pic
pic
  • ۴۰۱

    127ـ آداب التلاوة(3)


    بسم الله الرحمن الرحيم

    المانع الثاني والثالث لفهم القرآن: حجاب المعاصي وحبّ الدني

    قال رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «إِنّ للقُلُوبَ صَدَأ كَصَدَأ النُّحاسِ فَاجْلُوها بِالإِستِغْفَارِ وَتِلاوَةِ القُرآنِ»[1]

    يجب على المصلّي، بغض النظر عن الصّلاة، الالتفات إلى أهميّة قراءة القرآن، فالشخص الذي يعتقد بأهميّه قراءة القرآن وتلاوته، فإنّ صلاته ستكون صلاة أخرى، وتترتّب على قراءة القرآن آثار وبركات كثيرة جدّا، يقول النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «إِنّ للقُلُوبَ صَدَأ كَصَدَأ النُّحاسِ...»، أي كما أنّ النحاس والفلزات الأخرى تصدأ، فكذلك قلب يصدأ بما يتراكم عليه من الشوائب والنوازع النفسانيّة والأعمال السيئة فربّما لا يكتشف هذا القلب الطريق إلى الحقّ والهداية.

    «فَاجْلُوها بِالإِستِغْفَارِ وَتِلاوَةِ القُرآنِ»، فيوصي النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لتطهير القلب من هذا الصدأ والرين، بأمرين: أحدهما، الاستغفار، والثاني، تلاوة القرآن.

    وسبق أن قلنا إنّ تلاوة القرآن لها آداب، وأحدها أن يزيح قاريء القرآن


    1. بحار الأنوار، مطبعة بيروت، ج 74، ص 172.

  • ۴۰۲

    الحجب الموجودة بينه وبين آيات القرآن، ومنها حجاب الأنانيّة والعُجب، وحجاب العقائد الفاسدة والأفكار الباطلة، ومنها حجاب أن يتوقّف القارى‌ء للقرآن عن التفكير والتدبّر في آيات القرآن ويجمد عقله وحصره بالتفاسير السابقة.

    ومن الحجب الأخرى، حجاب المعاصي، فالشخص القارى‌ء القرآن يجب أن يبتعد عن معاصي الله‌ ويجتنب الذنوب، لأنّ أعمال الإنسان وسلوكياته، سواءً الجيدة أو السيّئة تترك أثرا في نفس الإنسان وباطنه، فقد ورد في الروايات أنّ الإنسان عندما يذنب فسوف يترك هذا الذنب نقطة سوداء في قلبه وإذا استمر في ارتكاب المعاصي والذنوب ولم يتب إلى الله، فإنّ تلوّث القلب يزداد حتّى يطغى التلوّث والرين على جميع القلب، والقرآن يصرّح بأنّ القلب الملوّث لا يدرك الحقيقة وليس قلبا سليما، بالتالي فإنّ هذا القلب لا يتأثر بالموعظة ولا يسلك طريق الحقّ والحقيقة.

    وقد يسأل بعض المتدينين: لماذا لا تؤثر الموعظة في بعض الأشخاص؟ أحيانا يدخل الإنسان إلى مقبرة ويرى قبور الموتى ويعلم أنّ عاقبته ونهاية حياته ستكون إلى هذا المكان ولكن هذا المشهد لا يؤثر فيه لماذا؟ ولماذا عندما يقرأ آيات القرآن التي تتحدّث عن الجنّة والنار لا تؤثر فيه شيئا؟ السبب في ذلك يعود إلى صدأ القلب والرين المتراكم على قلب هذا الإنسان بسبب الذنوب والخطأ.

    يجب على قارى‌ء القرآن أن يطهّر قلبه كلّ يوم ويجلوه بالاستغفار وتلاوة القرآن لكي يعود هذا القلب إلى صفائه ونقائه، ويتحرّك لفهم حقائق الآيات القرآنيّة بهذا القلب النقي، «لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ...»[1]، فالشخص الذي ران على قلبه


    1. سورة الأعراف، الآية 179.

