pic
pic
  • ۴۳۱

    تملك القدرة على ذلك، ومن هذه الجهة يقول العرب عن الشخص المتحيّر، «أَلِهَ الرُّجل»، فكلمة الله‌ تعني أيضا تلك الذات التي تحيّرت فيها عقول البشر عن فهم حقيقته وأنّه تعالى محجوب عن جميع الأفكار والأوهام والأذهان.

  • ۴۳۲

    139ـ مضافا إلى الصّلاة؛ كلّ عبادة تنقسم بين الله‌ وعبده


    بسم الله الرحمن الرحيم

    بالنسبة للحديث القدسي المتقدّم الذي يقسّم الصّلاة وسورة الحمد بين الله‌ وعبده، ربّما يثار هذا السؤال، هل أنّ ما ورد في هذا الحديث الشريف يختصّ بسورة الحمد أم يشمل الأفكار والأفعال والأمور الأخرى في الصّلاة وأنّها تقسّم أيضا بين الله‌ وعبده؟ لأنّه من جهة نرى في بداية هذا الحديث أنّ الله‌ تعالى يقول: «قَسَّمْتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبَينَ عَبدِي»، ومن جهة أخرى وعندما يصل إلى شرح هذه المسألة يطرح فقط التقسيم في سورة الحمد، ويقول إنّ الآيات الاُولى من هذه الصورة تتعلّق بالله‌ من «بِسْمِ الله‌ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، و«الحَمد لله‌»؟

    وهل أنّ ما ورد في هذا الحديث فيما يتّصل بسورة الحمد ذكر على سبيل المثال، أو أنّه يختصّ بسورة فاتحة الكتاب؟ وهنا قد يطرح هذا السؤال المهم أيضا، أساسا هل أنّ هذا التقسيم بين الله‌ وعبده خاص بالصّلاة؟ يعني لو قلنا في شرح سورة الحمد أنّ الله‌ تعالى أراد أن يبيّن لنا مثالاً ونموذجا في عملية القسمة

  • ۴۳۳

    هذه، ولكن الصّلاة تتعلّق بالعبد من جهة، وتتعلّق بالله‌ من جهة أخرى، فهل يمكن أن يسري هذا الكلام وهذا التقسيم بالنسبة لجميع العبادات أم لا؟ هل يمكن القول إنّ كلّ عبادة ذات وجهين، وجه مرتبط بالله‌ تعالى، والوجه الآخر مرتبط بالإنسان؟

    وقد أشار الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه إلى هذه النقطة الدقيقة وقال[1]: في نظرنا رغم أنّ هذه الرواية تقرّر أنّ الله‌ تعالى قسّم سورة الحمد إلى قسمين، ولكن هذا التقسيم يتعلّق بجميع أجزاء الصّلاة ويشمل الأذكار وحالات الصّلاة من التكبيرات الافتتاحيّة إلى قول المصلّي السلام عليكم.

    ويتبيّن من كلام الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه وحشره الله‌ مع أجداده الطاهرين، إنّ العبد عندما يقول «الله‌ أكبر» ويؤدّي وظيفة العبوديّة بشكلها الصحيح ويعتقد أنّ جميع حالات الكبرياء والمجد والعظمة منحصرة لله‌ تعالى، فإذا اعتقد في باطنه وقلبه واقعا وحقيقة أنّ الله‌ أكبر وكان هذا النور يشرق في قلبه فإنّ الله‌ تعالى سيفتح أمامه باب المراودة والمكاشفة والإنابة، كما ورد في الحديث الشريف في كتاب «مصباح الشريعة» الإشارة إلى هذا المعنى، فعندما تكبّر تقول لقلبك: اُنظر والتفت جيدا هل تجد حلاوة هذه الصّلاة وحالة البهجة والسرور في قلبك أم لا؟ فلو أنّك بقولك «الله‌ أكبر» تشعر بالأنوار الإلهيّة تشرق على قلبك وأبواب السرور والبهجة تنفتح عليك وتحسّ بحلاوة في باطنك بين ذاتك وبين الله‌ تعالى، فيتبيّن أنّ هذه الكلمه «الله‌ أكبر» هي الله‌ أكبر واقعية وحقيقيّة، أمّا لو قلت تكبيرة الإحرام ولم تشعر بمثل هذه الحلاوة في باطنك فاعلم أنّ هذا التكبير لم يصدر منك من موقع الصدق والإخلاص وأنّك في قولك هذا غير صادق، فلو كان الإنسان صادقا في قوله فسيجد لذة الحلاوة في باطنه وقلبه.


