• ۷۱

    المناقشة الخامسة: عدم وجوب القضاء على النائم في جميع الوقت

    إنّه يلزم من القول بكون الخطابات شخصيةً، عدم وجوب القضاء على النائم في جميع الوقت؛ لإستحالة بعثه لغرض الإنبعاث، فلا تشمله الخطابات الشرعية ولا يكون مكلّفآ بالأداء حتّى يجب عليه القضاء،[1] مع أنّ ضرورة الشرع تقضي بخلافه.[2]

    إلى هنا ينتهي الباب الأول في نظرية الإنحلال وما يلاحظ عليها، ويليه الباب الثاني في نظرية الإمام الخميني (قدس سرّه) من عدم الإنحلال في الخطابات القانونية ومن وافقه وما يرد عليها.


    1 ـ معتمد الأصول :1 204.

    2 ـ العروة الوثقى :1 732.

  • ۷۲
  • ۷۳

    البـــاب الثــاني

    ويتضمّن خمسة مباحث :

    المبحث الأوّل: نظرية الخطابات القانونية وعدم الإنحلال فيها

    المبحث الثاني: الخطابات القانونية عند تلامذة الإمام (قدس سرّه) وإنعكاسها في كتبهم

    المبحث الثالث: إشكاليات الخطابات القانونية

    المبحث الرابع: الخطابات القانونية عند المحقّق السيّد مصطفى الخميني(رحمه الله)

    المبحث الخامس: كلام بعض المحقّقين في الخطابات القانونية ونقده

  • ۷۴
  • ۷۵

    تمهيد

    يمثِّل هذا الباب قراءة حديثة عن نظرية الإمام الخميني (قدس سرّه) في الساحة الأصولية وهي عدم الإنحلال في الخطابات القانونية والتي تشكّل الحجر الأساس الذي تبتني عليه مباحث الكتاب، فنحاول إزالة الغموض عنها بالنسبة للقارئ العزيز، معتمدين في ذلک على ما ألقاه شيخنا الأستاذ حفظه الله في مجلس بحثه مع ما يوجد في هذا المجال من كتب السيّد الإمام (قدس سرّه) وتقريرات بحثه، ثمّ التعرّض لها بالتحليل والنقد، ولانبتغي من وراء ذلک سوى الوصول إلى الحقيقة، وذلک بالميزان البرهاني الصريح الذي يمكن الركون إليه.

    هذا، وبالرغم من أهمية النظرية ودورها في تحديد المسائل الفقهية والأصولية، ومرجعيتها في ذلک بناءً على الإيمان بها،لم نجد بحثها بشكل مستقل في الكتب الأصولية، ولذا، يحتمّ بحثها لإستكشاف دورها في عملية الإستنباط. وفي سياق هذا البحث، تطرح عدة مسائل أخرى تتصّل بهذه النظرية من قبيل تبيين الخطاب الشخصي، ومسألة أنّ الأوامر والنواهي هل تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد، وما وجد من الإتجاهات المختلفة بشأن النظرية، فهناک من يؤكّد على

  • ۷۶

    ثبوتها، وهناک من يعدّل ويصحّح النظرية في إطار الإنحلال الحكمي، وهناک من ينكر وجود أدلة صحيحة على ذلک، وكلّ إتجاه تنبثق منه تكييفات مختلفة لحقيقة الخطابات الشرعية.

    إذآ، يتشكل هذا الباب الذي يتناول هذه النظرية من خمسة مباحث رئيسية :

    المبحث الأوّل: الذي يبيّن نفس النظرية وتحديد أركانها.

    المبحث الثاني: ويتمّ فيه تناول النظرية على ضوء مباني تلامذة الإمام المحقّقين وإنعكاسها في كتبهم الأصولية.

    المبحث الثالث: ويتناول فيه تقييم النظرية وأدلتها التي ذكرها الإمام الخميني(قدس سرّه) ومن تبعه في هذا المجال.

    المبحث الرابع: الذي يبيّن فيه تقريب ولده المحقّق الشهيد مصطفى الخميني(رحمه الله) بشأن هذه النظرية، الذي سمّى نظرية الإنحلال الحكمي في الخطابات الشرعية مع ما أورد عليه شيخنا الأستاذ حفظه الله.

    المبحث الخامس: كلام بعض المحقّقين في الخطابات القانونية ونقده.


    المبحث الأول: نظرية الخطابات القانونية من منظار الإمام الخميني (قدس سرّه)

    أول خطوة يبدأ بها هي فهمنا عن نظرية الخطابات القانونية بحسب مقصود السيّد الإمام (قدس سرّه) ثمّ التفاسير المختلفة والمتعلّقة بها.


