• ۸۱

    القسم الأوّل، هي الخطابات الجزئيّة المتوجّهة إلى آحاد المكلّفين؛ كلّ واحد منهم مستقل عن الآخر، كالخطاب إلى زيد بالنهي عن شرب الخمر مثلاً. وفي هذا القسم لا إشكال في أنّ نهيه مشروط بعدم كونه تاركآ له لداعٍ نفساني؛ لأنّ النهي إنّما هو لإيجاد الداعي بالنسبة إلى المكلّف، ومع تحقّقه له بالإضافة إلى الترک يستهجن تكليفه بالنهي عنه، فإنّه من القبيح تكليف صاحب المروّة الذي لا يكشف العورة بمنظر من الناس بحرمة الكشف ووجوب الستر وكذلک باب الأوامر، فإنّ الغرض من البعث ليس إلّا مجرّد إيجاد الداعي للعبد نحو الفعل، ومع كونه فاعلاً له ولو مع قطع النظر عن الأمر لداعٍ شهواني يستهجن ذلک التكليف، كما لو أمر المولى عبده بالتنفّس مع تحقّقه منه عادةً.

    القسم الثاني، هي الخطابات الكلّيّة المتوجّهة إلى عموم المخاطبين؛ بحيث كان الخطاب واحدآ والمخاطب كثيرآ؛ كجميع الخطابات الشرعيّة المتوجّهة إلى عموم الناس، فإنّ الخطاب فيها واحد متوجّه إلى العناوين المنطبقة على جميع الناس، كقوله: «يا أيّها الناس إفعلوا كذا وكذا» مثلاً، أو على بعضهم كالمستطيع في الحكم بوجوب الحجّ. وبالجملة: لا إشكال في وحدة الخطابات الواقعة في الشريعة؛ بمعنى عدم إنحلالها إلى خطابات متعدّدة حسب تعدّد المخاطبين. وحينئذٍ فالإستهجان المستلزم لإمتناع التكليف، بل الخطاب من الشارع الحكيم وعدمه لا بدّ وأن يلاحظ بالإضافة إلى ذلک الخطاب العامّ المتوجّه إلى المخاطبين، فإذا فرض أنّهم لا يقدرون بالقدرة العاديّة على الإتيان بالمنهي عنه بوجه، يكون الخطاب قبيحآ منه، كما أنّه إذا فرض ثبوت الداعي لجميع المخاطبين للإتيان بالمأمور به؛ بحيث لا يتحقّق منهم الترک أصلاً، يقبح توجّه الأمر إليهم ولو بالخطاب العامّ.

    وأمّا إذا لم يكن الأمر كذلک؛ بأن كان بعض المخاطبين لا يتحقّق له الداعي إلى

  • ۸۲

    الإتيان بالمنهي عنه، وبعضهم على خلافه، ولا تتميّز الطائفة الأُولى عن الثانية ببعض الجهات المميّزة المشخّصة، أو كان كلّهم له داعٍ نفساني إلى الإتيان به، ما كان التكليف قبيحآ ولم يكن توجيه الخطاب العامّ بالإضافة إليهم مستهجنآ. وجميع الخطابات الشرعيّة الواردة في مقام الأمر والنهي من هذا القبيل. فيكون الملاک في إستهجان توجّه الخطاب بنحو العموم وعدمه، هو ثبوت الداعي للجميع أو للبعض وعدمه.[1]

    والخلاصة: أنّ مصبّ الإرادة الشرعية في الخطابات الشخصية هو إنبعاث العبد نحو الفعل أو الترک بيدَ أنّ المراد من الإرادة الشرعية في الخطابات القانونية هو ضرب القانون لجميع الناس.

    ثمّ، أورد السيّد الإمام (قدس سرّه) في الأنوار على نفسه إشكالا، وهو أنّ الخطاب القانوني وإن كان إنشاءً واحدآ ولكنّه عقلا ينحلّ إلى الخطابات المستقلّة بعدد نفوس المكلّفين وأنّ الخطاب المنحلّ المتوجّه إلى غير المتمكّن مستهجن، فلا فرق بين الخطاب الشخصي والعمومي في ذلک.

