pic
pic
  • ۲۸۱

    86ـ سرّ التكبيرات الأربعة في كلام الإمام الخميني قدس‌سره


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ذكرنا بعض الاحتمالات فيما يتعلّق بأسرار التكبيرات الأربع، والاحتمال الثالث هو ما ورد في كلمات الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه، وسبق أنّ قلنا إنّ المؤذن في التكبير الأوّل يلتفت إلى كبرياء الذات الإلهيّة المقدّسة ويعلن لجميع قواه الظاهريّة والباطنيّة عظمة الذات المقدّسة وكبرياء الباري تعالى، لأنّ الأذان يعني الإعلان، والمصلّي في التكبيرة الاُولى يعلن عن كبرياء الباري تعالى لجميع أعضاءه وقواه الظاهريّة والباطنيّة.

    التكبيرة الثانية، يعلن فيها المصلّي لملائكة الله‌ تعالى الموكّلين على كلّ واحدة من هذه القوى الظاهريّة والباطنيّة، كبرياء وعظمة الباري تعالى.

    وفي التكبيرة الثالثة، يعلن المصلّي عظمة وكبرياء الباري تعالى لجميع موجودات العالم الغيبي والشهود، يعني أنّ هذا الإنسان لا يلتفت بعد هذا إلى نفسه والملائكة المحيطين به، بل يتوجّه إلى جميع موجودات العالم المشهودة أو الغيبيّة، ويعلن لها كبرياء الحقّ تبارك وتعالى في عالم الغيب والشهود.

  • ۲۸۲

    وفي التكبيرة الرابعة، يعني عن عظمة الحقّ تعالى للملائكة الموكلّين بالسماوات والأرض، والنتيجة التي يستوحيها الإمام الراحل قدس‌سره من هذا الفهم العرفاني اللطيف هو أنّ الشخص المؤذن بهذه التكبيرات الأربع يعلن لجميع سكان عالم الغيب والشهود وجميع الموجودات في عوالم الحضور عظمة وكبرياء الحقّ تبارك وتعالى[1].

    والآن ربّما يطرح هذا السؤال: ما هو الغرض من هذا الإعلان؟ ولماذا يعلن الشخص المؤذن لأعضائه الباطنيّة والظاهريّة من اليد والقدم والعين والاُذن عظمة الله‌ تعالى وكبريائه؟ لماذا يعلن هذه العظمة الإلهيّة للملائكة الموكّلين به؟ ولماذا يلعن هذه الحقيقة لجميع موجودات العوالم الأخرى؟

    في مقام الجواب ينبغي القول إنّ الغرض من ذلك أمران:

    الأمر الأوّل: أنّ الإنسان عندما يعلن عظمة الله‌ وكبريائه لجميع موجودات العالم فإنّ نفس هذا الإعلان يعني العجز والقصور من جانبه وكذلك من جانب جميع الموجودات، أي العجز والقصور أن يستطيع أحد من هذه الكائنات عبادة لله‌ وثناءه وحمده كما هو حقّه، الإنسان بهذه التكبيرات، في ذات الوقت الذي يعلن عن كبرياء الباري تعالى، فهو يقرّ بعجز وقصور جميع موجودات العالم، وهذا يعني أيّها الإنسان وأيّها الملائكة وأيّتها الموجودات في عالم الغيب والشهود إنّ الله‌ تعالى إلى درجة من العظمة والكبرياء بحيث لا نستطيع نحن من معرفته ولا نستطيع عبادته كما يستحقه وكما يليق بشأنه.

    الأمر الثاني: إنّ الإنسان ومن خلال الأذان يجب عليه ادخال هذه المعارف والحقائق إلى قلبه، يجب أن يدرك قلب الإنسان عظمة الباري تبارك وتعالى ويصدّق بكبرياء الحقّ تبارك وتعالى، ويجب على الإنسان أن يحصر هذه العظمة


    1. آداب الصّلاة، ص 125.

