pic
pic
  • ۱۵۱

    نريد اسباغ الوضوء أو التيمم يجب أن نلتفت إلى هذه النقاط، وعندما يقع نظرنا على الماء نتذكر الآية الشريفة: «وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ...»، فنعلم بأنّ استعمال هذا الماء في الطهارة الظاهريّة مقدّمة لتحصيل الطهارة الباطنيّة والنقاء من تلوّث الباطن، نسأل الله‌ تعالى أن يجعلنا من أهل الطهارة.

  • ۱۵۲

    45ـ الماء الرحمة المطلقة للوجود


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «إِذَا أَرَدْتَ الطَّهارَةَ وَالوضُوءَ فَتَقَدَّم إِلى المَاءِ تَقَدُّمَكَ إِلى رَحمَةِ الله».[1]

    إنّ إحدى النقاط التي يجب أن يلتفت إليها المصلّي في الوضوء، الخصوصيّات والأسرار الموجودة في الماء، فنقرأ في سورة الأنبياء الآية 30 قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَىٍّ...»، يعني أنّ منشأ حياة كلّ موجود حيّ هو الماء، وكما أنّ الحياة الظاهريّة والبدنيّة تحتاج إلى الماء فإنّ الحياة الباطنيّة تحتاج إلى الماء أيضا، لأنّ قلب الإنسان يتطهّر بهذا الماء من التلوّثات والرذائل والكدورات بواسطة هذه الطهارة، ومن هنا وجبت مثل هذه الطهارة.

    وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم: «وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ...»[2]، فإنّ إزالة رجس الشيطان يتمّ بواسطة الماء الذي أنزله الله‌ تبارك وتعالى من السماء، وهكذا في مسألة التيمّم، فإذا التفت الإنسان أنّه خلق من هذا التراب وسوف يعود يوماً


    1. مصباح الشريعة، ص 43.

    2. سورة الأنفال، الآية 11.

  • ۱۵۳

    إلى هذا التراب ويتبدّل إلى تراب أيضا، فمثل هذا التوجّه يمهّد قلبه للحضور في الصّلاة، وقد وردت في كتاب مصباح الشريعة رواية مفصّلة عن الإمام الصادق عليه‌السلام فيما يتّصل بالوضوء وأسراره، وأنّه يجب على الإنسان أن يلتفت إلى الجهات المختلفة للماء ويعلم أنّ كلّ واحدة منها تعتبر وسيلة سلوكه ورقيه إلى مقام من المقامات المعنويّة.

    يقول الإمام عليه‌السلام: «إِذَا أَرَدْتَ الطَّهارَةَ وَالوضُوءَ فَتَقَدَّم إِلى المَاءِ تَقَدُّمَكَ إِلى رَحمَةِ الله»، يعني عندما تقترب من الماء لاسباغ الوضوء والطهارة فعليك أن تحسّ بأنّك تقترب من رحمة الله‌ الواسعة، ويستوحي الإمام الخميني رضوان الله‌ عليه من هذه الآية الشريفة: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَىٍّ...»، ويقول: «إنّ الماء هو الرحمة الاطلاقيّة للوضوء»، فالماء منشأ حياة جميع الكائنات والرحمة الاطلاقيّة والمطلقة، بحيث يستوعب جميع الموجودات، فمن هذه الجهة عندما يريد الإنسان اسباغ الوضوء فعليه أن يلتفت أنّه قريب من هذه الرحمة الإلهيّة: «فإنَّ الله‌ تَعالى قَدْ جَعَلَ الماءَ مِفتَاحِ قُربِهِ وَمُناجَاتِهِ وَدَلِيلاً إِلى بِساطِ خِدمَتِهِ»، وفي اللغة العربية «بَساط» بفتح الباء تعني الأرض الواسعة، أما «بِساط» فتعني الفرش الذي يبسط على الأرض، يعني أنّ الإنسان إذا أراد الوصول إلى مرتبة رفيعة من القرب إلى الله‌ تبارك وتعالى، فعليه أن يأخذ مفتاح هذا المكان الرفيع، والماء هو مظهر رحمة الله‌ تبارك وتعالى.

