pic
pic
  • ۱۷۱

    ثمّ يعود إلى هذا العالم.

    «ثُمَّ اغسِل ذِراعَيكَ اليَمينَ وَاليَسارَ وَعَلَّمَهُ ذَلِكَ فإِنَّكَ تُريدُ أَنْ تَتَلقَّى بِيدِيكَ كَلامِي»، لماذا وجب غسل على النّبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله غسل اليدين؟ تقول الرواية: بأنّك تريد أن تتلقّى بيدك كلامي، يعني أنّ الغرض من غسل اليدين هو من أجل أن نحضر في مقام القرب الإلهي ونقف في محضر الله‌ بيد طاهرة ونطلب منه ما يسعنا من رحمته ولطفه، فلا يمكن أن يصلّي المؤمن ولا يتحدّث مع الله‌ ولا يطلب منه شيئا، ولو طلب منه شيئا فلا يمكن أن لا يعطى له شيء، والنّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ومن أجل تسلّم كتاب الوحي يجب أن يكون ظاهر يديه طاهرتين أيضا.

    «وَامسَح بِفَضِلِ مَا فِي يَدَيكَ مِنَ المَاءِ رَأسَكَ وَرِجلَيكَ إِلى كَعبَيكَ، وَعَلَّمَهُ المَسحَ بِرَأسِهِ وَرِجلَيهِ وَقَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمسحَ رَأسَكَ وَاُبارِك عَلَيهِ»، وهذه العبارة عميقة المغزى وزاخرة بالمعنى، يقول الله‌ تبارك وتعالى: يا محمّد! امسح يديك على رأسك لماذا؟ لأنّي اُريد أن أمسح رأسك بالبركة وأجعلك مباركا، فماذا يعني هذا؟ يعني أنّ الله‌ تبارك وتعالى أراد أن يهب للنبي بركات وفيوضات على فكر وعقله ولكن الشرط الأولي الظاهري، هو أن يمسح الإنسان رأسه بماء الوضوء، وهذا الأمر يشير إلى أننا يجب أن نجعل فكرنا وعقلنا حصرا لله‌ فقط، لأنّ الفهم أو الذهن هو محل نزول الفيوضات الربانيّة على الإنسان.

    ثمّ يقول: «فَأمَّا المَسحُ عَلَى رِجلَيكَ فَإِنّي أُرِيدُ أَنْ أُوطِئكَ مَوطئِا لَمْ يَطَأهُ أَحَدٌ قَبلَكَ وَلا يطؤُهُ أَحدٌ غَيرَكَ فَهذا عِلَّةُ الوُضُوء»، وهكذا نرى أنّ النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وصل إلى مقام «ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى»[1]، فقال الله، اُريد أن أجعل قدميك في مكان ومحلّ لم يضع أحد قدمه عليه حتّى جبرئيل.

    والآن بعد أن نال النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله تلك المرتبة العالية وذلك المقام السامي في


    1. سورة النجم، الآية 8 و 9.

  • ۱۷۲

    سلوكه الإلهي والمعنوي، فنحن كبشر عاديين يجب علينا أن نمسح أقدامنا لأننا نريد أن نتقدّم خطوة في صلاتنا نحو مقام القرب الإلهي، فلو أننا واقعا نعيش هذا التوجّه والالتفات إلى هذه الحقيقة فإنّ الله‌ تعالى سيبارك على هذه الأقدام، إذن تلاحظون أنّ الوضوء يتضمّن أسرار وحقائق عميقة ولا ينبغي لنا أن نعيش الغفلة عنها، ومن المناسب أنّ الإنسان في حال اسباغ الوضوء أن يتذكر هذه العبارات وطبعا لابدّ من الاستمداد من نظر الله‌ ولطفه ويتذكر الإنسان هذه العبارات أثناء الوضوء ويستطيع إيجاد تحوّل في باطنه والحصول على تلك النورانيّة في الوضوء بحيث يشعر بها في وجوده وباطنه ويعيش بهذه النورانيّة حياة سعيدة في الدنيا والآخرة.

    نسأل الله‌ تبارك وتعالى أن يجعلنا جميعا من أهل الحضور في ساحة قدسه إن شاء الله.