  • ۲۸۳

    والكبرياء بالله‌ تعالى، وانحصار العظمة والكبرياء بالله‌ يعني أنّه لا كبير ولا عظيم سوى الله‌ تعالى ولا يوجد أي عظيم سواه، فلو أنّ الإنسان كان يعتقد بقلبه بوجود عظيم غير الله‌ «وطبعا لا تكون هذه العظمة مقتبسة من الله‌ تعالى، لأننا نعتقد أنّ رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وبما أنّه نور من أنوار تبارك وتعالى كبير وعظيم أيضا، وهكذا أميرالمؤمنين عليه‌السلام والأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام » ولو أنّ الإنسان اعتقد باستقلال والعظمة لشخص آخر، فهذا يعني أنّه عندما يقول الله‌ أكبر فإنّه يكذب في هذا القول، وأنّه لا يقبل كبرياء الله‌ تعالى، لأنّ كبرياء الله‌ وعظمته تعني أنّ الإنسان لا يعتقد بوجود موجود له العظمة والكبرياء سوى الله، فما أعمق وأعظم هذا المعنى وهذا المقام، فلو أنّ الإنسان آمن واقعا بأنّ العظمة والكبرياء تتعلّق بالباري تعالى فقط، وأنّ غير الله‌ لا يستحق أن يرتدي لباس الكبرياء والعظمة ولا يليق هذا الشأن وهذا المقام بما دون الله، فالوصول إلى هذا المقام من شأنه أن يثير في الإنسان حالة من البهجة والسرور ويوصله إلى مقامات عليا في خطّ السلوك الإلهي والكمال المعنوي.

  • ۲۸۴

    87ـ التكرار يوجب التصديق القلبي


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الاحتمال الرابع، في مجال تكرار التكبير في أوّل الأذان، إنّ الإنسان ومن خلال التكرار يرسخ هذا المفهوم والمضمون في قلبه ويعمل على تثبيته في واقعه النفساني.

    إنّ التكرار في التكبيرات يتسبّب في أنّ حقيقة هذا التكبير تتجلّى وتتحقّق في قلب الإنسان، فإذا آمن قلب الإنسان بحقيقة «الله‌ أكبر» واعتقد واقعا بأنّ الكبرياء والعظمة لله‌ تعالى فقط وأنّ كلّ ما سوى الله‌ من جميع الكائنات ليس لها نور إلاّ ما ينعكس عليها من نور الله‌ ولا يرى أي عظمة لغير الله‌ تعالى، ومن هذه الجهة فالإنسان المؤمن لا يشعر بأي خوف وخشية من حكّام الجور وقوى الظلم والضلالة، وهذا ما نراه في صفحات القلب من مواجهة علماء الدين العظام مع أشقى الملوك وسلاطين الجور في التاريخ ولم يكن هؤلاء العلماء المصلحون يشعرون بأي خوف من هؤلاء الظلمة، والسبب في ذلك أنّ هؤلاء العلماء لم يكونوا يرون في الحكّام الظالمين أي عظمة وجلالة قدر، بل كانوا يرون أنّ

  • ۲۸۵

    الكبرياء والعظمة منحصرة بالله‌ تعالى فقط، والإنسان الذي يعيش مثل هذا الاعتقاد ويرى أنّ الكبرياء والعظمة منحصرة بالله‌ تعالى فإنّه سيتحرّك في حياته في طريق الإيمان والطاعة لله‌ وتحقيق رضا الله، ولو أنّ شخصا لا سمح الله، في أي أمر من أمور الحياة رجّح رضا المخلوق على رضا الخالق، فهذا يعني أنّه يرى أنّ ذلك المخلوق أكبر من الله‌ تعالى، وأساسا الأشخاص الذين لا تؤثر فيهم كلمة «الله‌ أكبر» ولا تؤثر في أفكارهم وسلوكياتهم هم الأشخاص الذين لم تترسخ كلمة «الله‌ أكبر» في قلوبهم، وأنّ قلوبهم لم تؤمن بعظمة الله‌ وكبريائه، فتكرار «الله‌ أكبر» في الأذان ينتج أننا نعتقد في قلوبنا بعظمة الباري تبارك وتعالى وكبريائه، وهذا الأمر ليس فقط يحتاج إلى تكرار بل يحتاج إلى رياضات كثرة لتعميق هذا الشعور في واقع الإنسان وقلبه، ولا يستطيع أي شخص أن يدعي بأنّه في يوم واحد أو يومين أو شهر واحد أو سنة واحدة أو عدّة سنوات أنّ قلبه آمن بعظمة الله‌ تماما وبشكل كامل.

    ونقرأ في رواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال: «إِذَا كَبَّرْتَ فاَستَصغِرْ مَا بَينَ العُلَى والثَّرى دُونَ كِبرِيائِهِ»، وعندما تدرك كبرياء الله‌ وعظمته فيجب أن تستصغر ما دونه.

