pic
pic
  • ۳۳۱

    الراحل قدس‌سره: «أيّها العزيز! الآن وأنت تملك المهلة والفرصة ورأس مال العمر والطريق مفتوح أمامك للسلوك إلى الله، فالآن وأنت تملك الوقت ورأس المال والطريق مفتوح وأبواب رحمة الله‌ مفتوحة أمامك وتملك السلامة وقوة الأعضاء والجوارح وتعيش في دار الزرع وعالم الملك، فعليك باستثمار هذه الفرصة»، ما أروع هذه الكلمات والتعبيرات البلاغية العميقة، فنحن الآن نعيش في عالم الزراعة وغدا يكون الحصاد، ولا يوجد في باب المعنويّات فصل خاصّ للزراعة.

    إنّ عالم الدنيا هو دار الزرع دوما، ففي كلّ لحظة، سواءً في الليل أو في النهار، يجب على الإنسان أن يتحرّك للزراعة وتقديم أعماله الصالحة للعالم الآخر، يقول: «الآن وأنت تتوفرّ لديك جميع العوامل وتواجه القليل من الموانع في العبادة والطاعة والمشاكل الدنيويّة وبالتالي فإنّ التلوّث بالذنوب أقل والحجب على قلبك قليلة».

    وبالنسبة للأشخاص الذين يملكون بحمد الله‌ إمكانية السير والسلوك المعنوي، فيجب عليهم أن يشحذوا الهمّة والعزم ويدركوا قدر هذه النعمة الإلهيّة وينتفعوا بها ويتحرّكوا في طريق تحصيل الكمالات الروحانيّة والسعادة الأبديّة.

    وفي هذا المقطع يذكر الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه، نقطة مهمّة جدّا ويقول: إنّ كلّ هذه المعارف الواردة في القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم‌السلام وما جاءوا به لهذه الطبيعة الظلمانيّة في الأرض وأناروا العالم بأنوارهم الملكوتيّة، فلماذا لا نستفيد نحن منها؟

    ويقول قدس‌سره: يجب عليك استغلال الفرصة والسعى لتنوير أرض طبيعتك المظلمة بالنور الإلهي، وهكذا تنوّر نفوسنا وعيوننا وآذاننا ولساننا وقوانا الظاهريّة والباطنيّة بنور الله، هذه الأرض الظلمانيّة يجب أن تتبدل بأرض نورانيّة وسماويّة

  • ۳۳۲

    وعقلانيّة، كما ورد في القرآن الكريم: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ...»[1]، و«وَأَشْرَقَتْ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا...»[2]، يقول قدس‌سره: طبقا للآية الاُولى فكلّ إنسان يجب عليه أن يستبدل وجوده وأرضه المظلمة بنور الله‌ ويجعلها أرضا نورانيّا، فإذا عمل الإنسان في الدنيا هذا العمل فإنّه سوف لا يواجه الظلمات والصعوبات والمصائب والعذاب والذلة يوم القيامة وسيكون يوم القيامة بالنسبة إليه يوم جليل وسعيد جدّا، وأمّا الأشخاص الذين عاشوا في عالم الدنيا حالة الظلمة وكانت أرضهم مظلمة فإنّهم سيزدادون يوما بعد آخر من الظلمة وستكون قيامتهم صعبة جدّا[3].


    1. سورة إبراهيم، الآية 48.

    2. سورة الزمر، الآية 69.

    3. اُنظر: آداب الصّلاة، ص 152.

  • ۳۳۳

    104ـ الغرض الإلهي من فرض الصّلاة على العباد؟
    العبادات، تجسيد التوحيد في ملك البدن


    بسم الله الرحمن الرحيم

    تبيّنت في بحث أسرار الصّلاة هذه النقطة، وهي أنّ العبادات الظاهريّة لها حقيقة خاصّة، والغرض من أداء هذه الظواهر العباديّة هو الوصول إلى تلك الأسرار والحقائق، وبدون رعاية هذه الظواهر لا يمكن التوصل إلى تلك الحقائق، والكثير من الأشخاص يسألون: ما هو غرض الله‌ تبارك وتعالى من الصّلاة؟ والسبب في هذا السؤال هو أننا قصرنا فكرنا ودركنا على هذه الظواهر وأنّ كلّ ما في الصّلاة والعبادة هو هذا الظاهر، أي هذا القيام والقعود والأذكار الظاهريّة، ومع هذا الحال قد يطرح هذا السؤال وهو: ما هو غرض الله‌ من هذه العبادة وماذا يستفيد الله‌ من هذا الظاهر، وكذلك ما فائدة هذه العبادة للإنسان؟

