pic
pic
  • ۲۴۱

    72ـ سرّ أهميّة الكعبة وجعلها القبلة للمسلمين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    تقدّم أنّ التوجّه نحو القبلة لا يختصّ بحال الصّلاة بل موجود في أمور كثيرة كذبح القربان، والزراعة وحتّى الجلوس العادي، فإنّ مسألة استقبال القبلة مذكور في هذه الموارد، بل قد ورد في الروايات الشريفة أنّ أحد شروط استجابة الدعاء أنّ الإنسان يتوجّه نحو القبلة ويدعو الله‌ تبارك وتعالى، يقول صفوان الجمّال: «شَهِدتُ أَبَاعَبدِالله‌ عليه‌السلام وَاستَقبَلَ القِبلَةَ فِي التَّكبِير، وَقَالَ: اللّهُمَّ لا تُؤْيسِني مِنْ رَوحِكَ وَلا تُقنِّطنِي مِنْ رَحمَتِكَ وَلا تُؤمِنِّي مَكْرَكَ»[1]، وحتّى في مورد النسوة اللاتي لهنّ عذر شرعي في عدم الصّلاة فإنّه يستحب لهنّ الوضوء والجلوس في مجالس الصّلاة وهو المحلّ الذي يقمن فيه الصّلاة ويجلسن باتجاه القبلة ويذكرن الله‌ تعالى بمقدار ما تستغرقه الصّلاة، إذن فقد تبيّن أنّ استقبال القبلة لا يختصّ بحال الصّلاة ومن هذه الجهة يجب علينا الفات النظر والذهن إلى هذه النقطة، وهي: ما هي خصوصيّة الكعبة، وماذا تمثّل من رمز، وما هي الحقيقة الكامنة فيها؟ وبحسب تعبير الإمام الخميني رضوان الله‌ عليه في كتابه «سرّ


    1. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 2، ص 544.

  • ۲۴۲

    الصّلاة»: إنّ الكعبة اُمّ القُرى ومركز بسط الأرض[1].

    وقد ورد في رواية عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال: «سُمِّيَتِ الكَعبةُ كَعبَةً لأَنّها وَسَطُ الدُّنيا»[2]، أي أنّ الكعبة مركز ثقل العالم، وأوّل نقطة ظهرت من الماء بعد حادثة الطوفان وسفينة النبيّ نوح عليه‌السلام هي الكعبة، والقرآن الكريم يقرّر هذه الحقيقة في سورة النازعات ويقول: «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا»[3]، ممّا يفيد مركزيّة الكعبة للعالم، وبالإمكان القول إنّ الكعبة وجه الله‌ تبارك وتعالى في هذا العالم الأرضي.

    يقول المرحوم الميرزا جواد الملكي التبريري رضوان الله‌ عليه: إنّ الله‌ تعالى له في كلّ العالم وجه بالنسبة لأهل ذلك العالم، وفي عالم الدنيا فإنّ وجه الله‌ بالنسبة لأهل الأرض هو الكعبة المعظمة، يعني أنّ الله‌ تعالى قرر بأنّ الأشخاص الذين يريدون التوجّه إلى الله‌ تبارك وتعالى من سكان الأرض فعليهم التوجّه نحو الكعبة، فنحن عندما نتوجّه نحو الكعبة فهذا يعني أنّ توجّهنا منحصر فقط نحو الله‌ تبارك وتعالى لا إلى غيره من الأشياء، فوجه الله‌ لا يعني القول إنّ الله‌ تعالى لو وجه ظاهري، بل الوجه هنا يعني المظهر الذي بواسطته يتوجّه الإنسان نحو الحقّ رغم أنّ الله‌ تعالى محيط بالإنسان في جميع الحالات وأنّ الإنسان يستطيع التواصل معه ومناجاته في كلّ حال، ولكن في حال الصّلاة وبما أنّ وجه الله‌ في الأرض يتمثّل في الكعبة المعظمة، فالمصلّي يجب عليه في هذا المورد التوجّه نحو القبلة.

    على هذا الأساس يجب على المصلّي في جميع الحالات، سواءً في حال الوقوف أو الجلوس أو حتى لو اضطر إلى الصّلاة بحال الاضطجاع أن يستقبل الكعبة المعظمة ويتوجّه نحوها.


