pic
pic
  • ۲۰۱

    للتكليف، وبالتالي فإنّ هذه الصّلاة لا يترتّب عليها أثر من آثار الصّلاة.

    الجواب عن هذا السؤال واضح، لأنّ مسألة الوقت في باب الصّلاة تشير إلى وجود عناية خاصّة من أجلها عيّن الله‌ تعالى هذه الأوقات على المصلّين رغم أنّ الإنسان يستطيع في جميع الأوقات أن يعبد الله‌ تعالى، ولكن هذه الأوقات الخاصّة هي ظرف زماني جعله الله‌ تبارك وتعالى للصّلاة والعبادة بسبب وجود عنايات خاصّة واهتمام أكثر من المصلّين بهذه الصّلاة، ومن هذه الجهة فهي عبارة عن دعوة خاصّة، ومن جهة أخرى فالإنسان إذا علم أنّ الله‌ تعالى عيّن له وقتا خاصّا للصّلاة والمناجاة معه فإنّه قبل حلول ذلك الوقت يتحرّك على صعيد تهيئة نفسه لهذا اللقاء وينبعث فيه الشوق للمناجاة والحديث مع الله‌ تبارك وتعالى، ومثل هذا الشوق وفي غير هذه الفرضية لا معنى له ولا يمكن تصوّره.

    وقد ذكر أكابرنا هذه المسألة في قالب مثال في كتبهم ومدوّناتهم، وذلك أنّه إذا قام رئيس بلد معين أو سلطان أو شخصيّة كبيرة بدعوة شخص من الأشخاص وفي وقت معين للقائه ومجالسته، وأراد أن يهتمّ ذلك الشخص بهذا اللقاء اهتماما خاصّا ويقول له إنني في هذا الوقت أسمع كلامك واستجيب لطلباتك، ففي هذه الصورة من الطبيعي أن يجد الإنسان في نفسه استعدادا وشوقا لهذا اللقاء ويحسب اللحظات إلى أن يحين موعد الحضور واللقاء.

    وهكذا نرى أنّ الله‌ تبارك وتعالى تعامل مع الإنسان بهذه الصورة وقال له: إذا قمت من فراشك في أوّل طلوع الفجر وأقمت صلاة الصّبح فإنني في هذا الوقت سأتوجّه إليك بعناية خاصّة وأستجيب لك دعاءك واُحقق تطلباتك أكثر، وهذا الوعد لا سبيل إلى نقضه أو التخلّف عنه، وعلى هذا الأساس فإنّ أوقات الصّلاة تملك مثل هذه الخصوصيّة وأنّها عبارة عن ضيافة إلهيّة خاصّة لهذا الإنسان المصلّي.

  • ۲۰۲

    يقول المرحوم الشهيد الثاني رضوان الله‌ عليه في كتابه حول أسرار الصّلاة: «وأمّا الوقت فاستحضر عند دخوله أنّه ميقاتٌ جعله الله‌ تعالى لك لتقوم به بخدمته وتتأهل للمثول في حضرته والفوز بطاعته»[1].

    وسبق أن ذكرنا أننا نعيش دوما وفي جميع الحالات في محضر الباري تبارك وتعالى سواءً في حالة اليقظة أو المنام، أو المحادثة و...، ولكن عندما يحين وقت الصّلاة فكأنّ الله‌ ينتظر من عبده المؤمن أن يسمع صوته ويحدّثه، وينتظر مناجاته والانفتاح عليه فيما يختلج في قلبه ومكنونه، فلو أنّ الإنسان التفت إلى هذه المفاهيم فسوف يتجلّى هذا المعنى أكثر في ذهنه، وسيقف للصّلاة بين يدي الله‌ بحضور قلبه أكثر.

