pic
pic
  • ۲۵۱

    قلبه خاليا من جميع هذه الأمور ومتجّها نحو الباري تعالى ومستشعرا عظمته وكبرياءه.

    «وَعَاينْ بِسِرِّكَ عَظَمةَ الله‌ تَعالى»، فعندما يعيش الإنسان حال اليأس عن الدنيا والخلق ويبعد نفسه عن كلّ ما سوى الله‌ تعالى فإنّه سيشاهد بهذا الباطن والسرّ عظمة الباري تعالى ويستشعر الخضوع والخشوع وهو يقف هذا الموقف، وهنيئا للأشخاص الذين يعيشون هذه الحالة في وجودهم ويشاهدون عظمة الله‌ في عين بصيرتهم وقلوبهم، فالغاية من استقبال القبلة والتوجّه إليها في الصّلاة، أن يطهّر الإنسان قلبه من التلوّثات والوساوس ويزيح عن قلبه الموانع التي يعيقه في مسيرته المعنوية نحو الله‌ تعالى فيشاهد العظمة والطهر والصفاء في ساحة القدس الربوبي والذات المقدّسة.

    ومعنى استقبال القبلة في التوجّه إلى الكعبة أنّ الإنسان يجمع جميع أموره ويلقيها بعيدا، وبالتالي يشاهد عظمة الباري تعالى في باطنه وقلبه، والتوجّه نحو القبلة يذكّر الإنسان يوم القيامة هو ذلك اليوم الذي يجب أن نقف فيه جميعا أمام الله‌ تعالى للحساب في محكمة العدل الإلهي، ومثل هذا التوجّه القلبي يورث الإنسان حالات معنويّة رائعة جدّا، نسأل الله‌ تعالى أن يرزقنا مثل هذه الحالات إن شاء الله.

  • ۲۵۲

    خلاصة أسرار القبلة


    ألف) يستفاد من الروايات أنّ من اللازم أو المناسب في الإتيان بالأمور المهمّة أن يستقبل المؤمن القبلة، مثل الزراعة وذبح القربان وكذلك لغرض استجابة الدعاء ودفن الميّت، وعلى هذا الأساس فالتوجّه للكعبة واستقبال القبلة لا يختصّ بالصّلاة.

    ب) إنّ الكعبة هي اُمّ القُرى ومركز بسط الأرض ودحوها، وبحسب بعض الروايات أنّ الكعبة تقع وسط الأرض وأنّها وجه الله‌ في الارض لأهلها.

    ج) بما أنّ الكعبة محلّ الأمن، فالوقوف باتجاه الكعبة منح الإنسان حالة من الأمن الروحي والمعنوي.

    د) التوجّه نحو الكعبة يعني اعراض الإنسان ظاهر بدنه عن جميع الجهات ويتوجّه نحو الله‌ وبيته الكريم.

    هـ) مع التوجّه نحو الكعبة فإنّ ظاهر وباطن الإنسان يتحدان في هذا الاتجاه، أي في التوجّه نحو الله.

    و) وبالتوجّه الظاهري نحو الكعبة فإنّ قلب الإنسان يجب أن يتوجّه نحو البيت المعمور وعرش الله.

  • ۲۵۳

    ز) الكعبة أوّل رحمة نزلت من الله‌ تعالى إلى أهل الأرض، وأوّل تجلي من تجليات الحقّ تعالى على الأرض.

    ح) إنّ استقبال القبلة والتوجّه نحو الكعبة يذكر الإنسان بوقوفه أمام الله‌ عزّ وجلّ يوم القيامة، وعليه يجب أن يغض الإنسان نظره عن الدنيا وما فيها ويعرض عن الناس وما هم فيه.