    1. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 65.

    2. من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 190.

    3. سورة النازعات، الآية 30.

  • ۲۴۳

    73ـ القبلة والأمن المعنوي


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «كَانَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ صَلواتُ الله‌ عَلَيهِ َءِذَا أَهَلَّ هِلالُ شَهْرُ رَمَضانَ أَقبَلَ إِلَى القِبلَةِ»[1].

    نستنتج ممّا تقدّم من لزوم رعاية استقبال القبلة في الاتيان بالأمور المهمّة، أنّ للكعبة المشرفة رمزا وسرّا خاصّا، فما هو هذا السرّ؟ وقد ورد في بعض الروايات أنّ القبلة عنوان الأمن للناس، يقول أميرالمؤمنين عليه‌السلام: «لا يَجُوزُ للرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّي وَبَينَ يَدَيهِ سَيفٌ لأَنَّ القِبلَةَ أَمْنٌ»[2]، أي أنّ الكعبة هي محلّ الأمن الإلهي، ومن خلال التدقيق في هذه العبارة نستوحي أنّ الوقوف في مقابل القبلة واستقبال الكعبة المشرفة يمنح المؤمن حال من الأمن الروحي والمعنوي، يعني كما أنّ الله‌ تبارك وتعالى جعل من محيط الكعبة ومكّة المكرمة حرما للأمن الإلهي، وهذا الأمن لا يختصّ بالشخص الذي يدخل إلى ذلك المكان المشرّف


    1. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 4، ص 74.

    2. من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 250.

  • ۲۴۴

    بل يوجد أمن فوق هذا الأمن الظاهري، فالإنسان عندما يتوجّه إلى القبلة فإنّ الله‌ تبارك وتعالى يجعل له حالة من الأمن لا تتوفّر لو توجّه نحو الجهات الأخرى، رغم أنّ الله‌ تعالى موجود في جميع الجهات الأخرى، ولكن هذه الحالة من الأمن الخاصّة لم تتعلّق مشيئة الباري تعالى في الجهات الأخرى، وبحسب هذه الرواية فإنّ المصلّي يجب أن يعتقد بأنّه واقف في حرم الأمن الإلهي بحيث لا يصحّ منه وضع سيف أمامه للدفاع عن نفسه، وهذا الحديث الشريف يفيد قطعا وجود حالة من الأمن المعنوي والباطني، يعني أنّ الإنسان الذي يستقبل القبلة فإنّ فكره وقلبه وعقله ونفسه تكون بعيدة عن أجواء الضلالة ووساوس الشيطان والأفكار الباطلة، يعني أنّ الله‌ تعالى يتدخل في هذه الحالة ويقيد الشيطان في سلطته على هذا المؤمن.

    إنّ الله‌ تبارك وتعالى، كما يقيد أيدي وأرجل الشيطان في شهر رمضان، فعندما يقف المصلّي ويستقبل القبلة فإنّ حالة من الأمن ستشمله ويبتعد عنه الشيطان، فمن هذه الجهة ورد في بعض الروايات عن النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «إِذا قَامَ العَبدُ إِلى الصَّلاةِ فَكَانَ هَوَاهُ وَقَلبَةُ إِلى الله‌ تَعالى انصَرفَ كَيومِ وَلَدَتْهُ أُمِّهُ»[1]، وهذا يعني أنّ استقبال المصلّي بظاهر بدنه نحو القبلة يعتبر مقدّمة لاستقبال وجه باطنه يعني قلبه وروحه نحو الله‌ تبارك وتعالى، كما ورد من قوله عليه‌السلام أنّ الكعبة أمن، يعني أنّ الله‌ تبارك وتعالى يحفظ المصلّي في هذه الحال ويبعد عنه لوث الشيطان والأفكار الباطلة، ولا يسمح أن يتورط هذا المصلّي بوحل الوساوس الشيطانيّة والنوازع النفسانيّة، وهكذا نرى أنّ الله‌ تعالى يوفّر جميع الشروط والظروف المناسبة لكي يتوجّه هذا العبد نحوه ويتواصل مع ربّه بالمناجاة والعبادة، فهذه إحدى النقاط المهمّة التي ينبغي الالتفات إليها في باب استقبال القبلة.