    عندما يحين وقت الصّلاة يجب على المصلّي أن يستشعر الوجد والسرور والشوق يملأ جميع وجوده، فهل إننا نشعر بمثل هذه الحالة في صلاتنا؟ وعندما نسمع صوت المؤذن للصّلاة هل نشعر في قلوبنا بالانبساط والسرور والبهجة أم لا؟ فمن علائم الإنسان المؤمن أنّه عندما يحين وقت الصّلاة فإنّ حالة السرور والبهجه تملأ كيانه وقلبه، ويشعر أنّه قد آن وقت ملاقاته ومناجاته مع خالقه وربّه، ومن هذه الجهة ورد في سيرة أشرف المخلوقات النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله:

    «كَانَ النَّبِيُّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يَنتَطِر وَقتَ الصَّلاةِ وَيَشتَدُّ شَوقُهُ وَيَتَرَقَّبُ دِخُولَهُ وَيَقُولُ لِبلال مُؤذنَهُ أَرِحنَا يا بِلالُ»[2]، أي أنّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ينتظر وقت الصّلاة بشغفٍ ليتواصل مع الله‌ ويناجي ربّه، وهذه الحالة يجب أن تتوفّر في اُمّة النّبي أيضا، فيجب علينا أن ننتظر وقت الصّلاة بشوق ولهفة، إنّ وقت الصّلاة يجب أن يكون بالنسبة لنا مثل الضالّة للشخص، فنسأل دائما من هذا وذاك: متى يحين وقت الصّلاة؟ ومعلوم أنّ انتظار وقت الصّلاة يترتّب عليه آثار عظيمة جدّا في حياة المؤمن.


    1. التنبيهات العليّة، ص 102.

    2. نفس المصدر السابق.

  • ۲۰۳

    60ـ حالة المصلّي عند حلول وقت الصّلاة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ذكرنا لحدّ الآن مسألة التوجّه إلى وقت الصّلاة وأن المصلّي يجب أن يكون مستعدا للدخول إلى الصّلاة وتجسيد حقيقة الصّلاة في نفسه.

    وتقدّم في عبارة الشهيد الثاني رضوان الله‌ عليه في كتابه «التنبيهات العليّة»[1]، أنّه قال: «وأمّا الوقت فاستحضر عند دخوله أنّه ميقاتٌ جعله الله‌ تعالى لك لتقوم به بخدمته...»، ويتابع الشهيد الثاني كلامه ويقول:

    «ثمّ استشعر بعد هذه البهجة خشية الله‌ تعالى في الوقوف بين يديه»؛ أي أنّك بعد شعورك بالبهجة والسرور من دخول وقت الصّلاة والمناجاة مع الله‌ فيجب أن تلتفت إلى هذا الأمر، وهو أنّك مثل هذا الموجود الحقير ومع كلّ ما تحمله من ظلمات نفسانيّة ستقف أمام أعظم موجود وأعظم قوّة في عالم الوجود، ويقول: «فإنّ استشعار الخوف شعار الكاملين»؛ فإحدى علائم الإنسان الكامل والذي وصل إلى مراتب عالية في سُلّم الكامل المعنوي وجود حالة الخوف والخشية


    1. التنبهات العليّة، ص 104.

  • ۲۰۴

    من الله‌ في قلبه، كما أنّ من علائم المطرودين من رحمة الله‌ هي الغفلة، وبذلك لا يشعرون في وجودهم وأذهانهم بأي حالة من الخشية والخوف من الله، لو أنّ الإنسان لم يجد في نفسه أثرا من الخشية والخوف من الله‌ فليعلم أنّه من المطرودين من رحمة الله، ولكن إذا أحسّ عند حلول وقت الصّلاة بالخشية من الله‌ في قلبه في ذات الوقت الذي يشعر فيه بالسرور والبهجة فليعلم أنّه أصبح من زمرة الأشخاص الكاملين، ويقول رحمه الله: يجب أن تحكّم عظمة الله‌ في نفسك وتلتفت إلى نقصك وضعفك في مقابل عظمة الله‌ وقدرته.