    1. اُنظر: آداب الصّلاة، ص 219.

  • ۴۳۴

    وعلى هذا الأساس فكلمة «الله‌ أكبر» ترتبط من جهة بالله‌ تعالى وتبيّن كبرياء الله‌ وعظمته من قبل العبد، وأمّا من الجهة الأخرى المتعلّقة بالعبد فإنّ الإنسان يستشعر اللطف الإلهي الخفي والرحمة الإلهيّة الجليّة ويذوق حلاوة المناجاة وعبادة الله.

    ولو أردنا شرح وبسط كلام الإمام الراحل رحمه‌الله هذا فلا مانع من القول إنّ هذا الكلام يسري إلى جميع العبادات، ولكن قد يطرح هذا السؤال: ما هي الخصوصيّة في الصّلاة بحيث إنّ الله‌ تعالى في هذا الحديث القدسي الشريف ذكرها؟ الجواب: إنّ الصّلاة هي المظهر الأعلى والأتم للعبادة والمصداق البارز والجليل لهذا التقسيم، ففي كلّ عبادة هناك وجه متعلّق بالله‌ تعالى، ووجه آخر متعلّق بالعبد، ولكن هذا التقسيم في العبادات الأخرى ليس متجلّيا كما في الصّلاة، فكلّ شخص وإن لم يكن له حظّ من العلم والمعرفة يستطيع فهم هذين القسمين وأنّ أحدهما متعلّق بالله‌ والقسم الآخر متعلّق بالإنسان.

    يجب علينا الالتفات إلى هذا المعنى في جميع عباداتنا ولا نتصوّر أنّ عباداتنا جميعا متعلّقة بالله‌ تعالى، وأنّها بمثابة الثقل الذي يحمله الإنسان على ظهر ويسلّمه إلى مولاه، فالعبادة لها جهة متعلّقة بالله‌ تبارك وتعالى وجهة أخرى متعلّقة بالإنسان نفسه، ومن ذلك آثار العبادة وحلاوتها في قلب الإنسان العابد إن شاء لله.

  • ۴۳۵

    140ـ الاستعاذة، آدابها وأركانه


    بسم الله الرحمن الرحيم

    «فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله‌ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»[1]

    وأحد الآداب المهمّة للقراءة «الاستعاذة» والمقصود من الاستعاذة أن يقول المصلّي بعد التكبيرة الإحرام وقبل أن يبتديء بقراءة السورة: «أَعُوذُ بِالله‌ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ»، وقد أفتى فقهاؤنا العظام باستحباب الاستعاذة قبل قراءة السورة، وصرّحوا أيضا بأنّ الاستعاذة يجب أن تكون على نحو الاخفات وبدون الجهر، ولكن ما هي الاستعاذة وما هي آدابها وأركانها، وهل أنّ الاستعاذة مجرّد ذكر كلام يجري على لسان المصلّي وأنّ الإنسان بمجرّد قول هذه العبارة سيكون في حصن حصين من الله‌ تبارك وتعالى، أو أنّ الاستعاذة كلام يجب أن يحكي عن استعاذة القلب والروح وباطن الإنسان وبذلك تكون الاستعاذة الحقيقيّة هي الاستعاذة القلبيّة؟

    النقطة المهمّة جدّا هنا، هي أولاً: يجب الالتفات إلى الله‌ أنّ تبارك وتعالى


    1. سورة النحل، الآية 98.