    1. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 81، ص 261.

  • ۲۴۵

    74ـ تناسب الظاهر والباطن في التوجّه إلى الله


    بسم الله الرحمن الرحيم

    في مقام الجواب عن هذا السؤال لماذا يتوجّه المصلّي في صلاته نحو الكعبة المشرّفة؟ وما هي الحكمة والسرّ في شرطيّة استقبال القبلة للمصلّي؟ يقول الشهيد الثاني أعلى الله‌ مقامه الشريف[1]: «أمّا الاستقبال فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله‌ تعالى»، وهذا يعني أنّ هذا المصلّي يريد أن يخاطب الله‌ تبارك وتعالى ويقول: إلهي لقد أعرضت عن الدنيا وما فيها وأعرضت عن كلّ ما ليس له صبغتك ولونك، واُريد أن أتوجّه بكلّ وجودي في الظاهر والباطن نحوك، فلو أنّ المصلّي التفت إلى هذا المعنى فسوف يؤثر ذلك قطعا في نيّة صلاته، وستكون هذه الصّلاة أكثر خلوصا ومعنوية وحيوية، ولذلك ورد في الروايات أنّه يجب أن تكونوا في الصّلاة بحيث إنّكم ترون الله، فإنّ لم تكونوا ترونه فإنّه يراكم.

    ثمّ يقول الشهيد الثاني قدس‌سره: «أفترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى أمر الله


    1. التنبيهات العليّة، ص 105.

  • ۲۴۶

    تعالى ليس مطلوبا منك»، وكما أنّ القلب يعدّ حرم الله‌ ولا يجوز أن يسكن فيه غير الله‌ تعالى ولا يتوجّه إلى غيره فبدنك الظاهري أيضا يجب أن يتوجّه نحو الله‌ تعالى، وهكذا نستنتج أنّ الأمر الإلهي باستقبال والتوجّه نحو الكعبة في الصّلاة يجب أن تكون هناك رابطة وعلاقة بين هذا الظاهر وبين الباطن، بحيث إنّ الإنسان عندما يتوجّه بظاهره نحو الله‌ تعالى فإنّ قلبه لا محالة سيتوجّه نحو الله‌ أيضا، فعندما يتوجّه قلبه، فإنّ ظاهره لا محالة سيبتعد عن غير الله‌ ويتوجّه نحو الباري تعالى رغم أنّ علماءنا الكبار غالبا ذكروا في كتبهم الأخلاقيّة والعرفانيّة أنّ الظاهر هو طريق إلى الباطن، كما هو الحال في مسألة استقبال القبلة والتوجّه نحو الكعبة المشرّفة، وبحسب ما ورد في بعض الروايات أنّ ما يقابل الكعبة في السماء الرابعة هو البيت المعمور، وهو محل طواف الملائكة، والبيت المعمور بدوره يقع بإزاد عرش الله‌ تبارك وتعالى، وهذا الارتباط العميق من الأرض إلى السماوات يعكس وجود هذا الارتباط بين هذا الظاهر وذلك الباطن.

    لا ينبغي أن نتصوّر أنّ الكعبة مجرّد بناء متشكل من أحجار وضعها النبيّ إبراهيم عليه‌السلام في ذلك المكان وبالإمكان أيضا أن يضعها في مكان آخر، ولكنّه اتّفق أن وضعها في مكّة، أي بمعنى أنّ مكان الكعبة هو أمر اعتباري، كلاّ، فثمّة أسرار كثيرة في الكعبة ومكانها، فقد ورد في الروايات أنّه يستحب النظر إلى الكعبة، فعندما يجلس الإنسان في المسجد الحرام فيستحبّ له النظر إلى الكعبة وكلّما نظر إلى الكعبة أكثر ازداد ثوابه، وهذا بسبب أنّ ظاهر الكعبة ليس هو المقصود بل يجب أن يكون معلوما أنّ البيت المعمور يقع في السماء بمحاذاة الكعبة، والبيت المعمور بدوره يقع بمحاذاة العرش الإلهي، يعني أنّ سرّ الكعبة هو البيت المعمور، وسرّ البيت المعمور هو عرش الله‌ تبارك وتعالى، إذن فعندما نقف اتجاه القبلة ونعرض بوجهنا عن كلّ ما سوى الله‌ تعالى ونتوجّه إلى حقيقة واحدة يعني الله‌ تبارك وتعالى، فهذا يعني أنّ ظاهر الإنسان سيتلوّن وبصطبغ بصبغة إلهيّة أيصا.