    ونقرأ في سيرة النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عن بعض زوجاته أنّه كان إذا حان وقت الصّلاة تقول: «كَانَ رَسُولُ الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يُحدِّثُنا وَنُحَدِّثُهُ فَإِذا حَضَرَتْ الصَّلاةُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعرِفَنا وَلَمْ نَعرِفهُ شُغلاً بِالله‌ عَنْ كُلِّ شَيٍّ»[1]. بمعنى أنّ ملامح النّبي وحاله تتبدّل عندما يحلّ وقت الصّلاة، فهذا النّبي الذي كنّا نعرفه قبل الصّلاة أصبح شخص آخر لشدّة شغفه بالحضور بين يدي ربّه، فلماذا لا نملك نحن اهتماما كافيا لوقت الصّلاة وعندما نسمع صود المؤذن يرتفع عاليا نستمر بعملنا وشغلنا؟

    ألا يدلّ هذا على عدم اهتمامنا بالحضور بين يدي الله‌ تعالى وعدم اهتمامنا بأوامره؟ فكيف نتوقع مع ذلك أن يستجيب الله‌ دعانا؟

    نحن لا نراعي حقّه ونعيش دائما حالة عدم الاهتمام بأوامره، ألم يكن النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يهتمّ بدقّة لجميع أموره، وعندما يتحدّث مع أقرب المقرّبين إليه ويحلّ وقت الصّلاة فإنّه يقطع هذه المكالمة ويتوجّه للصّلاة، فلماذا لا نتّبعه على ذلك؟ لماذا عندما يحلّ وقت الصّلاة لا نترك علمنا وكسبنا ودرسنا وبحثنا وجلساتنا؟ هل هناك أهمّ من المناجاة مع الله‌ والحديث معه؟

    لا ينبغي القول إنّ الوقت الصّلاة واسع وأنّ الله‌ تعالى أباح لنا الصّلاة في أي فترة من هذا الوقت المعدّ للصّلاة، ولكن أساس الصّلاة هو أوّل الوقت، فالصورة


    1. عوالي اللئالي، ج 1، ص 324.

  • ۲۰۵

    الحقيقية والكاملة للصّلاة تتحقّق في الصّلاة في أوّل الوقت، وحتّى لو كنت في ذلك الوقت في السيارة وفي حال السفر فعندما يحين وقت الصّلاة يجب علينا التوقّف للصلاة في وقتها ولا ندع فضيلة الصّلاة في أوّل الوقت تفلت من أيدينا.

    ينقل صاحب كتاب «عوالي اللئالي» روايتين في هذا المجال: «إِنَّ عَليِّا عليه‌السلام إِذا حَضَرَ وَقتُ الصَّلاةِ يَتَمَلمَلُ وَيَتَزلْزَلُ وَيَتَلَونَ»، أي لا يهدأ له حال ويتلوّن لون وجهه ويعيش حالة الانتظار في جميع وجوده.

    «فَيُقالُ لَهُ ما لَكَ يا أَمِيرَالمُؤمِنِينَ! فَيقُولُ جَاءَ وَقتُ الصَّلاةِ وَقتُ أَمَانَةٍ عَرَضها الله‌ عَلَى السَّماوَاتِ وَالأَرضِ وَالجِبالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحمِلنَها وَأَشفَقنَ مِنها»[1]، وهذه نعمة وموهبة منحها الله‌ تعالى لعباده، والسعيد من يتقبل هذه النعمة وهذه الموهبة بأفضل ما يمكن وينتفع بها غاية النفع، يجب علينا الاهتمام الجاد بوقت الصّلاة وأن نصلّي الصّلاة في أوّل وقتها ولا ندع فضيلة أوّل الوقت تذهب من أيدينا.

    وجاء في رواية عن حالات الإمام زين العابدين عليه‌السلام: «كَانَ عَلَيُّ بنُ الحُسَينِ عليهماالسلامإِذا حَضَرَ لِلوُضُوءِ اصفَرَّ لَونُهُ فَيُقالُ لَهُ مَا هَذا الَّذِي يَعتَوِرُكَ عِندَ الوُضُوءِ؟ فَيَقُولُ: مَا تَدرُون بَينَ يَدَي مَنْ أَقُومُ»[2]، ينبغي بنا أن نهتمّ أكثر في حياتنا بوقت الصّلاة، ونخلق في أنفسنا وفي اُسرتنا وفي مجتمعنا بحيث ينتظر الجميع وقت الصّلاة وقبل أن يحين وقت الصّلاة يسأل أحدهم من الآخر: متى يحين وقت الصّلاة، ومتى يحين وصال الحقّ؟ ونفس هذا السؤال وهذا العمل له ثواب كثير كما ورد في الروايات، فقد ورد في بعض الروايات، أنّ أحد العبادات أن يجلس المرء في المسجد وينتظر وقت الصّلاة، قال رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «الجُلُوسُ فِي المَسجِدِ انتِظارا للصّلاةِ عِبَادَة»[3].