    فأجاب عن ذلک بأنّه إن قصد من الإنحلال كون كلّ خطاب خطابات بعدد المكلّفين حتّى يكون كلّ مكلّف مخصوصآ بخطاب خاصّ به وتكليف مستقلّ متوجّه إليه، فهو ضروريّ البطلان، وإن أريد من الإنحلال أنّ المنشأ تكليف واحد لمجموع المكلّفين فإنه أيضآ ضروريّ الفساد، بل المراد: إنّ الخطاب واحد، والإنشاء واحد، والمنشَأ على كلّ مكلّف من غير توجّه خطاب خاصّ أو تكليف مستقلّ إلى كلّ أحد، ولا إستهجان في هذا الخطاب العموميّ إذا كان المكلّفُ في بعض الأحوال أو بالنسبة إلى بعض الأمكنة غيرَ متمكّن عقلا أو عادةً؛ فالخمر حرام على كلّ أحد، تمكّن من إتيانه أو لم يتمكّن، وليس جعل الحرمة لغير


    1 ـ كتاب الطهارة (تقريرات لسماحة آية الله العظمى الفاضل اللنكرانى): 149 151.

  • ۸۳

    المتمكّن بالخصوص حتّى قيل يستهجن الخطاب أو التكليف المنجّز، فليس للمولى إلّا خطاب واحد لعنوان واحد يرى الناس كلّهم أنّه حجّةً عليهم، ولاإشكال في عدم إستهجان هذا الخطاب العموميّ، كما لا إشكال في أنّ التكاليف الشرعيّة ليست متقيّدةً بقيودها من عدم الجهل، والعجز، والخروج عن محلّ الإبتلاء، وأمثالها.[1]

    يقول الإمام الخميني (قدس سرّه) في كتاب «الخلل في الصلاة»: إنّ الخطابات القانونية لاتقاس مع الخطابات الشخصية، وهذا لفظه :

    إنّ قياس الخطابات العامة بالخطاب الخاص مع الفارق؛ فإنّه في الخطاب العام لابدّ من حصول مبادئه لا مبادىء الخطاب الخاص. فاذا علم الآمر بأنّ الجماعة المتوجّه إليهم الخطاب فيهم جمع كثير ينبعثون عن أمره وينزجرون عن نهيه وأنّ فيهم من يخضع لأحكامه ولو إلى حين صحّ منه الخطاب العام ولا يلاحظ فيه حال الأشخاص بخصوصهم. ألا ترى الخطيب يوجّه خطابه إلى الناس الحاضرين من غير تقييد ولا توجيه إلى بعض دون بعض وإحتمال كون بعضهم أصم لا يعتنى به بل العلم به لايوجب تقييد الخطاب بل إنحلال الخطاب أو الحكم حال صدوره بالنسبة إلى قاطبة المكلفين من الموجودين فعلا ومن سيوجدفي الأعصار اللاحقة مما يدفعه العقل ضرورة عدم إمكان خطاب المعدوم أو تعلّق حكم به والإلتزام بإنحلاله تدريجآ وفي كلّ عصر حال وجود المكلّفين لا يرجع إلى محصّل.[2]

    ويقول (قدس سرّه) في المناهج :

    إنّ الخطابات العامّة لا ينحلّ كلّ منها إلى خطابات بعدد نفوس المكلّفين، بحيث يكون لكلّ منهم خطاب متوجّه إليه بالخصوص، بل يكون الخطاب


    1 ـ أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية :2 216.

    2 ـ كتاب الخلل في الصلاة: 13 14.

