pic
pic
  • ۱۴۱

    وطهارة أهل الباطن، وطهارة أصحاب الحقيقة، وطهارة أصحاب القلوب السليمة وطهارة أصحاب السرّ، وطهارة أصحاب المحبّة والمجذوبين، وطهارة أصحاب الهداية، هذه هي مراتب الطهارة، وبعد تحصيل الطهارة الظاهريّة، تصل النوبة إلى المرتبة الثّانية وهي طهارة أهل الإيمان، يعني أن يطهّر نفسه من المعاصي ويبتعد عن الذنوب وعن الأخلاق الرذيلة والشهوات والميول غير المشروعة، فالإنسان المؤمن هو الشخص الذي لا يسمح للحرام أن يسلك طريقا إلى وجوده ونفسه ويتحرز من تلويث قلبه بالحرام، فهذا هو معنى طهارة أهل الإيمان.

    المرتبة الثّالثة، طهارة أهل الباطن، يعني أن يطهّر باطنه من القذرات المعنويّة والأخلاق الذميمة والأوساخ الأخلاقيّة.

    المرتبة الرابعة، طهارة أصحاب الحقيقة، يعني يوصل نفسه إلى مرحلة بحيث لا يسمح لوساوس الشيطان أن تدخل إلى حريم قلبه، ولا يسمح للأفكار الباطلة والشكوك والشبهات أن تخطر على ذهنه.

    المرتبة الخامسة، طهارة أصحاب القلوب السليمة، وهي الطهارة من التقلبات وابعاد ذهن الإنسان أن يكون مشغولاً بالمفاهيم التي تمثّل حجابا بينه وبين الله.

    المرتبة السادسة، طهارة أصحاب السرّ، وهذا يصل الإنسان إلى مراحل أعلى من الطهارة المعنويّة، وكما ورد في الآية الشريفة: «لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ»[1]، فهذا يعني أنّه كما أنّ ظاهر القرآن بحاجة إلى طهارة ظاهريّة فيجب على المكلّف الوضوء والطهارة ليتمكن من مسّ ظاهر القرآن، فإن الوصول إلى باطن القرآن يحتاج إلى طهارة باطنيّة أيضا، ومن أجل الوصول إلى سرّ القرآن يلزم طهارة أصحاب السرّ، وعليه فإنّ الصّلاة أيضا تكون بهذا المستوى.


    1. سورة الواقعة، الآية 79.

  • ۱۴۲

    ولو أنّ الإنسان أراد الاكتفاء بالصّلاة الظاهريّة فيكفي الوضوء الظاهري والطهارة الظاهريّة، ولكن يجب أن نعلم أنّ الصّلاة، مضافا إلى الطهارة الظاهريّة تحتاج إلى طهارة باطنيّة، فلو أردنا أن نكون من أهل الباطن وتكون صلاتنا صلاة أهل الباطن فهذا الأمر يتوقّف على الطهارة الباطنيّة.

    ومن هذا المنطلق فإنّ الطهارة الظاهريّة هي أقل مراتب الطهارة وأضعف مرتبة يؤدّيها الإنسان المكلّف وتكون مقدّمة للوصول إلى الطهارة الباطنيّة.

    نسأل الله‌ تعالى أن يوفّقنا أن نكون جديرين بجميع أنواع الطهارة إن شاء الله.

  • ۱۴۳

    42


    42ـ طهارة الظّاهر وطهارة الباطن


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ذكرنا أنّ المصلّي يجب أن يتطهّر للصّلاة، وثمّة أسرار ونقاط كثيرة في هذا العمل العبادي، فالطهارة لها مراتب عديدة والمصلّي يجب أن يعلم بأنّ الطهارة الظاهريّة تعتبر أقل وأدنى مرتبة من مراتب الطهارة وهي مقدّمة الصّلاة الظاهريّة، ويجب على الإنسان في حركة الحياة أن يتحرّك لتحصيل تلك المراتب الأهم والأعلى من الطهارة، ومنها طهارة أهل الإيمان، طهارة أهل الباطن، طهارة أصحاب الحقيقة، وأصحاب السرّ.