    المطلب الأول: بيان النظرية

    وقبل الورود في أصل البحث يجدر بنا الإشارة إلى نقطة، هي أنّ هذه النظرية ممّا وصل إليها الإمام الخميني (قدس سرّه) من أوّل تحقيقاته الأصولية؛ لوجودها في أوّل ما صنّفه بقلمه الشريف في الأصول، كما وجدت في تعليقته على الكفاية المسمّى

  • ۷۷

    بـ«أنوار الهداية» حيث فرغ منها في شهر رمضان المبارک سنة 1368 القمرية؛ ثمّ تعرّض لها في دروسه ودراساته الفقهية والأصولية مرّات وكرّات، لكن ما يمكن أن يكون له مصبّ في هذه النظرية موضعين، نوردهما فيما يلي :

    الموضع الأول: في بحث الترتّب وفعلية الحكمين المتزاحمين، حينما ضاقت قدرة المكلّف عن إمتثالهما معآ، فترک الأهمّ وإنشغل بالمهم وهو الصلاة مثلا، بناءً على القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فقد وقع هذا البحث موضع إهتمام لدى المحقّقين من الموافقين والمخالفين في صحّة العمل العبادي، فما هو حكمها من حيث الصحّة والبطلان؟

    ذهب المحقّق النائيني(رحمه الله) في مقام حلّ الإشكال بناءً على نظريته من إنحلال الخطاب بعدد المكلّفين ولحاظ الحالات الفرديّة للمكلّف إلى فكرة الترتّب في تصوير الأمر بالمهم وطولية الأمرين لكي لا يتطرّق محذور عدم قدرة المكلّف، بمعنى أنّ فعليّة المهم مترتّبة على عصيان الأهم، فيكون المهمّ حينئذ مأمورآ بها فتقع العبادة صحيحةً، ثمّ ذكر خمس مقدّمات لتشييد القول به.[1] وفي قبال ذلک، قد طرح الإمام الخميني (قدس سرّه) نظرة جديدةً، وعالج الإشكال بناءً على مسلكه المختار من الخطابات القانونية وعليه يمكن تصوير الأمرين في مستوى واحد للمكلّف، بمعني أنّ الأمر بالمهم يكون فعليآ بعرض فعليّة الأمر بالأهمّ، فيصحّ العمل العبادي المهم لوجود الأمر به؛ فإنّه لم يوجّه خطاب خاصّ إلى المكلّف، بل يبقى الخطاب كلّيآ.[2]

    الموضع الثاني: في بحث العلم الإجمالي، حيث ذهب المشهور إلى عدم المنجّزية لهذا العلم بخروج أحد أطرافه عن محلّ الإبتلاء؛ وذلک لقبح التكليف


    1 ـ فوائد الأصول :1 336 360.

    2 ـ مناهج الأصول إلى علم الأصول :2 23.

  • ۷۸

    عقلا في الطرف الخارج عن محلّ الإبتلاء، بناءً على نظرية الإنحلال ولحاظ حالات المكلّف؛ فإنّ الخطاب حينئذ إنّما يتوجّه إلى المخاطب إذا توفّر الداعي للإنبعاث فعلا أو تركآ، وكان المكلّف قادرآ على إتيانه فتصير الشبهة في الطرف الآخر المبتلي به بدويةً بلا معارض، فتجري فيه البراءة.[1] وأمّا بناءً على نظريّة الخطابات القانونيّة فلا ينحلّ العلم الإجمالي في الطرف الخارج عن محلّ الإبتلاء ولا تسقط منجّزيته، بل يستلزم الخروج عن العهدة بترک الطرف الآخر الذي يمكن الإبتلاء به.[2]

    ومن هنا، ينفتح المجال لبيان نظريته (قدس سرّه) في أنوار الهداية حيث يقول :

    وعندي فيه إشكال وهو أنّه قد وقع الخلط بين الخطابات الكلّية المتوجّهة إلى عامّة المكلّفين وبين الخطاب الشخصيّ إلى آحادهم، فإنّ الخطاب الشخصي إلى خصوص العاجز أو غير المتمكّن عادةً أو عقلا ممّا لا يصحّ كما أُفيد، ولكن الخطاب الكلّي إلى المكلّفين المختلفين بحسب الحالات والعوارض ممّا لاإستهجان فيه. وبالجملة، إستهجان الخطاب الخاصّ غير إستهجان الخطاب الكلّي، فإنّ الأول فيما إذا كان لشخص غير متمكّن، والثاني فيما إذا كان العموم أوالغالب الّذي يكون غيره كالمعدوم غير متمكّن عادةً، أو مصروفة دواعيهم عنه.[3]

    وبتوضيح وتفصيل لازم: أنّ الخطاب الشرعي قد يقسّم إلى نوعين: شخصي وقانوني.

    أما الخطاب الشخصي أو الخطاب الخاص فهو: الخطاب المتوجّه إلى شخص أو صنف خاص من الناس، كالأوامر الصادرة من الموالي إلى العبيد، ومن قبيل


    1 ـ فرائد الأصول :4 54.

    2 ـ أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية :2 214 218.

    3 ـ نفس المصدر :2 215.