  • ۸۴

    العموميّ خطابآ واحدآ يخاطب به العموم، و به يفترق عن الخطاب الخصوصيّ في كثير من الموارد. هذا، مضافآ إلى أنّ الإرادة التشريعيّة ليست إرادة إتيان المكلّف وإنبعاثه نحو العمل، وإلّا يلزم في الإرادة الإلهيّة عدم إنفكاكها عنه وعدم إمكان العصيان، بل هي عبارة عن إرادة التقنين والجعل على نحو العموم، وفي مثله يراعى الصحّة بملاحظة الجعل العموميّ القانونيّ، ومعلوم أنّه لا تتوقّف صحّته على صحّة الإنبعاث بالنسبة إلى كلّ الأفراد، كما يظهر بالتأمّل في القوانين العرفيّة.[1]

    المطلب الثاني: أدلة النظرية

    ثمّ إنّه بعد التتبّع والتدقيق في كلمات السيّد الإمام (قدس سرّه) المنتشرة في كتبه وتقريراته يمكن أن يستفاد منها عدة أدلّة على أنّ الخطابات الواردة في الشريعة موضوعة على نهج الخطابات القانونية، وهي كالتالي :

    منها، ما نراه بالوجدان أنّ الخطاب الواحد محقَّق لغرض المتكلّم من مخاطبة الجميع دون حاجة إلى مخاطبة الأشخاص فردآ فردآ. يقول السيّد الإمام بشأن هذا الدليل :

    ويشهد عليه وجدان الشخص في خطاباته؛ فإنّ الشخص إذا دعا قومه لإنجاز عمل أو رفع بليّة فهو بخطاب واحد يدعو الجميع إلى ما رامه، لا أنّه يدعو كلّ واحد بخطاب مستقلّ؛ ولو إنحلالاً؛ للَغوية ذلک بعد كفاية الخطاب الواحد بلا تشبّث بالانحلال.[2]

    ومنها، أنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع، لا بلحاظ وجودها الخارجي، بل بلحاظ تقرّرها الذهني؛ وإن كانت الخصوصيّات الفرديّة متّحدةً معها خارجآ؛ إذ الأمر لا


    1 ـ مناهج الوصول إلى علم الأصول :2 28.

    2 ـ تهذيب الأصول :1 437.

  • ۸۵

    يتعلّق إلّا بما يقوم به الغرض ولا دخل لغير الطبيعة بوجودها الساري في حصوله.

    يقول (قدس سرّه) في التهذيب: إنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع، لأنّ الغرض قائم بنفس الطبيعة بأيّ خصوصية تشخصّت، وفي ضمن أيّ فرد تحقّقت، فلا معنى لإدخال أيّة خصوصية تحت الأمر بعد عدم دخالتها في الغرض، على أنّ الهيئة تدلّ على البعث والمادة على الماهية اللابشرط، فلا دالّ على الخصوصيات.[1]

    ومنها، أنّ الإطلاق بعد تمامية مقدّماته يباين العموم في أنّ الحكم فيه لم يتعلّق إلّابنفس الماهية أو الموضوع بلا مدخلية شيء آخر سواها، وليس الحكم متعلّقآ بالأفراد والحالات والطوارئ، فإنّ الإطلاق هو رفض القيود وجعل الطبيعة تمام الموضوع فلا يتّخذ اللفظ الموضوع للطبيعة كمرآة للأفراد بخصوصيّاتها، أو لحالات أفرادها، وهذا بخلاف العموم، فإنّ أداته وضعت لإستغراق أفراد المدخول، فيتعلّق الحكم فيه بالأفراد المحكيّة بعنوان الكلّ والجميع.

    يقول (قدس سرّه) في التهذيب :

    إنّ الإطلاق بعد فرض تمامية مقدماته ليس معناه إلّا كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم بلا دخالة شيء آخر أو ليس إلّا أنّ ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع له... وأمّا جعل الطبيعة مرآة لمصاديقها أو جعل الموضوع مرآة لحالاته فخارج من معنى الإطلاق وداخل تحت العموم أفراديآ أو أحواليآ؛... وبه يظهر أنّ تقسيم الإطلاق إلى الشمولي والبدلي وغيرهما فاسد جدّاً؛ إذ ليس للإطلاق تعرّض لحيثية سوى كون ما أخذ موضوعآ تمام الموضوع، وأما كون الحكم متعلّقآ بالفرد على البدل أو لكلّ فرد أو للمجموع فلا بدّ في إستفادة كلّ من ذلک من التمسّک بدوالّ لفظية، من لفظ كل أو اللام أو بعض أو غيرها. والسرّ في


    1 ـ المصدر :1 238.

