pic
pic
  • ۱۲۱

    «ثُمَّ أَرى فِي قَلْبِهِ مَنْ حُبِّ الدُّنيا ذَرَةً أَو سُمعَتِهَا أَو رِئاسَتَها أَو صِيتِهَا أَو زِيِنَتِها لا يُجاورُني فِي دَارِي وَلأَنزِعَنَّ مِنْ قَلْبِهِ مَحَبَّتِي وَلأَظلِمَنَّ قَلْبَهُ حَتّى يَنسَانِي ولا أَذِيقُهُ حَلاوَةَ مَحَبَّتِي»[1].

    وهكذا ترون مقدار الآثار الوخيمة والعواقب السيّئة لحبّ الدنيا بحيث إنّ الله‌ تعالى رتّب عليها هذا المقدار من العقوبة الشديدة، وأساسا ورد في كتبنا الروائيّة، كما ذكر بعض العلماء والمحدّثين مثل المرحوم الشيخ الحرّ العاملي في كتابه «وسائل الشيعة»، بابا تحت عنوان: باب وجوب اجتناب الدنيا وحرمة محبّتها، وذكر في هذا الباب روايات كثيرة، فحبّ الدنيا إذا دخل قلب الإنسان فإنّه لا يزوق حلاوة عبادة الله، ولا يذوق طعم الارتباط القريب مع الله‌ ولا يسمح له بحضور قلبه في الصّلاة، الشخص الذي يستطيع أن يعيش حضور القلب في الصّلاة هو مَن انغرس حبّ الله‌ في قلبه فكان يشعر بالعشق لله‌ في أعماق وجوده وحياته.

    ويذكر الإمام الخميني رضوان الله‌ عليه في هذا الموضوع نقاط أخرى مهمّة جدّا فيما يتّصل بالتوجّه وحضور القلب، ويقول: إنّ حبّ الدنيا بمثابة أشواك طريق الوصول إلى الكمالات الإلهيّة ومراتب المعنويّة، ومن شأنه أن يترك قلب الإنسان عن التوجّه إلى محضر الباري تعالى وبذلك يحرم من لذّة مناجاته.

    إذا أردنا أن نعيش حضور القلب في صلاتنا يجب علينا تطهير قلوبنا من حبّ الدنيا والابتعاد عنها، وعندما يتحسر الإنسان لماذا لا يملك دارا واسعة ولماذا لا يملك ثروة كبيرة، ولماذا ليس له مقام وسلطة وأمثال ذلك؟ فإنّه كلّ ذلك يشير إلى حبّ الدنيا في قلبه وبيده وهو يمانع من حضور القلب في الصّلاة، وإذا أردنا أن تكون صلاتنا زاخرة بالعشق ومفعمة بلذة المناجاة مع الله‌ يجب علينا التقليل من حبّ الدنيا في قلوبنا، ونسأل الله‌ تعالى أن يوفّقنا لهذا الأمر المهمّ، إن شاء الله.


    1. مستدرك الوسائل، ج 12، ص 36.

  • ۱۲۲

    36ـ الدُّنيا المذمومة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    «الدُّنيا دُنيَاءَانِ: دُنيَا بَلاغٍ وَدُنيّا مَلعُونَةٍ»[1]

    تحدّثنا فيما سبق أن حبّ الدنيا بحيث يكون همّ الإنسان وغمه الوصول إلى الدنيا وزخارفها وتحصيل الرغبات والميول الدنيويّة في هذه الحياة يشكل أهم مانع لحضور القلب في الصّلاة، ومن هذه الجهة إذا كنّا نريد حضور القلب في الصّلاة لابدّ من اجتناب حبّ الدنيا والابتعاد عنها، ومن اللازم الالتفات إلى هذه النقطة، وهي أنّ المقصود من حبّ الدنيا ليس هو الكسب والعمل وتحصيل المعاش والرزق الحلال وتهيئة الأمور المعيشية في حدود حاجة الإنسان وشأنيته، والمقصود من حبّ الدنيا لا يعني الأشخاص الذين يملكون الثروة الكبيرة، فهذا لا يدلّ على وجود حبّ الدنيا في قلوبهم، وبالعكس الأشخاص الفقراء لا يدلّ ذلك على أنّهم بعيدين عن حبّ الدنيا، بل يعني إنّ التعلّق والارتباط الوثيق في شؤون الدنيا والاهتمام بها على حساب الأمور المعنويّة والاُخرويّة،


    1. الكافي، ج 2، ص 131.