  • ۱۷۳

    52ـ وضوء أهل الحقيقة (طهارة السرّ)


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ذكرنا لحدّ الآن أنّ الإنسان لا يستطيع بدون أداء الطهارة الصحيحة أن يصل إلى باطن الصّلاة وحقيقتها، وفي الطهارة نفسها يجب أن يلتفت المصلّي إلى ملكوت الطهارة وحقيقتها وباطنها، ويعلم أنّ وراء هذه الأفعال الظاهريّة، أي غسل الوجه واليدين، تطهيرا في باطنه أيضا، ويجب علينا تحصيل الطهارة الباطنيّة من طهارة القلب والعقل والنفس، فلو أنّ المصلّي أسبغ وضوءه بمثل هذا العمق والدقّة وبهذا الالتفات إلى حقيقة الطهارة فستكون صلاته بشكل آخر وسينال مرتبة أقرب إلى الله.

    وفي هذا المجال ورد في رواية وحديث قدسي متفق عليه بين الشيعة وأهل السنّة، أنّ الله‌ تبارك وتعالى يقول: «لا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أَحِبَّهُ»[1]، وهذا التعبير، رغم أنّه ورد في خصوص النوافل، لكن إذا أدّى الإنسان ما عليه من الواجبات والعبادات بشكل دقيق وعميق فسوف تؤثر هذه الخصوصيّة في


    1. روضة المتقين، ج 12، ص 209.

  • ۱۷۴

    وجوده أيضا، ولو أنّ المصلّي أسبغ الوضوء مع رعاية شروطه وخصوصيّاته بشكل كامل فسوف يصل إلى طهارة النفس والباطن وسيكون محبوبا للباري تبارك وتعالى.

    «فإِذَا أَحببتُهُ كُنتُ سَمعَهُ وَبَصرَهُ وَلِسانَهُ وَيَدَهُ وَرِجلَهُ، فَبِي يَسمعُ وَبِي يَبصُرُ وَبِي يَنطِقُ وَبَي يَبطِشُ وبِي يَمشي»، هذا يعني أنّ هذا الشخص كلّ ما ما يسمعه أو يراه أو ما ينطقه بلسانه فسوف يكون ذلك بمشيئة الله‌ وإرادته، فالشخص الذي يقع محبوبا للذات المقدّسة فإنّ الله‌ تعالى في الحقيقة هو الحاكم على وجوده وهو مالك لتصرفاته وسلوكياته، وعندما نتحدّث عن سرّ وحقيقة الطهارة فنرى أنّ هذا الأثر يترتّب أيضا عليهما.

    يقول المرحوم السيّد حيدر الآملي في كتابه «أنوار الحقيقة وأطوار الطريقة وأسرار الشريعة» في بحث وضوء أهل الحقيقة وهي المرتبة الثّالثة والعالية من مراتب الوضوء: «طَهارةُ السِّرِّ عَنْ مُشاهَدَةِ الغَير»، أي أنّ طهارة أهل الحقيقة، وهم الذين وصلوا إلى أعلى مرحلة في الكمال الإلهي والمعنوي بحيث إنّ سرّهم وضميرهم لا يشاهد سوى الله‌ تعالى، فكلّ ما يراه هذا العارف فهو يرى الله، وعندما يغسل وجهه فهو في الحقيقة يغسل الوجه الحقيقي له، أي سرّه وباطنه من التلوّث والتوجّه إلى ما سوى الله‌ ويتعهّد في نفسه ويلزم نفسه أن لا يرى سوى الله‌ تعالى ويطهّر وجهه من رؤية الله‌ تعالى: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله...»[1]، «إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ»[2]، ويعلم أنّه كلما التفت إلى أي شيء فإنه يرى وجه الله‌ فيه، وكلّ ما هو موجود في العالم من الكائنات واقع في دائرة الاحاطة الربوبيّة له، يقول السيّد حيدر الآملي قدس‌سره: وهذا التوجّه هو ما ورد عن توجّه إبراهيم عليه‌السلام لله‌ تعالى حيث قال:


    1. سورة البقرة، الآية 115.

    2. سورة فصلت، الآية 54.

