pic
pic
  • ۳۷۱

    وقد ورد في تفسير أبوالفتوح حديثا عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال: «مَنْ قَرأ ثُلْثِ القُرْآنِ فَكَأَنَّما أُوتِي ثُلثِ النُّبوَّةَ، وَمَنْ قَرأ ثُلْثَي القُرْآنِ فَكَأَنَّما أُوتِي ثُلثَي النُّبوَّةَ، وَمَنْ قَرأ القُرْآنَِ كُلَّهُ فَكَأَنَّما أُوتِي تَمام النُّبوَّةَ».

    وجاء في الروايات أنّ عدد درجات الجنّة بعدد آيات القرآن الكريم، ففي يوم القيامة يقال للإنسان «إقرأ وارق»، فكلّ مقدار من آيات القرآن كان مع هذا الشخص وجاء به يوم القيامة وقرأ هذه الآيات كأنّه يرقى في كلّ آية يقرأها درجة في الجنّة.

    «ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْرَأَ وَارْقَ بِكُلِّ آيِةٍ دَرَجَةً فَيَرقى فِي الجَنَّةِ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً حَتّى يَبلُغَ مَا مَعَهُ مِنْ القُرآنِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْبِضْ فَيَقبِض، ثُمّ يُقَالُ لَهُ مَرَّةَ ثَانِية اقَبضْ فَيَقبِض، ثُمَّ يُقالُ لَهُ هَلْ عَلِمْتَ مَا فِي يَدِكَ، فَيَقُولُ لا، وَإِذا فِي يَدِهِ اليُمنَى الخُلدُ وَفِي الأُخرى النَّعِيم»[1].

    إذن فالجنّة أساسا متدرجة بعدد آيات القرآن ودرجاتها ومراتبها منظمة حسب قراءة القاري للقرآن، والخلود بالجنّة متعلّق بقراءة القرآن، والنعيم الأبدي في الجنّة ليس فقط النعم الظاهريّة والماديّة، بل جميع النعم والمواهب في الجنّة حتّى رضوان الله‌ تعالى في الجنّة كما تقول الآية: «وَرِضْوَانٌ مِنْ الله‌ أَكْبَرُ...»[2]، كلّها متوقّفة ومتقوّمة باُنس الإنسان في الدنيا بتلاوة القرآن الكريم، ولذا يجب علينا أن نعرف قيمة قراءة القرآن لكي نوفّق لفهم أسرار قراءة القرآن في الصّلاة ونزين صلاتنا بالقرآن.


    1. مستدر الوسائل، ج 4، ص 262.

    2. سورة التوبة، الآية 72.

  • ۳۷۲

    117ـ فضيلة قراءة سورة التوحيد


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يجب أن تكون تلاوة القرآن في حياة المسلم وخاصّة الشيعي المؤمن جزءا من برنامجه ومنهجه الأصلي في الحياة، كما أنّ الصّلاة جزء من المنهج الأصلي للمؤمن في حياته كما ورد في كتاب «الكافي» رواية عن الإمام موسى بن جعفر عليهماالسلام، حيث قال الإمام عليه‌السلام لأحد أصحاب: «أَتُحِبُّ البَقاءَ فِي الدُّنيا؟ قَالَ: نَعم، فَقَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِقْراءَةِ قُلْ هُوَ الله‌ أَحدٌ»، فإنني اُحبّ البقاء في الدنيا ولو اُعطيت مهلة بدقيقة واحدة في الدنيا فإنّني أقرأُ سورة التوحيد «فَسَكَتَ عَنْهُ»، أي أنّ الإمام عندما سمع هذا الجواب سكت، وقبل أن نذكر بقية هذه الرواية، نرى في رواية أخرى أنّ الإمام الباقر عليه‌السلام: إذا قرأ الإنسان في يومه سورة التوحيد مرّة واحدة فإنّه الله‌ تعالى سيباركه، وإذا قرأها مرّتين فسبارك الله‌ عليه وعلى اُسرته ويرحمهم، إذا قرأها ثلاث مرّات فإنّ الله‌ تعالى سينزل رحمته وبركاته عليه وعلى جيرانه، وإذا قرأها اثني عشر مرّة في يومه بنى الله‌ له اثني عشر قصرا في الجنّة، وإذا قرأها مائة مرّة في يومه غفر الله‌ له 25 سنة، إلاّ أن يكون عصى الله‌ في مورد

    الدماء والأموال، يعني لا سمح الله‌ قتل شخصا بدون ذنب وبدون حقّ، أو سفك دم شخص وجرحه، فيجب عليه القصاص أو الدية، فهذه الذنوب التي تتعلّق بالدماء والأموال لا يغفرها الله‌ للشخص، أمّا سائر الذنوب التي هي حقّ محض لله‌ فإنّ تعالى يغفرها ببركة سورة التوحيد.

