pic
pic
  • ۴۴۱

    142ـ الاستعاذة طريق النجاة من الوسوسة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يروي أميرالمؤمنين عليه‌السلام عن رسول الله‌ صلوات الله‌ وسلامه عليه أنّه قال: «أَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الأنصَارِ فَقَالَ: يا رَسُولُ الله‌ إِلَيكَ أَشكُو مَا أَلقَى مِنَ الوَسوَسةِ فِي صَلاتِي حَتّى لا أَعْقَلُ مَا صَلَّيتُ مِنْ زِيادَةٍ أَو نُقيصَان».

    قال رسول الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «إِذَا قُمْتَ فِي الصَّلاةِ فَاطعَنْ فِي فَخذِكَ اليُسرى بِإصبِعِكَ اليُمنَى المُسَبِّحة ثُمَّ قُلْ بِسمِ الله‌ وَبِالله‌ تَوَكَّلتُ عَلَى الله‌ أَعُوذُ بِالله‌ السَّمِيعُ العَلِيمُ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرجُزُهُ وَيطرُدُهُ»[1]، مع الأسف فإنّ بعض المؤمنين والمصلّين يبتلون بالوسوسة، وهذه الوسوسة هي أساس عمل الشيطان، «الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ»[2]، ومن أجل أن نبعد هذه الوسوسة عنّا في الصّلاة يجب علينا الاستعاذة بالله‌ من الشيطان ومن وساوسه.

    سبق أن أشرنا أنّ الاستعاذة لا تعني الاستعاذة اللفظيّة، فثمّة أشخاص


    1. دعائم الإسلام، ج 1، ص 190.

    2. سورة الناس، الآية 5.

  • ۴۴۲

    يستعيذون بالله‌ من الشيطان مدّة خمسين سنة بلسانهم، ولكن إذا رأيت باطنهم فسوف لاترى سوى حبّ المال وسلطة الشيطان، فالشيطان قد تسلط على جوارحهم وقواهم وأعضائهم الظاهريّة وقواهم الباطنيّة وحتّى تسلط على قواهم الفكريّة وعقائدهم الدينيّة، ومن المعلوم أنّ حقيقة الاستعاذة مسألة أبعد وأعمق من الاستعاذة اللسانيّة واللفظيّة، فيجب على الإنسان أن يحقّق حقيقة الاستعاذة في أعماق وجوده والمستعيذ يجب أن يجعل جميع هويته الوجوديّة وحقيقته الإنسانيّة في جميع المراتب في حصن الله‌ تعالى ويلجأ إليه بجميع قواه ووجوده وليس فقط يستعيذ بالله‌ بلسانه.

    وعندما يقول القرآن الكريم: «وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِي»[1]، فهذا يعني أنّ أحد تكاليف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من قِبل الله‌ تعالى أن يستعيذ بالله‌ من الشيطان الرجيم، ويوحي لنا هذا النص بأنّ الشياطين حاضرة في وجود الإنسان وتعمل على منعه من الحركة والسير والسلوك إلى الله‌ تعالى ولذلك ينبغي الاستعاذة بالله‌ منها.

    يجب على الإنسان أن يستعيذ بالله‌ بجميع وجوده ويرى ما هو مقدار سلطة أهوائه النفسانيّة عليه وعلى إرادته وتصرفاته؟ ولو أنّ الإنسان وجد نفسه في حالة معيّنة أو عمل بين أن يقف بين الدنيا والآخرة واختار الدنيا، فليعلم بأنّه قد سلّط الشيطان على نفسه وإرادته، فلو أنّه مع ذلك قال في اليوم مليون مرّة: «أَعُوذُ بِالله‌ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فلا أثر لمثل هذه الاستعاذة.

    ولو أنّ الإنسان ابتلى بالأهواء النفسانيّة وتورط في شباك النوازع الدنيويّة وسلّم نفسه إلى هذه الميول والأهواء من حبّ السلطة والشهوة وحبّ المال والثروة وسعى في حياته إلى مماته في طلب المال والمنصب والجاه، فليعلم أنّ


    1. سورة المؤمنون، الآية 97 و 98.