  • ۱۲۳

    ومن هنا يُعلم حال الإنسان ومدى ارتباطه بالدنيا، فلو أنّ الإنسان فَقَد شيئا من أمور الدنيا وجلس يتحسر عليه، أو فَقَد مقاما ومنصبا أو خسر مالاً وجلس يتحسّر عليه ويحسب أنّه فقد كلّ شيء فإنّ مثل هذا الشخص خاضع للمقام والمال، ولكن إذا قال إنّ الله‌ تعالى وهب لي ذلك المال أو المقام سابقا والآن أخذه منّي وأشكر الله‌ على ذلك، ولو أنّ الله‌ أراد أن يعيده عليَّ أو يهب لي ما هو أفضل منه فهو قادر على ذلك، فهذا الشخص الذي يملك مثل هذه الروحيّة، التي تحكي عن عدم تعلّقه وارتباطه بأمور الدنيا، لا يكون من مصاديق المحبّ للدنيا.

    يقول سماحة الإمام الراحل رضوان الله‌ عليه في كتابه: «أسرار الصّلاة»: إنّ الدنيا الذميمة هي العلاقة والحبّ والتوجّه لها، وإلاّ فإنّ أصل عالم الملك من جهة «نرجو الدقّة في هذا التعبير» هو مظهر من مظاهر الحقّ تعالى، فالإنسان في عالم الدنيا يرى تجليّات الباري تبارك وتعالى، فكلّ شيء تراه في عالم الطبيعة يعكس قدرة جماله وتجليّاته، يعني أنّ الدنيا زاخرة بآثار عظمة الله‌ تعالى وتجلياته وكلّ شيء يشير إلى وجوده ويشهد على وحدانيّته، وكلّ شيء في عالم الوجود يعكس شهادة الوحدانيّة والتوحيد.

    ومن جهة أخرى فإنّ عالم الدنيا، مهد تربية أولياء والعرفاء والعالمين بالله‌، لأنّ الشخص عندما يكون عارفا بالله‌ فإنّه في هذه الدنيا يكون عارفا، والشخص الذي أدّب نفسه وسلك الطريق إلى الله‌ تعالى فإنّه تحرّك في هذا الطريق المعنوي في هذه الدنيا ولا مكان آخر يمكن تصوّره لهذا السلوك المعنوي، ولذلك نقول إنّ الدنيا مزرعة الآخرة ويقول الإمام قدس‌سره: إنّ عالم الملك من أعزّ المشاهد والمنازل عند أولياء وأهل المعرفة، ثمّ يقول كلاما: وربّما لا يكون لدى الشخص شيئا من مال الدنيا، فلا يملك سيارة ولا دارا، ولا ثروة، ولا قدرة ومنصب ولكن قلبّه مملوء من حبّ الدنيا والتعلّق بها، وهذا هو السبب في أنّه يعيش الغفلة عن الله‌ ويكون كافرا بالله‌.

  • ۱۲۴

    ولكن من جهة أخرى فربّما يملك الشخص ثروة وسلطة وجاه ومال كثير، ولكنّ قلبه غير متعلّق بهذه الأمور كما في النّبي سليمان بن داود عليهماالسلام، فقد كان رجلاً إلهيّا ونبيّا من أنبياء الله، فالنتيجة أنّ ذلك الشخص الذي يملك ثروة كبيرة فهذا لا يعني أنّه يعيش حبّ الدنيا وأنّ ذلك الفقير زاهد فيها ولا يعيش حبّ الدنيا، كلا فحبّ الدنيا لا يرتبط بما يملكه الإنسان وما لا يملك، بل يرتبط بذلك التعلّق القلبي للإنسان، بأي شيء دنيوي وبأي مقدار يشعر بالحزن والحسرة على فراقه، فالشخص الذي يشعر بالطمأنينة في قلبه لا يختلف حاله إذا ملك ثروة كبيرة أو لم يملك، فكلّ شيء يراه من الله‌ تعالى، فمثل هذا الشخص لا يعيش حبّ الدنيا والتعلّق بها في قلبه.

    وجاء في كلام آخر للإمام الراحل قدس‌سره فيما يتّصل بهذا الموضوع أنّ بعض الأشخاص ربّما يعملون على تقسيم رغباتهم وميولهم فيجعلون قسما منها للعبادة ويملكون حضور القلب في الصّلاة، وفي ذات الوقت يبذلون مساعي كثيرة لجمع الأموال والثروة ولكنّهم لا يرتبطون بها في قلوبهم، ولعلّ هؤلاء ينالون سعادة الدنيا والآخرة، وعلى هذا الأساس ينبغي الالتفات إلى أنّ المراد من حبّ الدنيا المذمومة كما وردة في الروايات من الدنيا الملعونة هو التعلّق بالدنيا والارتباط بالأمور المادية والدنيويّة التي وهبنا الله‌ إيّاها في هذه الحياة، فلو أننا سعينا لاجتناب حبّ الدنيا وتطهير قلوبنا منه فعندما نستطيع تحقيق حضور القلب في الصّلاة.

