• ۴۱

    التخصيص حكم فعلي؛ هذا هو المختار في معنى إنشائية الحكم وفعليته.[1]

    ونفس هاتين المرحلتين تمرّ بهما القوانين الوضعية في جميع الدول، حيث يصرّح بذلک (قدس سرّه) في أنوار الهداية قائلا: وهاتان المرتبتان محقّقتان في جميع القوانين الموضوعة في السياسات المدنية، فإنّ المقنّنين ينشئون الأحكام بنعت الكليّة والقانونيّة، ثمّ تراهم باحثين في مستثنياتها ويراعون مقتضيات إجرائها، فإذا تمّ نصاب المقدمات وإرتفعت موانع الإجراء يصير الحكم فعليآ واقعآ بمقام الإجراء.[2]

    وقد أوضح (قدس سرّه) ذلک في جواهر الأصول، فقال: كما هو الشأن في وضع القوانين المدنية العالمية، من غير فرق بين كون المقنّن شخصآ واحدآ أو أشخاصآ متعدّدين؛ لأنّه جرت ديدن الواضعين في جميع الأعصار والحكومات على أنّهم يلاحظون الجهات المقتضية لوضع القوانين على الكلّية، فينشئونها أوّلاً بصور كلّية، ثمّ يعقّبونها بذكر المخصِّصات والمقيِّدات، ولم يشذّ الشارع الأقدس عن طريقتهم في ذلک، فبعد إنشاء الأحكام بصورة العموم أو الإطلاق وقبل ورود المخصّصات والمقيّدات، تكون الأحكام إنشائيآ. فعند ذلک فإن كانت جميع أفراده ومصاديقه أو نفس الطبيعة بدون القيد واجدة للمصلحة أو المفسدة فتكون الأحكام المجعولة على موضوعاتها أحكامآ فعلية.[3]

    وأمّا إذا كان بعض مصاديقه أو الطبيعة المقيّدة واجدةً للمصلحة فيكون تعلّق الحكم بالمقدار الذي فيه المصلحة أو الطبيعة المقيّدة فعليآ. وأمّا المقدار الذي يكون فاقدآ لها ونفس الطبيعة فباقية على مرتبتها الإنشائية.[4]


    1 ـ تهذيب الأصول :1 433 435.

    2 ـ أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية :1 39.

    3 ـ جواهر الأصول :3 313.

    4 ـ نفس المصدر.

  • ۴۲

    وأخيرآ يقول (قدس سرّه): وعليه إذا فرضنا حصول عائق عن وصول الحكم إلى المكلّف- وإن كان قاصرآ عن إزاحة علّته- أو عروض مانع، كالعجز والإضطرار عن القيام بمقتضى التكليف لا يوجب ذلک سقوط الحكم عن فعليته ولا يمسّ بكرامتها ولا يسترجعه إلى ورائه، فيعود إنشائيآ؛ لأنّ ذلک أشبه شيء بالقول بإنقباض إرادة المولى عند طروّ العذر وإنبساطها عند إرتفاعه. والسرّ في ذلک: أنّ غاية ما يحكم به العقل هو أنّ المكلّف إذا طرأ عليه العذر أو دام عذره وجهله لا يكون مستحقّآ للعقاب، بل يخرج من زمرة الطاغين وعداد المخالفين؛ لعدم المخالفة عن عمدٍ، وأمّا كونه خارجآ من موضوع التكليف؛ بحيث تختصّ فعلية الحكم بغير الجهّال وذوي الأعذار فلا وجه له.[1]

    ثمّ إنّه إعتقد المحقّق الخراساني(رحمه الله) بأنّ هناک حكمين فعليين :

    الأول، ما كان فعليآ من جميع الجهات بأن يكون واجدآ لما هو العلّة التامة للبعث أو الترک الفعليّين.

    والثاني، ما كان فعليّآ من بعض الجهات، ولا يكون فعليّآ مطلقآ إلّا إذا تعلّق به العلم التفصيلي، بحيث لو علم تفصيلا لوجب إمتثاله وصحّ العقاب على مخالفته.