    ويتابع الإمام عليه‌السلام: «وَمَنْ قَرَأَها أَربَعمَائَةَ مَرّة كَانَ لَهُ أَجرَ أَربَعمَائَةَ شَهِيد كُلُّهُم قَدْ عَقَرَ جَوادَهُ وَاُرِيقَ دَمُهُ وَمَنْ قَرَأَها أَلفَ مَرَّةٍ فِي لَيلَةٍ لَمْ يَمُت حَتّى يَرى مَقعَدَهُ فِي الجَنَّةِ أو يرى لَهُ».

    ونقرأ الكثير من الروايات التي تؤكد كثيرا على قراءة سورة التوحيد، ففي الرواية الاُولى، كأنّ ذلك الشخص سمع من الأئمّة من آباء الإمام موسى بن جعفر عليهماالسلامثواب قراءة سورة التوحيد، ولذلك عندما سأله الإمام عن رغبته في البقاء في الدنيا ولماذا؟ فقال: لكي أقرأ سورة التوحيد، لمّا سمع الإمام بهذا الكلام سكتَ، ثمّ بعد مدّة قال لهذا الراوي وهو حفص:

    «يا حَفْضُ! مَنْ مَاتَ مِنْ أَولِيائِنا وَشِيعَتِنا وَلَمْ يُحْسِن القُرآنَ عُلِّمَ فِي قَبرِهِ لِيَرفَعَ الله‌ بِهِ مِنْ دَرَجَتِهُ»، لأنّ درجات الجنّة، كما تقدّم، بمقدار آيات القرآن، فيقال له: اقرأ وارقَ.

    وبحسب ما ورد في الروايات أنّ هذا الامتياز يعدّ من مختصات شيعة أهل البيت عليهم‌السلام والإماميّة الاثني عشريّة ولا يشمل سائر المسلمين.

    يقول حفص: «وَمَا رَأَيْتُ أَحَدَا أَشَدُّ خَوْفَا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مُوسى بنِ جَعفَرٍ عليه‌السلام ولا أَرجى النَّاسِ مِنْهُ، وَكَانَتْ قَرَاءَتُهُ حُزنا، فَإِذا قَرَأَ فَكَأَنّهُ يُخاطِبُ إِنسَانا»[1].

    وهكذا كان الإمام عليه‌السلام يتلو القرآن الكريم، ويجب علينا أن نتعلّم هذا الأدب في الالتزام بتلاوة القرآن من الإمام عليه‌السلام .


    1. الكافي، المطبعه الإسلاميّة، ج 4، ص 611.

  • ۳۷۳

    118ـ آداب قراءة القرآن؛ الالتفات إلى عظمة هذا الكتاب الإلهي والالتفات إلى أم الكتاب


    بسم الله الرحمن الرحيم

    لقد ورد في الروايات الشريفة أنّ لقراءة القرآن الكريم آثارا وبركات كثيرة جدّا، يقول النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لسلمان رحمه‌الله: «عَلَيكَ بِقِرَاءَةِ القُرانِ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ كَفَّارَةُ الذُّنُوبِ وَسُتْرَةٌ مِنَ النَّارِ وَأَمَانٌ مِنَ العَذَابِ»[1].

    إنّ إحدى النقاط المهمّة في موضوع قراءة القرآن مسألة آداب القراءة، وقد أورد الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه في كتابه «آداب الصّلاة»[2] أدقّ وأشمل بحث فيما يتّصل بقراءة القرآن وذكر في هذا الكتاب بعض آداب القراءة كما سنشير إليها باختصار، فأوّل أدب منها أن يلتفت قارى‌ء القرآن إليه حين القراءة هو «التعظيم» يعني الالتفات إلى عظمة هذا الكتاب الإلهي وأن يعلم أنّ الكتاب الذي يقرأه ليس كتابا عاديا، بل هو أعظم كتاب سماوي، فالالتفات


    1. جامع الأخبار، ص 39.

    2. اُنظر: آداب الصّلاة، ص 180.

