pic
pic
  • ۲۶۱

    وسوف تنقذه هذه الحالات والملكات المعنوية من أزمات المحشر وظلمات يوم القيامة.

    وثمّة عبارة عميقة للإمام الراحل رضوان الله‌ تعالى عليه: إنّ الأذان هو قوى الملك والملكوت في الإنسان الكبير والصغير للتهيئة والاستعداد للحضور في محضر الحقّ تبارك وتعالى، فليس الأذان مجرّد دعوة الناس إلى المسجد والوقوف للصّلاة، بل هو دعوة لجميع قوى العالم بواسطة الأذان، سواء الإنسان الصغير أم الإنسان الكبير، القوى الملكية أو الملكوتيّة، فالجميع مدعوون للحضور في محضر الحقّ تبارك وتعالى، ومن هذه الجهة يجب علينا الاهتمام الجاد بمسألة الأذان والإقامة.

  • ۲۶۲

    79ـ سرّ التكبيرات الأربع والشهادة بوحدانيّة الله‌ في الأذان


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول المرحوم الكليني في كتابه «الكافي» في رواية عن الإمام الباقر عليه‌السلام: «لَمَّا أُسرِيَ بِرَسُولِ الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إِلى السَّماءِ فَبَلَغَ البَيتَ المَعمُورَ وَحَضَرَتْ الصِّلاةُ فَأَذَّنَ جِبرئيلُ وَأَقَامَ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وَصَفَّ المَلائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ خَلَفَ مُحَمُّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله»[1].

    ويتبيّن من قيام جبرئيل الأذان والإقامة لهذه الصّلاة أنّ حقيقة الصّلاة لا تتيسر بدون الأذان والإقامة، ويجب علينا أن نأسف على أنّ الكثير من صلواتنا اُقيمت بدون الأذان والإقامة، ومثل هذه الصّلاة ليست بصلاة كاملة، وهذه الصّلاة لا تستطيع العروج بالإنسان إلى مراتب عالية من حضور القلب، وهذه الصّلاة ليست معراج المؤمن، فالصّلاة بدون الأذان والإقامة صلاة ناقصة جدّا.

    وسبق أن ذكرنا عبارة الإمام الراحل رضوان الله‌ عليه حيث يقول: إنّ الأذان دعوة لجميع قوى العالم، قوى الملك والملكوت للحضور في محضر الحقّ تبارك وتعالى فما هو هذا الأذان؟ في الأذان هناك أربع تكبيرات في مطلع الأذان، وثمّة


    1. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 302.

  • ۲۶۳

    أسرار وحقائق كامنة في هذه التكبيرات الأربع، وهنا يعلن المصلّي بهذه التكبيرات عن عجز جميع الموجودات في العالم عن القيام بالثناء على الحقّ تعالى وحمده، فالمصلّي يريد أن يقول بهذه التكبيرات أنّ كلّ موجود في العالم لا يستطيع أبدا أن يحمد الله‌ ويثني عليه كما هو حقّه، وعندما تبدأ الصّلاة بهذه التكبيرات في الأذان ويتمّ ذكرها مجددا في الإقامة فهو اعتراف منّا بأنّه لا يوجد أي كائن وأي بشر يقدر على أداء حقّ الله‌ في الحمد والثناء، وعندما تتكرر كلمة «الله‌ أكبر» أربع مرّات، فهذا يعني أنّ الله‌ أكبر من قدرة الشخص على حمده وثنائه، وهذا إعلان للقصور عن قابلية الحضور، والإنسان العاجز يعترف هنا بأنّه غير جدير ولا يملك القابليّة واللياقة على الحضور في محضر الحقّ تبارك وتعالى، وبعد الاعتراف بالعجز بالقصور يستعد لاظهار الخوف والخشية والخضوع، ثمّ يأتي بدور الشهادة بوحدانية الباري تبارك وتعالى ويقول: «أَشهَدُ أَنْ لا إِلهِ اإِلاّ الله»، ويكرر هذه الشهادة مرّتين، ولعلّ ذلك بسبب أنّ الشهادة الاُولى هي شهادة التوحيد على الذات، يعني أنّ الله‌ تبارك وتعالى لا شريك له في ذاته، والشهادة الثانية هي شهادة التوحيد في الفعل، يعني أنّ كلّ فعل يصدر في هذا العالم هو فعل الله‌ ولا يوجد فاعل غير الله‌ في عالم الوجود، وقد أشار إلى هذه النقطة أيضا بعض الأكابر كالمرحوم الفيض الكاشاني قدس‌سره.