    إذا اقترنت صلاة الإنسان بالطهارة الباطنيّة فإن صلاته ستكون صلاة أهل الباطن، وأداء الطهارة الظاهريّة إنّما لغرض أن يلتفت الإنسان إلى الطهارة الباطنيّة ويسعى لتحقيقها في وجوده، وكما أنّ الآية الشريفة تقول: «لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ»[1]، أي أنّ الشخص إذا أراد أن يمسّ ألفاظ وكلمات القرآن يجب أن يكون متطهّرا بالطهارة الظاهريّة، فإنّ علماءنا ذكروا بأنّ هذه الآية الشريفة تشير


    1. سورة الواقعة، الآية 79.

  • ۱۴۴

    أيضا إلى أنّ الإنسان إذا أراد أن يصل إلى باطن القرآن فيجب عليه أن يملك الطهارة الباطنيّة.

    ويبيّن الإمام الراحل في كتابه «سرّ الصّلاة»، نقاط مهمّة في هذا المجال ويقول: «يجب أن يعلم أنّ الإسلام يهتمّ بالطهارة الظاهريّة، وأنّ الله‌ تبارك وتعالى أمر بطهارة اللباس والبدن في حال الصّلاة وأنّ المصلّي يجب أن يكون لباسه وبدنه طاهرين، وقد ورد في المأثور أنّ النظافة أحد شروط وعلائم الإيمان أو أنّها جزء من الإيمان، وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يهتمّ الباري تعالى بالطهارة الظاهريّة بهذا المقدار ولا يهتمّ بالطهارة الباطنيّة وطهارة قلب الإنسان ويهمل هذا الأمر المهم، ولا يمكن أن لا يهتمّ بتطهير القلب من الأوساخ المعنويّة والتلوث بالرذائل الأخلاقيّة.

    إذا تلوّثت يد الإنسان بالنجاسة فإنّ الله‌ تعالى أمر بتطهير هذه النجاسة بالماء، وعليه كيف يمكن القول إنّ الله‌ تعالى لم يهتمّ بإزالة النجاسة الباطنيّة التي تؤدّي إلى هلاك الإنسان الأبدي وتورثه الظلمة والكدورة الدائمة، وفي مسألة الطهارة اكتفى فقط بهذه الطهارة الظاهريّة؟ كلاّ، إنّ جميع أشكال الطهارة الظاهريّة يشكل مقدّمة للالتفات والتوجّه إلى الطهارة الواقعيّة وليصل الإنسان إلى الحالة الباطنيّة.

    يقول تبارك وتعالى في سورة الأحزاب الآية 33: «إِنَّمَا يُرِيدُ الله‌ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا»، ونرى أنّ عبارة «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا»، تدلّ على أنّ الطهارة لها مراتب كثيرة جدّا ولا ينبغي أن نحصر فكرنا بهذه الطهارة الظاهريّة.

    طهارة أصحاب الولاية، تعتبر آخر مرتبة للطهارة، وقد اجتمع جميع مراتب الطهارة وأكملها عند الأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام، بل يستفاد من عبارة «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا»، توفّر جميع مراتب العصمة لأهل البيت عليهم‌السلام، أو الطهارة من كلّ ذنب

  • ۱۴۵

    وكلّ فعل قبيح، الطهارة من أي فكر باطل، وطهارة نفوسهم من أي وسوسة والشرك بالله‌ حتّى بلحظة واحدة.

    وعلى هذا الأساس يجب الالتفات إلى أنّ طهارة البدن واللباس وكذلك الوضوء، والطهارة من الحدث والخبث التي هي مقدّمات للصّلاة، تعتبر مقدّمة لتحصيل طهارة أعلى، وبهذه الطهارة لا نريد أن نصلّي فقط الصّلاة الظاهريّة بل تكون طريقا للوصول إلى الطهارة الباطنيّة، وهذه الطهارة الباطنيّة ستكون منشأ ومصدرا لحركات وسلوكيات معنويّة أعلى.

    نسأل الله‌ تبارك وتعالى أن يوفّقنا جميعا لتحصيل المراتب العليا من الطهارة.

  • ۱۴۶

    43ـ أسرار الوضوء


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «وَطَهِّر قَلْبَكَ بِالتَّقوى وَاليَقِينِ عِنْدَ طَهارَةِ جَوارِحِكَ بِالمَاءِ»[1].

    تقدّم أنّ الطهارة لها مراتب متعددة، وأنّ الطهارة الظاهريّة هي أوّل خطوة للوصول إلى مراتب عالية من الطهارة الباطنيّة.