    «وَكَمَا أَنَّ رَحمَةَ الله‌ تُطَهِّرُ ذُنُوبَ العِبادِ كَذَلِكَ النَّجاسَاتُ الظَّاهِرِيَّةُ يُطَهِّرُها المَاءُ لا غَير»، فهنا يشير الإمام الصادق عليه‌السلام إلى هذه الآيات الشريفة ويقول: «وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورا»[1]، والآية: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَىٍّ...»، فَكمَا أَحيا بِهِ كُلَّ شيءٍ مُنْ نَعِيمِ الدُّنيا كَذَلِكَ


    1. سورة الفرقان، الآية 48،

  • ۱۵۴

    بِرَحمَتِهِ وَفَضلِهِ جَعَلَ حَياةَ القُلُوبِ بِالطِّاعَاتِ»، فكما أنّ الله‌ تبارك وتعالى خلق جميع النعم الدنيويّة بواسطة الماء ومنحها الحياة فإنّه تعالى منح قلوب البشر بفضله ورحمته بواسطة الحركة في خطّ الطاعة والعبوديّة والعبادة ومنح هذه القلوب الحياة، وبعبارة أخرى، إنّ حياة القلوب تتمحور فقط حول طاعة الله‌ تعالى، وهذه الطاعة والعبوديّة تتسبّب في حياة القلوب: «وَتَفَكَّرَ فِي صَفاءِ المَاءِ وَرِقَّتِهِ وَطُهرِهِ وَبَرَكَتِهِ وَلَطيفِ امتِزاجِهِ بِكُلِّ شَيءٍ»، فعندما تريد استعمال الماء في الوضوء فعليك أن تفكّر في جوانبه المختلفة من صفائه ورقّته وطهر وبركته وامتزاجه بجميع الأشياء في هذا العالم «امتِزاجِهِ بِكُلِّ شَيءٍ وَفِي كُلِّ شيء».

    «وَاستَعْمِلْهُ فِي تَطهِيرِ الأَعضاءِ الَّتِي أَمَرَكَ الله‌ بِتَطهِيرها، وَآتِ بِأَدَائِها فِي فَرائِضِهِ وَسُنَنهِ»، يعني عليك بالاتيان بجميع الآداب الواجبة والمستحبة في غسل الوجه واليدين حال الوضوء بالمقدار المقرر والكيفيّة المذكورة في الشرع «فإِنَّ تَحْتَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنها فَوائِدَ كَثِيرَةً»، أي بكلّ واحدة من هذه الآداب فوائد كثيرة لتطهير الأعضاء والجوارح: «فَإِذَا استَعمَلها بِالحُرمَةِ انفَجَرَتْ لَكَ عُيُونُ فَوائِدِهِ عَنْ قَريب».

  • ۱۵۵

    46ـ الاستلهام من الماء في الحياة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «عَاشِر خَلقَ الله‌ كَإِمتِزاجِ المَاءِ بِالأشياءِ»[1].

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «ثُمَّ عَاشِر خَلقَ الله‌ كَإِمتِزاجِ المَاءِ بِالأشياءِ»، فبالرغم من أنّ الوضوء مقدّمة للصّلاة والصّلاة عبارة عن مناجاة وارتباط مع الله‌ تبارك وتعالى، ولكن عبادات الإنسان ليست فرديّة فقط ولا ترتبط مع سائر الناس، فالعبادات الإسلاميّة في ذات الوقت التي تقرب الإنسان من الله‌ تعالى وتقطع عنه تعلّقه بالدنيا وبما سوى الله، فإنّها أيضا نافعة للمجتمع أيضا، فالعبادة التي تشغل الإنسان بنفسه فقط ولا تجعله مستعدا لتقديم خدمة للآخرين والحضور في أوساط عباد الله‌ الذين هم مظاهر تجلّي الحقّ، فما هو أثر هذه العبادة؟ العبادة يجب أن تخلق توسعة وجوديّة في واقع الإنسان إلى درجة أنّه في ذات الوقت الذي يعيش فيه المصلّي مع الله‌ تبارك وتعالى ويأنس بقربه ومناجاته، فإنّه لابدّ من حضوره بين عباد الله‌ ليحفظ لهم هذا المقام من القرب المعنوي من الله‌ تعالى


    1. مصباح الشريعة، ص 64.

  • ۱۵۶

    ويتحرّك في طريق اسداء الخدمة لهم.