  • ۳۷۴

    والاهتمام بتعظيم وإكرام القرآن يتسبّب في نورانيّة القلب والحياة الباطنيّة، والتعظيم يتوقف على أنّ الإنسان يفهم أنّ القرآن كتاب عظيم وأنّ هذا الكتاب الإلهي لا ينحصر بهذه الألفاظ والكلمات الظاهريّة بل هناك حقيقة أخرى وراء هذه الألفاظ والكلمات تقصر عنها يد البشر، ويد العلماء، وحتّى يد أهل الباطن وأهل الشهود والمكاشفة، فلا ينبغي أن نتصوّر أنّ حقيقة القرآن هي الألفاظ فقط التي أمام ناظرنا وفي مقابلنا.

    يقول الله‌ تبارك وتعالى: «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنا عَرَبِيّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»[1]، ويقول: «وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ»[2]، فأصل وحقيقة القرآن موجود في اُمّ الكتاب عندنا، ولكنّ البشر يستطيع التوصّل إلى هذا الكتاب الظاهر وتلاوته، ولكن فيما يتّصل باُمّ الكتاب وهو لدينا، فلا أحد يستطيع الوصول إليه، ويتبيّن من هذه الآية الشريفة أنّ القرآن قبل أن ينزل على قلب النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقبل أن يتحوّل إلى العربيّة كان موجودا في اُمّ الكتاب، وظاهر الآية الشريفة هو أنّ القرآن بهذه الصورة كانت حقيقته موجودة عند الله‌ وفي اُمّ الكتاب وربّما بشكل أوسع وأعظم بكثير، ولكنّه تنزّل من تلك العوالم إلى هذا العالم وهو عالم الملك وعالم المادّة وتجلّى على شكل ألفاظ وكلمات عربيّه، فلا ينبغي أن نتصوّر أنّ القرآن مجموعة كلمات وألفاظ كما نرى في سائر الكتب الأخرى مثل هذه العبارات والألفاظ، والأشخاص الذين يعتقدون أنّ القرآن كلام بشري، لماذا لا يلتفتون إلى هذه الآية الشريفة، فلو قلنا بأنّ هذا القرآن منحصر بهذه الألفاظ الظاهريّة فسوف يكون مسوغا لايجاد هذه التوهّمات الباطلة، وأمّا إذا قلنا إنّ حقيقة القرآن هي وراء هذا العالم المادي وفي اُمّ الكتاب وعند الله‌ تبارك وتعالى، فلا أحد من البشر


    1. سورة الزخرف، الآية 3.

    2. سورة الزخرف، الآية 4.

  • ۳۷۵

    مع كلّ هذه العلوم الرسميّة والظاهريّة يستطيع التوصّل إلى حقيقة تلك المعارف القلبيّة والمكاشفات الغيبيّة، وهنا يوجد استثناء واحد وهو الوجود المقدّس لخاتم الأنبياء النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهعندما وصل في معراجه قاب قوسين أو أدنى استطاع أن يصل إلى اُمّ الكتاب، ولكن البشر العادي لا يستطيع لذلك سبيلا.

    إذن عندما نجلس في محضر القرآن يجب علينا الانتباه إلى أنّ هذا القرآن هو مرتبة نازلة عن اُمّ الكتاب، أي أنّ هذا القرآن متنزل عن تلك الحقيقة العظيمة التي يعجز البشر عن دركها، ولو أننا لم نتمكن من الالتفات والانتباه إلى عظمة القرآن الكريم، فهذا يعني أننا لا نستطيع أداء حقّ وتعظيم القرآن كما هو حقّه وشأنه.

    يقول الإمام الخميني رضوان الله‌ عليه في بحث تعظيم القرآن وبعنوان أحد آداب القراءة: إنّ منشأ العظمة ثمانية أمور فعظمة كتاب معين تارة تنشأ من عظمة المتكلّم

    وصاحب الكتاب، وأحيانا أخرى مرتبطة بعظمة المسائل والمقاصد المذكور فيه، والثالثة، بعظمة النتائج والآثار المترتبة على هذا الكتاب، الرابعة، بعظمة الرسول وحامل الكتاب، أي جبرئيل الأمين والروج الأعظم الذي نزل بهذا الكتاب (إذا كان الروح الأعظم هو جبرائيل)، الخامسة، عظمة النبيّ نفسه والذي نزل هذا القرآن على قلبه المبارك، السادسة، عظمة الأشخاص الذين حفظوا هذا القرآن، السابعة، عظمة الأشخاص الذين شرحوا هذا الكتاب، والثامنة، عظمة الزمان الذي نزل فيه هذا الكتاب[1].