  • ۴۳۶

    عندما أمر نبيّه الكريم: «وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ...»[1]، فهذا الله‌ الرحيم والرحمن يتحدّث مع نبيّه الكريم ويأمره بالتعامل مع المشركين بمثل هذا اللطف، فهل يعقل أن يستجير به المسلم ولا يقبل الله‌ تعالى إجارته واستعاذته، وما هي آثار وعلامات الاستعاذة بالله‌ تعالى في حياة الإنسان؟ وندرك نقاط مهمّة جدّا مع بعض الدقّة في حقيقة الاستعاذة.

    أولاً: ورد في الآية الشريفة 98 ـ 100 من سورة النحل أنّ الله‌ تعالى أمر نبيّه الكريم: «فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله‌ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، يعني أنّك عندما تقرأ القرآن بقصد القربة إلى الله‌ فاعلم أنّ الشيطان يهدف إلى إبعادك وإبعاد امّتك عنّي، وذهب بعض الفقهاء العظام أنّ الأمر بالاستعاذة في هذه الآية الشريفة واجب، لأنّهم ذهبوا في علم الأصول إلى ظهور صيغة الأمر بالوجوب، فالاستعاذة قبل قراءة القرآن واجبة.

    ويقول الباري تعالى في سياق الآية: «إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ».

    وبما أنّ قسما مهمّا من الصّلاة يتضمّن قراءة القرآن فلذلك يجب الاستعاذة من الشيطان بعنوانها من آداب القراءة في الصّلاة، كما أنّ القرآن أحد مصاديق الصراط المستقيم والمبين له، فإنّ الصّلاة كذلك من المصاديق البارزة للصراط المستقيم، ونقرأ في سورة الأعراف أنّ الشيطان بعد أن طرد من الجنّة قال مخاطبا الباري تعالى: «فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ»[2]، والصّلاة هي أحد المصاديق المهمّة للصراط المستقيم ويجب على المؤمنين الالتفات إلى أنّ الشيطان عندما يرى بأنّ هذا المؤمن مشغول بصلاته فإنّه يستجمع جميع قواه


    1. سورة التوبة، الآية 6.

    2. سورة الأعراف، الآية 16.

  • ۴۳۷

    وحيله ووساوسه لكي يمنع هذا المصلّي من الاستفادة من صلاته، والآن إذا أردنا في هذا السير والمسير إلى الله‌ أن نستفيد فائدة وافية من صلاتنا فيجب علينا طرد وإبعاد الشيطان من دائرة نفوسنا وقلوبنا لكي نسلك في هذا المعراج المعنوي والطريق إلى الله‌ تعالى بأفضل وجه إن شاء الله.

  • ۴۳۸

    141ـ الاستعاذة، غلق طريق نفوذ الشيطان


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إذا أراد المصلّي أن يحصل على بعض حقائق سورة الحمد ونال التوفيق لهذا السفر الروحاني والسير إلى الله‌ الذي جعله الله‌ تعالى لعباده في كلّ يوم، يجب عليه في الخطوة الاُولى التصدي لمانع هذا الطريق وهو الشيطان ويزيحه عن طريقه، الشيطان إذا تسلط على قلب الإنسان، فحتّى لو كان هذا الشخص قد صلّى ألف عام وختم القرآن ألف ختمة فلا أثر ولا فائدة من ذلك، فالقرآن وتلاوته والتمسّك به إنّما تكون نافعة للإنسان وتنوّر قلبه وتنير طريق وتأخذ بيده من عالم الملك والماديّة والحيوانيّة وتعرج به إلى مقام القرب إلى الله‌ وتخرجه من ظلمات والجهل والشرك إلى أجواء النور والإيمان فيما لو لم يكن الشيطان مسلطا على الإنسان، وعندها سيؤثر القرآن أثره في شفاء قلبه ونفسه من الشوائب والرذائل والميول الدنيويّة، فقد ورد في بعض الروايات التي تتحدّث عن الاستعاذة نقاط جميلة ورائعة، منها ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه‌السلام أنّه قال: «إِنّ قَولَهُ أَعُوذُ بِالله‌ أَي أَمتَنِعُ بِالله‌»[1]، وهذا يعني أننا نمنع الشيطان


    1. وسائل الشيعة، ج 6، ص 197، باب استحباب الاستعاذة عند التلاوة.

