pic
pic
  • ۳۵۱

    110ـ آثار الإخلاص


    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «مَا أَخْلَصَ عَبْدُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ أَربَعِينَ صَباحا إِلاّ جَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسانِهِ»[1]

    النقطة المهمّة، والتي وردت التأكيد عليها كثيرا في الروايات، أنّ الصّلاة وجميع العبادات يجب أن تقترن بالإخلاص، وأوّل أثر لهذا الإخلاص إيجاد القابليّة في العمل ليكون جديرا بالعرض على الباري تعالى، والعمل بدون إخلاص لا يساوي شيئا ولا قيمة له وكالعدم، وبالتالي ليست له القابليّة والجدارة على تقديمه في محضر الله‌ تعالى.

    والأثر الثاني للإخلاص، أنّ الشيطان سوف ييأس من إغواء هذا الإنسان ويتركه ويبتعد عنه.

    والأثر الثالث، إذا التفت إليه المصلّي واقعا وطبقه في كلّ عبادة، أنّ الإخلاص ليس فقط يؤثر في ذلك العمل نفسه، فليس الإخلاص أن يجعل من هذا العمل


    1. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 67، ص 242.

  • ۳۵۲

    قابلاً للعرض على الله‌ تبارك وتعالى وينتهي كلّ شيء، كلاّ... إنّ هذا الإخلاص يؤدّي إلى أن تظهر آثار هذا العمل على نفس المصلّي وسلوكياته وأعماله الأخرى، فمضافا إلى آثار الإخلاص على هذه الصّلاة، فإنّه يؤدّي إلى تأثيرات إيجابيّة أخرى في حياة المؤمن، فمن هذه الجهة من الضروري أن يعلم المصلّي ماذا يترتّب على قصد القربة والإخلاص من آثار وبركات.

    وأحد هذه الآثار والبركات ما ورد في الرواية المعروفة: «مَنْ أَخلصَ للهِ أَربَعِينَ صَباحا جَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسانِهِ»[1]، فلو أنّ الإنسان سلك في أعماله وحركاته وسكناته من موقع الإخلاص لله‌ لمدّة أربعين يوما، يعني أن يكون طيلة هذه المدّة مخلصا لله‌ تعالى في نومه ويقظته وفي سماعه وفي كلامه وفي عمله وكتابته، وفي عباداته وفي نظراته وكلّ عمل يصدر منه يكون لله‌ تعالى حتّى الإشارة التي تصدر منه أو المعاملة التي يعقدها مع الآخرين، وكذلك عندما يتكلّم مع أبنائه وعندما يتناول طعامه، كلّ ذلك يكون لله‌ تعالى، فحسب هذه الرواية الشريفة فإنّ ينابع الحكمة ستنفجر من قلبه وتجري الحكمة على لسانه.

    وهذه الرواية تتضمّن مسائل مهمّة جدّا ونقاط عميقة جدّا، وتلاحظون ما هي ينابع الحكمة وكيف تنطلق من قلب الإنسان وتجري على لسانه؟ وهذه المسألة تستدعي بحثا مستقلاً ومنفصلاً عن بحث أسرار الصّلاة.

    ولكن النقطة التي نستوحيها من هذا الحديث الشريف أنّ المصلّي يجب أن يعلم أنّه لو حقّق الإخلاص في صلاته فسوف تترتّب عليه آثار وثمرات كثيرة في حياته، فليس فقط أنّ الإخلاص يتسبّب في قبول صلاته من قِبل الباري تبارك وتعالى ثمّ لا أثر آخر له، فبعد أن يتحقّق الإخلاص في عمل المؤمن تبدأ البركات والثمرات في الظهور، وأحد هذه البركات والثمرات إيجاد النورانيّة في


    1. مصباح الشريعة، ص 355.

  • ۳۵۳

    وجود الإنسان، وعادة يشعر المصلّي بعد الانتهاء من صلاته بحالة نورانيّة في نفسه ويجب عليه حفظ هذه الحالة وعدم التفريط بها.