  • ۸۶

    ذلک أنّ الطبيعة لا يمكن أن تكون حاكية عن الأفراد وإن كانت متحدةً معها خارجآ، بخلاف العموم فانّ أداته وضعت لإستغراق أفراد المدخول فيتعلّق الحكم فيه بالأفراد المحكية بعنواني الكل والجميع.[1]

    ومنها، وحدة المنهجية في وضع القوانين العرفية وجعل الأحكام الشرعية، فإنّ الطريقة التي تتّبع في القوانين من تشريعها عامةً من دون لحاظ العوارض وخصوصيات الأفراد هي نفس الطريقة التي جرى عليها الشرع، فلو كانت للشارع طريقة أخرى لذكرها ونبّه عليها.

    يقول السيّد الإمام (قدس سرّه) بشأن هذا الدليل :

    إنّ الإرادة التشريعيّة عبارة عن إرادة التقنين والجعل على نحو العموم، وفي مثله يراعى الصحّة بملاحظة الجعل العموميّ القانونيّ، ومعلوم أنّه لا تتوقّف صحّته على صحّة الإنبعاث بالنسبة إلى كلّ الأفراد، كما يظهر بالتأمُّل في القوانين العرفيّة.[2]

    وفي التنقيح :

    وأمّا الخطابات الكلّية العامّة مثل (يا أَيُّهَا النَّاسُ)[3] و(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)[4] ونحوهما من الخطابات الشرعيّة، بل نوع القوانين الصادرة من جميع الموالي كذلک فهي كلّية عامّة متوجّهة إلى عموم المكلّفين.[5]

    ويقول السيّد الإمام (قدس سرّه) في كتاب الخلل :

    والحقّ أنّ التشريع في الشرع الأطهر وفي غيره من المجالس العرفية ليس إلّاجعل الحكم على العناوين والموضوعات ليعمل به كلّ من إطّلع عليه في


    1 ـ المصدر :1 430.

    2 ـ مناهج الوصول إلى علم الأصول :2 28.

    3 ـ سورة البقرة: 153.

    4 ـ سورة آل عمران: 102.

    5 ـ تنقيح الأصول :3 414.

  • ۸۷

    الحاضر والغابر. فالقرآن الكريم نزل على رسول الله (صلي الله عليه وآله) وأبلغه الى معدود من أهل زمانه وهو حجة قاطعة علينا وعلى كلّ مكلّف إطّلع عليه من غير أن يكون الخطاب منحلا إلى خطابات كثيرة حتّى يلزم مراعاة أحوال كلّ مكلّف وهو واضح.[1]

    ومنها، ظهور الألفاظ الواردة في موضوعات الأحكام، في إختصاص تلک الأحكام بموضوعاتها بلا مدخلية شيء آخر في ذلک. يقول (قدس سرّه) في كتاب الخلل :