  • ۴۳۹

    من التصرف في قلوبنا ولا نسمح له في النفوذ إليها، «فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله‌ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»[1]، وطبعا فالإستعاذة هنا لا تعني أنّ المصلّي يقول هذه العبارة فقط قبل قراءة القرآن، بل يبتديء أوّلاً بالاستعاذة قبل القراءة ويستمر عليها إلى آخرها.

    «وَمَنْ تَأَدَّبَ بِأَدَبِ الله‌ أَدَّاهُ إِلى الفَلاحِ الدَّائِمِ»، ما أروع هذا التعبير في هذه الرواية، فكلّ شخص يريد أن يقرأ القرآن وتجري آياته على لسانه يجب أن يتأدّب بالآداب الإلهيّة، والأدب الإلهي يعني أن يبتديء الإنسان بطرد الشيطان من طريقه واخراجه من أجواء مملكته بحيث لا يكون له سلطان على هذا الشخص، وإلاّ فمع وجود سلطة الشيطان على نفسه فإنّه عندما يقول أعوذ بالله‌ من الشيطان، يكون كاذبا، فالإنسان إنّما يكون مستجيرا بالله‌ فيما لو لم يسمح للشيطان أن يتسلط على قلبه، وهذا بدوره يحتاج إلى رعاية الله‌ وطلب المدد والمعونة منه تعالى، وكما أنّ الشيطان قد طرد من الجنّة، فالإنسان أيضا وبمعونة الله‌ تعالى يجب أن يطرد الشيطان من قلبه أيضا: «وَمَنْ تَأَدَّبَ بِأَدَبِ الله‌ أَدَّاهُ إِلى الفَلاحِ الدَّائِمِ».

    وينقل أميرالمؤمنين عليه‌السلام عن رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال: «إِنْ أَرَدتَ أَنْ لا يُصِبَكَ شَرُّهُم وَلا يَبدَأَكَ مَكْرُوهُهُم فَقُلْ إِذا أَصبَحتَ: أَعُوذُ بِللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ فَإِنّ الله‌ يُعِيذُكَ مِنْ شَرِّهِم»[2]، فلو أراد الإنسان أن يبعد شياطين الجن والإنس عن نفسه وعن طريقه ولا يصيبه شرّهم وضررهم فعليه بالاستعاذة، والنقطة المهمّة هنا أنّ الاستعاذة ليست فقط الاستعاذة باللسان والكلام، بل يجب على الإنسان أن يجمع جميع قواه النفسانيّة، وعلى حدّ تعبير البعض في كتبهم: الأقاليم السبعة الأرضيّة، والأقاليم السبعة في وجوده «العين، الاُذن، اللسان، البطن، الفرج، اليد،


    1. سورة النحل، الآية 98.

    2. وسائل الشيعة، ج 6، ص 142.

  • ۴۴۰

    والقدم» ويعيذها جميعا بالله‌ من الشيطان الرجيم ويبعد الشيطان من هذه الحقول والأقاليم ويطهّر نفسه وفكره وجميع قواه من شوائب المعاصي ولوث الذنوب ولا يسمح للشيطان بالعودة يتسلط على قواه النفسيّة والبدنيّة، ومثل هذا الشخص عندما يقول: «أَعُوذُ بِالله‌ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» فإنّ هذه الاستعاذة ستؤثر أثرها ويجعله الله‌ تعالى في حصنه الحصين ويعيذه من الشيطان الرجيم.

۹۹,۰۸۸ بازدید