  • ۴۰۳

    وتراكمت عليه الموانع والحجب وغطت على عينه غشاوة الأهواء والميول النفسانيّة فسوف لا ينتبه إلى الحقائق النورانيّة، يقول القرآن: إنّ حال هؤلاء حال الأنعام بل هم أشدّ وأضلّ، لأنّ الأنعام لا تملك هذه القوى التي يملكها الإنسان للفهم والتعّقل والإدراك ولكن هؤلاء يملكون هذه النعم والمواهب التي وهبها لله‌ تعالى للإنسان ولكنّهم ضيّعوها وأهملوا الاستفادة منها بشكل صحيح، إذن يجب على قارى‌ء القرآن أن يزيل عن قلبه حجاب المعصية ويزيحه عن بصيرته.

    وآخر حجاب، حجاب حبّ الدنيا، يقول الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه، إنّ حبّ الدنيا من الحجب الغليظة والستائر الضخيمة ومن الحجب التي لا يستطيع الإنسان بسهولة إزاحتها وإبعادها عنه، فالإنسان إذا أراد أن يفهم مضامين القرآن ويتدبّر في آياته يجب عليه إزاحة حبّ الدنيا عن قلبه: «أَفَلا يَتَدَّبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»[1]، وأحد هذه الأقفال المهمّة حبّ الدنيا.

    وجاء في روايات كثيرة أنّ قارى‌ء القرآن إذا قرأ القرآن للحاكم الجائر فسوف يكون من أهل النار، والأشخاص الذين يقرأون القرآن لكسب قلب الناس والفات نظرهم فهم من أهل النار، والأشخاص الذين يقرأون القرآن لتحصيل المال والثروة فهم من أهل النار، ولذلك يجب على الإنسان تطهير نفسه وقلبه من حبّ الدنيا وإزاحة هذا الحجاب عن بصيرته ولا يجعل القرآن سبيلاً وطريقا لتحصيل الدنيا، فلو أننا التفتنا إلى هذه الحجب وتحرّكنا لإزاحتها من واقعنا وقلوبنا فنرجو أن يفتح الله‌ تعالى بصيرتنا على حقائق القرآن إن شاء الله.


    1. سورة محمّد، الآية 24.

  • ۴۰۴

    128ـ آداب التلاوة(4)


    بسم الله الرحمن الرحيم

    التفكّر والتدبرّ في القرآن وتطبيقه على النفس

    تحدّثنا في بحث أسرار الصّلاة عن آداب قراءة القرآن، وذكرنا أنّ الإنسان المصلّي إذا اهتمّ بقراءة القرآن في غير الصّلاة كثيرا، واهتمّ بتلاوة القرآن في صلاته بتلك المرتبة، فسوف تترتّب على صلاته آثار عجيبة وبركات كثيرة، واستعرضنا بعض الروايات التي تؤكد أنّ تلاوة آية واحدة في غير الصّلاة لها من الأجر عشر حسنات،فلو قرأ الإنسان نفس هذه الآية في الصّلاة فإنّه سيحصل على مائة حسنة، وهذه الحسنات ليست فقط ثوابا في الآخرة بل لها آثار وضعية ومعنوية في هذا العالم الدنيوي أيضا.

    وأحد الآداب التي يجب على قارى‌ء القرآن الالتفات إليها، التفكّر والتدبّر في آيات القرآن، يقول تبارك وتعالى: «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ...»[1]، أو قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»[2]، فالتفكّر ل


    1. سورة محمّد، الآية 24.

    2. سورة النحل، الآية 44.

  • ۴۰۵

    يختصّ بفعل دون آخر، ولا يختصّ بالعلماء دون عامة الناس، فكلّ شخص بإمكانه أن يتفكّر ويتدبّر في آيات القرآن ولا سيما في الآيات التي تتحدّث عن قصص الأقوام السالفة مع أنبيائهم، فالتفكّر في هذه الآيات واستخلاص نقاط علميّة وتربويّة وأخلاقيّة وعرفانيّة ميسور للجميع، ولذلك يقول تعالى: «فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»[1]، وقد ورد في ذيل الآية الشريفة: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاَيَاتٍ لاُِولِي الْأَلْبَابِ»[2]، رواية في هذا الشأن يقول عليه‌السلام: «وَيلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَمْ يَتَفَكَّر فِيها»[3]، أي يجب عليه أن يفكّر فيما تشير إليه هذه الآية الشريفة من علائم الخلقة وفي الطبيعة وفي السماوات والأرض، فعندما يتفكّر الإنسان بهذه الآيات والعلامات في عالم الطبيعة فسوف يصل إلى حقائق جليّة ومعارف بهيّة، ويوجد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو أرباب العقول وأصحاب الفكر إلى التفكّر في عالم الخلقة ليلتفت الإنسان من خلال هذا الطريق إلى عظمة الباري تعالى وقدرته المطلقة وبذلك يتعمّق إيمانه ويترسخ في قلبه.

