pic
pic
  • ۱۳۱

    39ـ لزوم الاستمداد من الله‌ لحضور القلب


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ إحدى النقاط التي يجب على المصلّي التوجّه والالتفات إليها والإيمان العميق بها أنّ التوفيق لحضور القلب إنّما يتيسر بالاستمداد والطلب من الله‌ تبارك وتعالى وأن يعلم المصلّي أنّ مقلّب القلوب هو الله‌ عزّ وجلّ، فلو أراد حضور القلب في صلاته وجب عليه أن يتوكّل على الله‌ تعالى ويستمد منه المعونة ليتمكّن من إعداد قلبه ليتهيأ للحضور في محضر الباري تعالى، ويكون قلبا صالحا ولائقا لمناجاة الله‌ وجديرا بأن تنعكس عليه تجليات الذات المقدّسة، ولو أنّ العناية الإلهيّة تعلّقت بقلب الإنسان فإنّه سيبتعد عن الدنيا وتنقطع العلاقة بينه وبين الدنيا ونوازعها، وطبعا البداية تكون بيد الإنسان نفسه، يعني أنّ الإنسان لو لم يرغب في التوجّه إلى الله‌ ولم يتقدّم بالخطوة الاُولى فلا يتوقّع أن تشمله عنايات الباري تعالى، فما لم يلتفت الإنسان إلى كدورات قلبه ولم يشعر أنّ هذا القلب لا يليق بمناجاة الله‌ وغير جدير باشراق تجليات الذات المقدّسة عليه فلا ينفعه شيء، ولذلك يجب عليه أن يتفكّر ماذا يصنع حتّى يصل إلى هذه الغاية ويحصل على هذا المطلوب؟

  • ۱۳۲

    بداية يكون اختيار الطريق بيد الإنسان، فلو أنّ الإنسان نجح في بعض الامتحانات والاختبارات الدنيويّة التي يثيرها أمامه الله‌ تعالى في حياته وتمكن من إبعاد نفسه وقلبه عن الدنيا، ففي الخطوة اللاحقة تمتد إليه يد المعونة الإلهيّة وتساعده في السلوك إلى الله.

    ونقرأ في رواية وردت في كتاب «الكافي» عن الامام الباقر عليه‌السلام عن رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهفي حديث قدسي قال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «يَقُولُ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ وَعزَّتِي وَجَلالِي وعَظَمَتِي وَكِبرِيائِي وَنُورِي وعُلُوِّي وَارتَفاعِ مَكَانِي لا يُؤثِرُ عَبدٌ هَواهُ عَلَى هَوايَ...»، وهناك ينبغي الالتفات أنّ هذه المسألة تحدث للإنسان في كلّ يوم، فيرى نفسه على مفترق طريقين: أحدهما يتّجه به إلى الله، والآخر إلى الشيطان، أحدهما طريق الحقّ والآخر طريق الباطل، فإذا اختار الإنسان ما يوافق هوى نفسه وميله ورجّح رغبته الشخصيّة على ما يريده الله‌ تعالى منه، هنا يقول الله:

    «إِلاّ شَتَّتُ عَليهِ أَمرَهُ وَلَبَستُ عَلَيهِ دُنيَاهُ وَشَغَلتُ قَلبَهُ بِها»، وهذا شاهد على أنّ الله‌ تبارك وتعالى يشتت ذهن هؤلاء الأشخاص بأن يجعل قلوبهم مشغولة ومشغوفة بالدنيا، أي سيكون كلّ همّهم وغمّهم ما يعيشون من أمورهم الدنيويّة، وهذه النتيجة هي وليدة الأعمال اللاأخلاقيّة والسلوكيات الغير صحيحة لهؤلاء، «وَلَمْ أُوتُِهِ مِنها إِلاّ مَا قَدَّرْتُ لَهُ»[1]، فكلما سعى هذا الشخص لكسب المزيد من زخارف الدنيا وملذاتها ومظاهرها فإنّه لا ينال منها إلاّ ما هو مقدّر له عند الله‌ تعالى.

    وعلى هذا الأساس يتبيّن أنّ الإنسان إذا وقف بين طريقين: أحدهما طريق الله‌ والآخر طريق الشيطان والدنيا، وسلك في طريق الشيطان والدنيا ورجّحه على طريق الله، فإنّ قلبه سينشغل تدريجيا بالأمور الدنيويّة إلى درجة أنّه عندما يقوم


    1. الكافي، ج 2، ص 335.