    ويستفاد من عبارة الإمام الصادق عليه‌السلام: «ثُمَّ عَاشِر خَلقَ الله‌ كَإِمتِزاجِ المَاءِ بِالأشياءِ»، أنّ الشخص المصلّي يجب أن يعاشر جميع عباد الله‌ ويخالطهم بشكل نقي كما يمتزج الماء بالأشياء من قبيل الحجر الصغير والكبير، ويحتفظ لنفسه بالصفاء والنقاء في هذا الارتباط مع الآخرين.

    في طريق الحقّ يجب على الإنسان اجتناب إعمال الإرادة الشخصيّة ورؤية المنافع الذاتيّة في تواصله مع الناس وعباد الله، يقول الإمام الراحل رضوان الله‌ عليه[1]: وتفكّر في نفس امتزاج الماء بالأشياء فإنّ هذا الامتزاج من أجل اصلاح حالها وإيصالها إلى كمالها اللائق بها وإحيائها، يعني كما أنّ ارتباط الماء بالأشياء سبب لحياتها وحفظها ورشدها، فإنّ كيفيّة معاشرة المصلّي للآخرين ومعاملته لعباد الله‌ يجب أن تكون أيضا مثل هذه الحالة، فيعاشر الناس من موقع الحفظ والاصلاح، ويذكر الإمام رضوان الله‌ عليه في ذيل هذه الرواية عبارة جميلة جدّا، ويقول: كما أنّ الماء يمتزج مع جميع الأشياء بلطف، فالإنسان العابد الذي وصل إلى مراحل من العبوديّة فإنّه لا يسمح لنفسه بالتكّبر على عباد الله‌ بل يتواصل معهم من موقع العطف واللطف، ولا يتعامل معهم بحالة من التحقير لهم، لأنّه يعلم أنّه في هذه الصورة فإنّ صلاته وعبادته لا تكون كاملة.

    فعندما يرى المؤمن شخصا مشغولاً بارتكاب المنكر ويتحرّك في صدد اصلاح ظاهره وهدايته ولكنّ نهيه عن المعاصي والمنكر يجب أن يكون لغرض اصلاح حالته لا من أجل إِعمال النفوذ والسيطرة عليه، وهذه نقطة مهمّة جدّا ودقيقة، فالشخص الذي يريد إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينبغي أن يقول: بما أنني آمرك وأنهاك فعليك بأن تطيع وتفعل ما أقول، إنّ الآمر


    1. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 45.

  • ۱۵۷

    بالمعروف يجب أن يشعر بالتحرّق لهداية الناس فيكون عاشقا للاصلاح، كما أنّ الماء يجري بين الأشياء من موقع العشق لها وبدون أي توقّع منها ويطهّرها من التلوّث ويرويها، وكذلك الإنسان يجب أن يتعامل مع أبناء نوعه بهذه الصورة.

    «ثُمَّ عَاشِر خَلقَ الله‌ كَإِمتِزاجِ المَاءِ بِالأشياءِ يُؤدِّي كُلُّ شيءٍ حَقَّهُ وَلا يَتَغَيَّرُ عَنْ مَعنَاهُ مُعتَبِرا لِقَولِ الرَسُولِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مَثلُ المُؤمنِ المُخلِصِ كَمَثلِ المَاءِ» يعني يعاشر الناس بالصفاء والنقاء، ويسعى أن يكون وجوده سبب طهارة الآخرين لا أن يخلق لهم المشاكل.

    وأحد أسرار الوضوء التي يجب على الإنسان الالتفات إليها، أنّه يجد حالة من الاُنس مع الماء، وبذلك يجب عليه أن يتخلّق بصفات وخصوصيّات الماء أيضا.

  • ۱۵۸

    47ـ الإخلاص والصفاء في التوجّه إلى الله


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ذكرنا في الحلقة السابقة أنّ الإمام الصادق عليه‌السلام قال: إنّ صفاء الإنسان وخلوص نفسه في جميع أعماله وطاعاته وعباداته لله‌ تعالى يجب أن يكون مثل صفاء الماء عند نزوله من السماء، ومن هذه الجهة يكون الماء طهورا، يعني كما أنّ الماء يتّصف بالصفاء الذاتي والنقاء عند نزوله من السماء فيجب على الإنسان أن يأتي بعباداته صافية ونقيّة في جميع أجزائها، وأحد أجزاء هذه العبادة هو الطهارة أو الوضوء الذي يعتبر مقدّمة للصّلاة، ولذلك ورد في بعض الروايات: «الوُضُوء نُورٌ»[1]، فالشخص الذي يتوضأ للصّلاة فإنّ هذه الطهارة الظاهريّة توجد له النورانيّة والطهارة الباطنيّة.