  • ۲۵۴

    الباب الخامس: أسرار الأذان والإقامة


  • ۲۵۵
  • ۲۵۶

    77ـ أسرار الأذان والإقامة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    وأحد المسائل التي ينبغي الالتفات إليها والاهتمام بها فيما يتّصل بالصّلاة وأسرارها، مسألة الأذان والإقامة قبل الصّلاة، ولعلّ يمكن القول إنّ الأسرار الموجودة في الأذان والإقامة تعدّ مقدّمة لفهم ودرك أسرار وحقائق الصّلاة، ومن أجل أن يصل الإنسان إلى حقيقة الصّلاة فإنّ الأذان والإقامة بمثابة التمهيد لهذا المصلّي، للوصول إلى تلك الحقيقة، وهذه من خصوصيّات عبادة المسلمين ولم تكن في الاُمم السابقة والأديان الأخرى، طبعا فإنّ أصل الصّلاة كانت موجودة في الأديان السابقة، ولكن مسألة الأذان والإقامة تعدّ من اختصاصات ومميزات هذا الدين الحنيف وقد جعلها الله‌ تعالى امتيازا لاُمّة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله.

    وثمّة عدّة أمور تبحث في مسألة الأذان والإقامة، أوّلاً ما ورد في الروايات الشريفة من البركات والمثوبات الكثيرة والعديدة للأذان والإقامة، بحيث تلفت نظر الإنسان أكثر إلى حقيقة هذا العمل، فسبق أن ذكرنا أنّ فقهاءنا فيما يتّصل بالأذان والإقامة ليس فقط يقولون برجحانهما واستحبابهما، بل ذهبوا إلى أنّه

  • ۲۵۷

    الأذان والإقامة من المستحبّات المؤكدة، بل إنّ بعض الفقهاء القدماء قالوا بوجوبهما في جميع الصّلاة، والبعض ذهب إلى وجوبهما في خصوص صلاة الصّبح والمغرب، وبعض آخر في خصوص صلاة الجماعة، وعلى أيّة حال فمن الناحية الفقهيّة فإنّ الأذان والإقامة وردا مورد اهتمام كبير جدّا بحيث إنّ الصّلاة لا ينبغي أن تقام بدون أذان وإقامة، أي أنّ الصّلاة بدون أذان وإقامة لا يمكن أن تكون صلاة كاملة، وعلى هذا الأساس ينبغي للمصلّين الأعزاء الاهتمام بهذه المسألة ورعاية الأذان والإقامة قبل الصّلاة.

    جاء في رواية بلال أنّه قال: «سَمِعتُ رَسُولَ الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يَقُولُ: مَنْ أَذَّنَ عَشْرَ سِنينَ أَسكَنَهُ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ إِبراهِيمَ الخَليلِ فِي قُبَّتِهِ أَو فِي دَرَجَتِهِ»[1]،

    وقد ذكر علماؤنا أنّ هذه الروايات تتجاوز حدّ الخبر الواحد وفوق حدّ الاستفاضة وتقرب من التواتر، قوله عليه‌السلام: «مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلّى صَلّى خَلفَهُ صَفّانِ مِنَ المَلائِكَةِ» .

    والنقطة المهمّة هنا، ما ورد في بعض الروايات تبيّن مقدار هذا الصف: «أَقلُّهُ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ وَأَكثَرُهُ مَا بَينَ السَّماءِ وَالأَرضِ»، فعندما نرى أنّ الله‌ تبارك وتعالى يهتمّ بالأذان والإقامة بهذه الصورة عندما يقف المصلّي بين يديه، فهذا الأمر يجب أن يدفعنا إلى التفكير في حقيقة الأسرار الخفيّة والكامنة في الأذان والإقامة، وما هي النقاط العجيبة والحقائق الدقيقة المقترنة بالأذان من بدايته إلى نهايته؟ وأساسا ما هي المرتبة من مراتب التوحيد التي يصل إليها الإنسان بالأذان والإقامة وبأي مرحلة من مراحل العبوديّة يصل هذا المصلّي؟ ونجد الجواب عن هذه الأسئلة عندما يأتي المصلّي بالأذان والإقامة كمقدّمة للصّلاة ويستشعر في


    1. تفسير العياشي، ج 2، ص 334؛ بحار الأنوار، مطبعة بيروت، ج 81، ص 124.

    2. الدعائم، ج 1، ص 146.

  • ۲۵۸

    نفسه بروح العبوديّة لله‌ تعالى وأنّه يتكامل في مراتب التوحيد، ثمّ يكون مستعدا ولائقا للحضور والوقوف في محضر الحقّ تبارك وتعالى أي الصّلاة، يجد في نفسه الصلاحية والقابليّة إلى أن يرتفع في معراج الملكوت ويبدأ حركته المعنويّة نحو الله‌ تبارك وتعالى.