  • ۱۳۳

    للصّلاة فإنّه لا يستطيع أن يلفت قلبه لحظة واحدة ليتوجّه بقلبه إلى الله‌ ويدرك الحضور الربوبي للحقّ تعالى، إذن فمثل هذا التوفيق يجب أن نطلبه من الله‌ تعالى، ونلتفت إلى هذه النقطة وهي أنّ الخطوة الاُولى من حضور القلب تكون بيد الإنسان نفسه، ولكن الخطوات الكبيرة والأخيرة تتحقّق بعناية الباري تعالى ونفسه ورحمته.

  • ۱۳۴

    40ـ سرّ توجّه القلب للاُمور الدنيويّة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ذكرنا آنفا إلى أنّ الإنسان المصلّي يجب أن يعلم أنّ حضور القلب واشتغاله بذكر الله‌ تعالى يجب أن يقترن مع الاستمداد من الله‌ ورحمته الواسعة.

    إنّ الله‌ تبارك وتعالى هو الذي يعمل على تصفية وتنقية قلب الإنسان، وهنا حقيقة جليّة وهي أنّ الإنسان بما أنّه مشغول بالأمور الدنيويّة في ليله ونهاره فإنّ قلبه عادة منشغل ومتوجّه إلى هذه الأمور، إن قلب الإنسان ينشغل عادة بالأمور التي تنشغل بها أعضائه الظاهرية، وهنا يتبيّن معنى مجاهدة النفس.

    يجب على الإنسان أن يتحرّك في طريق جهاد النفس كيما يتوجّه قلبه لأوقات الصّلاة إلى الله‌ ويترك الانشغال بالدنيا، والسرّ في أهميّة حضور القلب في الصّلاة يكمن في هذه النقطة، وسبق أن ذكرنا أنّ الكثير من أولياء الله‌ كانوا يطمحون أن يعيشوا من أوّل الصّلاة إلى آخرها فقط وفقط في محضر الباري تعالى ولكنّهم كانوا يظهرون العجز عن ذلك، وأنّه عمل صعب جدّا ويحتاج إلى إمداد ومساعدة من الله‌ تعالى.

  • ۱۳۵

    وكما ورد في هذه الآية الكريمة: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...»[1]، فمظاهر الدنيا وزخارفها تتجلّى لعامّة الناس بثوب جميل وشكل جذّاب وتتزيّن قلوبهم بهذه الأمور الشهوانيّة من الأموال والأولاد والنساء والزراعة والأمور الأخرى الواردة في هذه الآية الشريفة، فعندما تقول الآية: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ...»، حيث تتجلّى لعامّة الناس بشكل جميل وبرّاق وتنفذ إلى قلوبهم، ومن هذه الجهة فلو أراد الإنسان أن يبعد حبّ الدنيا ومظاهرها من قلبه فإنّه لا يستطيع ذلك بإرادته واختياره نفسه، فهو لا يستطيع القول إنّني قادر بإرادتي واختياري أن أعمل هذا العمل، بل إنّ هذا العمل يحتاج بالدرجة الاُولى إلى معونة من الباري تعالى، إنّ الدخول في هذا الوادي يحتاج إلى إرادة الإنسان ولكن استقراره وثباته في هذا الطريق بحيث يكون قلبه مستعدا للحضور بين يدي الله‌ والابتعاد عن زخارف الدنيا، يحتاج إلى عناية الحقّ تعالى.

    وسبق أن ذكرنا الحديث القدسي أنّ الله‌ تبارك وتعالى أقسم بعزّته وجلاله وبنوره وعلوّه وعظمته وكبريائه أنّ شخصا عندما يرجّح ميوله ورغبته على رغبة الله‌ تعالى فإنّ قلبه سينشغل بالدنيا، وهنا أطلب من جميع الإخوة الأعزاء أن يدققوا في هذه التعابير المهمّة جدّا، وهذا يعني أننا عندما نقف على مفترق طريقين فلا يعني أننا نستطيع بميلنا وإرادتنا أن نرجّح ما يريده الله‌ منّا على رغبات أنفسنا، فهذه ليست مسألة سهلة وبسيطة، فهي بمثابة انتخاب واختيار تستغرق وجود الإنسان كلّه ومن شأنه أن يخلق تحوّلاً كبيرا في حياته وسيرته وشخصيّته، ولو أنّ الإنسان رجّح ميوله وأهواءه على ما يريد الله‌ منه فسوف


    1. سورة آل عمران، الآية 15.

  • ۱۳۶

    تكون النتيجة كما أسلفنا، فالله‌ تعالى يقول: فأجعل قلبه مشغولاً في الدنيا وتكون جميع أموره مشتتة وحياته مضطربة، ومن هذه الجهة نرى أنّ الأشخاص الذين يطلبون الدنيا لا يعيشون استقرارا نفسيّا في حياتهم، بخلاف الأشخاص الذين يتحرّكون في خط الإيمان والتقوى والتوحيد، ويسلكون طريق العبادة والعبوديّة، فهم يعيشون الباطن المستقر والقلب المطمئن.

