pic
pic
  • ۳۱

    عن باطن الصّلاة، ولماذا تتسبّب الصّلاة أحيانا بالامتعاض والثقل الظاهري ونحسبها تكليفا ثقيلاً على أنفسنا؟ لأنّنا نؤدّي هذه الصّلاة بعيدا عن هذه السرّ والباطن والحقيقة الكامنة فيها.

    لو إننا التفتنا جيدا إلى باطن الصّلاة وهو الوصول إلى الله‌ تعالى، ولو أننا علمنا أنّ حقيقة الصّلاة هي مشاهدة المعبود، فحينئذٍ لا يشعر الإنسان بالتعب والملل من صلاته، فالسبب في جميع حالات التعب والملل ابتعادنا عن حقيقة الصّلاة، وأحيانا يسأل البعض أنّ الأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام كيف استطاعوا أن يصلّوا في اليوم والليلة ألف ركعة ونحن عندما نؤدّي هذه الركعات القليلة من صلاة اليوميّة نشعر بالتعب والثقل؟ والجواب يكمن في هذه النقطة، وهي أنّ هؤلاء الأئمّة عليهم‌السلام كانوا يعيشون اللّذة والبهجة في رؤيتهم لحقيقة الصّلاة وأنّ جميع وجودهم مستغرق في صلاتهم، ولذلك لا يشعرون بأي تعب أو ملل منها، ليس فقط الأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام بل إنّ أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام أيضا يصلون إلى هذه المرتبة أحيانا وترون أنّ الشيخ «الكشفي» وهو أحد علماء الرجال عندما يتحدّث عن الزهاد الثمانية، أي الأشخاص المعروفين بالزهد في ذلك الوقت وهم ثمانية مثل: اُويس القرني، عامر بن عبدقيس و...، فإنّه يذكر أحدهم واسمه الربيع، وينقل حكاية عن سيرته ويقول: «كان يسهر بالليل إلى الفجر في ركوع واحد»[1]، وهذا الشخص أحد أصحاب أميرالمؤمنين عليه‌السلام ومن الذين تربّوا في مدرسته، وعندما يصبح الصباح يتأوه ويقول: «آه سبق المخلصون وقطع بنا»، أي أننا تخلفنا عن طريق الوصول إلى الله‌ تعالى واستطاع المخلصون سلوكه، هذه «آه» عباد الله‌ المخلصين.

    لو أجريتم مقارنة بيننا وبينهم فنحن نطلق كلمة «آه» فيما يتّصل بالأمور


    1. مصباح الشريعة، ص 62.

  • ۳۲

    الماديّة الفانية، ونتأوه من فقدان المقام والثروة والسلطة، أمّا عباد الله‌ المخلصين فإنّهم يتأوهون في مجالات أخرى، هذه الكلمة «آه» تعلّموها من مولى المتقين أميرالمؤمنين عليه‌السلام عندما قال: «آه مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِيقِ، وبُعدِ السَّفرِ»[1].

    إذن فعندما يفهم المؤمن أسرار الصّلاة ويلتفت إليها فإنّه لا يرغب في إتمامها، فلو أنّه اشتغل بالصّلاة من أوّل اللّيل إلى طلوع الفجر، وهو وقت خاص ليكون للصّلاة باطن، فإنّه عندما يرى طلوع الفجر وانتهاء اللّيل يتحسّر ويتأوه بسبب أنّه فَقَد هذه الحالة المعنويّة، وعلى هذا الأساس فإنّ التوجّه لأسرار الصّلاة هو الذي يوصل الإنسان إلى مرتبة الحقّ تبارك وتعالى.

    وجاء في رواية عن الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام أنّه قال: «الوُصُولَ إِلى الله‌ عَز وَجلّ»، وهذا يعني أنّ الوصول إلى الله‌ موفّر وله طريق، وبإمكاننا كأشخاص عاديين الوصول إلى الله‌ تعالى أيضا، ولكنه «سَفَرٌ»، هذا السفر يعني الحركة والعمل والسعي، «لا يُدرَكُ إِلاّ باِمتِطاء اللّيل»، فالصّلاة في جوف اللّيل تعتبر طريقا معبّدا للوصول إلى الله‌ تعالى، وقلنا إنّ لكلّ صلاة باطن خاص، فالصّلاة الواجبة لها باطن، والصّلاة المستحبّة لها باطن آخر، وصلاة اللّيل لها باطن وصلاة النّهار لها باطن آخر، ولكن لا ينبغي الغفلة عن هذه الحقائق، ولا ينبغي أن نسمح لعمرنا بالانتهاء ونحن في غفلة من هذه الحقائق، فهي خسارة عظيمة جدّا.