  • ۴۴۳

    الحاكم على نفسه والمسيطر على قواه وإرادته هو الشيطان، وكلّما قال «أَعُوذُ بِالله‌ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» فلا أثر له، لأنّ مثل هذه الاستعاذة إنّما تكون مؤثرة عندمايطهر الإنسان باطنه وقلبه من وساوس الشيطان ومن شراكه ومكره ويعمل على تنقية روحه وفكره وجميع قواه من لوث الشياطين حتّى تشترك معه جميع هذه القوى في قوله «أَعُوذُ بِالله‌ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».

  • ۴۴۴

    143ـ الاستعاذة: اللجوء إلى الله‌ من الذنوب والانحرفات الفكريّه‌والعقديّة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ أحد العوامل التي تؤدّي إلى عدم استجابة الدعاء للإنسان، أو عدم تأثير الأذكار والأوراد التي يقولها المؤمن، بسبب أنّ هذه الأذكار والأوراد صدرت من لسانه الذي يتصرّف به الشيطان، ويحكم على ذهن صاحبه وقلبه، وعندما يقول الباري تعالى للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله‌ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»[1]، فهذا يعني أنّ الشيطان لو كان حاضرا عند قراءة القرآن أيضا فهذا القرآن لا يؤثر أثره في النفس البشريّة، إذن يجب أن نحقّق الاستعاذة في كلّ مملكة وجودنا، لا فقط عندما نواجه الذنب أو التلوّث بالمعصية الظاهريّة فنستجير بالله‌ من الشيطان، بل إنّ التلوّث الذي يهدد الإنسان أعمق من ذلك، فالكثير من الأشخاص ربّما لا يصدر منهم ذنب ولا معصية من قبيل السرقة الغيبة والخيانة في الأموال ولا تصدر منهم كلمات نابية وبذيئة ولكنّهم مع ذلك وقعو


    1. سورة النحل، الآية 98.

  • ۴۴۵

    أسرى الشيطان وتسلط الشيطان على عقولهم وعقائدهم وأفكارهم وصدهم عن السلوك الصحيح والصراط المستقيم وقادهم نحو هاوية العقائد الباطلة والأفكار المنحرفة.

    ومن هذا المنطلق يجب أن تستوعب الاستعاذة جميع أبعاد الإنسان الوجوديّة وتخلّصه من سلطة الشيطان وتنقذه من فخاخه وشراكه، والإستعاذة لها آداب خاصّة، وأحد هذه الآداب المهمّة هو الإخلاص، ونقرأ في الآية الشريفة: «قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ»[1]، فهنا نرى أنّ الشيطان يقسم بعزّة الله، وهذا القسم مهمٌّ جدّا، ويقول: إنني سوف أغوي جميع عبادك إلاّ فئة واحدة لا استطيع أن أتسلط عليه وهم المخلصون، والمخلَص بصيغة اسم المفعول تختلف عن المخلِص بصيغة اسم الفاعل، والمرتبة الاُولى أعلى كثيرا من الثانية، وعلامة ذلك يظهر في عمل هذا الشخص المخلَص وفي سلوكياته.

    إذا جعل الإنسان جميع هويته وأبعاده الوجوديّة وقواه النفسانيّة بيد الله‌ تبارك وتعالى، ولو صدرت حركة من يده وقدمه، أو نظر بعينه، أو سمع كلاما باُذنه فإنّه يجعل من كلّ ذلك لله‌ تعالى ولا يسمح لهذه الأعضاء والجوارح أن تخون الأمانة الإلهيّة الكبيرة عنده، ولا يجعلها تتصرّف في غير طاعة الله، ولو أنّ أفكاره وعقائده أو عمل يعمل يعمله كانت لنيّته لله‌ تعالى، فيفكّر لله‌ ويجعل قلبه حرم الله، وبشكل عام يكون الله‌ تعالى حاكما على جميع وجوده وكيانه وتكون جميع أفكاره وأعماله لله‌ تعالى، فإنّه عند ذلك يدخل في زمرة المخلَصين، ونتيجة هذا الإخلاص أن تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه وتجري على لسانه: «مَنْ أَخلصَ للهِ أَربَعِينَ صَباحا جَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسانِهِ»[2]، يعني عندما يتحدّث


    1. سورة ص، الآية 82 و 83.