    فقال(رحمه الله): «إنّ التكليف المعلوم بينهما (المتباينين)... إن كان فعليّآ من جميع الجهات بأن يكون واجدآ لما هو العلّة التامّة للبعث أو الزجر الفعلي مع ما هو عليه من الإجمال والتردّد والاحتمال، فلا محيص عن تنجّزه وصحّة العقوبة على مخالفته،... وإن لم يكن فعليّآ كذلک ولو كان بحيث لو علم تفصيلا، لوجب إمتثاله وصحّ العقاب على مخالفته...».[2]

    وتوضيح ذلک كما يستفاد من نهاية الدراية هو: أنّ الحكم الفعلي على قسمين :


    1 ـ المصدر نفسه :1 436.

    2 ـ كفاية الأصول: 358.

  • ۴۳

    الأوّل: أن يكون تامّ الفعليّة من جميع الجهات، بأن يكون واجدآ لما هو العلّة التامّة للبعث أو الزجر الفعليّ، وهو فيما إذا كان إستيفاء الغرض الداعي إلى الحكم متعلّقآ لإرادة المولى على كلّ تقدير، بحيث لا يرضى بفواته أصلا، سواء علم به المكلّف تفصيلا أو إجمالا، فيستحقّ العقوبة على مخالفته، ويقتضي لزوم موافقته على كلّ تقدير.

    الثاني: أن لا يكون تامّ الفعليّة من جميع الجهات، بأن لا يكون الغرض الداعي إلى الحكم هو إستيفاءه على كلّ حال، بحيث إذا وصل إلى المكلّف من باب الإتفاق فهو فعلي من حيث نفسه لا من حيث إيصاله إلى المكلف فيعتبر في تنجيزه العلم التفصيليّ بالحكم.[1]

    هذا، وقد أورد عليه شيخنا الأستاذ حفظه الله: أنّ العلم إما أن يكون مؤثرآ في فعلية الحكم أو لا يكون كذلک؛ فإن كان مؤثرآ، فإذالم‌يكن المكلّف عالمآ، فلايكون الحكم فعليآ حتّى عند المولى؛ وإن لم يكن مؤثرآ، ففي صورة عدم علم المكلّف بالحكم، يلزم أن يكون الحكم فعليآ على العبد أيضآ؛ لأنّ تفاوت الأغراض عند المولى لا يوجب القول بتأثير العلم في فعلية الحكم عند المولى أو عدمه عند العبد؛ فلا يمكن أن يقال بالإشتراط فيما إذا كان الغرض مهمّآ جدآ وبعدم الإشتراط في الغرض غير المهم. وذلک نظير الكلام في إشتراط القدرة في التنجّز، فلا نقول إنّها شرط في فعلية الحكم عند المكلّف وليس شرطآ عند المولى. هذا الإشكال ناظر إلى مقام الثبوت؛ وأما في مقام الإثبات فيبقي سؤال عن كيفية معرفة كون الحكم تامّ الفعلية أو لا، مع أنّه فرض لايمكن إحراز حاله بسهولة.

    هذا تمام الكلام في ما يرتبط بالفصل التمهيدي، وبعد التعرّف على ما يساعدنا


    1 ـ أنظر: نهاية الدراية :2 575 576.

  • ۴۴

    علي الخوض في الخطابات القانونية من أمور تتعلّق بالمفاهيم والمبادئ الأساسية للحكم، نشرع في قراءة المشهور في الحكم من كون جعله على نهج القضايا الحقيقة ومقتضاه إنحلال الحكم وتعدّد وجوده حسب تعدّد آحاد المكلّفين ووجودات موضوعه، ثمّ ما أورد الإمام الخميني (قدس سرّه) على نظرية الإنحلال من تبعاتها الفاسدة ومحاذيرها المبنائية.

    نعم، بقي هنا بعض المباحث التمهيدية من تبيين القضايا الحقيقية والخارجية، ومن أنّ الأوامر والنواهي هل تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد، وسيأتي توضيحها في مطاوي البحث لصلتها الوثيقة بالموضوع.

  • ۴۵

    البــاب الأوّل

    ويتضمّن مبحثين :

    المبحث الأول: نظرية الإنحلال في القضايا الشرعية

    المبحث الثاني: مناقشات الإمام الخميني (قدس سرّه) لرؤية الإنحلال

  • ۴۶
  • ۴۷

    المبحث الأوّل: نظرية الإنحلال في القضايا الشرعية

    لقد كان لعلماء الأصول إهتمام كبير وجهود مضنية تُجاه تحليل واقع الحكم الشرعي من خلال إرجاعه إلى القضية الحقيقية فنحن نتابع في تنسيق بحوثنا المقبلة مسيرتهم في بحوثهم الأصولية وننتهج المنهج التحليلي فالنقدي.