    1. نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص 481؛ بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 34، ص 285.

  • ۳۳

    6،7ـ الصّلاة جامعة لأسرار جميع العبادات


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الباقر عليه‌السلام: «أَوَّلُ مَا يُحاسَبُ العَبدُ عَلَيهِ الصَّلاةُ فإِنْ قُبِلَتْ قُبِلَ مَاسِواها وإِنْ رُدَّتْ رُدَّ مَاسِواها»[1]

    تعتبر الصّلاة أهم عبادة من بين العبادات التي قرّرها الله‌ تبارك وتعالى للبشر، ومن هذه الجهة فإنّ «أسرار الصّلاة»: تعدّ أهم الأسرار، وربّما تكون الصّلاة جامعة لجميع أسرار العبادات الأخرى كلّها، وقد وردت روايات مشهورة فيما يتّصل بالصّلاة أنّ الإنسان في يوم القيامة إذا قبل الله‌ تعالى صلاته فسوف تقبل بقية أعماله الأخرى، وإن كانت هذه الأعمال ناقصة فإنّ الله‌ تعالى سيغض النظر عن ذلك، ولو لم يقبل الله‌ تعالى صلاة الشخص فإنّ سائر أعماله لا تكون مقبولة حتّى لو جاء بها الشخص بشكل كامل وصحيح: «إِنْ قُبِلَتْ قُبِلَ مَاسِواها وإِنْ رُدَّتْ رُدَّ مَاسِواها»، هذه العبارة تشير إلى أنّ الصّلاة تعدّ أهم العبادات، والإنسان العابد لا يمكنه أن يتقرّب إلى الله‌ تبارك وتعالى بأي وسيلة أخرى مثل الصّلاة، ولعل ما


    1. فلاح السائل، ص 127.

  • ۳۴

    جاء في بعض الروايات أنّ الله‌ تعالى ينظر إلى عبده عندما يقف للصّلاة ويباهي الملائكة بعمل هذا المؤمن، كلّ ذلك يكشف عن وجود أسرار خاصّة في الصّلاة، بحيث لا تقبل المقارنة مع سائر العبادات الأخرى، ولو أنّ الإنسان نال التوفيق لعبادة الحقّ تعالى وأراد تحقيق العبوديّة والطاعة لله‌ فإنّه لا شيء كالصلاة يحقّق له هذا المعنى، وأساسا فإنّ الصّلاة من بين العبادات تعتبر أحبّ عبادة إلى الله‌ تعالى ولا شيء مثل الصّلاة له قيمة عند الله، ومن هذه الجهة إذا اهتمّ الإنسان بصلاته واعتبر أنّ الصّلاة ركنا أساسيا في حياته، فسوف يحظى بمرتبة مهمّة عند الباري تعالى.

    لماذا كان الأئمّة المعصومون عليهم‌السلام يهتّمون ويكثرون من الصّلاة إلى هذه الدرجة، بحيث إنّه ورد في الروايات أنّهم كانوا يصلّون في اليوم والليلة ألف ركعة؟ الإنسان عندما يلتفت إلى أسرار الصّلاة ولو بشكل إجمالي ويفرغ ذهنه عن سائر الأمور الأخرى أثناء الصّلاة فهو بمثابة الشخص الذي وجد ضالّته وحصل على ما يبتغيه في حياته ممّا يدفعه ذلك إلى الإكثار منها، يجب أن تكون صلاتنا بهذه الصورة، يجب أن نشعر باللذة والبهجة من الصّلاة، بل يجب أن نشعر بالراحة وزوال التعب في حال الصّلاة وتكون استراحتنا من الأعمال الأخرى في الصّلاة، لأنّ هذه الصّلاة من شأنها أن تزيح غبار الظلمة والتلوث في الأمور الدنيويّة عن أنفسنا وتطهّر قلوبنا وتخفّف من مشاكلنا ومعاناتنا، فالإنسان وببركة صلاة واحدة تتوفّر فيها الشروق والتوجّه القلبي إلى أسرارها يمكنه أن يجد الحلول لمشاكله الأخرى.