  • ۱۷۵

    «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ»[1]. ثمّ يشير السيّد حيدر الإملي قدس‌سره إلى غسل اليدين: «عبارةُ عَن عَدمِ الالتفاتِ إِلى مَا فِي يَديهِ مِن متاعِ الدُّنيا والآخرةِ»، فعندما يغسل الإنسان يديه يقول: إنني لا التفت بعد الآن إلى ما في يدي من متاع الدنيا والآخرة، أمّا متاع الدنيا فهو من قبيل المال والمقام الأهل والأولاد، ومقام الآخرة الطاعات والعبادات، يعني أنّ هذا الإنسان يصل إلى مرتبة يرى نفسه فارغا ممّا في الدنيا والآخرة ويديه صفر من متاع الدنيا والآخرة، حتّى لو أنّه قضى عمره في العبادة فهذه الأعمال لا تساوي شيئا عند أهل المعرفة، لأنّ رؤية الطاعة والعبادة عند أهل المعرفة هو معصية بذاته، فعندما تقول: أنا الذي فعلت كذا وكذا من العبادات، أي أنني عبدت الله‌ عشر سنوات أو سبعين سنة، فمثل هذا الالتفات إلى النفس يعدّ معصية بذاته، فلا ينبغي لنا أن نلتفت إلى هذه الأعمال العباديّة، لأنّه أوّلاً أنّ التوفيق لأداء هذه الأعمال كان بعناية الله‌ ولطفه وإلاّ نحن لا نستطيع على القيام بذلك بدون العناية الإلهيّة، وثانيا، ينبغي أن نأمل أن يتقبّل الله‌ تعالى بفضله وكرمه ولطفه.

    وقد ورد في الرواية التي ينقلها ابن أبي الجمهور الاحسائي في «عوالي اللئالي» وقال: «الدّنيا حَرامٌ عَلَى أَهلِ الآخِرَةِ»، فالأشخاص الذين يريدون الوصول إلى مراتب عالية في الآخرة فإنّ الدنيا تعتبر سمّا مهلكا لهم فيجب عليهم الإعراض عنها.

    «وَالآخِرَةُ حَرامٌ عَلَى أَهلِ الدُّنيا»، لأنّهم سلكوا في خطّ الشيطان وتحرّكوا في طلب الدنيا والمال والمقام، ولهذا فالحياة الطيّبة في الآخرة حرام عليهم.


    1. سورة الأنعام، الآية 79.

  • ۱۷۶

    «وَهُمَا مَعَا حَرامَان عَلَى أَهلُ الله»[1]، وهذا يعني أنّ أهل الله‌ يتوجّهون فقط وفقط إلى الله‌ تعالى، ولا ينظرون أبدا إلى متاع الدنيا ولا متاع الآخرة.

    ويتابع المرحوم السيّد حيدر الآملي كلامه في مسح الرأس ويقول: «عِبارةُ عَنْ تَنزيه سِرِّهِ وتَقديس باطِنِهِ الّذي هُو الرَّأسُ الحَقِيقِي»، والمسح على الرأس يقصد به تنزيه الرأس الحقيقي وهو باطنه من تلوّث الأنانيّة وكلّما يقصد به غير الله‌ في فكره ونفسه، فالشخص الذي يشاهد غير الله‌ ويتوجّه إلى غيره هو مشرك عند أهل المعرفة «كُلُّ مَنْ شاهَدَ الغيرَ فَهُوَ مُشرِكٌ وَكُلُّ مُشرِك نَجسٌ وَالنَّجِسُ لَيسَ لَهُ طَريقٌ إِلى عالَم القُدس»، وهذه الموارد والمفاهيم كلّها مقتبسة من الآيات القرآنيّة أو الروايات الشريفة، وتوجد في الوضوء أسرار ونكات وخفايا كثيرة إذا التفت إليها الإنسان من موقع الفهم والعمق فسوف يرد عالما آخر وتنكشف له حقائق خفيّة وتزول عن بصيرته ستائر وحجب، ومثل هذا الوضوء من شأنه أن يخلق حالة حضور القلب للمصلّي، نسأل الله‌ تعالى أن يرزقنا جميعا هذه النعمة العظيمة إن شاء الله.


    1. عوالي اللئالي، ج 4، ص 119.