  • ۲۴۷

    75ـ الصورة الباطنيّة لعدم التوجّه إلى الله‌ في الصّلاة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    تبيّن لحدّ الآن، كما يجب أن يكون قلب المصلّي متوجّها نحو الله‌ تعالى فإنّ ظاهره وجوارحه يجب أن تكون متوجّهة نحو وجه الله‌ وهو الكعبة المشرّفة، وأحد آثار توجّه المصلّي نحو الكعبة أو يفهم نفسه ويوحي لقلبه أنّ هذا القلب يجب أن يكون فقط وفقط ذاكرا لله‌ تعالى ويعيش أجواء عظمته وقدرته، فلو أنّ الشخص توجّه إلى الكعبة واستقبل القبلة في صلاته ولكن قلبه كان يميل نحو غير الله، فهذا يعني أكبر استهزاء بالله‌ تعالى، فلو أنّك بحسب الظاهر تنظر إلى شخص معيّن وبدأت بالحديث معه ولكنّ قلبك وحواسك في مكان آخر، أو بالعكس لو كنت عارفا بأنّ الشخص الذي يقف في مقابلك ويتحدّث معك فإنّ قلبه وفكره في محلّ آخر فماذا يكون حالك؟ لا ينبغي أن يكون ظاهرنا وبدننا متوجّها نحو القبلة ولكن قلبنا غير متوجّه نحو الله‌ ونفكر في أمور أخرى.

    وقد ورد في الحديث عن رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال: «أَمَا يَخَافُ الّذي يُحَوِّلُ وَجهَهُ فِي الصَّلاةِ أَنْ يُحوِّلَ الله‌ وَجهَهُ وَجهَ حِمارٍ»[1]، فمثل هذا الشخص الذي يفكّر في


    1. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 81، ص 211.

  • ۲۴۸

    صلاته بالأمور الدنيويّة وينشغل قلبه بمتاع الدنيا وزخارفها عليه أن يخاف أن يبدّل الله‌ وجهه وجه حمار. يجب علينا التأمّل والدقّة في هذه الرواية الشريفة ونستخلص منها نقاط مهمّة، فلماذا عبّر النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّ مثل هذا الشخص ربّما قيافته وملامحه على شكل الحمار، ربّما يكون المعنى أنّ الشخص الذي يتوجّه نحو الله‌ ببدنه ولكن قلبه وفكره يعيش في مكان آخر، فإنّ أحد آثار هذه الحالة أنّ الله‌ تبارك وتعالى سيقلل من عقله إلى درجة أنّه يكون في قلّة العقل كالحمار، ومن البعيد جدّا أن يكون مقصود النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّ الله‌ تعالى يحوّل وجهه الظاهري والبدني لهذا الشخص إلى وجه حمار بالمعنى الظاهري، بل يقول إنّ الصورة الباطنيّة لهذا الشخص يكون حالها حال الصورة الباطنيّة للحمار، لأنّ الحمار يعدّ من بين الحيوانات أقلّها عقلاً وذكاءً، وطبعا ثمّة احتمال آخر في مورد هذه الرواية، وهو أنّ هذه الحقيقة المذكورة في هذا الحديث تتعلّق بالشخص الذي يحوّل وجهه في صلاته من هذه الجهة إلى تلك باستمرار، ولكن الاحتمال الصحيح هو الاحتمال السابق.

    إذن لابدّ أن نلتفت إلى أننا عندما نقف للصّلاة، فكما أننا نستقبل القبلة بأبداننا فينبغي أن نفكر بعظمة الله‌ تبارك وتعالى ونعيش أجواء الخضوع والخشوع القلبي لله‌، وذلك بأن يكون قلبنا أيضا متوجّها للكعبة ويرى البيت المعمور وعرش الله‌ تعالى لتكون صلاتنا مفعمة بالروح المعنويّة والملكوتيّة إن شاء الله.