    لماذا نجد أنّ بعض شبابنا وفي عزّ الشباب يبتلون ببعض المشاكل الروحية والأزمات النفسيّة؟ لماذا لا نحلّ مشاكلنا النفسيّة بالصّلاة؟ أيّها الإخوة والأخوات، عندما نجد كلّ هذه الأهميّة من قِبل الله‌ تعالى للصّلاة، فلو أننا التفتنا

  • ۳۵

    إليها بمقدار العُشر فإنّ الكثير من مشاكلنا ستنحلّ، إنّ الأكابر من علمائنا كانوا يحلّون معضلات العلوم والمسائل الفلسفيّة الغامضة ببركة الصّلاة، إنّ روح الإنسان وبواسطة الصّلاة، ليس فقط تتطهر من لوث الذنوب والمعاصي، بل من حالات الجهل، وتجد روح الإنسان تصفية وتنقية في حال الصّلاة بحيث تسكن وتهدأ وتزول عنها حالة التوتّر وبالتالي تنكشف لها الحقائق العلميّة بسهولة، فالروح المظلمة والمكدّرة لا تستطيع حلّ أبسط المسائل الجزئيّة.

    وعلى ضوء ذلك يجب أن نهتم كثيرا بالصّلاة، ولا يجدر بنا أن نبلغ من العمر خمسين أو سبعين سنة ونكون لا سامح الله‌ مشمولين بهذه الرواية الواردة عن الإمام الصادق عليه‌السلام حيث قال: «وَالله‌ إِنّهُ لَيأَتِي عَلَى الرَّجُلِ خَمسُون سنة وَمَا قَبِل الله‌ مِنْهُ صَلاةً وَاحِدة فَأَيُّ شَيٍّ أَشدُّ مِنْ هَذا»[1].

    فالله‌ تعالى ليس من شأنه أن يشدّد على الناس الأمور العباديّة، ولكننا قد أوجدنا في نفوسنا الشقاوة والظلمة بحيث إنّ الإله الكريم المطلق لا يقبل منّا هذه الصّلاة والأعمال العباديّة مدّة خمسين سنة، تعالوا نهتمّ بهذا الأمر ونحاسب أنفسنا على ما مضى من عمرنا ونسعى لما تبقى من العمر للسعي وبالاستمداد من لطف الله‌ وعناياته أن تكون أعمالنا مقبولة من الحقّ تعالى.


    1. الكافي، الطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 269.

  • ۳۶

    8ـ الصّلاة معيار الإيمان والتوحيد


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ أحد الأهداف المرسومة للصّلاة هو الوصول إلى مرتبة معرفة الله، وأساسا لو أنّ الإنسان أراد أن يقيس ميزان تدينه ومعرفته بالله‌ ويرى هل أنّه صار من جملة المؤمنين والموحّدين أم لا؟ فإنّه يمتحن نفسه من خلال الصّلاة ويرى مقدار حبّه وارتباطه القلبي بالصّلاة. هل أنّه يشعر عندما تنتهي الصّلاة بالراحة والفرح بأنّه انتهى من صلاته ليفرغ لسائر أعماله الأخرى أو أنّه يتحسّر على انتهاء الصّلاة وانتهاء مدّة اتّصاله مناجاته لله‌ تعالى، ولا يعلم هل أنّه سيُوفّق فيما بعد للصّلاة والوقوف بين يدي الله‌ تعالى أم لا؟ الصّلاة تعدّ أفضل وسيلة يستطيع من خلالها الإنسان أن يرى مراتب التوحيد في نفسه، تلك المراتب التي تحدّث عنها الأكابر والأولياء وهي: التوحيد الذاتي، التوحيد الصفاتي، التوحيد الأسمائي، التوحيد الأفعالي، فكلّ هذه المراتب من التوحيد يستطيع الإنسان من خلال معيار الصّلاة أن يكتشفها في نفسه.

