوقائع بحيث تخاطب جميع الأفراد بحسب الأمر الذي وضعت لأجله.

    ومنها أنّ الجزاء في الشريعة وفي القانون مادام هذا القانون مستنبطآ من أحكام الشريعة يتضمّن جزائآ دنيويآ وأخرويآ.[1]

    ثمّ أنه يجب أن نتسائل كيف يتكوّن القانون وما هي المراحل التي تتدخّل في بنائها؟

    والجواب أنّ القانون هو عمل السلطة التشريعية وفقآ لنصوص الدستور


    1 ـ النظرية العامة للقانون: 18.

  • ۲۸

    فيسنّ القانون أمام البرلمان على أنّ المبادرة في إنشاء تعود للسلطة التنفيذية ولأعضاء المجلس النوّاب وتحمل المبادرة اذا جائت عن الحكومة : مشروع قانون وإقتراح قانون. وبعد دراسة المشاريع والإقتراحات المذكورة من قبل اللجان يقرّها المجلس ويحيليها إلى الرئاسة الجمهورية لأجل إصدارها في مدّة محدّدة ويكون القانون ملزمآ، حتّى ولو لم يكن واضحآ أو كاملا فلا يستطيع القاضي مثل أن يتوقّف عن تطبيق القانون والحكم بموجبه بحجّة عدم وضوحه أو كفايته.[1]


    المطلب الخامس: تعريف الإنحلال، لغةً وإصطلاحآ

    الحلّ والحلول لغةً بمعنى الفتح. جاء في معجم مقائيس اللغة :

    حلّل: الحاء واللام له فروع كثيرة ومسائل، وأصلها كلُّها عندي فَتْح الشىءِ، لا يشذُّ عنه شيء. يقال حلَلْتُ العُقدةَ أحُلُّها حَلًّا. ويقول العرب: «يا عاقِدُ اذكُرْ حَلّآ». والحلال: ضِدُّ الحرام، وهو من الأصل الذى ذكرناه، كأنّه من حَلَلْتُ الشىء، إذا أبحْتَه وأوسعته لأمرٍ فيه. وحَلَّ: نزل، والحلول: النزول، وهو من هذا الباب، لأنّ المسافر يشُدّ ويَعقِد، فإذا نزلَ حَلّ فيقال حَلَلْتُ بالقوم.[2]

    وفي الصحاح: حلل: حَلَلْتُ العُقدة أَحُلُّهَا حَلّاً: فتحتها فَانْحَلَّتْ. وحَلَّ بالمكان حَلّاً وحُلُولا. والَْمحَلُّ أيضآ: المكان الذى تَحُلُّه.[3]

    وأمّا المعنى المصطلح لهذا العنوان فاستعمل في الأصول في عدة موارد :

    منها : مورد وجود العلم الإجمالي بالتكليف المنجّز، وينقسم بهذا الإطلاق إلى الإنحلال الحقيقي والإنحلال الحكمي.


    1 ـ القاموس القانوني الثلاثي (عربي فرنسي انكليزي): 1276.

    2 ـ معجم مقائيس اللغة :2 20.

    3 ـ تاج اللغة وصحاح العربية :4 1672.

  • ۲۹

    بيان ذلک أنّه إذا حصل للمكلّف علم إجمالي بوجوب أحد الشيئين مثلا ثمّ حصل له الإحراز التفصيلي بالنسبة إلى بعض الأطراف بأن إنكشف له أنّ المعلوم بالإجمال هو هذا دون ذاک، وزال العلم الأول وتحقّق علم تفصيلي بالواجب أو الحرام سمّى زوال الأول وحدوث الثاني إنحلالا؛ مثلا إذا علم المكلّف إجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة ثم علم على التفصيل بأن الواجب هو الظهر دون الجمعة أو علم أولا بخمرية ما في أحد الإناءين ثم علم تفصيلاً بأنّ الخمر في هذا الإناء دون ذاک يقال حينئذ إنّه قد إنحل العلم الإجمالي.