    إلى هنا تحدّثنا بشكل مختصر عن المسائل التي تتعلّق بحقيقة الإخلاص وآثاره، وأمّا ما يتعلّق بمراتب الإخلاص، فالإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه يذكر في كتابه الشريف «آداب الصّلاة» سبع مراتب للإخلاص في الصّلاة ويجب علينا الإشارة إلى جميع هذه المراتب، بداية يجب أن نعلم ما هي مراتب الإخلاص؟ وبعد ذلك نتحرّك على صعيد العمل والتطبيق، فالالتفات إلى هذه المراتب في الصّلاة يجلب اللذة والبهجة للمصلّي ويساعده في الوصول إلى مراتب أعلى وبالتالي الحصول على عنايات وبركات إلهيّة أكثر.

  • ۳۵۴

    111ـ مراتب الإخلاص

    1. تصفية العمل من رضا المخلوقين

    2. عدم جعل العمل وسيلة للأغراض الدنيويّة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    أوّل مرتبة للإخلاص: عندما نريد الاتيان بعمل في سبيل الله‌ يجب أن نعلم أنّ المهمّ بالنسبة لنا في هذا العمل هو طلب رضا الله‌ تبارك وتعالى، ولا ينبغي أن يصدر منّا هذا العمل من أجل فرح الآخرين وكسب رضا المخلوقين، والفات نظرهم إلى عملنا، وهذا الشيء وللأسف نتورط فيه أحيانا، ففي بعض الأوقات عندما يصلّي الإنسان بحضور الآخرين فإنّه يصلّي بشكل آخر، وتكون قراءته في الصّلاة بنحو آخر، فلو رأينا أنّ صلاتنا عندما نكون لوحدنا في المنزل تختلف عن صلاتنا عندما نكون في مجلس ومع الآخرين، فهذا يعني أننا لا نملك الإخلاص في صلاتنا، وهذا معنى الرياء المبطل للصّلاة وللعمل العبادي، فلو أنّ الإنسان قام بعمل عبادي لكسب نظر الآخرين، مثلاً يصلّي ليقال عنه أنّه مسلم أو متدين أو يصلّي لكي يقوي علاقته وإرتباطه معهم ويحقّق لنفسه الاحترام منهم،

  • ۳۵۵

    فهذا لا ينسجم مع الإخلاص.

    فأوّل مرتبة الإخلاص، أن يحرز الإنسان من تلويث عمله بالرغبة في كسب رضا الآخرين، وعليه أن يطهّر عمله من ذلك ولا يهتمّ بهم وبوجودهم، فسواءً رضي الآخرون من عمله أو لم يرضوا، وسواءً استاءوا منه أو مدحوه، وسواءً التفتوا إليه أم لم يتلفتوا، فالمؤمن يجب عليه أن يأتي بصلاته على كافة الحالات، وأحيانا يكون الإنسان في مجلس وقد دخل وقت الصّلاة ومضى عليه مدّة ولم يصلّ، فيقول في نفسه، إذا قمت من مكاني وصلّيت أمام هؤلاء الأشخاص فسوف أخسر سمعتي ويقلّ شأني، فنفس هذا التصوّر والتصوير يعدّ مشكلة لدى المؤمن، فعندما يكون المعيار للإنسان هو كسب رضا الله‌ تعالى فلا ينبغي أن يلتفت ويهتمّ لهذه الأمور، ولا يبالي ماذا يقول عنه هؤلاء الناس، بل يجب أن يتوجّه بقلبه وفكره إلى الله‌ تعالى، وهذه أوّل مرتبة من مراتب الإخلاص.