    ومن هذا المنطلق فإنّ أحد آداب قراءة القرآن، التفكّر في كلّ آية، وذلك ميسور للجميع: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»[4].

    وآخر أدب من آداب تلاوة القرآن، مسألة التطبيق والعمل بالتعاليم، يعني أنّ الإنسان عندما يقرأ كلّ آية فعليه أن يلاحظ نفسه هل أنّ هذه الآية تنطبيق عليه أم لا؟ وهكذا يقيس نفسه ويعرف موقعه من هذه الآية الشريفة، فعندما يمرّ بالآيات التي تتحدّث عن الجنّة أو النار، والآيات التي تتحدّث عن الإيمان وخصوصيّات المؤمنين، فيرى هل أنّ هذه الآيات تنطبق عليه، وهل أنّه من زمرة


    1. سورة الأعراف، الآية 176.

    2. سورة آل عمران، الآية 190.

    3. تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 350.

    4. سورة القمر، الآية 17.

  • ۴۰۶

    أهل الجنّة ومن المؤمنين أم لا؟ فإذا قرأ الآيات التي تتعلّق بالكفر والنفاق والشرك والضلالة، فيرى نفسه هل أنّ هذه الآيات، لا سمح الله، تنطبق عليه، وهل أنّه من زمرة الكفّار والمنافقين أم لا؟ إنّ مسألة التطبيق تعدّ إحدى المسائل المهمّة جدّا، والتي يجب على قارى‌ء القرآن الالتفات إليها والاهتمام بها.

    وجاء في ذيل الآية الشريفة: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ...»[1]، رواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال: «حَقَّ تِلاوَتِهِ هُوَ الوُقُوفُ عِنْدَ ذِكرِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ يَسأَلُ فِي الاُولى ويَستَعِيذُ مِنْ الأُخرى»[2].

    وكذلك ورد في الحديث الشريف عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال يوما لأبن مسعود، اقرأ عليَّ بعض آيات القرآن، قال ابن مسعود: «فَفَتَحْتُ سُورَةُ النِّساءِ»، وشرعت بتلاوتها: «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدا»[3]، قال ابن مسعود: «رَأَيْتُ عَينَاهُ تَذرِفَانِ مِنَ الدَّمعِ، فَقاَلَ: حَسبُكَ الآن»[4]، وكأنّ رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يرى نفسه حاضرا يوم المحشر، ويرى هذه المشاهد فعندها سالت الدموع من عينه الكريمتين، ونرى أنّ النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الذي جاء للبشريّة بهذا الكتاب السماوي ومع أنّ الله‌ تعالى قد وعده في هذا القرآن وعودا كثيرة في الآخرة، ولكن النبيّ بكى عندما سمع بهذه الآية وقال لابن مسعود: «حَسبُكَ الآن»، أي كفى، وعلى هذا الأساس فإنّ تطبيق آيات القرآن على النفس من جملة آداب التلاوة المهمّة ويجب الالتفات إليها.


    1. سورة البقرة، الآية 121.

    2. وسائل الشيعة، ج 6، ص 217.

    3. سورة النساء، الآية 41.

    4. بحار الأنوار، مطبعة بيروت، ج 16، ص 294.