    نسأل الله‌ تعالى أن يجعلنا جميعا من الحافظين لأوقات الصّلاة إن شاء الله.


    1. علوالي اللئالي، ج 1، ص 324.

    2. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 77، ص 347.

    3. بحار الأنوار، ج 80، ص 380.

  • ۲۰۶

    61ـ الأيّام لها حقيقة مستقلّة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأمر المهمّ الذي يجب الالتفات إليه وبخاصّة في الصّلاة أنّ الزمان له دور مهمّ وأساسي في أعمال الإنسان، بحيث إذا وقع العمل في غير وقته وزمانه فربّما لا يؤثّر الأثر المتوقّع منه، وأعلى من ذلك أنّ الزمان نفسه، أعمّ من اليوم والليلة، ومع غضّ النظر عن الأعمال التي يقوم بها الإنسان في وقت معيّن، له حقيقة وللأسف نحن غافلون عنها، إنّ عقولنا الضعيفة والناقصة لا تلتفت إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ لكلّ زمان حقيقة معيّنة، فالنهار له حقيقة، واللّيل له حقيقة أخرى، ويوم الجمعة له حقيقة والأيّام الأخرى لكلّ منها حقيقة أخرى، ومع مطالعة روايات الأئمّة المعصومين صلوات الله‌ عليهم أجمعين يتبيّن هذا الأمر بوضوح كامل.

    فقد ورد في كتاب «بحار الأنوار»[1] رواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّ قال: «إِذا كَانَ يَومَ القِيامَةِ بَعَثَ الله‌ الأَيّامَ فِي صُورٍ يَعرِفُها الخَلقُ أَنّها الأَيّام»، فهناك صورة


    1. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 86، ص 353.

  • ۲۰۷

    ليوم السبت وأخرى ليوم الأحد.. وهكذا...

    «ثَمَّ يَبعَثُ الله‌ الُجمعَةَ أَمَامَها يقْدَمُها كَالعَرُوسِ ذَاتَ جَمالٍ وَكَمالٍ تُهدى إِلى ذِي دِينٍ وَمَالٍ، قَالَ: فَتَقِفُ عَلَى بَابِ الجِنَّةِ وَالأَيّامُ خَلفَها يَشهَدُ»، أي تبدأ الأيام بالشهادة والشفاعة وتقول لله‌ تعالى أنّ هذا الإنسان في الدنيا كان مهتمّا بي وكان يقيم الصّلاة والذكر والمناجاة في يوم الجمعة.

    «وَيَشفَعُ لِكُلِّ مَنْ أَكثَرَ الصَّلاةَ فِيهِ عَلَى مِحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمّدٍ».

    يقول الراوي فسألت الإمام عليه‌السلام: «وَكَمْ الكَثِيرُ مِنْ هَذا وَفِي أَيِّ أَوقَاتٍ أَفضَلُ». والسؤال عن الإكثار من الصّلاة على محمّد وآل محمّد وفي أي وقت أفضل من يوم الجمعة

    قال الإمام عليه‌السلام: «مَائَةِ وَلَيكُنْ ذَلِكَ بَعْدِ صَلاةِ العَصرِ: اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مَحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِلْ فَرَجَهُم».