    بناءً عليه، هذا المبحث يقوم بدارسة القضايا بإعتبار وجود الموضوع بمنظار منطقي وأصولي تعريفآ وتقسيمآ، ثمّ تتطبّق فيه القضايا الشرعية على القضايا الحقيقية وما طرء عليها من إنحلالها أيضآ إلى الشرطيّة: مقدّمها وجود الموضوع وتاليها عنوان المحمول، فيستلزمها إنحلال الحكم بتعدّد ما لموضوعه من الأفراد، وترتّب الحكم في كلّ مورد على حياله، فيكون لكلّ فرد من الأفراد حكم يخصّه. وفي الأخير، نستعرض رؤية الإمام الخميني (قدس سرّه) بشأن هذه القضايا والفرق بينها.


    المطلب الأول: تقسيم القضايا وتعريفها

    إنّ الأحكام الشرعية، تكليفيةً كانت أم وضعيةً، تنصبّ على الموضوعات. ولكن وجود الموضوع في القضايا تارةً، يكون مأخوذآ على نهج القضية الخارجية،

  • ۴۸

    وأخرى، يجعل على نحو القضية الحقيقية وثالثةً، يعدّ على طبق القضية الطبيعية.

    وتوضيح ذلک أنّ جميع القضايا الكلية تقسّم من حيث وجود الموضوع إلى أنواع :

    منها القضية الطبيعية وهي ما يكون الموضوع فيها نفس الماهية بما هي هي والطبيعة المأخوذة التي لم تتبيّن فيها كميّة الأفراد ولم تصلح لأن تصدق عليها كلّيّة أو جزئيّة، فيكون الحكم فيها ثابتآ للموضوع في موطن الذهن ولا يتعدّى إلى الخارج أصلا، كقولنا: الإنسان نوع؛ فإنّ الحكم فيها يكون حكمآ عقليّآ خاصآ ومترتّبآ على نفس الطبيعة.[1] فلا يكون لمحمولها وجود خارجي، والمحمول فيها لايكون إلّا المعقولات الثانويّة.

    ومنها القضية الحقيقية وهي الّتي يفترض فيها وجود الموضوع فيحكم على ماهيته من حيث أفرادها النفس الأمرية وما يصدق عليه الواقع عنوانآ، فيسري الحكم إليهم ويصير كلّ فرد محكومآ بذلک الحكم؛ فإنّ الموضوع فيها نفس الطبيعة وهي مرآة لجميع أفرادها، بل هي متّحدة معهم فتحكي عن الجميع حسب سريانها فيهم، سواء تواجد فرد منها في الخارج، محققّآ ومقدّرآ، أو لم يكن هناک فرد أصلا، فكلّما يفترض وجوده وإن لم يوجد أصلا، فهو داخل في الموضوع ويشمله الحكم.[2]

    ومنها القضية الخارجية، وهي ما يحكم فيها على الأفراد الموجودة في الخارج بالفعل، فيكون وجود الموضوع فيها نفس الأفراد الخارجية في أحد الأزمنة الثلاثة، سواء كانت القضية كليّةً، كقوله: قتل كلّ من في المعسكر، أم جزئيةً، مثل مات زيد.[3] فيكون الحكم في هذه القضية منصبّآ على المصاديق


    1 ـ الجوهر النضيد: 54؛ شرح المنظومة (قسم المنطق): 249.

    2 ـ شرح المنظومة (قسم المنطق): 248 249؛ المنطق (للمظفر) :2 131.

    3 ـ شرح المنظومة (قسم المنطق): 248؛ المنطق (للمظفر) :2 131.

  • ۴۹

    المعيّنة المحدودة، والموضوع فيها هو الفرد بجميع خصوصياته المشخّصة، ويعتبر العنوان المأخوذ في هذه القضيّة مشيرآ إلى الأفراد وملاكآ للحكم مثل الكون في المعسكر، لا موضوعآ له، فلا يكون موضوعيّة الأفراد في هذه القضيّة بإنطباق العناوين عليها بل يكون كلّ فرد محكومآ بالحكم عند وجوده في الخارج، أو قل: إنّ الموضوع فيها هو الفرد المشار إليه بالعنوان فيكون كلّ واحد بخصوصياته موضوعآ مستقلا مباينآ للموضوع الآخر.