    والجدير بالذكر أنّ شروع الأذان بالتكبير وختم الأذان بالتكبير أيضا قد يتضمّن رسالة خاصّة، فماذا يمكن أن نستوحي من ذلك؟ ألا نفهم من ذلك أنّ الإنسان يصل في هذه المرحلة إلى هذه الحقيقة: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالاْخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»[1]، وكلّ شيء هو لله‌ تعالى، والإنسان عندما يلتفت إلى هذه النقاط في الأذان والإقامة سيفهم الخطوات الكبيرة التي يجب أن


    1. سورة الحديد، الآية 3.

  • ۲۶۴

    يخطوها في خطّ الكمال حتّى يحصل على اللياقة والقابليّة للورود في محضر القدس الإلهي، فلا ينبغي القيام بسرعة ونكبّر تكبيرة الإحرام مباشرة وندخل في الصّلاة، فمثل هذا العمل يشير إلى عدم معرفة قدر هذه العبادة المهمّة واضاعتها، وهذه العبادة يجب الإتيان بها مع مقدّماتها، وتلك المقدمات الرائعة والبديعة جدّا تشير إلى أنّ الله‌ تعالى يمنّ علينا بأن نتذكره ونتعرّف عليه ونتواصل معه، وينبغي أن نختبر أنفسنا في هذا المجال عندما نقوم بقراءة الأذان والإقامة ونرى كيف أنّ هذه الصّلاة قد أحدثت تحوّلاً كبيرا في حياتنا.

  • ۲۶۵

    80ـ ثواب الأذان


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يجب على الإخوة والأخوات المصلّين أن يلتزموا بالأذان والإقامة في صلاتهم، فالصلاة المقترنة بالأذان والإقامة تختلف كثيرا عن الصّلاة بدون الأذان والإقامة، أضف إلى ذلك أنّ نفس حقيقة وروح الصّلاة تختلف كثيرا وبينهما بون ساشع، ومن الموارد التي ذكرت الروايات الشريفة الثواب الجزيل على فعل عبادي للإنسان هو هذه المسألة، بحيث إنّ علماءنا الكبار سعوا كثيرا في فهم وتسويغ مثل هذا الثواب وتفسيره، وينقل الشيخ الصدوق في كتابه الأمالي المجلس 66 عن الإمام الصادق عليه‌السلام وهذا الإمام ينقل عن آبائه العظام صلوات الله‌ عليهم أجمعين عن رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال: «أَلا وَمَنْ أَذَّنَ مُحتَسِبا يُريدُ بِذَلِكَ وَجْهِ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ أَعطَاهُ الله‌ ثَوابَ أَربَعِينَ أَلفَ شَهيدٍ وَأَبَعِينَ صِدِّيقٍ وَيَدْخُلُ فِي شَفَعَتِهِ أَرَبعُونَ أَلفَ مُسيء، وَإِنَ المُؤذِّنَ إِذا قَالَ: أَشهَدُ أَنْ لا إِلهَ إلاَّ الله‌ صَلَّىْ عَلَيهِ تِسعُونَ أَلفَ مَلك وَكَانَ يَوْمَ القِيامَةِ فِي ظِلِّ العَرشِ حَتَّى يَفرَغُ الله‌ مِنْ حِسابِ الخَلائِق»، وهذا يعني أنّ هذا الشخص يعيش ذلك اليوم سعادة مطلقة وراحة كاملة ويعيش المحو في

  • ۲۶۶

    جمال الحقّ تعالى والاستغراق في النعيم والرضوان الإلهي، إلى أن يفرغ الله‌ تعالى من حساب الخلائق.