    المرتبة الثانية للإخلاص، إنّ الإنسان في صلاته أو سائر أموره العباديّة لا يجعلها وسيلة لتحصيل رغباته وحاجاته الدنيويّة، مثلاً إذا صلّى الشخص بهدف أن يرزقه الله‌ تعالى أو يقول إنني اُصلّي صلاة أوّل الشهر ليبقى بدني سالما طيلة هذا الشهر فهذا العمل وهذه النيّة لا تتناسب مع الإخلاص، صحيح أنّ العبادات لها لكلّ واحدة منها آثار خاصّة، فصلاة الليل تؤثر في زيادة الرزق وفي العزّة والنورانيّة في الظاهر والباطن، ولكن إذا صلّى المرء صلاة الليل من أجل أن يكون وجهه نورانيّا أو يزيده الله‌ من الرزق، فإنّ مثل هذه الصّلاة لا تكون مقترنة بالإخلاص، وبعض الفقهاء ذهبوا إلى أنّ مثل هذه النيّة مخلة في صحّة العمل، فلو قال شخص إنني اُصلّي لغرض أن يزيد الله‌ في رزقي أو أصوم ليكون بدني سالما فهذا مخلّ بصحة العمل، ومثل هذا العمل لدى أهل المعرفة هو عبارة عن معاملة وتجارة، لأنّ هذا المصلّي لم يقصد القربة إلى الله‌ في صلاته بل قصد سعة الرزق،

  • ۳۵۶

    أو صام لحفظ سلامته البدنيّة، فهذا النوع من التجارة وليس العمل بدافع القربة إلى الله، وهذه هي المرتبة الثانية من مراتب الإخلاص، إذن المرتبة الاُولى لابدّ للإنسان من تصفية وتنقية عمله من كسب رضا المخلوقين، وفي المرتبة الثانية، أن لا يجعل عمله طريقا ووسيلة للحصول على غايات دنيويّة ومقاصد غير إلهيّة، فكلّ ذلك مخلّ بالإخلاص.

  • ۳۵۷

    112ـ مراتب الإخلاص
    المرتبة الثالثة: أن لا يقصد الأجر والثواب


    بسم الله الرحمن الرحيم

    المرتبة الثالثة للإخلاص: أن لا يقصد من عبادته وصلاته الحصول على الجنّة وما جعل الله‌ للمؤمنين فيها من الحور والقصور والبساتين والأنهار والأشجار، ولا يهدف من صلاته أن يرزقه الله‌ لكلّ صلاة قصرا في الجنّة أو يحصل على بساتين تجري من تحتها الأنهار، وبعبارة أخرى أن لا تكون صلاته للوصل إلى المنافع الظاهريّة ولو في عالم القيامه، ولا فرق بين أن يقصد الإنسان بصلاته أغراضا وغايات ماديّة في هذه الدنيا أو في تلك الحياة الآخرة، ومن هذه الجهة فإنّ كلا القصدين والغايتين عبارة عن كسب وتجارة، وهذه هي عبادة التجّارة.

    وجاء في رواية عن الإمام زين العابدين عليه‌السلام قال: «فَلَكَ الحَمْدُ عَلَى ابتِدائِكَ بِالنِّعَمِ الجِسامِ، وَإِلهَامِكَ الشُّكْرَ عَلَى الإِحسَانِ والإِنعَامِ»[1]، في هذه المرتبة من الإخلاص لا ينظر المصلّي إلى الأجر والثواب المادّي والظاهري كالحور


    1. الصحيفة السجاديّة، ص 152 الدعاء 32.

  • ۳۵۸

    والقصور والثمار والأشجار وأنهار الجنّة وما إلى ذلك، فمثل هذا التوجّه إلى النعم الماديّة ناشى‌ء من قلّة معرفة المصلّي بالله‌ تبارك وتعالى.

    يجب على الإنسان في حال الصّلاة التوجّه إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ صلاته وحضوره بين يدي الله‌ هو توفيق إلهي وعناية ربّانيّة من الله‌ تعالى له، وبهذا المعنى لا يعتقد هذا المصلّي أنّه يستحق الأجر والثواب على هذه الصّلاة، والويل للشخص الذي يتصوّر بعد صلاته أنّه يستحق الأجر والثواب عليها ويطلب من الله‌ أجره وثوابه.

