pic
pic
  • ۱۹۱

    57ـ الصورة الإنسانيّة، ستر لحقيقة الأعمال الحيوانيّة للبشر


    بسم الله الرحمن الرحيم

    تحدّثنا عن أسرار ستر العورة في الصّلاة، هذا الستر الظاهري الذي يجب على الإنسان أن يغطي قسما من بدنه في حالة الصّلاة، يتحرّك الإنسان لافهام نفسه بأنّها تحتاج إلى ستر وغطاء، فلا ينبغي للإنسان أن يتصوّر بأنّ جسمه فقط يحتاج إلى ساتر، بل يجب عليه ستر القبائح الباطنيّة ويفكر في إيجاد مثل هذا الساتر على أخلاقه وسلوكياته أيضا.

    يقول الإمام الخميني رضوان الله‌ عليه: إنّ الله‌ تبارك وتعالى ستار جميع عورات وقبائح الخلق، بمعنى أنّ أحد الأمور التي يجب من أجله أن نشكر الله، وهو أن الله‌ جعل للبشر لباسا (وهو اللباس الظاهري) يستطيع الإنسان بواسطته أن يستر بدنه، وقد منح الباري تعالى هذا الامتياز للبشر وليس لسائر الحيوانات والموجودات الأخرى مثل هذا الامتياز فهو كرامة من الله‌ تعالى للبشر حيث يستطيع الإنسان ستر بدنه وعوراته بالملابس المتنوعة في الثقافات المختلفة، ولكن ثمّة أمر آخر ينبغي الالتفات إليه وهو أنّ الله‌ تعالى جعل من هذه الصورة

  • ۱۹۲

    الإنسانيّة ساترا لحقيقة أعمال البشر القبيحة، وبواسطة هذه الصورة الظاهريّة يتمّ ستر تلك الحقيقة الباطنيّة، وهذه نقطة مهمّة جدّا.

    فلو أنّ الله‌ تعالى كشف الغطاء وأزاح هذه الصورة الإنسانيّة، ولو أنّ إرادة الحقّ تبارك وتعالى قررت أنّ كلّ شخص يعمل عملاً معينا فإنّ حقيقته وصورته الواقعيّة تنكشف وبدون أي ساتر لها، فإنّ الجميع سيواجهون الفضيحة ويتورطون في المذلة «إلاّ قليل»، ونعتقد أيضا وبحسب ما ورد في الآيات والروايات، أنّ الناس يوم القيامة يحشرون بتلك الصورة الواقعيّة لأعمالهم، فقد ورد في بعض الروايات أنّ بعض الناس يحشرون يوم القيامة بصور قبيحة وكريهة إلى درجة أنّ صورة القردة والخنازير تكون جميلة بالنسبة لهؤلاء، فهذا دليل على أنّنا نعيش في هذا العالم الدنيوي تحت مظلّة ستارية الباري تعالى، فالله‌ تبارك وتعالى لا يسمح بأن تنكشف الصورة الحقيقية لأعمال للآخرين، وإلاّ فلو انكشف باطن الأعمال فسوف تنكشف الصورة القبيحة والمتعفنة لكل عمل ذميم، ومن هذه الجهة فإنّ هذه الصورة الظاهريّة للإنسان تعتبر ساتر وغطاءً على تلك الصورة القبيحة لأعماله وصفاته الذميمة.

    وقد ورد في الروايات أنّ الشخص الذي يعيش في هذا العالم في حالة التكبّر يأتي يوم القيامة صغيرا وحقيرا ويحشر كنملة صغيرة تسحقه الخلائق إلى أن يفرغ الله‌ من حساب جميع الناس، وهكذا نرى أنّ ظهور حقيقة المتكبّر في ذلك العالم بهذه الصورة، يقول الإمام الراحل رضوان الله‌ عليه[1]: إنّ السالك سبيل الآخرة والمجاهد في سبيل الله‌ يجب أن يستر عوراته الباطنيّة بالتمسّك بمقام الغفاريّة والستاريّة للحق تعالى، لأنّه هو الذي ستر الصورة الحقيقة لأعمالنا في هذه الدنيا، فيجب على الإنسان أن يستأنس بذكر «ياغفّار وياستّار»، فإنّ الله


    1. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 50.

