pic
pic
  • ۱۴

    المقدّمة

    تحظى الصّلاة، من بين العبادات بأهميّة خاصّة، وتعدّ أفضل طريق وأكثره تأثيرا للوصول إلى الحقّ تعالى، فالصّلاة إقرار بالتوحيد واعتراف بعظمة وجلال الباري تعالى ومالكيّته يوم الجزاء والثواب، والصّلاة هي تنزيه الله‌ تعالى من كلّ نقص وعيب وتتضمّن جميع مظاهر الحمد والثناء الخاصّة بالباري تعالى، وبالصّلاة نصل إلى هذه العقيدة، وهي أنّه لا موجود إلاّ الله‌ تعالى يستحق الحمد والثناء، فجميع أشكال الحمد والثناء تعود لحمده وثنائه، والصّلاة هي الوصول إلى التوحيد الجامع والابتعاد والبراءة من كلّ شرك، والصّلاة إقرار بعظمة الباري تعالى، وأنّه لا موجود آخر غيره يستحق العظمة والكبرياء، والصّلاة أفضل طريق للتسلط على النفس والمادّيّات والشّهوات.

    ولا يخفى أنّ الصّلاة المفيدة والصحيحة هي الصّلاة التي يتعرّف فيها المصلّي على أسرارها ورموزها بدرجة معيّنة، وهذا الكتاب يستعرض زاوية من هذه الأسرار المستخلصة من الآيات القرآنيّة الشريفة وروايات الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام .

    والنقطة المهمّة هنا، إنّ جميع المؤمنين والمصلّين يجب عليهم تفهّم هذه

  • ۱۵

    الأسرار واستحضارها دوما، وينبغي على الأقل في كلّ عام مرّة واحدة استحضار هذه الأسرار ومطالعتها مرّة أخرى، وأساسا يجب في الأمور التربويّة وحالات السير والسلوك المعنوي تكرار المباني والتوصيات اللازمة لكي تتطبع النفس عليها وتتحوّل إلى مَلَكة، وبالنتيجة خلق واكتشاف أسرار جديدة بواسطة هذه النفس المهذّبة.

    وهذه المجموعة من المعارف بين يدي القارى‌ء الكريم، تتضمّن بحوث ومسائل تمّ عرضها في السنوات الماضية في مسائل الصّلاة وأسرارها وعلى شكل جلسات مختصرة في إذاعة صوت المعارف للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، ومن الجلي أنّه في مثل هذه البحوث ليس من المقرر بسط وتفصيل وتعميق جميع الأبعاد العلميّة والمعنويّة للصّلاة، بل تمّت الإشارة بشكل واضح وسلس لبعض أسرارها وخفاياها، ولم يحدث في هذا الكتاب أي تصرف كبير في العبارات والألفاظ حدّ الإمكان، لتبقى بشكل سلسل وبمنهج واضح وميسور للجميع.

    وأخير نتقدّم بالشكر الوافر للمسؤولين المحترمين في المركز الفقهي للأئمّة الأطهار عليهم‌السلام ، وكذلك سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ ماشاء الله‌ استاد ميرزا دامت تأييداته، لمساهمته في تدوين وتنظيم هذا الكتاب، وكذلك نتقدّم بالشكر الجزيل لكلّ من سماحة السيّد أحمد النجفي والشيخ هاشم الصالحي اللذين أقدما على ترجمة وتنظيم هذا الكتاب بهذه الصورة الجميلة لتعمّ الاستفادة منه والاغتراف من منهله أكثر فأكثر، نأمل أن يساهم هذا الكتاب في الارتفاع وترشيد هذه العبادة المهمّة، إن شاء الله.