    ولكن لو علمنا أنّ هذا الظاهر هو طريق لفتح أبواب الحقائق والمعارف أمامنا التي لا سبيل لنا لفهم تلك الحقائق بغير هذا الطريق، فالصّلاة لها حقائق ومعارف لا يمكن الوصول إليها إلاّ بهذا الظاهر والأعمال، وعلى رأس هذه المعارف مسألة

  • ۳۳۴

    التوحيد، فمن أجل أن يتمكن الإنسان الاقتراب إلى حقيقة التوحيد بمقدار ممكن فالطريق الوحيد أمامه هو الصّلاة، وكلّ شخص يوفّق أكثر لأداء الصّلاة فإنّه سيتقرب أكثر من مقام التوحيد، وينقل الإمام الراحل رضوان الله‌ عليه في كتابه «آداب الصّلاة» عن استاذه في العرفان المرحوم الشيخ الحاج محمّد علي شاه آبادي رضوان الله‌ تعالى عليه، إنّ العبادات في حقيقتها تجسيد وترسيخ للتوحيد في ملك البدن وفي باطن القلب، فالإنسان عند إتيانه بالعبادة يريد أن يحقّق التوحيد في جميع عالم ملكه ووجوده، وبدون هذه العبادة والصّلاة لا يتحقّق التوحيد في وجود الإنسان.

    والنقطة التي يؤكد عليها الإمام الخميني قدّس سرّه في هذا المورد[1] هي: أنّ مقصد ومقصود الباري تعالى من أرسال الأنبياء والقرآن والأحكام والشرائع والكتب السماوية هو نشر التوحيد والمعارف الإلهيّة، فجميع هؤلاء جاءوا لإيصال الإنسان إلى مرتبة التوحيد وتخليصه من أجواء الكفر والشرك وتطهير باطنه من شوائب الانحراف والضلالة، ثمّ يقول: من الخطأ أن نقول إنّ جميع هذه البرامج السماويّة أعم من إرسال الأنبياء والكتب، وبيان الشرائع، والأحكام، والدساتير والمقررات، من أجل أنّ الإنسان يدخل الجنّة الماديّة ويتنعم بنعميها بعد هذا العالم ، بل إنّ هذه الاُمور مقدّمة لإيصال الإنسان إلى مقامات أعلى وأسمى ولفتح أبواب المعرفة الواسعة أمامه، فلو أنّ الإنسان وصل في عباداته إلى هذه المرتبة فإنّه لا يكتفي بالظاهر، وأساسا فإنّه يتجاوز هذه الظواهر ويعبرها ويوصل نفسه إلى الباطن والحقيقة، يجب علينا الالتفات إلى أنّ بسط هذه الأمور وإنزالها من بساط الرحمة الإلهيّة وانزال الكتب والملائكة وإرسال الأنبياء ليس هو من أجل تحقّق بعض الأمور الظاهريّة والتافهة كالأكل والشرب


    1. اُنظر: آداب الصّلاة، ص 153.

  • ۳۳۵

    والمشي تحت ظلال الأشجار في الجنّة، إنّ غاية المعارف هي أنّ الإنسان مع إتيانه بهذه العبادة والامتناع عن الذنوب والمعاصي سيصل إن شاء الله‌ إلى مقامات عالية جدّا من العلم والمعرفة والنورانيّة في الآخرة، وهذه نقطة مهمّة جدّا يجب علينا الالتفات إليها.