    2. مصباح الشريعة، ص 355.

  • ۴۴۶

    فكأنّما ينبع الحكمة من قلبه وتظهر في كلامه وعلى لسانه ويتحدّث بمسائل عميقة جدّا ومعنوية ونورانيّة من شأنها أن تنوّر الآخرين وتصلح المجتمع، ومع وجود هذه الحالة من الإخلاص فإنّ الشيطان لا يستطيع النفوذ إلى قلب هذا الشخص، والاستعاذة هنا من أجل إيصال الإنسان إلى هذه المرحلة.

    إذن فأحد آداب الاستعاذة الخلوص والإخلاص، وكلّما ازداد وتعمّق إخلاص الفرد فإنّ استعاذته بالله‌ تبارك وتعالى ستكون أكثر وأشدّ، نسأل الله‌ تعالى أن يرزقنا جميعا مثل هذا الإخلاص إنّ شاء الله.

  • ۴۴۷

    144ـ الاستعاذة، الورود في حصن الله‌ والأمن من عذابه


    بسم الله الرحمن الرحيم

    فيما يتعلّق بالاستعاذة يجب الالتفات إلى هذه النقطة، وهي أنّ الشخص الذي يستجير بالحقّ تبارك وتعالى فإنّ الله‌ تعالى يقول: «كَلِمَةُ لا إِلَهَ إِلاّ الله‌ حِصنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصنِي أَمِنَ مِنْ عَذاِبي»، والنقطة الدقيقة والمهمّة جدّا هنا والتي أشار إليها الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه[1]، هي: إنّ الإنسان إذا دخل في حصن الله‌ تعالى، فليس فقط يكون في مأمن من عذاب جهنّم الظاهري، بل يكون محفوظا ومصونا من جميع مصاديق العذاب الإلهي، وإلى هذا المعنى أشار الإمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام في دعاء: «فَهَبنِي صَبَرْتُ عَلَى عَدَابِكَ فَكيفَ أَصْبِرُ عَلَى فِراقِك»، فالصبر على عذاب الله‌ ربّما يكون قابلاً للتحمّل لدى أولياء الله، ولكن الصبر على فراقه وأن يكون حجاب بين الإنسان وربّه، وهذا الحجاب يحجب الإنسان عن الحقّ ورؤية جمال الحقّ ويحجب قلب الإنسان عن رؤية نور الحقّ ويعيقه عن الوصال بالمحبوب، فهو أمر غير قابل للتحمّل عند أولياء الله، ومن


    1. اُنظر: آداب الصّلاة، ص 223.

  • ۴۴۸

    هذه الجهة يقول أميرالمؤمنين عليه‌السلام: إنّ هذا الأمر أعلى وأشدّ أنواع العذاب، فالإنسان المؤمن المحبّ لله‌ لا يتحمّل مثل هذا العذاب، ولو أنّه استطاع أن يتحمّل العذاب الظاهري فإنّه لا يستطيع الصبر على هذا العذاب المعنوي، والآن إذا دخلنا بواسطة الاستعاذة الحقيقيّة في حصن الله‌ تعالى: «فَمَنْ دَخَلَ حِصنِي أَمِنَ مِنْ عَذاِبي»، وسيكون محفوظا من أي حجاب وابتعاد عن محبوبه الواقعي وهو الله‌ تعالى.

    ويتحدّث الإمام الخميني رحمه‌الله عن هذا المعنى بعبارة لطيفة ويقول: الشخص الذي يصل إلى هذا المقام، أي يكون في مأمن من هذا العذاب، فهو عبد الله‌ الحقيقي، وهذا المقام يعدّ من أعزّ مقامات أولياء الله‌ وأخصّ مدارج أصفياء الله، ومثل هذا المقام متعلّق بالأصالة بوجود حضرت النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله خاتم الأنبياء، وفي المرتبة التالية للأئمّة الطاهرين صلوات عليهم أجمعين، وليس من المعلوم أنّ أحد غير هؤلاء يستطيع الوصول إلى هذه المرتبة ويكون في مأمن من عذاب هذه المرتبة، وعلى هذا الأساس فالاستعاذة تمهّد الطريق للإنسان للوصول إلى مثل هذا المقام والمرتبة بحيث يكون مصونا ومحفوظا من جميع مراتب العذاب، ومن هنا يجب علينا السعي أكثر بحيث إذا لم نتمكّن من الوصول إلى تلك المقامات والدرجات العالية، فعلى الأقل أن نوفّق للوصول إلى المراتب الأخرى إن شاء الله‌ تعالى.