  • ۱۹۳

    تعالى يستعمل ستاريّته دوما في تعامله مع عباده، وينبغي الالتفات إلى أنّ الساتر والستّار الحقيقي هو الله‌ تعالى، ومن هنا يجب الالتفات إلى هذه الحقيقة، وهي أننا عندما نحتاج إلى ستر عيوبنا الظاهريّة والباطنيّة فبطريق أولى لا ينبغي لنا افشاء عيوب الآخرين، لأنّ هذه المسألة في غاية الخطورة بأن نلفت نظر الناس إلى عيوب شخص آخر بدون استخدام صفة الستّاريّة عليه، بل نكشف عيوبه ونقوم بفضحه أمام الملأ، وسوف نبيّن الآثار والافرازات الوخيمة جدّا على هذا العمل الشائن كما ورد في الروايات الشريفة.

  • ۱۹۴

    58ـ ستر العيوب والعورات الباطنيّة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    بالنسبة لأسباب ستر العورة هناك رواية مفصّلة ورد في كتاب «مصباح الشريعة» عن الإمام الصادق عليه‌السلام، ويذكرها الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه ويقول بعد نقله لهذه الرواية: إنّ التفكّر والتدبّر في هذا الكلام الجامع يفتح لأهل المعرفة وأصحاب القلوب أبوابا من الحِكم والمعارف.

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «أَزيَنُ اللّباسِ للمُؤمِن لِباسُ التّقوى وأَنعَمُه الإِيمَان»، ولا يوجد لباس أفضل وأحسن من هذا اللباس، واللباس هو شيء الذي يحفظ الإنسان ويمنحه الوقار والعظمة ويدفع عنه بعض الأضرار والأذى، وأفضل لباس هو لباس التقوى الذي يورث الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، والإمام الصادق عليه‌السلام يشير في كلامه هذا إلى الآية القرآنيّة: «وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ...»[1].

    ويتابع الإمام عليه‌السلام قوله: «وَأَمّا اللّباسُ الظَّاهِرُ فَنِعمَةٌ مِنَ الله‌ تَعالى تَستُرُ بِها عَوراتُ بَنِي آدمَ وَهِي كَرامِةٌ كَرمَ الله‌ بِها ذُرِّية آدمَ لَمْ يُكرِم بِها غيرَهُم، وَهِي


    1. سورة الأعراف، الآية 26.

  • ۱۹۵

    لِلمُؤمِنِينَ آلَةٌ لأَداءِ مَا افتَرضَ الله‌ عَلَيهِم، وَخَيرُ لِباسِكَ مَا لا يَشغُلكَ عَنِ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ بلْ يُقرّبُكَ مِنْ ذِكرِهِ وشُكرِهِ وَطَاعَتِهِ، وَلا يَحمِلُكَ عَلَى العُجبِ وَالرِّياءِ وَالتَّزيِّنِ وَالتَّفَاخُرِ وَالخُيلاء».

    ثمّ قال عليه‌السلام: «فَإِنّها مِن آفَاتِ الدِّينِ وَمُورِثَةٌ القَسوةَ فِي القُلُبِ، فَإِذَا لَبِستَ ثَوبَكَ فَاذكُر سَترَ الله‌ عَلَيكَ ذُنُوبَكَ بِرَحمَتِهِ، وَأَلبِس بَاطِنَكَ كَمَا أَلبَستَ ظَاهِرَكَ بِثَوبِكَ»، وعلى هذا الأساس، كما تغطي وتستر ظاهر بدنك بقطعة من القماش فعليك بستر نفسك بالصدق والأمان: «وَليَكُنْ بَاطِنُكَ فِي سِترِ الرَّهبة وَظَاهِرُكَ فِي سِترِ الطَّاعَةِ»، أي يجب عليك ستر باطنك بلباس الخوف من عذاب الله، وتستر ظاهرك بلباس الطاعة لله‌ تبارك وتعالى، وهذا يعني أنّ الطاعة لله‌ تعالى من شأنها أن تستر ظاهرك وشخصيّتك أمام الناس، وأمّا ستر باطنك وحالاتك النفسانيّة فينبغي سترها بلباس الخوف والرهبة.