  • ۴۰۷

    129ـ آداب التلاوة(5)


    بسم الله الرحمن الرحيم

    القلب الخاشع، البدن الفارغ، المكان الخالي

    جاء في كتاب «مصباح الشريعة» عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال: «مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ وَلَمْ يَخْضَعْ للهِ وَلَمْ يَرَقَّ قَلْبُهُ وَلا يَكْتَسي حُزنا وَوَجَلاً فِي سِرِّهِ فَقَدْ استَهَانَ بِعَظِيمِ شَأَنِ الله‌ تَعالى وَخَسِرَ خُسرَانا مُبِينا»، فلو أنّ قارى‌ء القرآن لم يجد أثرا وتفاوتا في نفسه بهذه القراءة ولم يستشعر الحزن والفرح في قلبه فإنّ هذا الشخص قد استهان بالله‌ تعالى وخسر خسارة عظيمة ولم يحصل على ثمرات وبركات هذه القراءة.

    «فَقَارِى‌ء القُرْآنِ يَحتَاجُ إِلى ثَلاثَةِ أَشيَاءَ قَلْبٌ خَاشِعٌ وبَدنٌ فارِغٌ وَمَوضِعٌ خَالٍ فَإِذا خَشَعَ للهِ قَلْبُهِ فَرَّ مِنْهُ الشَّيطَانُ الرَّجِيمُ»[1]، هذه الاستعاذة بالله‌ تعالى من شرّ وساوس الشيطان من أجل أنّ الله‌ تعالى يُبعد الشيطان من قلب الإنسان المؤمن الخاشع لله‌، فالقلب الذي يستشعر الخضوع والخشوع في مقابل الباري تعالى


    1. مصباح الشريعة، ص 28 عن بحار الأنوار، ج 82، ص 43.

  • ۴۰۸

    يكون مستعدا لنيل الأنوار الإلهيّة، بمعنى أنّ الشيطان هو المانع الأكبر لتجلّي نور الحقّ على قلب هذا الإنسان، فإذا خشع هذا القلب لله‌ خرج منه الشيطان هاربا.

    وجاء في الحديث الشريف عن رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال: «لَولا أَنَّ الشَّياطِينَ يحُومُونَ عَلى قَلُوبِ بَنِي آدمَ لَنَظَرُوا إِلى المَلَكُوتِ»[1]، فالمانع من نظر الإنسان إلى عالم الملكوت هو ابتلاء القلب بوساوس الشياطين وتورطه في شداتها، فالشياطين تجول وتطوف دائما حول قلب الإنسان وتمنع الأنوار الإلهيّة الاشراق على هذا القلب، فلو خضع هذا القلب وخشع لله‌ فإنّ الشيطان سيتركه ويبتعد عنه.

    الثاني: البدن الفارغ، فيجب يكون البدن فارغا من المشاغل الدنيويّة التي تلهي الإنسان عن الاهتمام بالأمور الروحانيّة.

    الثالث: وموضع خالٍ، الإنسان يحتاج إلى مكان خلوة يبتعد فيه عن الضوضاء وعالم الكثرة والمجالس الصاخبة وأصحاب الدنيا المشغولين باللعب واللهو، فينبغي أن يبتعد عن هذه الأمور حتّى تأنس روحه بالله‌ تبارك وتعالى، فقارى‌ء القرآن يحتاج بشدّة إلى الاُنس والخلوة لله‌ تعالى عند تلاوته للقرآن حتّى يذوق حلاوة الخطاب الإلهي ويرى رعاية الله‌ ويستشعر بها في قلبه ويدرك عناية الحقّ بها في أعماق وجوده، وعلى حدّ تعبير بعض الأكابر، إذا وجد قارى‌ء القرآن مثل هذه الحالة في نفسه وقلبه فإنّه لا يكون مستعدا أبدا أن يترك هذه الحالة والانشغال بعمل آخر، وعندما نشعر بالتعب والملل من قراءة القرآن فهذا يعني أننا لم نوفّر الشروط المقررة لتلاوة القرآن، وتكون تلاوتنا مجرّد تلاوة باللسان فقط دون أن يشترك قلبنا في فهم معاني القرآن ودون أن يستشعر القلب حالة الحضور والخشوع، وإلاّ فإنّ القلب الخاشع لا يملّ أبدا من تلاوة القرآن.


    1. محجّة البيضاء، ج 2، ص 241.