  • ۱۷۷

    53ـ أذكار أميرالمؤمنين عليه‌السلام عند الوضوء


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ورد التأكيد الكثير في كتبنا الروائيّة على استذكار الأدعيّة الخاصّة والأسرار الوارد عن الوضوء، فالوضوء إذا اقترن بهذه الأدعية والأذكار فسوف تكون له حقيقة أخرى ويكون هذا الشخص مستعدا للصعود في عبادته وصلاته إلى مراتب عليا، وقد ورد في رواية صحيحة عن أميرالمؤمنين عليه‌السلام في كتاب «الكافي»[1]، تبيّن آداب الوضوء، يروي عبدالله‌ بن الكثير عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام كان جالسا وطلب من ولده محمّد بن الحنفية أن يأتي له بماء ليتوضأ، فعندما أتى له بالماء أخذ بيده اليمنى كفّا من الماء وصبّه على يده يسرى وذكر هذا والذكر: «بِسمِ الله‌ الحَمْدُ الَّذي جَعَلَ المَاءَ طَهُورا وَلَمْ يَجعَلْهُ نَجِسا»، ثمّ دعاء بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ حَصِّنْ فَرْجِي وَاعِفَّهُ وَاستُر عَورَتِي وَحَرِّمها عَلَى النَّارِ».

    ثمّ إنّه تناول مقدارا من الماء واستنشق منه بأنفه ودعا بهذا الدعاء:

    «اللّهُمَّ لا تُحَرُّمْ عَلَيَّ رِيحَ الجَنَّة، وَاجعَلنِي مِمَّنْ يَشُمُّ رِيحَها وَطِيبَها وَرَيحَانَها».


    1. الكافي، ج 3، ص 70.

  • ۱۷۸

    ثمّ إنّه عليه‌السلام وضع مقدارا من الماء في فمه المبارك وتمضمض به وقال: «اللَّهُمَّ انْطِقْ لِسانِي بِذِكْرِكَ وَاجعَلنِي مِمَّنْ تَرضى عِنهُ»، وجاء في بعض النسخ بدلاً من كلمة «انطق»، «اطلق»، أي أطلق لساني بذكرك بحيث يكون مشغولاً بذكرك دائما.

    إذا كان وضوء الإنسان مقترنا مع هذه الأذكار وبخاصّة هذا الذكر «اللَّهُمَّ انْطِقْ لِسانِي بِذِكْرِكَ...»، فيتبيّن أنّ الإنسان حتّى لو أراد الدعاء والمناجاة مع الله‌ فإنّ اختيار لسانه بيد الباري تعالى ولا يتحرّك ولا ينطق إلاّ بمشيئة الله، أي لابدّ أن تشمله العناية الإلهيّة ليكون لسانه قابلاً ولائقا لمناجاة الله، وفي الكثير من الأوقات يجد الإنسان نفسه يدعو الله‌ تعالى بكلّ راحة ويقرأ القرآن أو يصلّي ولا يحسّ بالملل، ولكن أحيانا لا يوفّق لقراءة آية واحدة أو دعاء مختصر ولا يجد في نفسه الميل والشوق لذلك، فيتبيّن أنّ الدعاء والمناجاة لابدّ لها من توفيق رباني وعناية الإلهيّة.

    وعند غسل الوجه دعا أميرالمؤمنين عليه‌السلام بهذا الدعاء: «اللّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَومَ تَسوَدُّ فِيهُ الوُجُوه وَلا تُسَوِّدْ وَجهِي يَومَ تَبيَضُ فِيهِ الوُجُوهُ».

    وعند غسل يديه اليمنى قال عليه‌السلام: «اللّهُمَّ لا تعطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَالخُلدَ فِي الجِنانِ بِيسَارِي».

    وعندما غسل يده اليسرى قال عليه‌السلام: «اللّهُمَّ اعطِنِي كِتَابِي بِشِمالِي وِلا تَجعَلهَا مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِي»، ثمّ مسح رأسه المبارك وقال: «اللّهُمَّ غَشنِي بِرَحمَتِكَ وَبَركَاتِكَ وَعَفوُكَ».

    وعند مسح قدميه قال عليه‌السلام: «اللّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّراطِ يَومَ تَزِلُ فِيهِ الأقدامُ وَاجعَل سَعيي فِيما يُرضِيكَ عَنْهُ»، هذه هي الأدعية والأذكار التي كان الإمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام يدعو بها عند الوضوء.