    محمّد جواد فاضل اللنكراني
    28/8/1392ش/2013م

  • ۱۶

    الفصل الأوّل: أمور عامّة حول أسرار الصّلاة


  • ۱۷
  • ۱۸

    1ـ ضرورة التعرّف على أسرار الصّلاة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ أحد المواضيع المهمّة والمؤثرة جدّا في البحوث العلميّة والمعنويّة، بحث أسرار الصّلاة، والالتفات إلى هذا البحث والتعمّق فيه يحقّق للمصلّي مراتب ومقامات ومنازل في خطّ السلوك المعنوي، وللأسف فإنّ الغفلة عن أسرار الصّلاة أدّى إلى أن تفقد الكثير من صلواتنا التأثير المطلوب والإيجابي في وجودنا وفي حياتنا الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، فلو أننا التفتنا إلى أسرار الصّلاة وأقمنا الصّلاة مع معرفة هذه الأسرار ومع الأخذ بنظر الاعتبار وجود مثل هذه الحقائق، فإنّ الكثير من مشكلاتنا الفرديّة والاجتماعيّة سوف تحلّ بل سوف تنكشف الأجوبة عن بعض الأسئلة التي تدور في أذهان الكثير من المؤمنين، وعادة يتبادر إلى أذهان شيعة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل صلوات المصلّين هذا السؤال، وهو: كيف أنّ الإمام عليه‌السلام عندما أخرجوا سهما من قدمه وهو في حال الصّلاة فإنّه استمر في صلاته وكان غارقا في حالة من التوجّه إلى الله‌ والاستغراق في صفاته وأسمائه الحسنى بحيث إنّه لم يلتفت

  • ۱۹

    ولم يشعر بهذا السهم، ولكن نفس هذا الإمام عليه‌السلام عندما سمع وهو في حال الصّلاة صوت مسكين نزع خاتمه المبارك ودفعه إلى ذلك المسكين؟

    عندما نلتفت إلى أسرار الصّلاة فسوف نجد الجواب عن كلّ هذه الأسئلة، وهذه الشبهات إنّما لا نجد لها حلاًّ فيما لو اكتفينا بالحضور الظاهري للصّلاة، ولم نبحث في بواطن هذه المرحلة الظاهريّة ولم نتعقل الحقائق والأسرار الكامنة فيها، ولو نظرنا إلى الصّلاة من حيث الظاهر فسوف لا نجد الجواب عن هذا السؤال، ولكن لو دققنا إلى باطنها، فسوف لا نجد أي تعارض بالنسبة للشخص الغارق في التوجّه إلى الله‌ تعالى ويعيش حالة من مقام الشهود العظيم، بين هذا التوجّه العميق لله‌ تعالى وبين إعطائه الخاتم لذلك المسكين، لأنّ هذا الإنفاق والصدقة تقع في ضمن هذا المسار ويترتّب عليها المزيد من التقرّب إلى الله‌ تبارك وتعالى، وأساسا بما أنّ الإمام علي عليه‌السلام كان يعيش حالة الذوبان في جمال الحقّ تعالى، ينبغي أن يؤدّي ما عليه لتحقيق رضا الله‌ تعالى، والاجابة لطلب ذلك المسكين والتوجّه إليه يقع ضمن هذا المسار.

    وعلى هذا الأساس يتبيّن أننا لو التفتنا إلى أسرار الصّلاة فسوف نجد الاجابة عن هذه الأسئلة التي تطرح في مجال العلاقة والرابطة مع الصّلاة، إنّ أسرار الصّلاة لا يمكن استعراضها في فترة قصيرة ومختصرة ولا يمكن التعرّف عليها وبيان زاوية منها، إنّ أسرار الصّلاة تمثّل معارف وحقائق غير محدودة ولا يمكن تبينها في عدّة جلسات أو عدّة كتب، بل يمكن القول: إنّ الصّلاة لها أسرار مختلفة باختلاف الأشخاص، ولها حقائق متعددة باختلاف القلوب والضمائر لأفراد البشر، وسوف نسعى في هذه البحوث لطرح بعض زوايا وخفايا هذا البحث ونأمل أن نستطيع بفضل الباري تعالى ولطفه بيان بعض جوانب من هذه الأسرار بحيث عندما نقف في الصّلاة بين يدي الباري تعالى نشعر باللذة والبهجة إلى

  • ۲۰

    درجة أننا لا نمل أبدا من الصّلاة، وتقع هذه الصّلاة مورد رضا الباري تعالى بحيث إنّه يباهي بها الملائكة، ومن شأن الالتفات والتوجّه إلى أسرار الصّلاة أن يُوجد تحوّلاً إن شاء الله‌ في حياتنا ويؤثر بشكل فاعل وإيجابي في فكرنا وروحنا وعلاقاتنا الاجتماعية وجميع أمورنا.

۱۰۴,۲۲۶ بازدید