    يقول الشهيد الثاني في كتابه «التنبيهات العليّة»[2]، في باب الوضوء: إنّ علّة تكليفنا في الوضوء والطهارة الظاهريّة بغسل الوجه واليدين، هي أنّ الوجه واليدين في الإنسان من أكثر الأعضاء والجوارح التي يتواصل بها الإنسان مع الآخرين وسائر الأشياء.

    ومن هنا فعندما يغسل الشخص هذه الأعضاء فإنّه بالحقيقة يريد الإعلان عن هذا الأمر، وهو أنّه يريد أن يطهّر هذه الأعضاء من جميع التوجّهات لغير الله، وعلى حدّ تعبير الإمام الراحل رضوان الله‌ عليه: إنّ الوضوء وغسل الوجه


    1. بحار الأنوار، ج 77، ص 339.

    2. التنبيهات العليّة، ص 93.

  • ۱۴۷

    واليدين وتطهيرها ممّا سوى الله، يعني أنّ الإنسان يغسل يده ووجهه من غير الله‌ وينفصل عمّا سوى الله.

    والنقطة الاُولى، أنّ هذه الأعضاء والجوارح التي يرتبط بها الإنسان مع الآخرين غالبا، فإنّه يريد من خلال غسلها أن يقطع ارتباطه بهم وتوجّهه إليهم

    والنقطة الثانية، أنّ الإنسان يهتمّ بهذا الوجه بالأمور الدنيويّة ويتحرّك للتواصل معها بيديه وقدميه، وبذلك تظهر تلوّثات الدنيا على هذا الوجه واليدين، فعندما يغسلها المصلّي فإنّه يريد من ذلك تطهيرها من هذا التلوّث.

    النقطة الثّالثة، أنّه بغسله لهذه الظواهر فإنّه يتطهر قلبه أيضا، لأنّ القلب هو رئيس جميع هذه الأعضاء والجوارح وهو الذي يأمر الإنسان بالنظر، والكلام، والاستماع، ويأمر بفعل الأفعال الأخرى باليدين، ومن خلال غسل هذه الأعضاء والجوارح يروم الإنسان تطهير قلبه أيضا: «إِنَّ الله‌ لا يَنظُرُ إِلى صُوَرِكُم وَأَعمَالِكُم وَإِنَّما يَنظُر إِلى قُلُوبِكُم».

    النقطة الرابعة، إنّ الدنيا والآخرة ضرّتان: «وكلّما قربت من إحداهما بعدت عن الأخرى، فلذلك أمر بالتطهير من الدنيا عند الاشتغال والإقبال على الأخرى»، ومن هذه الجهة أمر الله‌ تعالى بغسل الوجه واليدين ليتوجّه المصلّي إلى الآخرة.

    النقطة الخامسة، بما أنّ جميع توجّه الإنسان واهتمامه بأمور الدنيا يتمّ من خلال الوجه فعندما يغسل وجهه فكأنّه يريد أن يغسل وجه قلبه لتيوجّه إلى الله‌ تعالى، فالإنسان عندما يغسل وجهه فهذا يعني أنّه يريد أن يكتسب الاستعداد واللياقة ليكون وجه قلبه متوجّها إلى الله‌ تعالى، وأكثر الحواس الظاهريّة والبدنيّة في الإنسان موجودة في وجهه من قبيل العين والاُذن والفم وسائر الحواس الأخرى، وأعظم أسباب الوصول إلى الدنيا والانشغال منها يتمّ من خلال هذه الحواس الموجودة في وجه الإنسان، ومع غسلها فالإنسان يريد أن يطهّره

  • ۱۴۸

    جميعا، كما أنّ الأمر بغسل اليدين في الوضوء هو من أجل أنّ اليد من الأعضاء المهمّة لوصول الإنسان إلى غاياته ومشتهياته النفسانيّة والطبيعيّة.

    أمّا السرّ في مسح الرأس بما أنّ قوّة الفكر والتعقل موجودة في الرأس ومع مسح الإنسان رأسه فكأنّه يريد مسح قوّة الفكر والتعقل لديه في طريق الوصول إلى الله، وكذلك مسح القدمين إنّما هو بسبب أنّ الإنسان يتحرّك بواسطة القدمين نحو غاياته ومقصوده.

    والخلاصة أنّ الإنسان في عمليّة الوضوء يطهّر جميع الأعضاء المتعلّقة بظاهره وبدنه، ويكون بذلك مستعدا من جميع الجهات للوقوف بين يدي الباري تعالى ومناجاته ولقائه.

