pic
pic
  • ۱۸۱

    مثل هذه الآثار والثمرات بفضله وكرمه ولطفه على جميع العباد الذين يتوضأون مثل هذا الوضوء، أي بمثل وضوء أميرالمؤمنين عليه‌السلام وبالترتيب المذكور ومع رعاية آدابه والأدعية والأذكار الواردة مع الالتفات والاعتقاد بمضامينها ومعانيها، يعني عندما يقول: «اللّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّراطِ يَومَ تَزِلُ فِيهِ الأقدامُ...»، فإنّه يرى واقعا يوم القيامة وجسر الصراط ويجد في نفسه القلق والاضطراب من حالته في ذلك اليوم الرهيب، فرعاية آداب الوضوء والتوجّه إلى معاني هذه الأذكار والمعتقدات الواردة في هذه الأدعية قد يتفق لبعض الناس أيضا.

    وأساسا إذا قلنا إنّ مثل هذه الخصوصيّات يعني خلق الملائكة من قطرات ماء الوضوء يختصّ بأمر المؤمنين عليه‌السلام وفعل هذا الإمام، إذن فلماذا يقول الإمام عليه‌السلام: «مَنْ قَالَ مِثلَ قَولِي وَتَوضّأ مِثلَ وُضُوئِي»، فلو كان الآخرون عاجزين واقعا عن الوصول إلى هذه الحقيقة فما هي الثمرة والنتيجة المترتبة على هذه الحقيقة؟ فما يقوله البعض أنّ هذا الأمر يختصّ بالإمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام خلاف لظاهر الحديث، وعندما نستعرض الروايات الواردة في باب الوضوء ونتمعّن فيها فسوف نرى كثرة الآثار والبركات الإلهيّة المترتبة على مثل هذا الوضوء.

    إذن، يبدو أنّ هذا الأمر لا يختصّ بأميرالمؤمنين عليه‌السلام بل إنّ هذه الرواية تعكس مراتب الطهارة ووجود فرق بينها، فذلك الملك الذي يخلق من قطرات ماء وضوء أميرالمؤمنين عليه‌السلام يختلف قطعا عن ذلك الملك الذي يخلق من قطرات ماء وضوء الشخص العادي، فدرجات الملائكة تختلف بحسب اختلاف مراتب طهارة الأفراد، وهذا هو ما ثبت في محلّه، إذن فلا معنى للقول إنّ الآخرين محرومون من الوصول إلى هذه المرتبة.

    النقطة الثّالثة، يستفاد من هذه الرواية أيضا أنّ الوضوء حتّى لو لم يكن بنيّة

  • ۱۸۲

    الصّلاة بل يتوضأ المؤمن لمجرّد الطهارة مع توفّر شروط الوضوء فإنّ هذه الآثار والبركات ستترتّب عليه أيضا.

    وأمّا هذه الرواية فلا تدلّ على أنّ هذا الشخص المتوضيء يقصد من ذلك الصّلاة بعده، فلم يُذكر في هذه الرواية قيد وشرط بعنوان الصّلاة، ولذلك ينبغي على المؤمنين الالتفات إلى هذه الحقائق واستثمارها والسعي يكونوا دوما على وضوء وطهارة وليعلموا كثرة البركات والثمرات المترتبة على الوضوء، عليهم رعاية الأذكار والأدعية الواردة في حال الوضوء لئلا يفقدوا هذه العنايات الإلهيّة الكبيرة ويحرمون أنفسهم من لطف الله‌ تعالى، ورعايته.

  • ۱۸۳

    55ـ آثار وفوائد الوضوء


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ أحد آثار الوضوء إيجاد النورانيّة في باطن الإنسان، وحقيقة هذا الوضوء خلق الملائكة من قطرات هذا الماء ليسبحوا الله‌ تبارك وتعالى ويكبّروه إلى يوم القيامة، ولعل البعض يخطر في ذهنه أنّ الوضوء بما أنّه مقدّمة وشرط من شروط الصّلاة فلا يحظى بأهميّة كبيرة، في حين يجب علينا الالتفات إلى أنّ الوضوء في ذات كونه شرطا للصّلاة فإنّه في نفسه عمل عبادي مهمّ جدّا وتترتّب عليه آثار مهمّة أيضا، وقد وردت الرواية الشريفة في كتاب «الكافي»[1] عن محمّد بن قيس يقول:

    «سِمِعْتُ أَبَاجَعفَر عليه‌السلام يَقولُ وَهُوَ يُحَدِّثُ النّاسِ بِمَكّة: صَلّى رَسُولُ الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهالفَجرَ» مع أصحابه إلى أن طلعت الشّمس وقام الأصحاب واحدا بعد الآخر وذهبوا: «حَتَّى لَمْ يَبقَ مَعَهُ إِلاّ رَجُلانِ»، أحدهما من الأنصار والآخر من قبيلة ثقيف، فالتفت إليهما رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقال:


    1. الكافي، كتاب الطهارة، باب النوارد، ح 7.