    إنّ العناوين المأخوذة في موضوع الخطابات والأحكام سواء كانت من قبيل العمومات كقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)[2] والطبائع والمطلقات كقوله (مَن آمَنَ)[3] ونحوه، لا يعقل أن تكون حاكية عن الطوارىء العارضة على المكلّفين من العلم والنسيان والقدرة والعجز وغيرها؛ ضرورة أنّ اللفظ الموضوع لمعنى لا يعقل أن يحكي عن غيره في مقام الدلالة إلّا مع صارف وقرينة؛ فقوله مثلا «المؤمن يفي بنذره» لا يحكي الّا عن الطبيعة دون لواحقها الخارجية أو العقلية؛ وكذا الحال في قوله (أَيُّهَا المُؤمِنُون)[4] فإنّ دلالته على الأفراد ليست الّا بمعنى الدلالة على المصاديق الذاتية لطبيعة المؤمن أى الأفراد بماهم مؤمنون لا على الأوصاف والطواري الأخرى؛ إذ لا تحكي الطبيعة إلّا عمّن هو مصداق ذاتي لعنوانها ولا تكون آلات التكثير كالجمع المحلّى والكل إلّا دالّة على تكثير نفس العنوان ولا يعقل دلالتها على الخصوصيات الفردية، فعموم الخطاب ليس في المثال إلّا للمؤمنين؛ فإذا ورد مثله في الكتاب العزيز يشمل كلّ مؤمن في كلّ عصر حال وجودهم ولكن ليس حجةً عليهم إلّا بعد علمهم بالحكم، فقبل تبليغ رسول


    1 ـ كتاب الخلل في الصلاة: 14.

    2 ـ سورة آل عمران: 102.

    3 ـ سورة التوبة: 18.

    4 ـ سورة النور: 31.

  • ۸۸

    الله (صلي الله عليه وآله) لم يكن حجةً على أحد إلّا على نفسه الكريمة وبعد التبليغ صار حجةً على السامعين دون الغائبين وعندما وصل إليهم صار حجةً عليهم وبعد وجود المكلّفين في الأعصار المتأخّرة لم يكن حجّةً عليهم الّا بعد علمهم به. فالجاهل والعالم والناسي والمتذكر والعاجز والقادر كلّهم سواء في ثبوت الحكم عليهم وشمول العنوان لهم وإشتراک الأحكام بينهم وإن إفترقوا في تمامية الحجّة عليهم فذووا الأعذار مشتركون مع غيرهم في الحكم وشمول العنوان لهم وإن إختلفوا عن غيرهم في ثبوت الحجّة عليهم.[1]

    وفي جواهر الأصول :

    يتصوّر المقنّن القانون الكلّي ويصدّق بفائدته لهم فيريد التقنين والجعل، فيوجّه الخطاب إليهم بالعنوان، فمتعلّق الحكم، الكلّي وموضوعه، العنوان؛ ففي قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)[2] لم يلحظ حال كلّ واحدٍ واحدٍ منهم بنحو العموم لينحلّ إلى خطابات عديدة، بل خطاب واحد متعلّق بالعموم. وكذا جعلت النجاسة على عنوان البول لا على أفراد البول، فكلّما تحقّق العنوان يتعلّق به الحكم.

    وإن كان في خواطرک ريب فلاحظ القوانين المجعولة في مجلس النوّاب والشيوخ؛ فإنّها بمرأى منک ومسمع، فتراهم يضعون القوانين ولا يلاحظون حالات أفراد ملّتهم وتحت حكومتهم، بل ربّما لا يتوجّهون إلى إنبعاث كلّ واحدٍ واحدٍ منهم، بل إذا رأوا إنبعاث عدّة منهم لكان ذلک مصحّحآ لجعل القانون على نحو الكلّية. فعلى هذا، كلّ واحد من الأحكام المجعولة في الشريعة إذا حان وقت إجرائها، أحكام فعلية لجميع آحاد المكلّفين بخطاب واحد، من دون إنحلال؛


    1 ـ كتاب الخلل في الصلاة: 14 15.

    2 ـ سورة المائدة: 1.

  • ۸۹

    سواء في ذلک العالم والجاهل والغافل والمتذكّر والعاصي والمطيع والمؤمن والكافر.[1]

    ومنها، المحاذير المبنائية التي سردناها عن الإمام الخميني (قدس سرّه) في الباب السابق؛فإنّه بناءً على الأخذ بنظرية الخطابات القانونية تندفع جميع هذه الشبهات وتنحلّ بالمرّة.