    «فَإِنَّ الله‌ إِذَا اطَّلَعَ عَلَى قَلْبِ العَبْدِ وَهُوَ يُكَبِّرُ وَفَي قَلبِهِ عَارِضٌ عَنْ حَقِيقَةِ تَكْبِيرِهِ قَالَ: يا كَاذِبُ»، وهذا التعبير مثير جدّا ويعني أنّ في قلب هذا الإنسان أمورا أخرى أكبر من الباري تعالى كالمال والمقام والشهرة والجاه والاقتراب من أصحاب المقام والمنصب، وهنا يأتي الخطاب الإلهي لهذا الشخص:

    «َتَخْدَعَنِي وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأَحرِمَنَّكَ حَلاوَةَ ذِكرِي وَلأَحجِبَنَّكَ عَنْ قُرْبِي وَالمُسَارَّةَ بِمُناجَاتِي»[1].


    1. مستدرك الوسائل، كتاب الصّلاة أبواب أفعال الصّلاة، الباب 2، ح 9.

  • ۲۸۶

    وثمّة بعض الأشخاص يسألون: لماذا لا نجد حلاوة في صلاتنا؟ لماذا لا نتذوق حلاوة ذكر الله؟ والجواب: أنّ السبب في ذلك أننا نعتقد بعظمة غير الله‌ ولا نحصر العظمة والكبرياء بالله‌ تعالى، ولكنّ الشخص الذي يعلم أنّ الكبرياء والعظمة منحصرة بالله‌ فقط ثمّ يرى أنّ الله‌ تعالى قد وفّقه لعبادته وفتح له باب المناجاة معه وأنّه يقف للعبادة في مقابله، فكيف لا تكون مثل هذه العبادة ومثل هذا الذكر حلوا وجليلاً وشيّقا عنده؟

    يجب أن نرى الأسرار الكامنة في كلمة «الله‌ أكبر»، وعندما نقول في الأذان «الله‌ أكبر» فعلينا أن نرسخ مضمون هذه الكلمة في قلوبنا ولا نرى أي كبير وعظيم سوى الله‌ تعالى، وجميع قوى العالم وسلطة الحكّام والملوك تعتبر صفرا في مقابل قدرة الله‌ تعالى، يجب أن نعتبر جميع الوسائل والأدوات والقوى الموجودة في عالمنا صفرا في مقابل تدبير وقدرة الله‌ تعالى، والعظمة والكبرياء مختصّة بالباري تعالى ولابدّ من ترسيخ وتثبيت هذه الحقيقة الحاسمة في قلوبنا وأعماق نفوسنا.

  • ۲۸۷

    88ـ أسرار الشهادة بالتوحيد
    المرتبة الاُولى والثانية: الشهادة اللفظيّة والعمليّة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    بعد أن تبيّن المقصود من التكبير ووجه تكرار التكبيرات الأربع، يجب أن نفهم المقصود من الشهادة في التوحيد وماذا تعني كلمة لا إله إلاّ الله؟ بداية يجب أن نعلم أنّ الشهادة لها مراتب، وأحد هذه المراتب الشهادة اللسانيّة القوليّة، بأن يتشهد الإنسان بلسانه ويقول إنّه لا يوجد معبود آخر سوى الله‌ تعالى، وهذه هي المرتبة الضعيفة والدانية من مراتب الشهادة.

    المرتبة الثانية، الشهادة العمليّة، والمقصود من الشهادة العلميّة أنّ الإنسان في مقام العمل ومن خلال عمله وسلوكه يثبت أنّه لا مؤثّر في الوجود غير الله‌ تبارك وتعالى.

    إذا تحرّكنا في حياتنا من موقع مدح شخص معيّن والثناء عليه لا بوصفه يملك صفات إلهيّة وإنسانيّة، بل بسبب امتلاكه للسلطة أو الثروة أو المقام والمنصب، فإنّ هذا العمل يعني أننا نعتقد في مقام العمل بوجود معبود آخر غير الله‌ تعالى،