    إنّ الغاية من الصّلاة هي أن ينقطع الإنسان عن جميع الأمور الأخرى ويرى

  • ۳۷

    الجمال المطلق للحقّ تعالى بعين الشهود، وللصّلاة أحكام ظاهريّة وبعض الأمور السطحيّة من قبيل: الوضوء، أركان، وشروط الصّلاة، وتعتبر المرتبة الأدنى من شروط الصّلاة التي يجب على الإنسان توفيرها وإيجادها.

    ولكن علماء الأخلاق الكبار وعرفائنا، صرّحوا بوجود موارد أخرى بعنوان الجهاد الأكبر وجهاد النفس وفي خصوص عبادة الباري تعالى فهو من الجهاد الأوسط، يعني بعد رعاية المراتب الظاهريّة للصّلاة، تصل النوبة إلى الجهاد المستمر للنفس وتهذيبها وإزالة غبار الشهوات والتلوّث بالنوازع والرغبات الدنيويّة والغفلة وأمثال ذلك، يعني أن يطهّر الإنسان نفسه ممّا سوى الله‌ تعالى، وهذا عمل مشكل جدّا جدّا، وربّما يكون محالاً لأمثالنا.

    ولكن الموجود فعلاً هو أنّ الجهاد الأكبر يعتبر مرتبة أعلى من جهاد النفس المستمر، وذلك بأن يترك الإنسان عقله وفهمه وعلمه جانبا أيضا ويتحلّى بالإيمان وبعشق الله‌ تعالى، فلا ينبغي أن تقول أنا اُصلّي لأنّني أعلم بأنّ الله‌ تعالى أمرني بالصّلاة، هذه المرحلة جيدة، ولكن ينبغي أن تقول أنا اُصلّي لأنّني أعشق المناجاة والارتباط القلبي مع الله‌ تعالى وأشعر بالإيمان الكامل بالله‌ تعالى، ولذلك اُريد أن اُعبر عن هذا العشق بواسطة الصّلاة، وهذا ما يعبّر عنه بغلبة الإيمان والعشق على العقل.

    وهكذا يقف الإنسان في هذه الحالة من الإيمان القلبي والتصديق الباطني في مقابل الله‌ تعالى، فالصّلاة تعدّ حاجة ضروريّة للإنسان العاشق لله‌ تعالى، لماذا وردت التوصية الأكيدة على أنّ الإنسان عندما يواجه مشكلة في حياته ولو كانت أعقد المشاكل فإنّه ينبغي أن يصلي ركعتين؟ لأنّ هذا الشخص وبهذه الركعتين سيحقق لنفسه ارتباطا وثيقا وعميقا مع الحقّ تعالى.

    وقد ورد في الروايات أنّ الإنسان عندما يقف للصّلاة بكامل اطمئنانه

  • ۳۸

    وحضور قلبه، فإنّ الله‌ تبارك وتعالى سينظر إليه ويقبل عليه، ويتكفّل جميع أموره:

    حَنِينُ قُلُوبِ العارِفِينَ إِلى الذِّكر وَتِذكارِهم وَقتَ المُناجَاةِ للِسِّتْرِ
    اُدِيرتْ كُؤوسٌ للِمنايا عَلَيهِم فَاُغفوا عَنِ الدُّنيا كإغفَاءِ ذِي السُّكر
    هُمُومُهُم جَوَّالةٌ بِمُعَسكِرٍ بِهِ أَهلُ وُدِّ الله‌ كالأَنْجُمِ الزُّهرِ
    فَأَجسَامُهُمْ فِي الأَرضِ قَتلى بِجُبَّةٍ وَأَرواحُهُمْ فِي الحُجبِ نَحوَ العُلى تَسرِي
    فَما عرّسُوا إِلاّ بِقُربِ حَبِيبِهِم وَما عَرَّجُوا عَنْ مَسِّ بُؤسٍ وَلا ضُرِ

    ولو أنّ الإنسان أقبل على الله‌ في حال الصّلاة وترك سائر الأمور خلف ظهره وكان يهدف من صلاته التقرّب إلى الله‌ وشهود جمال الحقّ تبارك وتعالى، فإنّ مثل هذه الصّلاة ستكون معراجا له إلى ساحة الحقّ تعالى.

    نسأل الله‌ تعالى أن يصفي قلوبنا بعبادته ويفتح لنا أبواب المعرفة بالصّلاة، وأن نشعر باللذة والبهجة الروحيّة من الصّلاة.