  • ۴۴۹

    145ـ القيام، إعلان الاستعداد للدفاع عن الحقّ والتصدي للشياطين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    كمقدّمة يجب أن يكون معلوما أنّ الصّلاة، وهي معراج المؤمن وأهم وسيلة للقرب من الله‌ تبارك وتعالى، لها ثلاث حالات مهمّة: القيام، الركوع، السجود، وكلّ واحدة من هذه الحالات الثلاث في مسار الحقّ نحو الله‌ تعالى، تعتبر منزلة من منازل الفيض والسلوك ومقدّمة للمنزل الآخر، فإذا لم تراع آداب كلّ منزل منها لا تصل النوبة للورود إلى المنزل الآخر، فلو أردنا معرفة أسرار وحقائق الركوع وتجسيدها في وجودنا فلابدّ أن نحقّق في أنفسنا حقائق القيام قبل ذلك.

    يقول علماء العرفان: إنّ هذه الحالات الثلاث في الصّلاة يعني: القيام، والركوع، والسجود، إشارة إلى المراتب الثلاثة للتوحيد، ويجب على المصلّي عند الدخول إلى أي واحدة من هذه المنازل الثلاثة للتوحيد أن يحقّق في ذاته وباطنه مرتبة من مراتب التوحيد.

    والآن ما هو سرّ القيام بحيث يجب أداء قسم من الصّلاة في حال القيام؟

  • ۴۵۰

    ويجب أيضا قراءة القرآن في حال القيام فقط دون الركوع والسجود فلا يلزم قراءة القرآن فيهما، ذهب علماؤنا في تأويل ذلك إلى أنّ القيام هو إعلان الاستعداد للنهوض والقيام في سبيل الله، أي إعلان الاستعداد لإقامة حكم الله‌ وإحياء كلمة الله‌ على الصعيد الفردي والاجتماعي، وأساسا فالأشخاص الذين يتحرّكون في حياتهم بهدف إحياء دين الله‌ فإنّهم أشخاص يعيشون حال القيام دائما، والشخص الذي يجاهد في سبيل الله‌ فهو في الحقيقة قائم لله‌، فهذا الشخص هو القائم الحقيقي وإن كان جالسا بحسب الظاهر، والمجاهد الذي لا يستطيع القيام، ولكنّه يجاهد في سبيل الله‌ فهو في الحقيقة قائم واقعا، فالقيام في الصّلاة يحكي عن هذه الحقيقة ويكشف عن أننا في صلاتنا نقف بكل وجودنا في مقابل الباري تعالى ونتحرك في سبيله ونتجه بجميع وجودنا نحو الفناء في الله‌ والتضحية في سبيل الله، ومن هنا نرى من المناسب الإشارة إلى هذه الآية الشريفة: «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله‌ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا...»[1]، فالأشخاص الذين سلكوا في خط الإيمان والتوحيد والاستقامة فسوف تتنزل عليهم ملائكة الله‌ وتبشّرهم بالجنّة والنعيم الأبدي وتقول لهم: أن لا تخافوا ولا تحزنوا، فالأشخاص الذين ثبتوا واستقاموا في قيامهم هذا فإنّ بإمكانهم فهم هذه البشارة الإلهيّة، بل على حدّ تعبير بعض الأكابر، قد يشاهد هؤلاء المجاهدون والقائمون في سبيل الله‌ الملائكة نفسها، فالشخص الذي يعيش الاستعداد الدائم للقيام والحركة في خط التوحيد والإيمان فسوف يحظى بمثل هذا الامتياز.

    ومعنى القيام، إنّ الإنسان يحقّق في نفسه الاستعداد الدائم للحركة من أجل اعتلاء كلمة الحقّ، ولا ينبغي أن نتصوّر أنّ القيام في الصّلاة هي الوقوف لحظات


    1. سورة فصلت، الآية 30.

۱۰۶,۴۲۷ بازدید