  • ۲۸۸

    وكلمة «إله» في جملة «لا إله إلاّ الله» تتضمّن عدّة احتمالات، وأحد هذه الاحتمالات أنّ هذه الكلمة مقتبسة من «أله في الشيء» يعني «تحيّر في الشيء»، أو ربّما تكون مشتقّة من إله يلوه بمعنى احتجب، أي اختفى خلف الستار، والاحتمال الثالث في هذه الكلمة بمعنى عبد، ومألوه يعني معبود، وعلى أيّة حال فمقام الاُلوهية مختص بالله‌ تعالى ويجب على الإنسان أن يعتقد بهذه الالوهيّة في مقام الذات وكذلك في مقام الفعل، والالوهيّة في مقام الفعل والعمل تعني أنّ الإنسان بعمله يؤكّد هذه الحقيقة وهو أنّه لا مؤثّر في هذا العالم غير الله‌ تعالى، وكلّ شيء بيد الله‌ تبارك وتعالى، فشفاء المرضى بيده، والغنى والثروة بيده، والعزّ والكرامة بيده، وإذا أراد شخص من خلال الاعتماد على شخص آخر مثله ورام تحقيق العزّة لنفسه من خلال ذلك الشخص، فهذا يعني أنّه لا يرى الله‌ مؤثّرا فقط في أمور هذا العالم، بل يرى الآخرين أيضا مؤثّرين في عالم الوجود.

    يجب على الإنسان أن يمدّ الحاجة فقط إلى الله‌ تبارك وتعالى، ويطلب منه كلّ شيء يحتاج إليه ولا يطمع بغيره ولا يرجو غيره ولا ينبغي أن يضع أمله في غير الله‌ تعالى، ويظهر فقره وعجزه واحتياجه في مقابل الله‌ تعالى فقط لا في مقابل الآخرين، وهذا العمل يعني أنّ هذا الشخص يشهد بعمله أن «لا إله إلاّ الله»، وهكذا ترون أنّ هذه الشهادة العمليّة أعمق وأوسع بكثير من تلك الشهادة اللفظيّة.

    وعندما نقول بألستنا في الأذان: «أشهد لا إله إلاّ الله» يجب علينا أن نجسد هذه الشهادة في عملنا وسلوكنا على امتداد حياتنا وطيلة سنوات عمرنا، فالأذان ليس فقط مقدّمة للصّلاة، بل يجب أن نرى ما هو تأثير الأذان في حياتنا؟

    وهكذا ترون أنّ هذه العبادة من شأنها أن تكون مرشدا لنا حتّى للحصول على السلطة والإمكانات الماديّة ونيل عظمة وعزّة الدنيا والآخرة، فالأذان يقول لنا إنّ

  • ۲۸۹

    الطريق لكلّ ذلك هو الله‌ فقط، ولو أنّ أحدا رجى غير الله‌ في تحصيل هذه الأمور فإنّه سلك الطريق الخطأ وسوف لا يحصل على مبتغاه ولا يحقق أمله أبدا، يجب علينا مضافا إلى الشهادة باللسان أن نعتقد على مستوى العمل والطبيق أنّ المؤثّر فقط هو الله، وأنّ كلّ شيء في هذا العالم بيد القدرة الإلهيّة، ويجب أن نحقّق الشهادة العمليّة على أنّه «لا إله إلاّ الله»، نسأل الله‌ تعالى أن تكون خاتمة حياتنا وأمرنا جميعا تحقيق الشهادة اللفظيّة والعمليّة بـ «لا إله إلاّ الله» إن شاء الله.

  • ۲۹۰

    89ـ أسرار الشهادة بالتوحيد
    المرتبة الثالثة والرابعة: الشهادة القلبيّة والذاتيّة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    المرتبة الثالثة من الشهادة، الشهادة القلبيّة، يقول الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه[1]: إنّ الشهادة القلبيّة هي منبع الشهادة العلميّة والقوليّة، فالقلب يجب أن يحقّق في سرّه الباطني، التوحيد الفعلي وبذلك تحيط الشهادة بالتوحيد بقلب الإنسان ويتجلّى التوحيد الفعلي في القلب، وهذا التعبير ورد في الروايات الشريفة: «القَلْبُ حَرَمُ الله‌ فَلا تُسكِنْ حَرَمَ للهِ غَيْرَ الله»[2]، وهكذا يكون التوحيد الفعلي مركوز ومتحقّق في قلب الإنسان ومحيط به.

    إذن ففي باب الشهادة لا ينبغي القناعة بالشهادة اللفظيّة والشهادة العمليّة، فإنّ أصل وجذر الشهادة القوليّة والعمليّة، هو أن يعتقد الإنسان بالتوحيد في أعماق قلبه وينقطع عن غيره من الموجودات، يقول الإمام الراحل رضوان الله‌ تعالى


    1. آداب الصّلاة، ص 132.

    2. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 67، ص 25.

۹۹,۰۷۶ بازدید