    ويقول الإمام الخميني رحمه‌الله: إنّ أمثالنا من الذين لم يتجاوزوا حدّ الحيوانيّة لا يفكرون سوى بالجنّة الجسمانيّة وإشباع البطن والفرج، ولكن ينبغي أن نتصوّر بأنّ السعادة منحصرة بهذه الأمور وأنّ جنّة الخلد محصورة بهذه الجنّة الحيوانيّة بل إنّ للحقّ تعالى عوالم لا تخطر على بال بشر ولا تراها عين ولم تسمعها اُذن، ولذلك فإنّ أهل المحبّة والمعرفة لا يهتمّون بمثل هذه الجنّة الماديّة والحيوانيّة، بل يهدفون إلى جنّة اللقاء وجنّة الحضور.

    وهكذا ترون إلى أي درجة ومرتبة توصل الصّلاة الإنسان في سيره المعنوي؟ فهذه الصّلاة إذا اقترنت برعاية آدابها وخصوصيّاتها فإنّ غايتها التوحيد والوصول بالإنسان إلى مقامات أسمى وأعلى من هذه الجنّة الظاهريّة، ونسأل الله‌ تعالى أن يرزقنا هذه النعمة إن شاء الله.

  • ۳۳۶

    الفصل الخامس: أســرار الـنيـّة


  • ۳۳۷
  • ۳۳۸

    105ـ النيّة هي العزم على أداء الفعل


    بسم الله الرحمن الرحيم

    بعد بيان أسرار القيام، يأتي الدور إلى بيان موضوع النيّة في الصّلاة، فثمّة عدّة أمور يجب بيانها في مسألة النيّة، وأوّلها: ما هي حقيقة النيّة؟ إنّ حقيقة النيّة عبارة عن العزم على أداء فعل معيّن، فمجرّد أن يقصد الإنسان الإتيان بعمل معيّن تتحقّق النيّة، ولذلك فإنّ حقيقة النيّة لا تتوقف على التلفظ، بحيث إنّه لو لم يتلفظ بالنيّة بلسانه فإنّ النيّة لا تتحقّق، إنّ حقيقة النيّة هي ما تقدّم من وجود عزم في نفس الإنسان على القيام بفعل معيّن، مثلاً عندما يقرّر الإنسان أن يمشي خطوات، فإنّ نيّة المشي تتحقّق حنيئذٍ، ولو أنّه قرّر أن يجلس فإنّه نوى الجلوس.

    وعلى هذا الأساس فلا يخلو أي فعل اختياري من النيّة، ولا يمكن أن يصدر أي فعل وعمل بدون النيّة، والنتيجة عندما يريد الإنسان القيام بالصّلاة فهذه هي النيّة للصّلاة بمجرّد أن يقرّر الإنسان القيام لعبادة الله‌ فإنّ هذه هي النيّة، فلا ينبغي أن نبتلي بالوسوسة في هذه المسألة، وللأسف فإنّ بعض الجهّال والأشخاص الذين يعيشون حالة التقدّس، فإنّهم يبتلون بهذه الحيلة الشيطانيّة وخاصّة في

  • ۳۳۹

    العبادات وبالأخص في الصّلاة، فالشيطان ومن أجل التصدي لإيمان الإنسان يتبع حيل متعددة ومختلفة، فتارة يزرع اليأس في الإنسان ويجعله يترك أصل العمل العبادي، ولو أنّ هذه الحيلة لم تؤثر في البعض في المرحلة الاُولى، فإنّه في المرحلة الثانية يورطه بمسألة الرياء والعجب والغرور.

    في المرحلة الثالثة، يتحرّك الشيطان لالقاء الشك والترديد والوسوسة، بأن يقول له هل أتيت بالنيّة أم لا؟ وهل أنّ نيّتك صحيحة أم لا؟ وهل قصدت القربة أم لا؟ وعلى هذا الأساس فإنّ مرادنا من النيّة هو قصد أداء الصّلاة والعزم على الاتيان بالصّلاة، فالشخص الذي يقوم ويريد أن يكبّر للصّلاة فإنّه قصد الاتيان بالصّلاة، ولا ينبغي أن يبتلي بالوسوسة «أنني نويت للصّلاة أم لا»، وللأسف نرى أحيانا أنّ البعض يقولون «الله‌ أكبر» ثمّ يقطعون الصّلاة بحجّة أنّه لم ينو نيّة صحيحة، فهذه الوساوس، كما ورد في الروايات الشريفة، هو عمل شيطاني.