  • ۲۴۹

    76ـ خصوصيّات الكعبة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    قلنا إنّ التوجّه للكعبة المشرّفة باستقبال القبلة لا يختصّ بحال الصّلاة، بل هو وارد في الكثير من الأمور المعنويّة والدينويّة، سواءً كان بنحو الالزام والوجوب، أم بنحو الاستحباب والندب، وسبق أن استعرضنا رواية تقرّر أنّ استقبال القبلة يوجب للإنسان الشعور بالأمن، قد وردت نقطة أخرى في الروايات أيضا، وهي أنّ الكعبة: «أَوَّلَ رَحمَةٍ وُضِعَتْ عَلَى وَجهِ الأَرضِ فَجَعَلَهُ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمنا»[1]، ولذلك ورد استحباب الصيام في يوم دحو الأرض وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة، وثواب الصوم فيه بمقدار سبعين سنة من الصيام، ودحو الأرض هو اليوم الذي ظهرت فيه الكعبة في حادثة الطوفان، يعني ذلك القسم من الأرض الذي خرج من سطح الماء ثمّ بدأ بالتوسع والامتداد، وهذه الخصوصيّات للكعبة تلفت أنظارنا أكثر إلى عظمة الكعبة، وقد ورد في رواية عن الإمام الباقر عليه‌السلام، وذلك عندما ينسب الله‌ تعالى الكعبة إلى نفسه ويقول: «بيتي»،


    1. الكافي، ج 4، ص 149.

  • ۲۵۰

    وهذا الانتساب يعكس عظمة هذا المكان الشريف وجلالة قدره.

    والإنسان من بين جميع الموجودات يفكر بأنّ الله‌ تعالى قال في حقّه: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي...»[1]، فجميع ما لدى الإنسان من سمّو وعظمة وكرامة بسبب هذه النسبة الإلهيّة أي بسبب نفخ الروح الإلهي في هذا الإنسان وبذلك ينتسب إلى الحقّ تبارك وتعالى ويملك من هذه الجهة صلاحية ولياقة الخلافة الإلهيّة، وهذه النسبة لا نجدها في غير الإنسان من الجمادات سوى في الكعبة حيث نسبها الله‌ تعالى إلى نفسه وقال: «بيتي».

    ونحن عندما نقف مستقبلين هذا البيت الحرام فنجد أنفسنا متوجّهين في مسار آخر يختلف عن المسارات الدينويّة في العالم، فنحن نقف حينها أمام عظمة الباري تعالى ونتوجّه إلى بيته الحرام، يجب أن نلتفت إلى أنّ هذه الحالة من شأنها أن تقرب الإنسان أكثر من الباري تعالى وتهييء نفسه لمناجاته ودعائه.

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام في رواية[2]: «إِذَا إِستَقبَلتَ القِبلَةَ فَآيس مِنَ الدُّنيا وَمَا فِيها وَالخَلَقَ وَمَا هُمْ فِيهِ»، وكلّ هذه العظمة والمعطيات الجليلة في استقبال القبلة ليست فقط لأنّ الإنسان يتوجّه بوجهه وبدنه نحو الكعبة، بل بسبب رعاية شروطها ومقدّماتها، وأحد هذه الشروط أنّ الإنسان عندما يتوجّه إلى القبلة يعيش حالة اليأس من الدنيا ولا يعتبر للدنيا أية قيمة ويعرض عن الخلق وما هم فيه من مشاغل الدنيا، «وَاستَفرِغْ قَلْبَكَ عَنْ كُلِّ شَاغِلٍ يَشغُلُكَ عَنِ الله‌ تَعالى»، سواءً كان الشغل الجاه والمقام أو المال والعمل والكسب حتّى ذلك الاشتغال القلبي للعلم والبحوث العلميّة، فيجب على الإنسان عندما يقف مستقبلاً القبلة أن يكون


    1. سورة الحِجْر، الآية 29.

    2. مصباح الشريعة، الباب 13.

۹۹,۲۳۱ بازدید