  • ۴۰۹

    130ـ تفاوت القرآن مع سائر الكتب


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يتابع الإمام الصادق عليه‌السلام قوله في الرواية السابقة: «فَانظُرْ كَيفَ تَقرَأ كِتَابَ رَبِّكَ وَمَنشُورَ وَلايَتِك»، لا ينبغي أن تكون تلاوة القرآن مثل قراءة سائر الكتب الأخرى، ففي سائر الكتب لا يدرك الشخص عظمة وقدرة المؤلف وصاحب الكتاب، خلافا للقرآن الكريم الذي نعلم أنّه كلام الله‌ تعالى وقد أرسله الباري تعالى إلى الناس لإرشادهم وهدايتهم إلى طريق الحقّ والصواب، فالقرآن هو منشور ولاية الحّق تبارك وتعالى، والإنسان المؤمن لا يجد لتحقيق لسعادته أي كتاب ومنشور آخر غير كتاب الله‌ تبارك وتعالى، وهو المنشور والكتاب الذي يحقّق السعادة الواقعيّة والحقيقيّة للإنسان، فنحن بتلاوة القرآن نطالع ونقرأ المنشور الواقعي للسعادة والهداية ونتدبّر في آياته.

    «وَكَيْفَ تُجِيبُ أَوَامِرَهُ وتَجتَنِبُ نَواهِيهِ»، فيجب على قارى‌ء القرآن أن يقف أمام الآيات التي تتضمّن الأوامر والنواهي الإلهيّة ويتدبّر فيها وما عمل على تطبيقه في حياته من هذه الأوامر والأحكام، وما مقدار ما امتثله من هذه النواهي.

  • ۴۱۰

    «وَكَيفَ تَتَمَثَّلُ حُدُودَهُ»، أي كيف تعمل على رعاية الحدود الإلهيّة.

    ««فَإِنَّهُ كِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَمِيدٍ فَرَتَّلَهُ تَرتِيلاً»[1] وَقِفْ عِنْدَ وَعدِهِ وَوَعِيدِهِ».

    إنّ وعود القرآن لا تختصّ بالجنّة وعالم الآخرة، بل ثمّة وعود مهمّة في هذا العالم أيضا: «وَعَدَ الله‌ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ...»[2]، وعندما نقرأ هذه الآية يجب أن نرى هل أننا نملك اللياقة لنكون من زمرة مصاديق هذا الوعد الإلهي أم لا؟ وهكذا بالنسبة للآيات التي تتحدّث عن العذاب الإلهي فلابدّ أن نفكّر في أنفسنا لئلا يكون هذا الخطاب متوجّها لنا ونحن نستحق العذاب والعقاب الإلهي يوم القيامة.

    «وَفَكِّرْ فِي أَمثَالِهِ وَمَواعِظِهِ وَاحذَرْ أَنْ تَقَعَ مِنْ إِقَامَتِكَ حُرُوفَهُ فِي إِضَاعَةِ حُدُودِهِ»[3]، يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: عندما تصل في تلاوة الآيات الكريمة إلى الأمثال والمواعظ والحِكم فعليك أن تفكّر فيها وتتمعّن فيها، فعندما يحكي لنا القرآن هذه القصص ليس من أجل الاستمتاع وبيان معلومات تاريخيّة فحسب بل لكي نكسب الدرس والعبرة من هذا، فالإنسان ما لم يفكّر في سيرة الأولين وما جرى على الأقوام السالفة ولا يفكّر بالسبب الذي ابتليت هذه الأقوام بالعذاب الإلهي، وما هو العامل الذي دفع بهؤلاء الناس رغم وجود تحذيرات الآنبياء أن يتوغلوا في خطّ الضلالة والمعصية، فإنّه لا يستطيع أن يكسب العبرة من حياتهم وسيرتهم، وفي ذيل هذه الرواية يقول الإمام: «وَاحذَرْ أَنْ تَقَعَ مِنْ إِقَامَتِكَ حُرُوفَهُ فِي إِضَاعَةِ حُدُودِهِ»، واحذر أنّك تضيّع لا سمح الله‌ حقائق القرآن وحدوده.


    1. سورة فصلت، الآية 42.

    2. سورة النور، الآية 55.

    3. مصباح الشريعة، ص 69؛ التنبيهات العليّة، ص 122.

۹۹,۳۳۷ بازدید