    1. اُنظر: آداب الصّلاة، ص 182.

  • ۳۷۶

    119ـ وجوه عظمة القرآن


    بسم الله الرحمن الرحيم

    قبل بيان الموارد الثمانية في وجوه عظمة القرآن الكريم، أرى من المناسب استعراض هذه الرواية الشريفة: «إِنَّ أَكرَمَ العِبادِ إِلى الله‌ بَعْدَ الأَنبِياءِ العُلمَاءُ ثُمَّ حَمَلَةَ القُرآنِ»[1]، يعني القراء للقرآن والعاملين بمضامينه والناشرين له.

    «يَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنيا كَما يَخْرُجُ الأَنبِياء»، أي كما أنّ الملائكة تقبض روح الأنبياء بكلّ احترام وتقدير ومؤانسة وكذلك يتمّ قبض هؤلاء القراء للقرآن.

    «وَيُحشَرُونَ مِنْ قُبُورِهِم مَعَ ا لأَنبِياءِ، ويَمُرُّونَ عَلَى الصِّراطِ مَعَ الأَنبِياء، وَيَأَخُذُونَِ ثَوابَ الأَنبِياء».

    والقارى‌ء للقرآن كما ورد في النصوص والروايات الشريفة، في منزلة الأنبياء في الدنيا والآخرة كما وقد تقدّم في رواية سابقة، أنّ «مَنْ قَرأ ثُلْثِ القُرْآنِ فَكَأَنَّما أُوتِي ثُلثِ النُّبوَّةَ»، وهكذا الشخص الذي يقرأ ثلثي القرآن فكأنما اُوتي ثلثي النبوّة، أمّا من قرأ تمام القرآن فكأنّما اُوتي النبوّة أجمع، وفي هذه الرواية مورد


    1. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 89، ص 19.

  • ۳۷۷

    البحث يقول الإمام عليه‌السلام، إنّ الله‌ تبارك وتعالى يرفع من درجة قارى‌ء القرآن وحامله في الدنيا والآخرة أنّه سيكون بمنزلة الأنبياء وفي مرتبتهم.

    وإذا التفتنا إلى هذه الحقيقة حين قراءة القرآن فإنّ عظمة القرآن ستحيط بقلبنا ولا يتبادر إلى ذهننا أبدا أنّ الغرض من قراءة القرآن هو لنيل الثواب فقط.

    إمّا بيان المنشأ والمراتب الثمان في وجوه تعظيم القرآن:

    أوّل سبب ومنشأ لعظيمة القرآن، عظمة المرسل له وصاحبه، فالقرآن العظيم بما أنّه من شخص عظيم وأنّ من صفات الباري تبارك وتعالى هو العظيم «يـا عَلِيُّ يـا عَظِيم»، فالقرآن يكتسب العظمة من عظمة الله‌ تعالى.

    يذكر الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه عبارة في هذا المورد جديرة بالتأمّل والتمعّن، والواقع أننا نرى أحيانا في بعض عبارات الإمام الراحل قدس‌سره في كتابه من العمق والدقّة بحيث يلزمنا التدبّر والتأمّل فيها لعدّة ساعات، يقول[1]: إنّ تجلّي الحقّ تعالى في جلوة العظمة لا يتيسر هذا التجلّي لأي مخلوق، بل إنّه تعالى يتجلّى لمخلوقاته من وراء آلاف الحجب، يعني أنّ الله‌ تبارك وتعالى إذا أراد أن يتجلّى بصفة العظيم، ويتجلّى بمبدأ العظمة والكبرياء لا يوجد أي مخلوق بإمكانه تحمّل مثل هذا التجلّي، وبالتالي فإنّ تجلّي عظمة الله‌ يجب أن يكون من خلال الحجب والستائر، ونفس القرآن يعتبر تجليا للذات المقدّسة، وقد تنزّل كثيرا إلى درجة أنّه صار على شكل ألفاظ عربيّة ووصل إلى يد البشر.

    ونقرأ في رواية نقلها العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار، وهذه الرواية مذكورة أيضا في كتب العامّة، أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: «إِنّ للهِ تَبَارَكَ وَتَعالى سَبِعِينَ أَلفَ حِجابٍ مِنْ نُور وَظلمَة لَو كُشِفَتْ لأَحرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ مَا دُونَهُ»[2].


    1. اُنظر: آداب الصّلاة، ص 182.