    ونقرأ في الباب 76 من كتاب «مصباح الشريعة» في بحث الإخلاص أنّ الإمام عليه‌السلام يقول: «أَدْنَى حَدِّ الإِخلاَصِ بَذْلُ العَبْدِ طَاقَتَهُ، ثُمّ لا يَجعَلُ لِعَمَلِهِ عِنْدَ الله‌ قَدْرا فَيُوجِبَ بِهِ عَلَى رَبِّهِ مُكَافَأَة بِعَمَلِهِ»[1]، فلو تصوّر أحدهم أنّه يستحق الأجر والثواب على صلاته فيجب على الله‌ أن يعطيه الأجر والثواب، فهذا يعني أن يرى لعمله قيمة واعتبارا، في حين أنّ الإنسان المخلص يقول: إنني لم أفعل شيئا يستحق الأجر والثواب وكلّما لدي فهو توفيق من الله‌ ورعايته ولطفه وإحسانه.

    ولو أنّك سعيت لخدمة شخص تحبّه ليل نهار فإنّك مع ذلك تقول لم أفعل شيئا لك، فكيف بالنسبة إلى الله‌ تعالى الذي وهب الإنسان بكلّ هذه النعم رعاه، فلو صلّى المرء ركعتين فكيف يتوقّع مع ذلك أنّه يستحق الأجر والثواب على هذا العمل البسيط، وأساسا لا ينبغي أن يرى لنفسه ولعمله قدرا وقيمه أمام الله‌ تعالى: «لا يَجعَلُ لِعَمَلِهِ عِنْدَ الله‌ قَدْرا...».

    إذا أراد المصلّون الأعزاء والمتهجدون والعابدون معرفة ميزان ومقدار عباداتهم عند الله‌ فعليهم أن يعتقدوا أنّهم لم يقدّموا شيئا يستحق الثواب عند الله‌ في جميع أعمالهم وعباداتهم.


    1. مصباح الشريعة، ص 337.

  • ۳۵۹

    وعلى هذا الأساس المرتبة الثالثة للإخلاص، أن لا يسعى الإنسان وراء نيل الأجر والثواب والجنّة الجسمانيّة والفواكه والبساتين والقصور في الجنّة، فيأيّها المصلّي أليس من الحيف أن تطلب بصلاتك الوصول إلى الثمار الماديّة والظاهريّة في الآخرة؟ إنّ قيمة صلاتك أعلى وأسمى كثيرا من ذلك، والإخلاص من شأنه أن يقود الإنسان في طريق الكمال المعنوي والإلهي إلى مقامات ودرجات عالية في الجنّة.

  • ۳۶۰

    113ـ المراتب العالية للإخلاص


    بسم الله الرحمن الرحيم

    أشرنا لحدّ الآن إلى ثلاث مراتب من مراتب الإخلاص، وبعض هذه المراتب لو لم تتحقّق في واقع الإنسان المصلّي فصلاته باطلة، أمّا بالنسبة للبعض الآخر من المراتب، فإنّها لو لم تتحقّق فإنّ درجة وقيمة الصّلاة تتنزل وتقلّ قيمتها، وعلى سبيل المثال إذا كان قصد المصلّي من صلاته الرياء والتظاهر فإنّ صلاته باطلة، ولو أنّه قصد التوصّل إلى الحاجات الدنيويّة فبعض الفقهاء ذهبوا إلى أنّ هذه الصّلاة باطلة، والمرتبة الثالثة، أنّ لا يقصد المصلّي من صلاته طلب الأجر والثواب من الله‌ تبارك وتعالى، وطبعا فالشخص الذي يقصد الحصول على الأجر والثواب فلا تبطل صلاته، ولكن بما أنّها تفتقد هذه المرتبة من الإخلاص فإنّ قيمتها ستكون هابطة.

    المرتبة الرابعة، تصفية العمل من الطمع بالجنّة والخوف من النار، بمعنى أنّ الإنسان يقوم بتصفية عمله من الخوف من النار والطمع بالجنّة، فبعض الناس يصلّون خوفا من النار ولئلا يكون مصيره إلى جهنّم، وطبعا فإنّ هذا الخوف لا

۱۰۶,۴۲۹ بازدید