  • ۷۹

    الخطاب المتوجّه إلى شخص الرسول (صلي الله عليه وآله) أو نسائه،[1] فيلقي التكليف إلى الفرد بشكل مختصّ به مستجمعآ لشرائط صدور الخطاب من العلم والقدرة على إتيان المأمور به وإحتمال إنبعاثه بمعنى كونه موردآ لإبتلائه ورغبته. ومن ثمّ، إنّ العقل حاكم بمعذوريّة العاجز والجاهل والساهي وغيرهم في مخالفة الحكم الشرعيّ فتوجيه الخطاب الشخصي إليهم لغو، بل ممتنع صدوره من الملتفت وحينئذ لا تصحّ العقوبة على المخالفة.

    وأما الخطاب القانوني أو الخطاب العمومي فهو: الخطاب إلى العناوين العامة والموضوعات الكلّية المتعلّقة بعنوان كالمؤمنين أو الناس فيكفي في تشريع الحكم الكلّي وجود عدّة من المكلّفين الواجدين للشرط وإن لم يكن الجميع واجدآ له.[2]

    وبكلمة أخرى، إنّ الخطاب القانوني كلّي عامّ متوجّه إلى عموم المكلّفين فلا يشترط فيه كون جميع الأفراد واجدآ للشرائط، ولا يعتبر فيه إلّا إحتمال إنبعاث طائفة من المكلّفين وإنزجارهم بالبعث والزجر في الأعصار والأمصار، فهو يكفي لتحقّق الإرادة التشريعية المتعلّقة بالعنوان العام الكلّي، ويكون عندئذ جميع المخاطبين موردآ للتكليف بمعنى أنّ التكاليف فعليّة بالنسبة إليهم جميعآ، وإن علم بعدم إنبعاث طائفة أخرى عصيانآ أو عذرآ؛ فإنّ الخطاب يصلح للصدق على الكثيرين، ولكن لا تستلزم هذه الكثرة، الإنحلال إلى إنشاء تكاليف مستقلة أو خطابات عديدة، بل هو خطاب واحد قانوني متعلّق بعنوان كلي وعامّ ينطبق قهرآ على جميع الأفراد ويكون حجّةً عليهم،[3] فليست هناک كثرة في ناحية الخطاب، وإن كانت هناک كثرة في ناحية الموضوع، فيكون الحكم بالنسبة إلى العنوان


    1 ـ معجم مفردات أصول الفقه المقارن: 140.

    2 ـ إرشاد العقول الى مباحث الأصول :1 473.

    3 ـ تهذيب الأصول :3 228.

  • ۸۰

    الجامع فعليآ، ولا دخالة للعلم، ولا للقدرة في هذا الخطاب، فمن كان بحسب الواقع عالمآ فهو غير معذور، ويكون التكليف منجّزآ ومن كان جاهلا فيكون معذورآ، وهكذا بالنسبة إلى القادر والعاجز؛ فإنّ العبرة في توجيه الخطابات القانونيّة بالقدرة النوعيّة، فلو كان في الأمّة جمع قادرون على الإطاعة والعصيان، يمكن التوجيه إلى الكلّ، ويصير الأمر مورد التكليف الفعليّ على نحو العموم الأصوليّ ولو كان بعضهم عاجزين.

    وبالجملة، لم تكن قدرة المكلّف على إستقلالها، معتبرةً في الخطابات القانونية، بل ولا تشخيص قدرته أيضآ، بل المعتبر في عدم لَغوية الخطاب القانوني تشخيص المقنّن وعلمه بتأثير القانون لأكثر الناس؛[1] فلا تجري البراءة عند الشکّ في القدرة، بل لا مناص عن الإحتياط إلّا مع إحراز العذر وإقامة الحجّة بعد العلم بالتكليف، لأنّ المكلّف بما هو إنسان مورد التكليف، لا بما هو قادر حتّى يتمسّک بالبراءة، فإذآ، لابدّ من إقامة العذر عند التخلّف.[2]

    إذآ، ليس للعقل التصرّف في أوامر المولى بتقييدها ببعض القيود، بل له أحكام توجب معذورية المكلّف بالنسبة إلى مخالفة تكاليف المولى، فحكمه بقبح العقاب في صورة الجهل أو العجز لا يرجع إلى تقييد الأحكام بصورة العلم والقدرة، حتّى لا يكون الجاهل أو العاجز مكلّفآ، بل الظاهر ثبوت التكليف بالنسبة إلى جميع الناس أعمّ من العالم والجاهل، والقادر والعاجز، غاية الأمر كون الجاهل والعاجز معذورآ في المخالفة بحكم العقل.[3]

    وقد يوضّح (قدس سرّه) ذلک في كتاب الطهارة حيث يقول :

    إنّ الخطابات على قسمين :


    1 ـ جواهر الأصول :3 47.

    2 ـ تهذيب الأصول :3 235؛ تحريرات في الأصول :3 450.

    3 ـ معتمد الأصول :1 131.

۲۵,۲۸۵ بازدید