    2. بحار الأنوار، ج 55، ص 45.

  • ۳۷۸

    وأحد امتيازات القرآن الكريم على سائر الكتب السماويّة الأخرى أنّ القرآن صدر من الله‌ تبارك وتعالى بجميع شؤون الذاتيّة والفعليّة والصفاتيّة ومع جميع تجلّياته الكماليّة والجلاليّة، يعني أنّ التجلّي في القرآن هو التجلّي الأعظم، وهكذا جميع الصفات والأسماء الإلهيّة فالله‌ تعالى تجلّى بجميع ذاته أفعاله وصفاته وبجميع صفاته الثبوتيّة والسلبيّة، والجماليّة والجلاليّة في القرآن الكريم وليس الحال كذلك في سائر الكتب السماويّة الأخرى، وهذا يبيّن عظمة هذا الكتاب أكثر.

    وعلى هذا الأساس، فأوّل، منشأ والسبب لعظمة القرآن ولزوم تعظيمه أن نعلم أنّ هذا الكتاب الإلهي صادر من موجود عظيم.

    الثاني: أنّ هذا القرآن الكريم جاء به جبرئيل الأمين، ومعلوم أنّ جبرئيل الأمين ملك من أشرف الملائكة وهو الموكّل بايصال الفيض الإلهي من العلم والحكمة وسائر الأرزاق المعنويّة إلى الأنبياء والبشريّة.

    الثالث: من جهة الشخص الذي نزل عليه القرآن، وقد نزل القرآن الكريم على أشرف الناس جميعا على الكرة الأرضيّة وهو نبي الإسلام صلى‌الله‌عليه‌و‌آله.

    الرابع: أنّ الله‌ تبارك وتعالى يقول في هذا الكتاب: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»[1]، والكتاب الذي يتولّى الباري تعالى بحفظه وحمايته، فلا يوجد أي شخص أو فئة لها القدرة لاتلاف هذا الكتاب أو التلاعب بكلماته أو تحريفه وسيظلّ هذا الكتاب باقيا وسليما إلى يوم القيامة.

    الخامس: من جهة الأشخاص الذين يتولّون شرح وبيان هذا الكتاب، وهم

    الأئمّة المعصومين صلوات الله‌ عليهم أجمعين، فهم شرّاح ومفسّرو هذا الكتاب الإلهي.


    1. سورة الحجر، الآية 9.

  • ۳۷۹

    السادس: من جهة الوقت الذي نزل فيه القرآن، وذلك في ليلة القدر وهي أفضل الليالي والأوقات عند الله‌ تبارك وتعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»[1]، فلو أنّ الإنسان التفت حين قراءته للقرآن إلى هذه الجهات في عظمة هذا الكتاب فسوف يدرك بمقدار ظرفيّته الوجوديّة عظمة القرآن الكريم وبالتالي يقوده هذا الفهم إلى الاقتراب أكثر من باطن القرآن ولكشف عن أسراره وحقائقه إن شاء الله.


    1. سورة القدر، الآية 1.

  • ۳۸۰

    120ـ عظمة مضامين ومحتويات القرآن


    بسم الله الرحمن الرحيم

    بحسب ما أورده الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه في كتابه «آداب الصّلاة» من الوجوه الثمانية لعظمة القرآن الكريم، وأحد هذه الوجوه في عظمة هذا الكتاب الإلهي، المضامين ومحتويات القرآن الكريم.

    الإنسان عندما يقرأ كتابا معيّنا ولا يلتفت إلى عظمة مضامين هذا الكتاب ومقاصده فلا يستطيع أن يدرك عظمته وقيمته، والقرآن الكريم من حيث المضامين في دائرة المفاهيم يعدّ أعظم كتاب، فلا يوجد لدينا كتاب مثل القرآن الكريم من حيث مضامينه وتعاليمه ومحتوياته، والقرآن الكريم هو كتاب هداية بالمرتبة الاُولى: «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ»[1]، فإذا أراد شخص سلوك طريق الحقّ والإيمان فلا يستطيع ذلك بدون الارتباط بالقرآن الكريم، وإذا أراد شخص الوصول إلى مراتب عالية في سلّم الهداية والسير إلى الله‌ تعالى فيجب أن يستمد نور الهداية من القرآن الكريم، وإذا أراد شخص أن يتحرّك في سيره وسلوكه في خطّ الله


    1. سورة البقرة، الآية 2.

۱۰۶,۴۳۵ بازدید