    «وَاعتَبِر بِفَضلِ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ حَيثُ خَلقَ أَسبَابَ اللّباسِ لِيَستُرَ العَوراتِ الظَّاهِرَة، وَفَتَحَ أَبوابَ التَّوبَةِ والإِنابِةِ لِيَستُرَ بَِها العَورات البَاطِنَة»، ولكن ما المراد من العورات الباطنة؟

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «مِنَ الذُّنُوبِ وَأَخلاقِ السُّوءِ، وَلا تَفضَح أَحَدَا حِيثُ سَتَرَ الله‌ عَلَيكَ مَا هُو أَعظَمُ مِنْهُ»، أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء الذين يقرأون هذه السطور بدقّة أنتم تلاحظون أنّ الإنسان كيف يهتمّ بستر عورته أمام الناس وحفظ حيثيّته وسمعته أمام المخلوقين، وسبق أن قلنا بأن حقيقة العبادة هي أن يكون الإنسان غافلاً عن مخلوقين ولا يهتمّ إلاّ بما أمر الله‌ به، ومعلوم أنّ الله‌ تبارك وتعالى لا يريد أن أن تنكشف عيوب عباده، ولو أنّ شخصا اطّلع على عيوب شخص آخر، يقول الإمام عليه‌السلام: «وَلا تَفضَح أَحَدَا حِيثُ سَتَرَ الله‌ عَلَيكَ مَا هُو أَعظَمُ مِنْهُ».

    «وَاشتَغلِ بِعَيبِ نَفسِكَ»، بأن تهتمّ باصلاح هذا العيب وجبران هذا الخلال.

  • ۱۹۶

    «وَاَصفَح عَمّا يَعِينَكَ حَالَهُ وَأَمُرهُ»، أي لا تلتفت إلى نقاط ضعف الآخرين وما لا يرتبط بك حاله، فوجود عيوب لدى الآخرين لا يرتبط بشأنك وبحياتك.

    «وَاحذْرِ أَنْ يَفنَى عُمْرُكَ بِعَمَلِ غيرِكَ»، فما أشقى الإنسان وما أقبحه عندما يصرف عمره السليم في تجسّس عيوب الآخرين، وهذا العمل المذموم وردت في نصوص كثيرة في ذمّه وتقبيحه، وللأسف فإنّ مجتمعنا الراهن متورط في مثل هذه السلوكيات اللاخلاقّية، وعندما نتساءل: لماذا لا تؤثر صلاتنا في تعديل أخلاقنا؟ بسبب أنّ الواجب في الصّلاة ستر العورة الظاهريّة وما يترتّب على من ذلك ستر عيوب الآخرين أيضا، ولا نسمح بافشاء عيوبهم وفضحهم، ولكن للأسف نرى الكثير من الأشخاص لا يلتفتون إلى هذه الحقيقة فهنا يقول الإمام عليه‌السلام: لا ينبغي أن تتلف عمرك وإمكاناتك من أجل عمل غيرك، فلو كان لدى الآخر عيب وخطأ وسلوك مذموم فلماذا تنشغل أنت باحصاء عيوبه وتستعمل لسانك وفكرك ووقتك في مثل هذه الأمور؟

    يجب علينا أن نعلم أنّ الشخص إذا كان في صدد فضح عيوب الآخرين فإنّه يتلف عمره من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ كشف عيوب الآخرين على الملأ يتسبّب في أنّ الله‌ تعالى سيكتب أعمالك الصالحة في سجل عمله وبالتالي فإنّ ذلك الشخص سيتاجر بأعمالك الصالحة ويربح منك ما تعبت في كسبه وتحصيله وفي ذات الوقت تكون قد خسرت عملك وأهلكت نفسك.

    ثمّ يقول عليه‌السلام: «فَإِنَّ نِسيَانَ الذُّنُوبِ مِنْ أَعظَمِ عُقُوبَةِ الله‌ فِي العَاجِلِ وَأَوفَرِ أَسبَابِ الُعُقُوبَةِ فِي الآجُلِ»، لأنّ الإنسان إذا نسي ذنوبه في هذه الحياة فسوف لا يتوفّق للتوبة منها واصلاح الخلل في عمله ونفسه.

    «وَمَادَامَ العبْدُ مُشتَغُلاً بِطاعَةِ الله‌ تَعالى وَمَعرِفَةِ عُيُوبِ نَفسهِ وَتَرَكَ مَا يَشِينُ فِي دِينِ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بِمَعزِلٍ عَنِ الآفَاتِ»، يعني إذا أراد الإنسان الابتعاد عن الآفات واجتناب الرذائل والعيوب فالطريق إلى ذلك أن يشغل نفسه بطاعة الله‌ عزّ

  • ۱۹۷

    وجلّ ويهتمّ بمعرفة عيوب نفسه وإصلاحها وترك كلّما يوجب الانحراف عن خطّ الإيمان والصلاح والدين.