  • ۱۲۵

    37ـ أصل جميع الفتن وعدم التوجّه إلى الله‌ في الصّلاة حـبّ الـدني


    بسم الله الرحمن الرحيم

    «يا مُوسى لا تَركَنَّ إِلى الدُّنيا رُكُونَ الظَّالِمِينَ وَرُكُونَ مَنْ اتَّخَذَها أَبَا وَأُمّا»[1]

    يتحدّث الشهيد الثاني رضوان الله‌ تعالى عليه في كتابه «التنبيهات العليّة»[2]، عن هذه المسألة وأنّ الشخص الذي يهتمّ لتحصيل الدنيا ويعيش حبّ الدنيا في قلبه ليس من أجل أن تكون الدنيا مقدّمة لآخرته، فمثل هذا الشخص لا ينبغي أن يتوقّع الحصول على لذّة المناجاة مع الله‌ تعالى «مَنْ فَرَحَ بِالدُّنيا فَلا يَفرَحُ بِالله‌ وَبِمُناجَاتِه»، فمثل هذا الشخص إذا حصل على مال ومقام ومنصب أو سلطة فيشعر بالفرح الكبير لهذه الأمور ولذلك فإنّه لا يشعر بالفرح والبهجة من ذكر الله‌ ومناجاته وعباداته، ولو أنّ الإنسان المصلّي أحس بعد صلاته بالنشاط والفرح يغمر وجوده فليعلم أنّ صلاته كانت مع حضور القلب، ومن لم يشعر بمثل هذ


    1. الكافي، ج 2، ص 135.

    2. التنبيهات العليّة، ص 88.

  • ۱۲۶

    الإحساس بل كان يشعر بأنّ صلاته أمر مفروض عليه وتكليف يؤدّيه بصعوبة، فمثل هذا الشخص قد ملأ حبّ الدنيا قلبه وأحاطت بالدنيا بقلبه وإن كان لا يعلم بذلك، الشخص الذي تكون الدنيا قرّة عينه ومصدر فرحه وهمّه وغمّه لا يمكن أن تكون الصّلاة قرّة عينه ولا أن تكون المناجاة مع الله‌ باعثا لفرحه وبهجته.

    وعلى هذا الأساس وبحسب ما ورد في ثقافتنا الدينيّة نعتقد بأنّ الشخص الذي يتحرّك نحو تحصيل المال والثروة يستطيع أن يجعل هذا المال مقدّمة لنيل التقوى والزاد للآخرة، ونقرأ في رواية عن رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهأنّه قال: «نِعَمَ العَونُ عَلَى تَقوى الله‌ الغِنى»[1]، فقد يساعد المال والثروة صاحبه لنيل تقوى الله‌ تعالى، وتحصيل المزيد من المثوبات كالإنفاق في سبيل الله‌ والاهتمام بمدّ يد العون للمستضعفين والمساكين ولكن إذا كان هدف الإنسان من تحصيل المال ليس طلب الآخرة ولا يجعله مادّة لنيل الثواب، فلا يتوقع على أن يحصل على حضور القلب في الصّلاة.

    ومن أجل توضيح مسألة حبّ الدنيا أكثر والاهتمام بهذه المسألة المهمّة جدّا ينقل المرحوم الكليني في المجلد الثاني من أصول الكافي باب ذم الدنيا والزهد فيها روايات كثيرة، يقول في إحداها: كلّم الله‌ تعالى نبيّه موسى وقال: «يـا مُوسى لا تَركَنَّ إِلى الدُّنيا رُكُونَ الظَّالِمِينَ وَرُكُونَ مَنْ اتَّخَذَها أَبَا وَأُمّا»، أي لا ينبغي للإنسان أن يرتبط بالدنيا بشكل وثيق بحيث يغفل عن وجود الجنّة والنار والآخرة وكأنّ كلّ شيء هذا العالم محصور في هذه الحياة الدنيا، فالحاكم الظالم الذي يقتل ويسفك دماء الأبرياء، لأنّه يتصوّر أنّ الحياة كلّها منحصرة بهذه الدنيا وكلّ شيء يتعلّق بهذه الحياة، ومن هذه الجهة يسعى ليكون أكثر قدرة ومقاما من الآخرين، فيقول الباري تعالى لنبيّه موسى «لا تَركَنَّ إِلى الدُّنيا»، فلا تكون مثل


    1. الكافي، ج 5، ص 71.

