pic
pic
  • ۳۱۱
  • ۳۱۲

    الفصل الرابع: سرّ القيام في الصّلاة


  • ۳۱۳
  • ۳۱۴

    96ـ القيام مظهر التوحيد وقيّوميّة الحقّ


    بسم الله الرحمن الرحيم

    بعد بيان نقاط مختصرة حول الأذان والإقامة، نبحث الآن عن خصوصيّات الصّلاة، وفي المجموع فالمصلّي من حيث الشكل والهيئة في هذه العبادة له ثلاث حالات؛ أحدها حالة القيام، فالشخص إذا لم يكن مريضا وكان قادرا على القيام يجب عليه أن يصلّي من قيام، فلو أنّه صلّى من جلوس وحتّى لو استغرقت صلاته مائة ساعة فلا قيمة لها، بل يجب عليه الصّلاة من قيام، والحالة الثانية الركوع، والحالة الثالثة السجود.

    ولا نرى في أي عبادة أنّ هذه الحالات الثلاث تجتمع فيها، وقد استوحى أكابر أهل المعرفة من هذه الحالات الثلاث، ثلاث مراتب للتوحيد وقالوا: عندما يقف المصلّي للصّلاة ويبدأ بها فإنّ حالة قيامه إشارة للتوحيد الأفعالي، وحالة الركوع إشارة للتوحيد الصفاتي، وحالة السجود، وهي أهم وأعمق حالة في العبادة والصّلاة، إشارة إلى أهم مرتبة من التوحيد، وهو توحيد الذات، والآن يجب أن نرى ما هي النقاط والملاحظات في قيام الصّلاة، وما هي الآداب التي

  • ۳۱۵

    يجب مراعاتها في حال القيام؟

    يقول الإمام الخميني رضوان الله‌ عليه بالنسبة للقيام: إنّ هذه الحالة من القيام في الصّلاة والألفاظ التي يقرأها المصلّي حال القيام، إشارة إلى مقام التوحيد الأفعالي، والمقصود من التوحيد الأفعالي أننا نعتقد بفاعليّة الله‌ تبارك وتعالى في جميع الأفعال، حتّى أصغر وأقل فعل يصدر من الإنسان مثل الجلوس والقيام، وجميع أفعاله الأخرى تتعلّق بإرادة الحقّ تبارك وتعالى ومشيئته، فما لم يرد الله‌ تعالى فلا تسقط ورقة من شجرة ولا تهب أيّة نسمة هواء ولا يصدر أي فعل في العالم، لا من الإنسان ولا من غير الإنسان، وطبعا بالنسبة لأفعال الإنسان سبق وقلنا من محلّه أنّ التوحيد الأفعالي لا يتنافى مع اختيار الإنسان، ولكن هذا الإنسان المختار يجب أن يعلم بأنّ كلّ فعل يصدر منه بأنّه مسبوق بإرادة الحقّ تبارك وتعالى ولو أنّه يفعل هذا الفعل من موقع الاختيار والحرية.

    إذن فالمقصود من التوحيد الأفعالي هو أنّ الإنسان لا يرى أي شيء غير الله‌ مؤثرا وفاعلاً في عالم الوجود، وهذه الحالة من القيام في الصّلاة إشارة إلى قيوميّة الحقّ تبارك وتعالى، وإذا نطق الإنسان أو فعل فعلاً معينا فإنّ ذلك يحدث تحت قيّوميّة الحقّ تبارك وتعالى.

    ومن هنا يجب على الإنسان أن يذكّر نفسه ويلقن قلبه ويزيح عنه التعيّنات النفسانيّة ويعلم أنّه لا يملك استقلالاً في أفعاله، فلو أنّه وقف للصّلاة بين يدي الله، فإنّ الله‌ تعالى هو الذي أراد له هذا القيام، رغم أنّه مختار في هذا القيام، ولو لم تكن إرادة الله‌ ومشيئته فإنّ هذا الأمر لا يتحقّق، فيجب عليه أن يفهم قلبه وباطنه بهذه الحقيقة، فأدب القيام هو أن يعتقد المصلّي بأنّه وجميع العالم حاضرون في محضر الباري تعالى.

    فعندما يريد الإنسان أن يقدّم فروض الاحترام لشخص آخر أو يواجه شخصاً

  • ۳۱۶

    آخر فإنّ الأدب الظاهري والفطري يقتضي عليه أن يقف أمامه احتراما له، وهذا الوقوف يعني أنني بجميع وجودي حاضر أمامك، ومثل هذا الإنسان يجب أن يعتقد شاء أم أبى بعظمة الحقّ تبارك وتعالى، فالشخص الذي يصلّي من جلوس أو اضطجاع بدون أي عذر لا يمكن القول بأنّه يعتقد بعظمة معبوده، ولكن عندما يقف في حالة من الوقار والخشوع وبالخصوصيّات التي سوف نذكرها لاحقا، فإنّه يؤدّي أدب العبادة نحو الحق تعالى، وهذه الحالة هي التي يجب على الفرد العابد والسالك أن يتحلّى بها.