  • ۱۷۹

    54ـ باطن الوضوء: تبديل قطرات ماء الوضوء إلى ملائكة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    استعرضنا رواية للإمام الصادق عليه‌السلام ينقل فيها دعاء الإمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام في حال الوضوء وتعرّفنا على مضامين هذه الأدعية والأذكار، ونرى من اللازم أن يقرأ كلّ إنسان هذه الأدعية والأذكار عندما يتوضأ، يذكر الله‌ وكذلك يتذكّر المعاد ويتذكّر الأمور الأخلاقية الملازمة لإنسانيّته، وبعد أن أنهى أميرالمؤمنين وضوءه التفت إلى ولده وقال: ««يا مُحَمّدُ! مَنْ تَوَضّأ مِثلَ مَا تَوُضُأتُ وَقَالَ مَثلَ مَا قَلتُ خَلَقَ الله‌ مِنْ كُلِّ قَطرَةٍ مَلَكَا يُقَدِّسُهُ وَيُسَبِّحُهُ وَيُكَبِّرُهُ وَيَكتُبُ لَهُ ثَوابَ ذَلِكَ إِلى يَومِ القِيامَةِ»، والنقطة المهمّة جدّا التي ينبغي على الجميع الالتفات إليها في ختام الرواية أنّ الإمام عليه‌السلام قال: إنّ كلّ شخص يتوضأ مثل هذا الوضوء، وهو وضوء أتباع أهل البيت عليهم‌السلام والذي تعلموه من مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام، وهو الوضوء نفسه الذي توضأه رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، فمن توضأ بمثل هذا الوضوء ودعا بهذه الأدعية والأذكار فإنّ الله‌ تعالى يخلق من كلّ قطرة ملكا يسبّح الله‌ ويقدّسه ويكتب هذا

  • ۱۸۰

    الذكر والتسبيح من الملك لصاحب هذا الوضوء في صحيفة عمله.

    وفي هذه الرواية عدّة نقاط مهمّة ينبغي الالتفات إليها:

    الاُولى، أنّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام لم يكن بصدد بيان ثواب الوضوء فقط بل في مقام بيان حقيقة الوضوء، فهو لا يريد أن يقول إنّ الشخص الذي يتوضأ فإنّ الله‌ تعالى سيكتب له الثواب، بل يريد أن يبيّن حقيقة هذا العمل وباطنه وأجزاءه، يعني أنّ ذلك الماء الذي يجري على بدن الإنسان المؤمن مقترنا بالذكر الله‌ وبتلك الكيفيّة الشرعيّة فإنّ حقيقة قطرات هذا الماء تتمثّل بشكل ملك من الملائكة، يعني هناك ملك بإزاء كلّ قطرة من قطرات ماء الوضوء، وعمل هؤلاء الملائكة الكثيرين الذين خلقوا من قطرات هذا الماء أنّهم يحمدون الله‌ ويقدّسونه إلى يوم القيامة، ولا يتصوّر أحد أنّ هذه الرواية تذكر فقط ثواب الوضوء، كلاّ، إنّ هذه الرواية تبيّن حقيقة قطرات ماء الوضوء والتي تتمثّل في هيئة الملائكة.

    النقطة الثّانية، أنّ خصوصيّات هذه الرواية وتمثّل قطرات ماء الوضوء بالملائكة لا يختصّ بأميرالمؤمنين عليه‌السلام، فالإمام هنا يقول إنّ كلّ شخص إذا توضأ مثل وضوئي وذكر هذه الأذكار والأدعية فسوف يخلق الله‌ ملكا من كلّ قطرة من ماء وضوئه، ورغم أنّ نوع البشر عاجزون عن الاتيان بمثل هذا الوضوء وبهذه الكيفيّة والخصوصيّات ولذلك ذكر بعض الأعاظم والأكابر أنّ هذا المعنى يعدّ من خصوصيّات أميرالمؤمنين عليه‌السلام أو الأشخاص الذين بمثل مقامه وتالي تلوه وعلى مقربة منهم في مراتب الكمال المعنوي والإلهي.

    إنّ بعض الشخصيات من الأولياء يعيشون النور الإلهي في جميع وجودهم وبعيدا عن كلّ رجس وذنب ورذيلة، فمثل هذا الشخص الطاهر المطهّر من كلّ رجس وذنب إذا توضأ فإنّ وضوءه يحمل مثل هذه الخصوصيّة والثمرة، ولكن يمكن القول إنّ المستفاد من هذه الرواية الشريفة أنّ الله‌ تبارك وتعالى قد يرتّب

۹۹,۳۰۲ بازدید