pic
pic
  • ۳۶۱

    يضرّ بصحّة الصّلاة ولكنه مخلّ بالإخلاص، فالمصلّي لا ينبغي أن يصلّي ويعبد الله‌ بهذا الدافع النفساني وبسبب الخوف من عذاب النار، وأحيانا يقوم بعض الأباء والاُمّهات ولغرض تشويق أبنائهم للصّلاة القول لهم: إذا لم تصلّ فسوف يكون مصيرك النار يوم القيامة، وقد ورد في القرآن الكريم فيما يخاطب به أهل النار يوم القيامة: «مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ»[1]، ورغم أنّ كلّ شخص ترك الصّلاة فهو من أهل النار قطعا، ولكن لا ينبغي أن نعلّم الشخص الذي يريد أن يصلّي لتوه أن يصلّي فرارا من العقاب والخلاص من نار جهنّم، الصّلاة التي تقوم على أساس الخوف ليست بصلاة تقود الإنسان في معراج الكمال المعنوي الإلهي، والصّلاة التي يصلّيها الإنسان طيلة عمره على أساس الخوف من جهنّم ربّما تؤثر هذا الأثر وهو أن تنقذ هذا الشخص من الجهنّم الظاهريّة ولكنها لا تصعد بروحه إلى عالم الملكوت والمراتب العليا من الكمال المعنوي.

    المرتبة الخامسة، تصفية العمل من التوصّل إلى السعادة العقليّة واللذات الروحانيّة الدائميّة والأزليّة، وهذا هو ما أشار إليه الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه في كلماته، ويستفاد جيدا من الآيات والروايات أنّ في الآخرة مرتبة أعلى من مرتبة الجنّة الظاهريّة الماديّة، وهي جنّة الملذات العقلانيّة والروحانيّة، وهذه اللذة أعلى من اللذات الظاهريّة والماديّة، يقول الإمام الخميني قدس‌سره: بالرغم أنّ هذا المقام هو مقام سامي جدّا والوصول إليه يجعل الإنسان في زمرة الكروبين، ولكنّ الإنسان المخلص لا يؤدّي صلاته وأعماله العباديّة حتى يجعل في زمرة هذه الفئة من أهل السعادة، لأنّ العارف والسالكين إلى الله‌ يرون أنّ مثل هذا القصد وهذه النيّة تعدّ نقصا في العبادة وبمثابة المعاملة والتجارة، لأنّه يصلّي


    1. سورة المدّثر، الآية 42 و 43.

  • ۳۶۲

    لغرض الوصول إلى تلك المقامات العالية ويكون من زمرة الكروبين.

    المرتبة السادسة، تصفيّة العمل من خوف عدم الوصول إلى اللذات العقليّة، وهذه المرتبة لها علاقة وثيقة بالمرتبة الخامسة، فهو يصلّي لأنّه إذا لم يصلّ فإنّه يخشى أنّ الله‌ تعالى لا يمنحه تلك اللذات العقليّة في القيامة، وهذا هو نوع من العذاب.

    المرتبة لسابعة، تصفيّة العمل من الوصول إلى لذات الجمال الإلهي، وهنا أيضا نرى أنّ الإمام الراحل رضوان الله‌ تعالى عليه بيّن هذه المرتبة بعبارات شيّقة وجذّابة، فبالنسبة لتصفية العمل من الوصول إلى لذات الجمال الإلهي والوصول إلى بهجة أنوار السبوحات غير المتناهية، يقول: هذه هي جنّة للقاء كما يستفاد من الآيات والروايات الشريفة وتعتبر غاية آمال العارفين وأرباب القلوب وأنّ يد البشر نوعا لا تنال هذا المقام إلاّ عدد قليل جدّا من أهل المعرفة يمكنهم الوصول إليه، وهذا هو ما نقرأه في دعاء شهر شعبان: «إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ الإِنْقِطَاعِ إِلَيكَ»، فهذا الانقطاع الكامل ليس انقطاع عن الحور والقصور والأشجار والأنهار والثمار في الجنّة، فلا يمكن تفسير كمال الانقطاع بهذه الأمور الظاهريّة، وطبعا أنّ فهم هذه المرتبة مشكل جدّا جدّا لأمثالنا، ولكن يمكننا أن نفهم إجمالاً أنّه لا ينبغي أن يكون هدفنا من الصّلاة هو الوصول والحصول على الأمور الماديّة، بل يجب الابتعاد عن ماديّات الدنيا والآخرة ونرتفع بنفوسنا إلى مستويات أعلى من طلب الماديّات والملذات البدنيّة، ولو بمقدار قيمتنا الوجوديّة وقيمة عباداتنا أكثر ولا نفقد رأسمال عمرنا في العبادة لهذه الأغراض النازلة بدون فهم ودرك صحيح لأنّ ذلك يستتبع خسارة كبيرة للإنسان، لأنّ المؤمن ومن خلال هذه العبادات يستطيع الوصول إلى كثير من المقامات العالية.