  • ۳۱۷

    97ـ آداب الـقيـام


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الرضا عليه‌السلام: إِذا أرَدْتَ أَنْ تَقُومَ إِلى الصَّلاةِ فَلا تَقُومْ إِلَيها مُتَكَاسِلاً...؛

    تقدّم أنّ أوّل حالة للمصلّي في صلاته هي حالة القيام، والحالة الثانية الركوع والحالة الثالثة السجود، وطبق بيان أهل المعرفة أنّ هذه الحالات الثلاث والهيئات الثلاث إشارة إلى ثلاث مراتب من مراتب التوحيد، ففي حالة القيام يشاهد الإنسان بجميع وجوده الطرف المقابل ومعبوده، وهي الحالة التي لا تحصل أبدا للإنسان في حال الجلوس أو الاضطجاع.

    وجاء في رواية في كتاب «فقه الرضا»[1] أنّه: «إِذا أَرَدْتَ أَنْ تَقُومَ إِلى الصَّلاةِ فَلا تَقُومْ إِلَيها مُتَكَاسِلاً وَلا مُتَناعِسا، وَلا مُستَعجِلاً، وَلا مُتلاهِيَا...»؛ أي تتلهى بالعبث باليد والرأس والاُذن و...، لأنّ ذلك مخالف لأدب القيام.

    وعندما يريد الإنسان أن يقف بيد يدي الله‌ تعالى فإنّه يشعر في نفسه واقعا أنّه يرى الله، وأنّ جميع فكره ووجوده منجذب إلى الله‌ تعالى، فلا ينبغي أن يظهر حالة


    1. فقه الرضا، ص 101.

  • ۳۱۸

    الكسل، ولا ينبغي أن يستعجل بصلاته بحيث يقف وقبل أن يسكن بدنه بشكل كامل يقول: الله‌ أكبر، فهذا عمل غير صحيح.

    ويقول الإمام عليه‌السلام: «وَلَكنْ تَأتِيها عَلَى السُّكُونِ وَالوِقارِ والتََؤدَةِ وَعَلَيكَ الخُشُوعُ وَالخُضُوعُ مُتَواضِعا للهِ عَزَّ وَجَلَّ مُتخَاشِعَا، وعَلَيكَ خَشيَةٌ وَسِيماءُ الخَوفِ رَاجِيا خَائِفَا بِالطَّمَأنِيِّةِ عَلَى الوَجَلِ والحَذَرُ».

    ونلاحظ أنّ الإمام عليه‌السلام في العبارة السابقة قال بوجوب الخضوع والخشوع والتواضع في الصّلاة وهنا يقول: يجب عليك أن تشعر بالخوف والخشية ظاهرة على ملامحك، فالمصلّي يجب أن يعيش الأمل والرجاء من جهة، ويعيش الخوف والخشية من جهة أخرى، فهو يشعر بالقلق هل أنّ الله‌ تعالى قبل عبادته أم لا؟ هل أنّ الله‌ تعالى ملتفت إليه ويهتمّ به أم لا؟

    «فَقِفْ بَينَ يَدَيهِ كَالعَبْدِ الآبِقِ المُذنِبِ بَيْنَ يَدَي مَولاهُ»، وهكذا يعيش هذا الإنسان حالة الخوف والقلق أمام الخالق عزّ وجلّ.

    يجب أن نفهم واقعا عندما نقف للصّلاة أننا كنّا لحدّ الآن بعيدون وآبقون عن المولى، والآن سمح لنا الباري تعالى بالعودة إليه ولذلك يجب أن نقف بين يديه بحالة الندم والخوف والخجل، وفي ذات الوقت يجب أن نشعر بالأمل والرجاء في رحمة الله‌ ومغفرته.

    «فصفَّ قَدَمَيْكَ وَانْصبِ نَفْسِكَ وَلا تَلتَفِتْ يَمِينا وَشِمَالاً»، وعندما يقال لا ينبغي الالتفات إلى هذا الجانب وذاك فالسبب يعود إلى هذه النقطة، وهي أنّ الإنسان يقف في مقابل الباري تعالى ويجب أن يركز جميع حواسه وفكره بهذه العبادة.

    «وَتَحْسَبُ كَأَنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ يَراكَ»[1]، وهكذا ينبغي رعاية آداب الوقوف في الصّلاة بحيث يشعر الإنسان أنّه يرى الله‌ فيها، فإن لم يكن يرى الله‌ فإنّ الله‌ يراه.