    ويقول الإمام عليه‌السلام: إذا أردنا تحقيق هذه النورانيّة وحقيقة الطهارة النفسانيّة في الوضوء يجب أن نبتدى‌ء بالنيّة الخالصة والقصد الكامل لله‌ تعالى كما في سائر العبادات ولا يكون لنا قصد آخر غير ذلك، أي أنّنا نهدف من هذه العبادة التقرّب


    1. من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 41.

  • ۱۵۹

    إلى الله‌ تعالى واطاعة أمره وتحصيل النورانيّة الباطنيّة بذلك، فلو أنّ أحدهم قال إنّ الوضوء بالماء يتسبّب في إيجاد النشاط والحيوية في الإنسان ويقع عنه التعب والملل، إن تأثير غسل الوجه بالماء من شأنه أن يزيل التعب الظاهري للإنسان، ولكن لا ينبغي أن يتوضأ الإنسان بهذه النيّة بل يكون نيّته امتثالاً لأمر الله‌ تبارك وتعالى، وهكذا نرى أنّ الإمام الصادق عليه‌السلام عندما يقول إنّ إخلاصك وصفاء نيّتك في جميع العبادات يجب أن يكون مثل صفاء الماء ونقائه، لأنّه في ذلك الزمان عندما كان ماء المطر ينزل من السماء لا يختلط بأي شيء ويبقى على صفائه الذاتي، وهكذا يجب أن يكون عمل الإنسان طالبا لله‌ تعالى وصافيا ونقيا من أي شوائب الأخرى، وأي اختلاط بغيره.

    «وَطَهِّر قَلْبَكَ بِالتَّقوى وَاليَقِينِ عِنْدَ طَهارَةِ جَوارِحِكَ بِالمَاءِ»[1]، فأنت تقوم بعمليّة تطهير القلب من شوائب المعاصي والنوازع الأنانيّة والرذائل النفسانيّة في عمليّة تطهير أعضائك وجوارحك بالماء عند الوضوء، وهذا القلب الطاهر والمتطهّر هو القلب الذي لا تمتزج معه ذرّة من الشرك، ولو للحظة واحدة، والقلب الطاهر هو القلب الخالي من وساوس الشيطان والخارج عن دائرة حكومته وسلطته.

    كما نرى في بعض الروايات وفتاوى الفقهاء، من الاستحباب أن يكون الإنسان في جميع حالاته متطهّرا ومع الوضوء، لأنّ أحد آثار هذه الطهارة أنّها تؤثر على قلب الإنسان وتمنحه النورانيّة والصفاء وتمنع حضور الشيطان وساوسه في أعماق النفس، وأساسا فإنّ المصلّي الذي يعيش بطهارة كاملة وجامعة ويأتي بها بجميع آدابها وشروطها وخاصّة الأذكار والأدعية في أجزاء الوضوء، فإنّه يجد الاستعداد الكامل نفسيا للدخول في الصّلاة ويحصل على


    1. بحار الأنوار، ج 77، ص 339.

  • ۱۶۰

    اللياقة ليكون في محضر الباري تبارك وتعالى ويعيش اللذّة في مناجاته والتواصل معه.

    وعلى هذا الأساس يجب أن نلتفت إلى أنّ الوضوء ليس فقط طهارة ظاهريّة بل يتسبّب وصولنا إلى الطهارة الباطنيّة، وإذا استطعنا الوصول إلى الطهارة الباطنيّة، فسوف نتمكّن من التوصل إلى حقائق الصّلاة وسائر العبادات وحتّى إلى باطن معاني ومفاهيم القرآن الكريم: «لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ»[1]، نسأل الله‌ تعالى أن يجعل قلوبنا جميعا نقيّة وطاهرة.


    1. سورة الواقعة، الآية 79.

۱۰۶,۳۰۶ بازدید