  • ۳۶۳

    114ـ طريق الخلاص من العجب والغرور
    أن يعتقد الإنسان بأنّه مقصّر دائما في مقابل الله


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إحدى النقاط التي ينبغي أن يلتفت إليها المصلّي في مسألة الإخلاص، هي: أن لا يشعر بالسرور والبهجة في داخله ونفسه لأعماله الصالحة وعباداته الكثيرة، وطبعا فالإنسان أحيانا يشكر الله‌ تعالى على أنّه مضى من عمره خمسين سنة ولم تفته صلاة واحدة أو أنّه صلّى صلاة الليل مدّة خمسين سنة فلا مانع من الإحساس بالنعمة والشكر، ولكن إذا شعر في نفسه بالسرور والفرح من عباداته وقال إنني أنا الذي صلّيت كلّ هذه الصّلاة والعبادة فأين الآخرون من أعمالي وعباداتي، وهذا التصوّر من شأنه أن يوجّه ضربة قاصمة للإخلاص، فماذا ينبغي أن يصنع المرء في مثل هذه الحالة حتّى لا يشعر بهذا الشعور؟ يقول الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام في توصيته بهذا الشأن وكذلك ورد في كلمات الأئمّة الآخرين عليهم‌السلام، وذلك أنّ هذا الشخص يجب أن يرى نفسه مقصّرا دائما في مقابل الباري تعالى، فلو أنّ المرء اعتقد بالتقصير وقال إنّ أعمالي وعباداتي لا تعتبر شيئا وأنني إنسان مقصّر مهما أتيت من عبادة وعمل صالح ولا يختلف حاله بين عمل يوم واحد

  • ۳۶۴

    وعمل مائة يوم ومائة سنة من العبادة، وأمّا الشخص الذي لا يرى نفسه مقصّرا ويقول إنني صلّيت وعبده‌تالله‌ كثيرا وهو يرى أنّه يمتاز على الآخرين، فهذه الحالة هي التي تخدش حالة الإخلاص وتنقضه.

    وجاء في كتاب «الأصول لكافي» في باب الاعتراف والتقصير رواية عن الإمام موسى بن جعفر عليهماالسلام يقول لأحد أبنائه: «يـا بُنَيَّ عَلَيكَ بِالجِدِّ وَلا تُخْرِجَنَّ نَفْسَكَ مَنَ التَّقصِبرِ فِي عِبَادَةِ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ وَطَاعَتِهِ فإِنَّ الله‌ لا يُعْبَدُ حَقَّ عِبادَتِهِ»، فلو أنّ هذه الحالة من رؤية النفس والعمل الكثير تضرّ بالعبادة والإخلاص ويجب على المؤمن تطهير نفسه وروحه منها، فهذا العمر قد يمتد إلى خمسين أو ستين سنة، فهذا المقدار لا يعتبر شيئا أمام الزمان الأزلي مثل عمر الملائكة الذين يعبدون الله‌ من الأزل إلى أبد الآبدين ولا يقولون إننا عبدنا الله‌ حقّ عبادته.

    لو جمعت عبادات جميع الأنبياء فمع ذلك لا يمكن أن تؤدّي لله‌ حقّه في الطاعة والعبوديّة، فيجب على المصلّي أن يلتفت إلى هذه الحقيقة، وأنّ جميع الملائكة منذ الأزل وإلى الأبد يعبدون الله‌ تعالى ومع ذلك لا يمكنهم الادعاء أنّهم أدّوا حقّ عبادة الله، فما قدر عباداتنا في مقابل عبادة الملائكة وعندما ندرك هذه الحقيقة وننتهي من صلاتنا فنشعر واقعا بالخجل والحياء من الله‌ ونقول إلهنا! نحن لا نستطيع وليس لنا القدرة على عبادتك بصورة صحيحة، فلو أننا عبدناك ليل نهار فمع ذلك نعترف ونقرّ بقصورنا وتقصيرنا وأننا لا نستطيع أن نعبدك حقّ عبادتك، ولو أنّ الإنسان شعر بهذه الحالة من التقصير والقصور في العبادة فسوف لا يحسب مدّة عبادته وكميّتها وعدد السنوات والليالي التي عبد الله‌ فيها والنوافل اليوميّة التي أداها، وأساسا لا يسمح لنفسه أن يفكّر ويحسب عباداته، وهذه إحدى المراتب المهمّة للإخلاص، بحيث إنّ الإنسان في هذه المرتبة لا يفرح من كثرة عمله رغم أنّه يجب عليه شكر الله‌ تعالى على ما أنعم عليه بهذه النعم والمواهب الجزيلة.

  • ۳۶۵
  • ۳۶۶

    الفصل السادس: أسرار القراءة وآدابه


  • ۳۶۷
  • ۳۶۸

    115ـ فضيلة قراءة القرآن في الصّلاة وغير الصّلاة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «مَنْ قَرَأَ خَمْسِينَ آيَةً فِي يَومِهِ وَلَيلتهِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافَلِينَ».