    «غَائِصٌ فِي بَحرِ رَحمَةِ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ يَفُوزُ بِجَواهِرِ الفَوائِدِ مَنَ الحِكمَةِ وَالبَيانِ»، فمثل هؤلاء الأشخاص، مضافا إلى بعدهم عن الآفات وقربهم من بحر رحمة الله‌ وبركاته، فإنّه يوما بعد آخر يحصلون على جواهر الحكمة والبيان، وهذا يعني أنّ الإنسان إذا اشتغل بعيوب نفسه فلا يلتفت بعدها إلى عيوب الآخرين، وإذا سلك في خطّ الطاعة والعبوديّة لله‌ تعالى، فإنّ الله‌ سيمنحه جواهر الحكمة ونفائس المعرفة ودرر البيان.

    «وَمَادَامَ نَاسِيا لِذُنُوبِهِ جَاهِلاً لِعُيوبِهِ راجِعا إِلى حَولِهِ وَقُوَّتِهِ لا يُفلِحُ إِذا أَبَدا»[1]، وهكذ يبقى هذا الشخص الناسي لذنوبه غارقا في عيوبه ومتوكّلاً في إصلاح حاله ومعيشته على نفسه وحوله وقوّته بعيدا عن حول الله‌ وقوّته، فتقوده هذه الحالة إلى وادي الضلالة والهلكة.

    وهكذا ترون أنّ معرفة أسرار ستر العورة سيفتح أبوابا للمعرفة على الإنسان، يعني أنّ ستر العورة الظاهري يقود الإنسان إلى أبواب جواهر الحكمة والبيان، فلو أنّ الإنسان اهتمّ برعاية هذه الأمور في واقع حياته سيحصل على نتائج كثيرة وثمرات مهمّة في واقع وحياته.

    ونستنتج من مجموع ما تقدّم من مسائل وبحوث نقطتين مهمّتين فيما يتّصل بلزوم ستر العورة في الصّلاة.

    1. إن ستر العورة الظاهري يتسبّب في التفات الإنسان إلى لزوم ستر عيوبه الباطنيّة.

    2. إنّ ستر عورة الإنسان في الصّلاة يؤدّي إلى أن يعلم الإنسان وجوب ستر عيوب الآخرين.

    نسأل الله‌ تعالى أن يوفّقنا جميعا إلى تحصيل حقيقة هذه الأعمال.


    1. مصباح الشريعة، ص 32 ـ 33.

  • ۱۹۸

    الباب الثالث: أسرار وقت الصّلاة


  • ۱۹۹
  • ۲۰۰

    59ـ سرّ تعيين الوقت للصّلاة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    أحد الأمور الأخرى في بحث أسرار الصّلاة التي يجب الالتفات إليها، مسألة وقت الصّلاة، ونعلم جميعا وجوب أوقات معيّنة للصلوات الواجبة مذكورة في فقهنا وكتب الفتاوى للمراجع الكبار، فصلاة الصّبح لها وقت، وكذلك صلاة الظّهر والعصر والمغرب والعشاء، ومضافا إلى الصلوات الواجبة فثمّة أوقات معينة ومقررة للنوافل اليوميّة أيضا، والنتيجة أنّ الصّلاة إنّما تقع صحيحة ومؤثّرة فيما روعيت هذه الأوقات بشكل كامل ويكون المصلّي حافظا لمواقيتها، وهنا قد يثار هذا السؤال: ألا يمكن أن يجعل الله‌ تبارك وتعالى تعليم وقت الصّلاة بعهدة الناس ولا يعيّن هو وقتا خاصّا لكلّ صلاة؟ يعني في أي وقت رغب الإنسان في العبادة والصّلاة ووجد في نفسه الاستعداد والشوق لها فيصلّي ولا حاجة لتعيين الوقت؟ وأساسا ما هي الحكمة في هذا الأمر بأن يعيّن الله‌ تبارك وتعالى وقتا لكلّ صلاة، بحيث إنّ الإنسان إذا صلّى صلاته قبل ذلك الوقت فلا تقبل منه ولا يكون قد أدّى تكليفه الشرعي؟ أي أنّ هذه الصّلاة قبل الوقت ليست مسقطة

۱۰۴,۲۱۴ بازدید