    ولدينا روايات أخرى تبيّن هذه النقطة المهمّة، وهي أنّ الأيّام والليالي تشهد لصاحبها، وهكذا الأمكنة وجميع أجزاء عالم الوجود يشهد للإنسان وسوف نبيّن ذلك إن شاء الله‌ في بحث المكان، وهو المكان الذي يصلّي فيه المؤمن، حيث يشهد يوم القيامة لهذا المصلّي، وكذلك الزمان يشهد أيضا لصاحبه، وجاء في رواية الأمالي للصدوق رحمه‌الله في المجلس الثالث والثلاثون في رواية عن أميرالمؤمنين عليه‌السلام أنّه قال: «مَا مِنْ يَومٍ يَمْرُّ عَلَى ابنِ آدَمَ إِلاّ قَالَ لَهُ ذَلِكَ اليَومُ يا ابنَ آدَمَ أَنَا يَومٌ جَدِيدٌ وَأَنا عَلَيكَ شَهِيدٌ فَقُلْ فِيَّ خَيرا واعمَلْ فِيَّ خَيرا»، فلا ينبغي إهمال الوقت وتركه يمرّ دون أن نقوم بعمل صالح أو نتكلّم بكلام طيب حتّى يأتي يوم القيامة ويشهد لنا، وبحسب هذه الرواية أنّ الأيّام لها حقيقة وتأتي يوم القيامة وتشهد على أعمال الإنسان، فالشخص الذي ينتظر وقت الصّلاة ليقيمها في أوّله، فإنّ أولّ الوقت يأتي يوم القيامة ويشهد لصاحبه بأنّه صلّى في أوّل الوقت وما

  • ۲۰۸

    يترتّب عليه من آثار كثيرة وبركات جليلة، وعلى هذا الأساس يجب علينا الالتفات إلى أنّ للزمان أثرا خاصّا في حقيقة الصّلاة والعبادة، ومن هذه الجهة إذا أراد المصلّي أن يحصل على جميع الآثار وبركات الصّلاة وخصوصا نيل الحقيقة الكاملة للصّلاة فينبغي عليه أداء الصّلاة في أوّل وقتها كيما تترتّب عليها جميع البركات والثمرات.

    «أَوَّلُ الوَقتِ رِضوانُ الله‌ وَآخِرَهِ غُفْرَانُهُ»، بمعنى أنّ الشخص الذي يؤخّر صلاته إلى آخر الوقت فإنّ صلاته هذه ستفقد صورتها الحقيقة والنورانيّة التي تستوجب رضا الله‌ تعالى ولا ترتفع به في مراتب أعلى في سلّم الكمال المعنوي، بل إنّ هذه الصّلاة المتأخّرة قد تكون سببا في عفو الله‌ وغفرانه عن هذا المصلّي، ولكن ما يوجب رضوان الله‌ هي تلك الحقائق والأسرار الكامنة في الصّلاة والتي لا تدرك إلاّ الصّلاة في أوّل وقتها.

    هيا بنا أن نتعاهد مع الله‌ تعالى أن نصلّي صلاتنا في أوّل وقتها، وعندما نصل إلى نهاية عمرنا ننظر إلى ما تقدّم من هذا العمر ونرى أننا قد صلّينا جميع صلواتنا في أوّل الوقت ولم نضيّع الصّلاة، والويل لذلك الإنسان الغافل الذي يقول: لقد بقيت نائما حتّى طلعت الشّمس وفاتتني الصّلاة، فمثل هذا الشخص حتّى لو أتى بصلاته قضاءً ولكنّه لا يعلم البلاء الذي حلّ به بسبب فوت الصّلاة والنعمة العظيمة والمرتبة العالية التي فقدها، هو لا يعلم أنّه قد أصبح محروما من الأنوار الإلهيّة والفيوضات الربانيّة في ذلك الوقت، فلو استيقظنا يوما ورأينا ـ لا سمح الله‌ ـ أنّ الشّمس تكاد تشرق وقد فاتتنا صلاة الفجر في أوّل وقتها، فيجب علينا أن نبكي على حالنا ونسكب الدموع ونقول لأنفسنا: ما أعظم البلاء الذي حلّ بنا، وما هذا العمل الذميم الذي صدر منها فحرمنا من التوفيق الإلهي الجليل، علينا جميعا أن نتواصل فيما بيننا بأن نصلّي صلاتنا في أوّل وقتها ولا ندع فضيلة أوّل الوقت تفلت من أيدينا إن شاء الله‌ تعالى.