    إذن يجب علينا الاهتمام بالوضوء، ولعلّه يمكن القول إنّ بعض أشكال الصّلاة التي لا قيمة لها ولا تؤثر في إيجاد تحوّل في الإنسان إنّما يعود في نحو من الأنحاء إلى أنّنا نعيش الغفلة عن مقاصد الوضوء والطهارة وكيفيّتها، ولو أنّ الإنسان في حال الوضوء كان ملتفتا إلى أنّه يسعى لتطهير نفسه وقلبه لتكون له اللياقة ليحظى بالجدارة لملاقاة الله‌ تعالى فإنّ مثل هذا الشخص سيجد في نفسه تدريجيا حالة حضور القلب في الصّلاة.

    إن شاء الله‌ نوفّق جميعا لفهم أسرار الصّلاة.

  • ۱۴۹

    44ـ سرّ الطّهارة بالماء


    بسم الله الرحمن الرحيم

    «وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ...»[1]

    ينقل الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه في كتابه «سرّ الصّلاة»، كلاما لبعض أهل المعرفة وكبار العرفاء يقول: إنّ الطهور إمّا أن يكون بالماء أو بالتراب، الماء هو منشأ ومصدر الحياة، والحياة هي منشأ وأصل العلم ولمشاهدة العالم ومشاهدة الحي القيوم تبارك وتعالى، والتراب أيضا يعتبر أصل نشأة الإنسان[2]، وهذه العبارة عميقة المغزى، فعندما يسبغ الوضوء يجب أن يعلم أنّ الماء منشأ الحياة وأصل وحقيقة كلّ حياة هو الماء، وأنّ الماء هو سرّ الحياة، وأصل العلم يعود إلى هذا الماء لأنّ الماء منشأ الحياة والحياة بدورها منشأ العلم، والعلم بدوره منشأ مشاهدة الحي المطلق، وهكذا تلاحظون العلاقة الوثيقة بين الماء والحياة والعلم ومشاهدة الحياة المطلقة والحي المطلق، وهو الله‌ تبارك وتعالى.


    1. سورة الأنفال، الآية 11.

    2. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 41.

  • ۱۵۰

    فلا ينبغي أن نتصوّر فقط أنّ الوضوء مجرّد غسل الأعضاء بواسطة الماء وأنّ الماء هو المادة السائلة لا أكثر، بل إنّ هذا الماء منشأ الحياة، والحياة هي منشأ العلم، وبواسطة العلم يتوجّه الإنسان إلى الحي القيّوم.

    يقول الباري تبارك وتعالى في القرآن الكريم: «وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورا* لِنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتا...»[1]، والمعني الظاهري لهذه الآية الشريفة هو، أنّ الباري تعالى وبواسطة الماء أوجد الحياة الظاهريّة للأحياء، ولكن يجب أن نعلم أنّ هذا الماء منشأ للحياة الباطنيّة والعلم أيضا، والعلم بدوره وسيلة وطريق لحصول الإنسان على الحقيقة وأنّ أصل الحياة مستمدة من ذلك الموجود الحي المطلق، أو قوله تعالى في آية أخرى: «وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ...»، فبواسطة هذا الماء يريد الله‌ تعالى أن يطهّركم من وساوس الشيطان ويبعده عنكم.

    هذه الآية الشريفة ذكرت أمرين وغايتين مهمّتين لإنزال الماء من السماء، إحدهما: «لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ...»، والثّانية: «وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ...»، فالماء في حقيقته وباطنه يطهّر الإنسان من أشكال الرجس والتلوّث، والطهارة إمّا أن تكون بالماء أو بالتراب، والتراب بدوره أصل وجود الإنسان «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ...»[2]، فوجود جميع أفراد البشر يعود إلى التراب والإنسان خلق من التراب، والنتيجة أن تحصل الطهارة إمّا يكون بوسيلة الوضوء أو التيمم فينبغي على الإنسان أن يفكّر فيمن خلقه، ولأجل أي شيء خلقه، ومن أي شيء خلق؟ والتيمم بالتراب هو من أجل أن يشعر الإنسان بالخضوع أكثر ويبعد عن نفسه حالات التكبر والغرور، فالتراب هو الأصل في حالة الذلة والمسكنة، وعلى هذا الأساس عندما


    1. سورة الفرقان، الآية 49.

    2. سورة طه، الآية 55.

۱۰۶,۳۰۴ بازدید