  • ۳۹

    9ـ الصّلاة سير وسلوك نحو الحقّ


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ إحدى النقاط الأساسيّة التي يجب على المصلّي الانتباه لها، هي أن يعلم أنّ الصّلاة سفر نحو الحقّ تبارك وتعالى، فالإنسان يرحل من هذا العالم ومن كائناته ومن الدنيا وما فيها وينفصل عن هذه الكثرات الظلمات ويتحرّك في صلاته نحو الحقّ تعالى، وفي نهاية الصّلاة يعود إلى هذا العالم مرّة ثانية وهو محمّل برأس مال عظيم من النورانيّة والإيمان والتوحيد والشهود، ويلتفت إلى عباد الصالحين ويسلّم عليهم بقوله: «السّلام علينا وعلى عباد الله‌ الصالحين»، وإذا أردنا أن نتحرى الدقّة والعمق أكثر في بيان معالم هذا السفر المعنوي فإنّ العرفاء والفلاسفة ذكروا أربعة أسفار للإنسان السالك وبيّنوا أنّ السالك يستطيع في صلاته أن يسافر هذه الأسفار الأربعة:

    السفر الأوّل: «السفر من الخَلق إلى الحقّ»، يعني أن يتحرّك الإنسان في سلوكه إلى الله‌ تعالى من ذاته وينفصل عن الدنيا وما فيها ويبدأ هذا السفر بالنيّة، أي أنّه يقصد التقرّب إلى الله‌ بهذه الصّلاة وامتثال أمره.

  • ۴۰

    السفر الثاني: «السفر من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ» وهو السفر في أسماء الله‌ وصفاته، وهناك ينقطع الإنسان بشكل كامل عن الخلق والكثرات ويتحرّك في سيره في وحدة معنويّة بشكل لا متناهي وهذا السير هو الذي يمنح السالك معرفة ببعض الأسماء والصفات الإلهيّة ويتعرّف على عظمة الله‌ وقدرته وكبريائه، وقدرته المطلقة، ويتطلع على علم الله‌ وحكمته، رحمانيّة الله‌ ورحيميّته، مالكيّة الله، ويسبّح ويقدّسه ويحمده ويثني عليه.

    السير في الحقّ هو الانشغال بأسماء الله‌ الحسنى وصفاته العالية عن غيره، بمعنى أنّ الإنسان عندما يصل إلى هذه المرحلة الثّانية يجب أن يتخلّص من جميع صفاته الدنيويّة وحالاته الذميمة والخصال السيّئة، وما ورد في الروايات من أنّ الإنسان إذا صلّى صلاته بجميع شروطها وآدابها فإنّه يطهر من جميع الذنوب، والسرّ في ذلك هو أنّ هذا الشخص الذي يراعي شروط الصّلاة يتطهّر من جميع ذنوبه وآثامه ويتخلّق بأخلاق الله‌ وأسمائه الحسنى، ولذلك يصبح هذا الشخص بعد كلّ صلاة مثل مَن ولد حديثا من اُمّه طاهرا من جميع الذنوب والخطايا، ولا ينبغي أن نتصوّر أنّ هذه المسألة مسألة اعتباريّة، فالله‌ تعالى يقول إنّ الشخص الذي يصلّي صلاته باخلاص فإنّي سوف أقوم بمحو ذنوبه وآثامه من صفحة أعماله، ورغم أنّ هذا المعنى بحسب الظاهر قابل للفهم والتبرير، ولكن الحقيقة هي أنّ حقيقة الصّلاة وهذا السلوك السامي الذي يتحقّق للإنسان في صلاته يؤدّي به أن يتخلّق بأسماء الله‌ وصفاته ويتخلّق بأخلاق الله‌ عزّ وجلّ.

    هنا يذكر الإمام الخميني قدس‌سره نقطة مهمّة، من جهة أنّ جميع العرفاء يعتقدون أنّ الوصول إلى الحقّ تبارك وتعالى يقع في نهاية السفر الأوّل، ولكن الإمام الراحل قدس‌سرهيرى في كتابه مصباح الهداية أنّ الوصول إلى هذه المرتبة نهاية السفر الثاني.

۱۰۴,۲۳۲ بازدید