  • ۱۸۴

    «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ لَكُما حَاجَةٌ وَتُريدانِ أَنْ تَسألا عَنها فإِنْ شِئتُما أَخبَرتُكُما بِحَاجَتِكُما قَبلَ أَنْ تَسألانِي»، قالا: «فَإِنْ ذَلِكَ أَجلَى للعَمى وَأَبعَدُ مِنَ الإِرتِيابِ وَأَثبَتُ للإِيمَانِ» قال رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله:

    «أَمَّا أَنتَ ياأَخا ثَقِيف فإِنَّكَ جِئتَ تَسأَلَنِي عَنْ وُضُوئِكَ وَصَلاتِكَ ما فِي ذَلِكَ مِنْ الخَيرِ»، ثمّ إنّ النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله التفت إلى الأنصاري وقال له: إنّك تسأل عن الحجّ والعمرة، وما نحن بصدد الإشارة إليه هو جواب النّبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهعن سؤال الثقفي فيما يتّصل بالوضوء.

    هنا يقول النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في جوابه: «أَمَّا وُضُوؤكَ فَإِنَّكَ إِذا وَضَعتَ يَدَكَ فِي إِنائِكَ ثُمَّ قُلتَ بِسمِ الله‌ تِنَاثَرتْ مِنها مَا اكْتَسَبتَ مِنَ الذُّنُوبِ، فإذَا غَسَلْتَ وَجهَكَ تَناثَرتْ الذُّنُوبُ الَّتِي اكتَسَبتَها عَينَاكَ بِنظرِهِما وفُوكَ، فَإِذا غَسَلتَ ذِراعَيكَ تَناثَرتْ الذُّنُوبُ عَنْ يَمِينِكَ وَشِمالِكَ، فإِذا مَسَحْتَ رَأسَكَ وَقَدَمَيكَِ تَناثَرتْ الذُّنُوبُ الّتِي مَشيتَ إِلَيها عَلَى قَدَمَيكَ».

    أيّها الإنسان، تأمّل ما في الوضوء من آثار وبركات عظيمة، فيستطيع الإنسان بوضوء واحد أن يتطهّر تماما من الذنوب والآثام التي تلوّثت بها أعضاؤه وجوارحه، وقد ورد في أحاديث أخرى أنّ النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: «إنّ قَالَ فِي آخرِ وُضُوئِهِ وغُسلِهِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنتَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ وأَشْهَدُ أَنّ مُحَمِّدا عَبْدُ هُوَرَسُولُهُ وأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّا وَلِيِّكَ وَخَلِفَتِكَ بَعدَ نِبيِّكَ عَلَى خَلقِكَ وَأَنَّ أَولِياءهُ خُلفَاؤكَ وَأَوصِياءهُ أوصِياؤكَ تَحاطَتْ عَنْهُ ذُنُوبَهُ كِلُّها كَمَا تَحاطُ وَرَقُ الشَّجر»[1].

    وهكذا تلاحظون الأهميّة البالغة لهذا الوضوء عند الله‌ تبارك وتعالى والتحوّل الكبير الذي ينتج بسبب هذا الوضوء وكم من الأسرار والحقائق الكامنة فيه، ولكن للأسف نحن لا نعلم بها ونعيش بعيدا عن هذه الحقائق المعنويّة.


    1. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 77، ص 316.

  • ۱۸۵

    وقد يتساءل أحيانا بعض الأشخاص بسبب جهلهم وعدم اطلاعهم: لماذا نغسل وجوهنا وأيدينا من أجل الصّلاة، هؤلاء الأشخاص لا يعلمون أنّ الله‌ تعالى حكيم على الإطلاق وقد أوجب الوضوء مقدّمة للصّلاة، وهو عالم تماما بأسرار هذا الوضوء ولذلك يجب علينا السعي أن نكون على طهارة دائمة، ورغم أنّ الوضوء شرط للصّلاة ولكن لا ينبغي لنا الغفلة عن هذه الحقيقة ولا نتوضأ للصّلاة فقط بل نكون على وضوء في جميع الحالات لتشملنا أنوار هذا الوضوء ونستغرق في بركات هذه الطهارة إن شاء الله.

  • ۱۸۶

    الباب الثاني: أسـرار سـتر العـورة


  • ۱۸۷
  • ۱۸۸

    56ـ أسرار ستر العورة في الصّلاة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ أحد الشروط التي يجب على المصلّي رعايتها، ستر العورة، وقد يثار هذا السؤال، لماذا يجب على المصلّي أن يستر عورته في حال الصّلاة؟ فإنّ الله‌ تعالى هو العالم بظاهر الإنسان وباطنه ولا فرق لديه أن يكون المصلّي عريانا أو مستورا؟ وما هي الخصوصيّة والأسرار في ستر العورة بحيث صار شرط هذا العمل شرطا واجبا من شروط الصّلاة ويجب على المصلّي رعايته.