    وهنا يطرح سؤال مهم، وهو: كيف يمكن لأذان واحد يستغرق بضع دقائق أن يرتب عليه الباري تعالى هذا المقدار من الثواب العظيم؟

    وفي مقام الجواب نلفت النظر إلى نقاط عدّة، أوّلها أنّ الثواب المقرر للإنسان في مقابل عمله لا يقع بإزاء ذلك العمل بل هو فضل من الله‌ ولطفه، ولذلك يمكن أن يعطي الله‌ تعالى ثوابا واحدا على عمل معين، ويعطي لشخص آخر عدّة أضعاف من ذلك الثواب على هذا العمل، لأنّ الملاك في باب الثواب هو الفضل الإلهي وليس الثواب يقدّر بمقدار العمل.

    وبالنسبة للعقاب فالأمر يختلف، لأنّه سيكون بمقدار ذنب الإنسان، وهذا هو مقتضى العدالة، في حين أنّ مسألة الثواب ترتبط بفضل الله‌ ورحمته.

    النقطة الثانية، إنّ هذا الثواب لا يعطى لأي مؤذن كان بل هو مشروط بقيد «وجه الله» وهو شرط مهمّ جدّا ولا يعلم أنّ كلّ مؤذن سيحقق هذا الشرط بسهولة.

    النقطة الثالثة، أنّ رقم ألف ومائة ألف ومليون تختلف في المقدار بالنسبة إلينا، ولكنّها بالنسبة لما عند الله‌ تبارك وتعالى لا تختلف ولا فرق بينها أبدا، فخلق شيء واحد بالنسبة إلى الله‌ تعالى لا يختلف أبدا مع خلق جميع العالم وجميع الكائنات، ويكفي أن يريد الله‌ تعالى إيجاد هذا الشيء أو الأشياء وليس الأمر أنّ خلق هذا العالم أصعب عند الله‌ من خلق جزء صغير من أجزائه: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[1]، فإرادة الحقّ تعالى بالنسبة لجميع أفعاله متساوية،


    1. سورة يس، الآية 82.

  • ۲۶۷

    خلافا لحالنا وما عندنا حيث يختلف الحال بين الواحد والمائة، وعندما ندرك أنّ الله‌ تعالى كذلك ويتّصف بالكرم والجود بهذا الشكل، فهل من الإنصاف وهل يصحّ أن يفقد المصلّي مثل هذا اللطف العناية من الله‌ ويستغرق عمره ولا يؤذن ويقيم مرّة واحدة لصلاته؟!

  • ۲۶۸

    81ـ سرّ الشهادة بالرسالة والولاية في الأذان


    بسم الله الرحمن الرحيم

    روى عبدالله‌ بن سنان عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّ رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال لبلال: عندما يحين وقت الصّلاة فاصعد على جدار المسجد وارفع صوتك بالأذن: «فَإِنَّ الله‌ قَدْ وَكّلَ بَالأَذانِ رِيحا تَرفَعُهُ إِلى السَّماء، وَأَنَّ المَلائِكَةَ إِذا سَمِعُوا الأَذانَ مِنْ أَهلِ الأَرضِ قَالُوا هَذِهِ أَصواتُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بِتَوحِيدِ الله‌ عَزَّ وَجلَّ، وَيَستَغفِرُونَ لأُمَّةِ مُحَمَّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حَتَّىْ يَفرَغُوا مِنْ تِلكَ الصَّلاةِ»[1].

    لماذا يجب على المصلّي أن يأتي قبل الصّلاة بالشهادة على رسالة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في أذانه: يقول الإمام الخميني رضوان الله‌ عليه: «الشهادة برسالة النبيّ الخاتم هي توسل بالمقام المقدّس للشفيع المطلق والشفاعة المطلقة»، لأنّ الوارد في القرآن الكريم أنّ النبيّ هو الشفيع المطلق، وبهذه الشهادة تحصل للإنسان صحبة مع هذا الرسول الإلهي الذي يتمتع بالولاية المطلقة، وهذا يعني أنّ هذا المصلّي يتحرك في سلوكه المعنوي في معراجه والحديث مع الله‌ تعالى، فهو بهذه


    1. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 307.