    ونتابع في الحديث الشريف قوله: «لا يُؤثِرُ عَبدٌ هَواهُ عَلَى هَوايَ...»، فلو وجد نفسه أنّه يستطيع أن يهتك شخصا مؤمنا ويسيء إلى سمعته، أو يفشي سرّا من أسراره ولكنّه مع ذلك لا يرتكب هذا العمل من أجل الله، وفي الموقع الذي تكون سمعته وحيثيّته في خطر ولكنّه من أجل حفظ الدين واطاعة أمر الله‌ تعالى يرفع صوته بالحقّ، ولو أنّه وقف بين طريقين، ويحدث ذلك كثيرا في حياة الإنسان، فيرجّح ما يريده الله‌ منه على هوى نفسه يقول الحديث: «إِلاّ استَحفَظتُهُ مَلائِكَتِي»، ما أعظم هذا الأمر، أن يعلم الإنسان المؤمن أنّ ملائكة الله‌ تقوم بحفظه ورعايته وتمدّ له يد العون والمساعدة وتدعو له وتستغفر له.

    «وَكَفَّلْتُ السَّماواتِ والأرضِينَ رِزقَهُ وَكُنتُ لَهُ مِنْ وَراءِ تِجارة كِلِّ تاجِرٍ وَأَتَتْهُ الدُّنيا وَهِي رَاغِمُةٌ»[1]، فمثل هذا الإنسان الذي يفرّ من الدنيا ويتركها طلبا ورغبة بالله‌ تعالى فإنّ الدنيا ستأتي إليه خاضعة وراغمة، هذه أمور مهمّة، فالإنسان لو شعر في صلاته بحضور القلب وأحسّ بحالة مريحة وجميلة في أعماقه فليعلم أنّه من جملة الأشخاص الذين وقعوا مورد عناية الباري تعالى، ولكن إذا لم يشعر بحضور القلب من أوّل صلاته إلى آخرها فليعلم أنّه يواجه مشكلة، فعليه أن يجلس ويتفكّر ما هي مشاكلته، وما هو الباعث على تورطه في أمور الدنيا وغفلته عن الله‌ تعالى؟ والشخص الذي يعيش ذكر الله‌ تعالى في غير الصّلاة فلا


    1. الكافي، ج 2، ص 335.

  • ۱۳۷

    يمكن أن يغفل عنه في الصّلاة، والشخص الذي يراقب نفسه في سائر الحالات فيتحرّك في خط الطاعة والعبوديّة لله‌ تعالى ويؤدّي ما عليه من أوامر الله‌ تعالى فإنّه بطريق أولى سيكون متوجّها إلى الله‌ في صلاته.

    رزقنا الله‌ تعالى وإيّاكم حضور القلب في الصّلاة إن شاء الله.

  • ۱۳۸

    الفصل الثالث: أسرار مقدّمات وشروط الصّلاة



    الباب الأوّل: أسرار الطّهارة


  • ۱۳۹
  • ۱۴۰

    41ـ مراتب الطّـهارة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ أحد البحوث التي يجب التوجّه إليها في أسرار الصّلاة، الأسرار الموجودة في مقدّمات الصّلاة، يقول الإمام الراحل رضوان الله‌ عليه في كتابه «سرّ الصّلاة»[1]: إنّ الصّلاة نفسها لها مراتب، فمقدّمات الصّلاة وشروطها لها مراتب أيضا، يعني بما أنّ حقيقة الصّلاة لها مراتب كثيرة، ولعلّه يمكن القول بصدور صلاتين مختلفتين من المصلّين من حيث المرتبة والحقيقة، فإنّ مقدّمات الصّلاة من قبيل الطهارة وسائر الأمور الأخرى لها مراتب أيضا ويجب على المصلّي الالتفات إليها والاهتمام بها.

    ويقول رحمه الله: الطّهارة الظاهريّة مقدّمة للصّلاة الصوريّة والظاهريّة، يعني بحسب الظاهر الشخص الذي يريد أن يصلّي يجب عليه تحصيل الطهارة الصوريّة، ولذلك فإنّ الوضوء يعتبر مقدّمة لهذه الصّلاة الظاهريّة التي يصلّيها المكلّف، ولكن الطهارة لها مراتب أخرى أيضا، فهناك طهارة أهل الإيمان،


    1. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 34.

۱۰۴,۲۲۷ بازدید