    لقد ذكر علماؤنا في مدوّناتهم وكتبهم في بحث أسرار الصّلاة نقاط وملاحظات قيمة في هذا المورد، وبخاصّة الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه، حيث ذكر نقاط مهمّة جدّا وبعضها خارج عن دائرة فهم أمثالنا وتختصّ بحقيقة هذا الإمام النورانيّة وأمثاله، وبالنسبة لستر العورة في الصّلاة لابدّ من القول إنّ ستر العورة وأعضاء البدن القبيحة أي المواضع التي يقبح النظر إليها والعقلاء يجتنبون النظر إليها والمرتبة الأدنى من ذلك ستر العورة، وعلى حدّ تعبير الإمام رضوان الله‌ عليه أنّ ستر العورة هو المفهوم عند عامّة الناس، ولكنّه يذكر

  • ۱۸۹

    أيضا خمس مراتب أخرى لستر العورة: 1. ستر العورة لدى الخاصّة؛ 2. ستر العورة لدى الخواص؛ 3. ستر العورة لدى أهل الإيمان؛ 4. ستر العورة لدى أهل المعرفة؛ 5. ستر العورة لدى أهل الولاية[1].

    ومن الواضح أنّ كلّ ستر يستلزم لباسا وساترا خاصّا، فستر المواضع القبيحة من ظاهر البدن يتمّ بهذه الملابس الظاهريّة بل حتّى في موارد لا يوجد لباس يستطيع الإنسان ستر عورته بورق الشجر وأمثال ذلك، وهكذا يستطيع الإنسان أن يستر هذه المواضع بسهولة، ولكن هناك مراتب أعلى من الستر وتستلزم لباسا آخر، من قبيل لباس التقوى، فعندما يقترف الإنسان الرذائل ويرتكب الأعمال القبيحة يجب عليه تغطيتها وسترها بلباس التقوى، أي أنّه يقوم بأعمال لجبران تلك الأعمال القبيحة ويستر نفسه بها، وفي المرتبة الثّالثة فيما لو أراد الإنسان ستر نفسه من القبائح والصفات الذميمة يجب عليه أن يرتدي لباس العفاف والطهارة، وفي المرتبة الرابعة فيما لو أراد ستر عيوبه القلبيّة وتغطية القبائح في نفسه وروحه يجب عليه استخدام لباس الطمأنينة، وفي المرتبة الخامسة يرتدي لباس الشهود ولباس التمكين وهي من جملة المفاهيم التي يصعب علينا جدّا دركها وفهمها.

    ومقصودنا من الإشارة إلى هذه المراتب أنّ المصلّي يجب أن يعلم أنّه إذا وجب عليه ستر القبائح الظاهريّة وتغطية عورته في الصّلاة فإنّه يحتاج لستر أعماله وسلوكياته المذمومة إلى ساتر أيضا، وكذلك قلبه وفكره وباطنه تحتاج أيضا إلى ساتر، وتحتاج ملاكاته الأخلاقيّة وصفاته الذميمة إلى ساتر أيضا، فيجب علينا أن نتجاوز القبائح الظاهريّة ونركز تفكيرنا في القبائح الباطنيّة وكيفيّة سترها واصلاحها، يقول المرحوم الشهيد الثاني رضوان الله‌ عليه: يجب على


    1. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 49.

  • ۱۹۰

    الإنسان أن يجمع جميع قبائحه الباطنيّة في قلبه ويعلم أنّ الساتر الوحيد لها عبارة عن الخوف من الله‌ والأمل برحمته تعالى، أن يعيش حالة الخوف والرجاء وصفها ساترا للملكات الباطنيّة القبيحة والصفات الأخلاقيّة الذميمة، وتبيّن من ذلك لماذا وجب على المصلّي ستر العورة في حال الصّلاة وهو يقف أمام الباري تعالى العامّ بالظاهر والباطن، بل يجب عليه ستر العورة حتّى في الأماكن التي لا يوجد فيها أحد من الناس ولا يراه أحد، ومن هنا ورد التأكيد في اختيار المصلّي للباسه بأن لا يجعله منشغلاً بهذا اللباس عن الصّلاة والتوجّه إلى الله، وأن لا يكون لباسا خاصّا يخلق فيه حالة العجب والغرور.

    وبعبارة أخرى إنّ الغاية الأساسيّة من البدن والعورة، هي الستر الظاهري لهذه الأعضاء والجوارح، وهذا العمل بمثابة مقدّمة للتوجّة إلى ستر سائر العيوب والقبائح، وبهذا العمل يدرك الإنسان عيوب ونواقص وتلوّثات كثيرة في نفسه وروحه يجب عليه سترها بطرق خاصّة.

    ينبغي على الإنسان أن يعلم من خلال شرط الستر هذا أنّه يحتاج إلى ساتر واقعي، ويحتاج إلى توفير الساتر على أعماله الذميمة وأخلاقه القبيحة، يقول القرآن الكريم: «وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ...»[1].

    نسأل الله‌ تعالى أن يرزقنا جميعا لباس التقوى الجميل.


    1. سورة الأعراف، الآية 26.

۹۹,۰۷۴ بازدید