  • ۱۲۷

    هؤلاء الظالمين الذين التصقوا بالدنيا كأنّها أباهم واُمّهم، وجعلوها موردا لمحبّتهم وتعلّقهم، ثمّ يقول في آخر الرواية إنّ الله‌ تعالى: «واعلَم أَنَّ كُلَّ فِتنَةٍ بَدؤها حُبُّ الدُّنيا»، وكلّ شرّ وبلاء ومصيبة يمتد بجذوره إلى حبّ الدنيا، فأنواع الحروب والنزاعات العائليّة والاختلافات القوميّة وحتّى الخلافات السياسيّة تمتد بجذورها إلى حبّ الدنيا وحبّ السلطة والمقام.

    وقال: «وَلا تَِغبِط أَحَدا بِكثَرةِ المَالِ»، أو لا تتحسر على كثرة المال لدى الآخرين «فَإِنَّ مَعَ كَثرَةِ المَالِ تَكثُرُ الذُّنُوبُ»، فكلّما ازدادت ثروة الإنسان ولم يؤدّ ما عليه من الحقوق والواجبات فإنّه ستزداد ذنوبه وآثامه.

    وعلى هذا الأساس ينبغي الالتفات إلى أنّ الرواية عندما تقول إنّ أصل كلّ فتنة حبّ الدنيا وأنّ أصل عدم التوجّه إلى الله‌ هو حبّ الدنيا والتعلّق بها، وعليه فمن أجل تحصيل حضور القلب في الصّلاة يجب تطهير قلوبنا وتنقية أنفسنا من حبّ الدنيا، وليعلم الإنسان أنّ الشيطان عدوّه ويستطيع التغلب عليه بواسطة حبّ الدنيا وبذلك يتمكّن من جرّه إلى مهاوي الرذيلة ومستنقع الخطيئة، وينبغي أن يعلم أنّ حبّ الدنيا لا يجتمع مع الدين والتدين وأنّ حبّ الدنيا يعدّ أهم جندي من جنود ابليس، قد يستولي على الإنسان ويحيط بقلبه ولا يسمح بتذوق لذّة المناجاة مع الله.

    نأمل إن شاء الله‌ أن نكون ملتفتين إلى هذا العدوّ اللدود ونستطيع الخلاص منه والابتعاد عن طريقه ويوما بعد آخر نبتعد عن كلّ شيء يتعلّق بحبّ الدنيا ونبعده عنّا، حتّى بحسب تعبير الإمام الخميني قدس‌سره: لا يستطيع الإنسان القول بأنني أخرجت جميع حبّ الدنيا من قلبي، ولكن بالمقدار الممكن نستطيع ذلك، ونحن بعون الله‌ نستطيع ذلك إن شاء.

  • ۱۲۸

    38ـ بغض الدنيا أفضل الأعمال


    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال الإمام زين العابدين عليه‌السلام: «مَا مِنْ عَمَلٍ بِعْدَ مَعرِفَةِ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ وَمَعرِفَةِ رَسُولِهِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أَفضَلَ مِنْ بُغضِ الدُّنيا»[1]

    ذكرنا في البحوث السابقة بأنّ حبّ الدنيا والتعلّق بمظاهر الدنيا يشكّل مانعا من حضور القلب في الصّلاة، فالشخص الذي تعلّق قلبه بشجرة حبّ الدنيا والانشداد لزخارفها لا يستطيع أن يملك حضور القلب في الصّلاة، وأشرنا أيضا إلى بعض الروايات في هذا المجال وإن شاء الله‌ يجب علينا الاهتمام بهذه الروايات الشريفة، ففي رواية أخرى وردت في أصول الكافي (كتاب الإيمان والكفر باب ذمّ الدنيا والزهد فيها) عن الإمام زين العابدين عليه‌السلام عندما سئل: ما هي أفضل الأعمال عند الله‌ فقال عليه‌السلام:

    «مَا مِنْ عَمَلٍ بِعْدَ مَعرِفَةِ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ وَمَعرِفَةِ رَسُولِهِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أَفضَلَ مِنْ بُغضِ الدُّنيا»، وهذا يعني أنّ الإنسان يصل إلى مرتبة ليس فقط يشعر بحبّ الدنيا بل بالعكس


    1. الكافي، ج 2، ص 130.