    في الرواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «لا تُعَودِّوا الخَبيثَ مِنْ أَنْفُسِكُم بِنَقضِ الصَّلاةِ فَتُطمِعُوه»، فكلّ مرّة تقطع الصّلاة فإنّ طمع الشيطان سيزداد «فَإِنَّ الشَّيطَانَ خَبِيثٌ يَعتَادُ لِما عُوِّدَ»، فعندما تتعوّد أن تقطع صلاتك بسبب مسألة النيّة، فإنّ الشيطان سيعود إليك مرّة ثانية لتقطع الصّلاة أيضا.

    «إِنَّما يُريدُ الخَبِيثُ أَنْ يُطاعَ فإِذا عُصِي لَمْ يَعُد إِلى أَحَدِكُم»، ولذلك عندما لا تلتفت إليه ولا يطيعه في وساوسه سيشعر باليأس ويتركك، ولكن إذا شككتَ في الصّلاة هل نويت للصّلاة أم لا؟ فإذا لم تهتمّ لذلك وتستمر بصلاتك فإنّ الشيطان سوف يتركك وتخلص من التورط بالشك والوسوسة، وأمّا لو التفت إلى وسوسته وأطعته فيما يقول وقطعت صلاتك فإنّ الشيطان سيعود مرّة أخرى في صلاتك الثانية، أو يبقى معك في هذه الصّلاة ويعمل على بث الشك والتردد في نفسك، وأحيانا يستغرق المصلّي ساعة كاملة لينهي تكبيرة واحدة، ويقول دائما إنني لم

  • ۳۴۰

    أنوي للصّلاة بشكل صحيح، لماذا نصرف عمرنا الغالي في تحصيل هذه الأمور الظاهريّة ونتلف عمرنا باطاعة الشيطان ونفسح له المجال للتصرف في نفوسنا وأفكارنا والحال أننا يجب أن نهتمّ للحصول على الحقائق والمعنويات؟

    إذن لا ينبغي لنا في مسألة النيّة أن نطيع ونتبع هذه الوساوس، وكلّ عمل اختياري لابدّ وأن يكون مقترنا بالنيّة، ولا يجب أن تكون النيّة بالتلفظ، فبمجرّد أن تقوم للصّلاة فهذا يعني أنّك نويت للصّلاة والاتيان بها بهذا العمل، وهذا المقدار من النيّة يكفي للصّلاة، ونرى في كلمات الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه التأكيد على هذه النقطة، وهي أنّ الوسواس بالنيّة أعجب وأغرب من جميع الوساوس، فلو أنّ الإنسان لم يلتفت وأصغى إلى كلام الشيطان فسوف يجرّه إلى عواقب وخيمة، فأنتم ترون أنّ الشخص إذا أراد أن يقوم بعمل اختياري بدون نيّة فهذا غير ممكن عقلاً ولو جمع كلّ قواه في طيلة عمره أن يأتي بعمل بدون نيّة لا يستطيع لذلك سبيلاً، ولكن‌ترى شخصا مريضا وضعيف العقل ينتظر قبل كلّ صلاة مدّة مديدة لكي يأتي بالنيّة لصلاته، وهذا الشخص مثل ما لو فكّر الإنسان لمدّة في كيفيّة النيّة عندما يتناول طعام الغذاء أو عندما يتوجّه إلى السوق، وهذا المسكين الذي ينبغي أن تكون صلاته معراج القرب ومفتاح السعادة له ويهتمّ بالتأدّب بالآداب القلبيّة ويطلع على أسرار هذه اللطيفة الإلهيّة ويعمل على تكوين ذاته وتأمين حياته، فهو يغفل عن جميع هذه الأمور، بل ليس فقط الاهتمام بهذه الأمور، بل أنّه يراها باطلة جميعا، يعني أنّه لا يتوجّه أبدا لهذه الأسرار والحقائق ويصرف رأس ماله العظيم في خدمة الشيطان واطاعة الوسواس الخنّاس ويجعل من عقله، وهو النعمة الإلهيّة ونور الهداية، محكوما بحكم إبليس[1].


    1. اُنظر: آداب الصّلاة، ص 157 ـ 158.

۹۹,۳۰۷ بازدید