    هذا هو الإنحلال الحقيقي وفي حكمه ما سمّوه بالإنحلال الحكمي، مثاله ما إذا قام دليل معتبر على تعيين المعلوم بالإجمال من دون حصول العلم على طبقه كما إذا أخبر العادل بأن الواجب هو الظهر لا الجمعة أو قامت البيّنة على أنّ الخمر هي ما في هذا الإناء دون ذاک، فيجوز حينئذ الأخذ بمفاد ذاک الدليل وترتيب حكم الواقع عليه وترک الإحتياط في الطرف الآخر، وسمّى ذلک بالإنحلال الحكمي؛ لأنّه في حكم الإنحلال الحقيقي في جواز أخذ مؤديه وطرح الآخر بلا ترتّب عقاب على المكلّف ولو كان الدليل مخطئآ عن الواقع.

    ومنه وهو محطّ بحثنا في هذه الرسالة ـ: أنّ من المفروغيّة بين العلماء من القدامي والجدد خلا الإمام الخميني (قدس سرّه) ومن ساق مساقه، مورد إنحلال الحكم التكليفي المنشأ بإنشاء واحد إلى أحكام كثيرة مستقلة؛ فإذا قال المولى: أكرم كلّ عالم، فالإنشاء في هذا الكلام وإن كان واحدآ إلّا أنّه ينحلّ لدى العقل والعرف إلى إنشاءات كثيرة وأحكام مستقلة شتّى بعدد أفراد الموضوع ومصاديقه، فكأنّ المولى أنشأ لإكرام كل فرد وجوبآ مستقلا بإنشاء مستقل، فلكلّ منها إمتثال مستقل وعصيان كذلک، وكذا إذا قال: حرّمت عليک الكذب.

    ومنها : مورد إنحلال الحكم التكليفي المنشأ بإنشاء واحد إلى أبعاض كثيرة،

  • ۳۰

    وذلک في الحكم الوحداني المتعلّق بموضوع مركّب ذي أجزاء، فإذا ورد: تجب صلاة الصبح أو يحرم تصوير ذوات الأرواح، كان الوجوب المترتّب على الصلاة أمرآ وحدانيآ بسيطآ منبسطآ على أجزاء العمل المركّب، فللوجوب وحدة حقيقية وتعدّد إعتباريّ بإعتبار أبعاضه، ولمتعلّقه تركّب حقيقي ووحدة إعتباريّة بإعتبار إجتماعه تحت طلب المولى، فيقال حينئذ إنّ الحكم الواحد منحلّ إلى أجزاء المركّب وتعلّق بكلّ جزء منه حصّة من الأمر ويطلق على تلک الحصّة، الأمر النفسي الضمني، وبهذا الإعتبار تجري البراءة في الأقل والأكثر.

    ومنه وهو أيضآ محلّ بحثنا في هذا الكتاب ـ: مورد إنحلال الحكم الوضعي المنشأ بإنشاء واحد إلى أحكام وضعية مستقلة، أو أبعاض عديدة غير مستقلة، فلو قال البائع بعد تعيين قيمة كلّ واحد من الأجناس المختلفة مريدآ لإيقاع بيع مستقلّ على كلّ واحد منها، بعت هذه الأشياء بما عيّنته لها من القيمة، إنحلّ التمليک والبيع الواحد إلى تمليكات كثيرة وبيوع مستقلة لكلّ واحد منها حكمه من اللزوم والجواز وطروّ الخيار وعروض الفسخ والإقالة، ولو قال بعت هذه الدار مثلا إنحلّ البيع الواحد إلى أبعاض كثيرة وتمليكات ضمنية فكلّ جزء من الدار مبيع ضمنآ وجزء من بيع المجموع، وبهذا الإعتبار قد ينحلّ ذلک بظهور بعض المبيع مستحقّآ للغير ويحصل تبعّض الصفقة، فهذا من إنحلال الحكم الوضعي، أعني الملكية إلى أبعاض كثيرة.[1]


    المبحث الثالث: المبادئ الأصولية للحكم الشرعي

    ثمّ إنّه لابدّ لنا أن نجيل النظر في خريطة تقنين الحكم والمراحل التي يمرّ بها الحكم في تدوينه وتكوينه، وذلک لتجلية وتنقيح ماقصده الإمام الخميني (قدس سرّه) بشأن


    1 ـ إصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها: 82 84.

۲۵,۲۹۲ بازدید