  • ۱۲۹

    يشعر بالبغض للدنيا.

    ثمّ قال: «وإِنّ لِذَلِكَ لَشُعُبا كَثِيرَةٌ وَلِلمَعاصِي شُعُبا، فَأوَّلُ مَا عُصَي الله‌ بِهُِ الكبِرُ وَهِي مَعصِيةُ إِبلِيسَ حِينَ أَبى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِين»، ثمّ يتحدّث الإمام عليه‌السلام عن المعصية الثّانية وهي معصية الحرص والطمع تورط آدم على نبيّنا وآله وعليه السلام، والمعصية الثّالثة: الحسد، الذي تورط فيه قابل ابن آدم وتسبّب فيه قتل أخيه هابيل.

    ثمّ قال: «فَتَشَعَّبَ مِنْ ذَلِكَ حُبُّ النِّساءِ وَحُبِّ الدُّنيا وَحُبُّ الرِّئاسَة وَحُبُّ الرَّاحَةِ وَحُبُّ الكَلامِ وحُبُّ العُلُوِّ والثَّروَةِ»، فنتج من هذه الصفات الذميمة الثلاث: (التكبر، الحرص، والحسد)، وهي أعظم الرذائل النفسانيّة، سبع خصال ذميمة، حبّ النساء (إتّباع الشهوة)، وحبّ الرئاسة، وحبّ الراحة، وحبّ الكلام (اللغو والثرثرة) وحب العلوّ والثروة، «فَصِرنَّ سَبْعَ خِصالٍ فَاجتَمَعنَ كُلَّهُنَّ فِي حُبِّ الدُّنيا»، وكانت نتيجة ذلك أنّ الأنبياء والأولياء اعتبروا أنّ حبّ الدنيا أساس وأصل كلّ ذنب وخطيئة: «وَقَالَ الأنبِياءُ والعُلمَاءُ بَعدَ مَعرِفَة ذَلِكَ حُبُّ الدُّنيا رأَسُ كُلُّ خَطيئَةٍ»، ومعنى هذه العبارة الواردة في النصوص «حُبُّ الدُّنيا رأَسُ كُلُّ خَطيئَةٍ»، هي أنّ حبّ الدنيا لو انغرس في قلب إنسان فإنّه يجرّه إلى أي عمل من الأعمال المخالفة فضلاً عن كونه يمنع حضور القلب في الصّلاة، وعندما يكون حبّ الدنيا منشأ جميع الخطايا والذنوب إعلم أنّ حبّ الدنيا هذا هو المانع من حضور قلبك في الصّلاة: «الدُّنيا دُنيَاءَانِ: دُنيَا بَلاغٍ وَدُنيّا مَلعُونَةٍ»[1]، فدنيا البلاغ يعني أنّ الإنسان ينتفع من هذه الحياة بمقدار الضرورة والكفاية وبمقدار من يشبع حاجاته الدنيويّة، هذه هي الدنيا المحمودة أي دنيا البلاغ، ولكن إذا تحرّك الإنسان وراء المزيد منها وكان يهدف من ذلك الحصول على الدنيا فقط فليس


    1. الكافي، ج 2، ص 131.

  • ۱۳۰

    من أجل الآخرة فهذه الدنيا هي الملعونة.

    وعلى هذا الأساس ينبغي أن نعلم أنّ حبّ الدنيا مانع من حضور القلب، فإذا أردنا حضور القلب في الصّلاة ونعيش حالة المناجاة مع الله‌ فيجب قبل الصّلاة أن نجلس ونفكّر ما مقدار تعلّقنا بهذه الدنيا، وكيف نستطيع علاج نفوسنا وقلوبنا ونزيل هذا الحبّ من قلوبنا، فلا ينبغي أن ييأس الإنسان من تطهير قلبه وتنقية نفسه من حبّ الدنيا، وعليه أن يسعى كلّ يوم للتقليل من هذا التعلّق والارتباط الوثيق بالدنيا، فكلّما كانت هذه التعلقات أقل فإنّ لذّة المناجاة مع الله‌ تعالى في الصّلاة ستكون أكثر، وهنيئا لحال الأشخاص الذين وصلوا إلى مراتب عالية من بغض الدنيا عندما يشعرون في أنفسهم من حلاوة المناجاة مع الله‌ في أعمال قلوبهم.

    نسأل الله‌ تعالى أن يوفّقنا جميعا لأداء الصّلاة مع حضور القلب.

۱۰۴,۲۲۳ بازدید