    المطلب الثالث: ما تتضمّنه النظرية

    للتعرّف على هذه النظرية بنحو صحيح ولتوضيح المطلب بشكل أكثر تفصيلا ينبغي إلفات نظر إلى ما يمكن إستخلاصه من مضامينها ومبادئها :

    1. المراد من الإرادة القانونية هو التقنين بالخطاب الكلّي وعدم إنحلاله.

    2. متعلّق الحكم في الخطاب القانوني كلّي، وموضوعه نفس الطبيعة فتنحدر الخطابات الكلّية إلى العناوين كالمؤمنين، أو الناس، أو القوم، ونحو ذلک.

    3. إنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع بينما لايتّخذ اللفظ الموضوع للطبيعة كمرآة للأفراد بخصوصيّاتها أو لحالات أفرادها.

    4. لا يشترط العلم والقدرة في فعلية الخطاب القانوني. فالجاهل والعالم والناسي والمتذكر والعاجز والقادر والعاصي والكافر كلّهم سواء في ثبوت الحكم عليهم وشمول العنوان لهم وإشتراک الأحكام بينهم.

    5. المعتبر في عدم لَغوية الخطاب القانوني تشخيص المقنّن وعلمه بتأثير القانون علي الناس إذا كانت فيهم عدّة يُعتنى بها يمكن إنبعاثهم بهذا البعث.

    6. إنّ الحكم بالنسبة إلى العنوان الجامع فعلي، وإنّ التكاليف فعليّة بالنسبة إلى جميع المخاطبين فينطبق قهرآ على جميع الأفراد ويكون حجّةً عليهم، وإن كان


    1 ـ جواهر الأصول :3 318 319.

  • ۹۰

    العاجزون معذورين في مخالفتها.

    7. يكون للخطاب عموم بالنسبة إلى جميع المكلفين كما يكون له عموم بالنسبة إلى جميع الأعصار والأمصار.


    المطلب الرابع: الفرق بين الخطابات القانونية والقضايا الحقيقية

    تتحّد الخطابات القانونية مع القضايا الحقيقية في أنّ الحكم فيهما يتعلّق بالعناوين الكلّية لا الأفراد المعينة الخارجية، بينما تختلف القضية الحقيقية بالمصطلح الميرزائي عن الخطابات القانونية في أنّه يجعل العنوان الكلّي في القضية الحقيقية مشيرآ إلى الأفراد ومرآةً لما ينطبق عليه في الخارج، بحيث يصدق الحكم على الخارجيّات بتوسّط العنوان الجامع لها،[1] فتكون تلک الأفراد ملحوظةً بالعرض، بيد أنّ العنوان الكلّي في الخطاب القانوني ليس مرآةً للأفراد إطلاقآ، لا بالواسطة ولا مع الواسطة. والثمرة تظهر في لزوم توفّر شرائط الخطاب في المخاطبين في القضية الحقيقية فيقيّد الخطاب بما هو مرتبط بشرائطه من القدرة والعلم وغيرهما، دون الخطابات القانونية فيصحّ الخطاب القانوني إلى المخاطبين ولو كان بعضهم عاجزين أو غير قابلين للإنبعاث.

    هذا بناءً على التقريب الميرزائي للقضايا الحقيقية، وأما بناءً على ما إختاره السيّد الإمام (قدس سرّه) في تفسير تلک القضايا فتشترک القضايا الحقيقيّة مع الخارجية في إرجاعهما إلى القضايا البتّية وما كان لموضوعه أفراد محققّة يصدق عليها بعنوانه، فتتوافق القضيتان مع الخطابات القانونية في أنّ الحكم في كلّ واحدٍ منها ثابت ومتعلّق بالعنوان الكلي إبتداءً؛ فإنّه بناء على هذا المسلک، ليس الحكم في القضية الخارجية متعلّقآ بذات الأفراد وأشخاصها الخارجيّة مباشرةً وبلا توسيط عنوان،


    1 ـ فوائد الأصول :1 511 512.

۲۵,۲۸۷ بازدید