    المطلب الثاني: القضايا الشرعية عند المحقّق النائيني

    ولقد إعتمد المحقّق النائيني(رحمه الله) على القضية الحقيقية في موارد عديدة وبها رفع المشاكل الموجودة في مواضع من مسائل علم الأُصول، وفسّر القضايا الثلاثة بالنهج التالي :

    أمّا القضيّة الحقيقيّة فإنّها متكفّلة لفرض وجود الموضوع، وكان الخطاب خطابآ لما فرض وجوده من أفراد الطبيعة وكانت الأفراد متساوية الأقدام في إندراجها تحت الخطاب فيستوي الأفراد الموجودة في زمن الخطاب وغيره.[1]

    وبكلمة أخرى: إنّ القضيّة الحقيقيّة هي ما كان الحكم فيها واردآ على العنوان والطبيعة بلحاظ مرآتيّة العنوان لما ينطبق عليه في الخارج، بحيث يرد الحكم على الخارجيّات بتوسّط العنوان الجامع لها؛ فإنّ الحكم فيها وإن رتّب على الطبيعة لكن لا بلحاظ تقرّرها العقلي، بل بلحاظ تقرّرها الخارجي.[2]

    ثمّ أردف(رحمه الله) في المقام قائلا: وأمّا القضية الخارجية فالحكم فيها إبتداءً مترتّب على الخارج بلا توسّط عنوان، سواء كانت القضية جزئيةً أو كلّيةً؛ فإنّ الحكم في القضية الخارجية الكلّية أيضآ إنّما يكون مترتّبآ على الأفراد الخارجية إبتداءً من


    1 ـ فوائد الأصول :1 550.

    2 ـ نفس المصدر :1 511 512.

  • ۵۰

    دون أن يكون هناک بين الأفراد جامع إقتضى ترتّب الحكم عليها بذلک الجامع كما في القضية الحقيقية.[1]

    وأضاف(رحمه الله) في الأجود: والمراد من القضية الخارجية هي كلّ قضية يكون موضوعها أمرآ خارجيآ خاصّآ كان أو عامّآ، فالأوّل في التكليفيات كقول المولى لعبده إسقني هذا الماء، وفي غيرها مات زيد، والثاني في التكليفيات كقول المولى: أكرم كلّ من في داري إذا أراد به الأشخاص الموجودة في الدار فعلا، وفي غيرها قتل من في العسكر.[2]

    هذا، وقد تبيّن القضية الطبيعية في المقام أيضآ، حيث قال(رحمه الله) في تفسيرها: وأمّا القضيّة الطبيعيّة، فهي إنّ الحكم فيها وارد على نفس الطبيعة، لا بلحاظ وجودها الخارجي، بل بلحاظ تقرّرها العقلي، كما في قولک: الإنسان نوع، أو كلّي، وغير ذلک من القضايا الطبيعيّة.[3]

    ثمّ قال(رحمه الله) في الأخير: والقضايا المعتبرة في العلوم إنّما هي القضايا الحقيقيّة، ولا عبرة بالقضايا الخارجيّة، لأنّ القضيّة الخارجيّة وإن كانت بصورة الكليّة، إلّا أنّها عبارة عن قضايا جزئيّة لا يجمعها عنوان كلّي.[4]

    ومن هذا الإنطلاق، قد إعتقد المحقّق النائيني(رحمه الله) بأنّ القضية المتضمّنة لحكم شرعي إنّما تكون مجعولةً على نهج القضية الحقيقية، بحيث كلّما يفرض له من أفراد، تدخل فيه ويثبت لها الحكم على تقدير وجودها، ومقتضى ذلک، إنحلال الحكم وتعدّد وجوده بعدد ما له من التطبيقات، فهناک موضوعات كثيرة وأحكام عديدة، كما ينحلّ الحكم والخطاب بلحاظ المكلّفين، الموجودين منهم والأفراد


    1 ـ نفس المصدر.

    2 ـ أجود التقريرات :1 125.

    3 ـ فوائد الأُصول :1 512.

    4 ـ المصدر :1 513.

۲۵,۲۹۱ بازدید