    1. فقه الرضا، ص 101.

  • ۳۱۹

    98ـ حقوق الصّلاة في كلام الإمام زين العابدين عليه‌السلام


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام زين العابدين عليه‌السلام: وَأَمَا حُقُوقُ الصَّلاةِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّها وِفَادَةٌ إِلى الله؛

    إذا التفت المصلّي لأسرار القيام في الصّلاة والتزم بآدابه، فسوف يشعر بلذّة كبيرة في صلاته ويحسّ أنّه تطهر واقعا من شوائب الدنيا ولا يشعر بالتعب والملل من الصّلاة بل يريد أن يتابع صلاته ويستمر بها.

    فقد ورد في بعض الروايات عن الإمام الثامن الرضا عليه‌السلام أنّ هذا الإمام كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، ولعلّة في ذلك أنّه عليه‌السلام كان يلتذ من الوقوف للصّلاة بين يدي الباري تعالى، وعندما نرى أنّ الإمام عليه‌السلام في اللحظات الاُولى من الصباح الباكر وقبل طلوع الشمس أو قبل غروبها يعطل صلاة النافلة ويجلس في مصلاّه ويناجي ربّه، فذلك بسبب أنّه عليه‌السلام كان عارفا بأسرار الصّلاة وقيمتها وبركاتها، وقد ورد في الرواية أنّ الإمام زين العابدين عليه‌السلام ذكر بعض الموارد بوصفها حقوق الصّلاة، يعني أنّ المصلّي لو لم يراع هذه الموارد فإنّه يضيّع حقّ الصّلاة ولا يؤدّي حقّها.

  • ۳۲۰

    يقول عليه‌السلام: «وَأَمَا حُقُوقُ الصَّلاةِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّها وِفَادَةٌ إِلى الله»[1]، وهنا يبيّن الإمام عليه‌السلام موردين من موارد حقّ الصّلاة، المورد الأوّل، هو أنّ نعلم أنّ الصّلاة عبارة عن ورود إلى محضر الله‌ تبارك وتعالى، فالشخص الذي يروم الصّلاة فليعلم أنّه يقدم على الورود بمحضر الباري تبارك وتعالى، وبعبارة أخرى، أنّ الصّلاة هي ورود، ولكنّها ورود إلى محضر الحقّ تبارك وتعالى والمصلّي يجب أن يعلم أنّه بواسطة الصّلاة أنّه سيرد على هذا الموجود العظيم، وغني عن البيان أنّ كلّ ورود يستلزم خروجا، يعني يجب عليه أن يخرج من الدنيا والميول النفسانيّة والنوازع الشهوانيّة ليدخل إلى ساحة النور الإلهي.

    الحقّ الثاني، أننا نقف بين يدي الله‌ تعالى، وهذا الحقّ إنّما يمكن أداؤه فيما لو أدّى المصلّي الحقّ الأوّل للصّلاة وعمل بوظيفته وتكليفه.

    «وَأَنَّكَ فِيها قَائِمٌ بَينَ يَدي الله، فَإِذا عَلِمْتَ ذَلِكَ كُنْتَ خَلِيقا أَنْ تَقُومَ فِيها مَقَامَ العَبْدِ الذَّلِيلِ الرَّاغِبِ الرَّاهِبِ الخَائِفِ الرَّاجِي المُستَكِينِ المُتَضرِّعِ المُعَظِّمِ، مَقَامَ مَنْ يَقُومُ بَينَ يَدَيهِ بَالسُّكونِ وَالوِقارِ وَخُشُوعِ الأَطرافِ وَلِينِ الجَناحِ وَحُسْنِ المُناجَِاةِ لَهُ فِي نَفسِهِ وَالطَّلَبِ إِلَيهِ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ الَّتِي أَحاطِتْ بِها خَطيِئَتُهُ وَاستَهلَكَتْها ذُنُوبُهُ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِالله‌»، وفي آخر الرواية يقول عليه‌السلام أنّه لا قوّة ولا قدرة لدى الإنسان وغيره من المخلوقات إلاّ بقدرة الله‌ تبارك وتعالى، فلو أنّ الإنسان أراد الخلاص من الذنوب والخطايا التي أحاطت به فيجب عليه أن يستمد العون والمد من الله‌ تبارك وتعالى والتطهير من الذنوب لا يكون إلاّ بإرادة الحقّ تعالى، وعلى هذا الأساس فمن أجل الخلاص من التلوّث يجب أن نقف في صلاتنا في مقام العبد الذليل ونعيش الخشوع والوقار وبالتالي نحظى بحسن المناجاة ولذة الحديث مع الله‌ تعالى.


    1. آداب الصّلاة، الإمام الخميني، ص 150.

۹۹,۳۳۹ بازدید