  • ۲۰۹

    62ـ نداء الأذان تذكير بالقيامة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ إحدى علامات المؤمن أنّه يفرح ويشعر بالسرور عندما يحين وقت الصّلاة، ويتحدّث الشهيد الثاني رضوان الله‌ عليه في عبارة جميلة للتعبير عن هذة الحالة الجديرة بالالتفات، يقول: «إِذا سَمِعتَ نِداء المُؤذن فَأحضِر فِي قَلبِكَ هَولَ النِّداء يَوم القِيامَة، وَتَشَمَّر بِظَاهِرِكَ وَباطِنِكَ للمُسارَعةِ وَالإجابَةِ، فَإنَّ المُسارِعِينَ إِلى هَذا النِّداءَ هُمْ الَّذينَ يُنادَونَ بِاللُّطفِ يَومَ العَرضِ الأَكبَرِ، فَأَعرِض قَلبَكَ عَلَى هَذا النِّداءِ فَإِن وَجَدتَهُ مَملُوّا بِالفَرحِ وَالأستِبشَارِ وَمُستَعِدّا بِالرَّغبَةِ إِلى الإِبتِدارِ فَأعلَم أَنَّهُ يَأتِيكَ النِّداُ، بِالبُشرى والفَوزِ يَومَ القَضاءِ»[1].

    وطبقا لهذا الكلام فإنّ انتظار ومراقبة أوقات الصّلاة واستقبال هذا الوقت برحابة صدر وبفرح وشوق يتسبّب في نجاة الإنسان من أهوال يوم المحشر وحالات الاضطراب والوحشة يوم القيامة.

    وطبعا، ثمّة نقاط أخرى لكلّ واحد من أوقات الصّلاة مذكورة في الروايات


    1. التنبيهات العليّة، ص 104.

  • ۲۱۰

    الشريفة، مثلاً بالنسبة لصلاة الظّهر، تقول الرواية: عندما عرج بالنبي الاكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى السماء وصلاة التي صلاها هناك كانت الصّلاة الظّهر.. وهنا يوجد بحث مهمّ في أنّ معراج النّبي وقع بالليل كيف يصلّي النّبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهصلاة الظّهر في معراجه؟ وهل يوجد في ذلك العالم صباح ومساء، ونهار وليل؟ وهنا نقاط أخرى يبحثها أهل الفن في محلّها، فصلاة الظّهر هذه هي الصّلاة التي صلاّها النّبي في معراجه، ووقت صلاة العصر عندما ارتكب آدم أبو البشر الخطأ وترك الأولى واقترب من شجرة الطبيعة، ووقت صلاة المغرب هو الوقت الذي تاب فيه آدم وصلّى فيها ثلاث ركعات، الركعة الاُولى لرفع خطئه، والركعة الثّانية من جهة خطأ حواء، والركعة الثّالثة بعنوان التوبة، ووقت صلاة العشاء هو تذكير بضمة القبر ويوم القيامة، فصلاة العشاء هي النور الذي يزيح ظلمات القبر وظلمة المحشر في يوم القيامة. على أساس هذه النقاط الواردة في بعض كتبنا الروائيّة، نفهم أنّ أوقات الصّلاة ليست مجرّد أمر اعتباري محض، بل لكلّ وقت من صلاة الصّبح، الظّهر، العصر، المغرب والعشاء مناسبات واقعيّة وحقيقيّة تماما، فلو أنّ الإنسان صلّى صلاته بهذه الأوقات فحينئذٍ سينال مرتبة الفوز العظيم، وبخاصّة في أوّل الوقت والذي ورد التأكيد عليه كثيرا في الروايات الشريفة.

    فعن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال: «إِنَّ فَضْلَ الوَقتِ الأِوّلِ عَلَى الآخِرِ كَفَضلِ الآخِرةِ عَلَى الدُّنيا»[1]، فهل الآخرة تقبل المقارنة مع الدنيا؟ ولو أنّ شخصا سمع هذه الرواية والتفت إلى أهميّة أوّل الوقت بالنسبة إلى آخره مثل نسبة الآخرة إلى الدنيا فهل يسمح لنفسه بعد ذلك أن يفقد ويتساهل بهذا الرأس مال العظيم في فضيلة الصّلاة في أوّل الوقت ولا يبالي بهذا الوقت ولا يهتمّ به؟

    وقد ورد في الحديث الشريف عن النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال: «إِنَّ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ


    1. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 274.

۹۹,۳۰۱ بازدید