    من جملة البحوث المهمّة في موضوع أسرار الصّلاة، مسألة القراءة، وهو أن يقرأ المصلّي في الركعة الاُولى والثانيّة من صلاته سورة فاتحة الكتاب وبعدها يقرأ إحدى سور القرآن، فما هي الأسرار الكامنة في قراءة القرآن هذه؟ وكما سائر الأجزاء والأذكار وأفعال الصّلاة تتضمّن أسرارا وحقائق فإنّ هذه القراءة للقرآن في الصّلاة لها أسرار أيضا، والنقطة التي ينبغى الفات النظر إليها وجود فضل كبير على نفس قراءة القرآن كما ورد في النصوص الدينيّة والروايات الشريفة.

    إنّ مسألة قراءة القرآن مسألة مهمّة جدّا، وليست أهميّتها الثواب المترتب على قراءة القرآن فقط، بل للآثار والبركات المهمّة جدّا في الدنيا والآخرة المرتبة على قراءة القرآن الكريم، ومن هذه الجهة ينبغي الإشارة إلى آداب قراءة القرآن، ففي رواية عن أنس بن مالك عن النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهقال: «سَمِعْتُ رَسُولَ

  • ۳۶۹

    الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهيَقُولُ: مَنْ قَرَأَ خَمْسِينَ آيَةً فِي يَومِهِ وَلَيلهِ لَمْ يُكْتَبُ مِنَ الغافَلِينَ»[1]، وبعبارة أخرى، إنّ قرائة القرآن الكريم تجعل الإنسان من الذاكرين، ومعلوم أنّ الغفلة منشأ الكثير من الذنوب والتلوّث بالخطايا والخوض في الظلمات، ومع قراءة القرآن يخرج الإنسان من زمرة الغافلين.

    ونقرأ في رواية أخرى عن الإمام الحسين بن علي عليهماالسلام يقول: «مَنْ قَرَأ آيَةً مِنْ كِتَابِ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ فِي صَلاتِهِ قَائِمَا يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مائةَ حَسنَةً»[2].

    وجاء في رواية أخرى عن الإمام الباقر عليه‌السلام ما يقرب من هذا المضمون يقول: «مَنْ قَرأَ القُرآنَ قَائِما كَتَبَ الله‌ لَهُ بِكلِّ حرفٍ مائةَ حَسنة، وَمَنْ قَرَأَهُ فِي صَلاتِهِ جَالِسا كَتَبَ الله‌ لَهُ بِكُلِّ حرفٍ خَمسِينَ حَسنةً وَمَنْ قَرَأَه فِي غَيرِ صَلاتِهِ كَتَبَ الله‌ لَهُ بِكُلِّ حرفٍ عشرِ حَسناتٍ»ٍ[3].

    وفي سياق الرواية المذكورة عن الإمام الحسين عليه‌السلام يقول فيها: «وإِنْ استَمَع القُرآنَ كُتِبَ لَهُ بكلّ حَرف حَسنة، وإِنْ خَتَمَ القُرآنَ لَيلاً صَلَّتْ عَلَيهِ المَلائِكَةُ حَتّى يُصبِحَ، وَإِنْ خَتَمَهُ نَهارا صَلَّتْ عَلَيهِ الحَفَظَةُ حَتّى يُمسِي وَكَانَتْ لَهُ دَعوَةٌ مُجَابَة...»[4].

    إلى هنا تبيّن إجمالاً ما هي فضيلة وبركة قراءة القرآن وتبيّن الفرق بين الشخص الذي يقرأ القرآن في صلاته وبين الشخص الذي يقرأ القرآن في غير الصّلاة، ومن هذه الجهة ينبغي على المصلّين الاستفادة من هذه الرواية ولا يغفلوا عن قراءة القرآن في صلاتهم.


    1. مستدرك الوسائل، ج 4، ص 263.

    2. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 2، ص 611.

    3. الكافي، ج 2، ص 611.

    4. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 2، ص 611.

  • ۳۷۰

    116ـ قيمة قراءة القرآن وأهميّته


    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «إِنَّ المُؤمِنَ إِذا قَرأَ القُرآنَ نَظَرَ الله‌ إِلَيهِ بِالرَّحمَةِ»[1].

    إنّ إحدى التوصيات الأكيدة للنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وأميرالمؤمنين عليه‌السلام تتركز على قراءة القرآن، وقد ورد في الحديث الشريف أنّ رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال لأميرالمؤمنين عليه‌السلام: «أُوصِيكَ فِي نَفْسِكَ بِخِصالٍ فَاحْفَظها...، وَعَلَيكَ بِتِلاوَةِ القُرْانِ عَلَى كُلِّ حَال»[2].

    وهذه التوصية وردت أيضا عن أميرالمؤمنين عليه‌السلام وكذلك عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام وكانت مورد اهتمامهم، وعندما نقرأ ونتمعّن في سيرة الأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام فسوف نجد أنّ قسما مهمّا جدّا من حياتهم يخصّ مسألة قراءة القرآن.

    والجدير بالذكر أنّ الإنسان لا ينبغي أن يغفل عن قراءة القرآن في كلّ يوم،


    1. جامع الأخبار، ص 39.

    2. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 8، ص 79.

۱۰۷,۵۴۷ بازدید