  • ۲۶۹

    الشهادة بالرسالة يجعل نفسه مصاحبا للنبي الخاتم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، وشهادته على ولاية أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب صلوات لله‌ وسلامه عليه يجعل نفسه مصاحبا لصاحب الولاية المطلقة، فسواءً وفّقنا في الأذان بولاية علي بن أبي طالب عليه‌السلام أم لم نوفّق لذلك فإنّ الشهادة برسالة النبيّ الخاتم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله تتضمّن الشهادة على ولاية أميرالمؤمنين عليه‌السلام أيضا، لأنّ رسالة النبيّ لا تكتمل إلاّ بولاية أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام .

    وهنا يستعرض الإمام الخميني رضوان الله‌ عليه في كتابه «آداب الصّلاة» كلاما لاستاذه الكبير المرحوم شاه آبادي رضوان الله‌ عليه ويقول: إنّ شيخنا العارف الكامل روحي فداه يقول: «إنّ الشهادة بولاية ولي الله‌ تتضمّن الشهادة برسالة النبيّ، لأنّ الولاية هي باطن الرسالة»[1]، إذن فالإنسان المصلّي كما يتحرّك في صحبة المقام النبوي فإنّه يصاحب المقام المقدّس العلوي والولوي.

    وجاء في بعض الأحاديث الشريفة: «بِعَليٍّ قَامَتْ الصَّلاةُ»[2]، أو ورد في بعض الروايات في تفسير: «قَدْ قَامَتْ الصّلاةُ»، أنّه «إنَّ بِعَليٍّ قَامَتْ الصَّلاةُ»، فلو أننا علمنا أنّ الإمام علي عليه‌السلام هو حقيقة القرآن وهو القائل عن نفسه بأنّني القرآن الناطق، فإنّ حقيقة الصّلاة والصوم هي عليّ عليه‌السلام .

    نسأل الله‌ تعالى أن ينير قلوبنا بنور ولاية علي بن أبي طالب إن شاء الله.


    1. آداب الصّلاة، ص 141.

    2. أسرار العبادات وحقيقة الصّلاة، ص 23.

  • ۲۷۰

    82ـ الصّلاة أفضل الأعمال وأصل الفلاح


    بسم الله الرحمن الرحيم

    قلنا فيما يتّصل بالأذان والإقامة أنّ المصلّي في التكبيرة الاُولى يعلن عن عجز جميع موجودات العالم عن حمد وثناء الحقّ تبارك وتعالى، فبعد الشهادة بتوحيد الذات والتوحيد بالأفعالي، تصل النوبة في هذا السفر الروحاني إلى الصّلاة وهي معراج المؤمن من خلال الشهادة برسالة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وولاية أميرالمؤمنين علي عليه‌السلام ويستمد المعونة والمدد من صحبة هذين العظيمين.

    فبعد بيان هذه الشهادة يعلن المصلّي استعداده للصّلاة والوقوف بين يدي الله‌ بذكر هذه الفقرة من الأذان: «حَيِّ عَلَى الصَّلاةِ»، التي تدعو الجميع للاسراع في التوجّه إلى الصّلاة، وبعد ذلك يقول المؤذن: «حَيِّ عَلَى الفَلاح» وبذلك يتبيّن السرّ الاجمالي للصّلاة وهو طلب الفلاح والنجاح في الصّلاة والاسراع للحركة في خطّ الفلاح، أحيانا يخطر على ذهن الإنسان وقبل الالتفات إلى معاني هذه الكلمات أنّ الله‌ تعالى لا يحتاج لصلاتي، إذن فلماذا أوجبها عليَّ؟ أمّا قولهم إنّ الصّلاة عبارة عن أداء شكر الله‌ تعالى على نعمائه فهو تعبير ساذج جدّا، إذن

۱۰۴,۲۱۷ بازدید