    وبعبارة أخرى أنّ الأذان والإقامة عاملان مهمّان جدّا في حركة الإنسان المعنويّة ومن أجل أن يشرع الإنسان بصلاته بالكيفيّة المطلوبة.

  • ۲۵۹

    78ـ الأذان: دعوة جميع قوى الملك والملكوت للحضور


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ثمّة أسرار مهمّة جدّا في الأذان والإقامة والتي تتضمّن التكبير والتهليل والشهادة بالرسالة والولاية والدعوة للفلاح والخلاص كذلك ينتهي الأذان والإقامة بالتكبير والتهليل أيضا.

    يقول بعض الأكابر من علماء العرفان والأخلاق: إنّ نداء المؤذن يذكّر الإنسان بالنداء في يوم القيامة الكبرى لحضور جميع الخلائق في عرصات المحشر، ويقول المرحوم الملا محسن الفيض الكاشاني في كتابه «الحقائق»: «وإذا سمعت نداءالمؤذن فاحضر في قلبك هول نداء يوم القيامة، وتشمّر بظاهرك وباطنك للمسارعة والإجابة فإنّ المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر»، وأساسا فإنّ المرحوم الفيض الكاشاني يلفت النظر إلى مسألة دقيقة في الأذان، وهي أنّ الإنسان إذا أراد أن يرى حاله يوم القيامة وعندما يدعو الباري تبارك وتعالى جميع الناس لحسابه، فكيف يكون حاله واستعداده في ذلك الوقت؟ هل يشعر في ذلك اليوم بالسرور والفرح أو يكون ذلك بالنسبة له

  • ۲۶۰

    يوم الندم والحسرة؟

    يقول: إنّك ترى في هذا العالم الدنيوي هل أنّك تشعر بالسرور والانبساط مع سماعك للأذان أم لا؟ وعندما يبدأ المؤذن بالأذان هل تشعر بالنشاط في قلبك وتحسّ بأنّ قلبك مليء بالغبطة والسرور أم لا سمح الله‌ لا يوجد أي تغيير في قلبك؟ ولو أنّ أحدهم سمع صوت المؤذن وانقبض قلبه لذلك لا سمح الله، وتصوّر أنّ هذا الأذان قد نغص عليه لذّته ووقته، فالويل لمثل هذا الشخص.

    ويتابع الفيض الكاشاني قدس‌سره بالقول: إنّ نوعية ردّة الفعل للشخص في هذا العالم بالنسبة لصوت المؤذن تعكس ردّة فعلهم لذلك النداء الإلهي في عرصات المحشر يوم القيامة وهل أنّ استجابته لذلك النداء إيجابيّة أم سلبيّة، ثمّ يشير الكاشاني إلى كلام النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بهذه المناسبة: «أَرحنَا يا بِلالُ»، وأنّ هذه العبارة مرتبة بهذا المعنى ويقول:

    «أَرِحنا بِها وَبِالنِّداءِ إِلَيها»، فالمؤذن يدعو المؤمنين إلى مجلس الحضور بين يدي الباري تعالى والحديث معه والمعراج إليه، ولو أخذنا بعين الأعتبار كلامه: «الإنسان يموت على ما يعيش ويحشر على ما يموت ويحصد ما زرعه في أرض قلبه»، فهذا يعني أنّ جميع الحالات التي يعيشها المرء في هذا العالم ويموت عليها فإنّه سوف يحشر بتلك الحالات والنيّات وبتلك الكيفيّات في يوم القيامة ويجد ثمرة ما زرعه في قلبه في حياته الدنيا.

    والحال إذا شعر الشخص عند سماعه لنداء المؤذن بحالة من السرور والفرح وأنّه سوف يقدم على خالقه ويحضر في مجلس ملاقاته، وما يترتّب عليه من إفاضات الحقّ تبارك وتعالى عليه في ذلك المجلس، فإذا شعر الإنسان من هذا النداء بحالة من الشوق والرغبة في التحليق في عالم الملكوت وغادر الدنيا بهذه الحالة فسوف يحشر يوم القيامة بهذه الحالات والملكات النورانيّة في نفسه

۱۰۴,۲۱۲ بازدید