pic
pic
  • ۴۵۱

    معدودة فقط وقراءة سورة فاتحة الكتاب وسورة التوحيد، كلاّ، فالقيام يعني الإعلان عن وقوفنا ضد قوى الباطل والشرّ والدفاع عن دين الله‌ دائما، والإعلان عن التصدي لشيطان النفس ومحاربة شيطان الجنّ والإنس وجميع أشكال الفساد والتلوّث والانحراف، فنحن قائمون من أجل محاربة أعداء الداخل والخارج.

    وعلى هذا الأساس، فالقيام فيالصّلاه‌له مثل هذه الحالة والمكانة ويعدّ مقدّمة ليكون الإنسان قائما بالقسط والعدل في مجتمعه كما تقول الآية الشريفة: «شَهِدَ الله‌ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِما بِالْقِسْطِ...»[1]، وهذا القيام بالقسط يرتبط بالله‌ تبارك وتعالى وكذلك يرتبط بالملائكة وأولي العلم أيضا، والمصلّي بقيامه أمام الله‌ تعالى يريد أن يحقّق في نفسه هذه المرتبة العالية جدّا والمختصّة باُولوالعلم والملائكة الإلهيين.

    يقول أميرالمؤمنين صلوات الله‌ وسلامه عليه في وصف أولياء الله: «وَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا»[2]، ماذا يعني قيام القرآن؟ وعندما نقول إنّ القرآن قائم بأولياء الله‌ فهذا يعني أنّ الظهور العملي للقرآن في قلوب الناس وأذهانهم وأعضاء الإنسان وجوارحه يتحقّق بهذه الحالة، أمّا قيامهم بالقرآن فيعني العلم والعمل بالقرآن وأنّهم يعلّمون الناس تعاليم القرآن وما يبعدهم عن النار ويقرّبهم للجنّة ويعلّمونهم كيفيّة سلوك الطريق إلى الحقّ واجتناب الباطل.

    وعلى هذا الأساس يجب الالتفات إلى جميع هذه الجهات، فالشخص الذي يقف للصّلاة يجب عليه أن يعلم بأنّه يريد القيام لله‌ دائما، وأن يكون قائما بالقسط وأن يصل إلى هذه المرتبة العالية بحيث يكون القرآن قائما به وهو قائم بالقرآن،


    1. سورة آل عمران، الآية 18.

    2. «بِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ وَبِهِ عَلِمُوا، وَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا»، نهج البلاغة، صبحي الصالح، الكلمة 552.

  • ۴۵۲

    وعندما يلتفت المصلّي إلى هذه الحقيقة كأن الوقوف بالصّلاة يتضمّن هذه المعاني العميقة، وعلى حدّ تعبير الأكابر، فإنّه لا يفكّر بعدها بأمور ظاهريّة وتشريفيّة وأنّ الله‌ أمره فقط بالقيام في الصّلاة وقراءة الفاتحة وسورة أخرى وأنّ هذا القيام مجرّد أمر تعبدي ولا توجد حقيقة رواء هذا العمل الظاهري.

    فمن هذه الجهة وبسبب ما لموضوع القيام من أهميّة فإنّه ورد أنّ الأشخاص السالمين الذين يستطيعون القيام ولكنّهم أدوا صلاتهم من جلوس فإنّ صلاتهم باطلة بحسب ما ورد في الروايات الشريفة «وَمَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ فِي الصَّلاةِ فَلاَ صَلاةَ لَهُ»[1].


    1. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 320.

  • ۴۵۳

    الفصل السابع: آداب الركوع وأسراره


  • ۴۵۴
  • ۴۵۵

    146ـ آداب الركوع وأسراره


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ثمّة مسأئل عدّة في ركن الركوع:

    1. التكبيرة قبل الركوع.

    2. حالة الركوع.

    3. الذكر والتسبيح في الركوع.

    4. لماذا لا يستطيع الإنسان في حال الركوع أن يذهب إلى السجود مباشرة، بل يجب عليه أن يقف متنصبا بعد الركوع ثمّ يذهب إلى السجود، وإلاّ فصلاته باطلة.

    يجب البحث في هذه المسائل الأربع في بحث الركوع إلى حدّ تتّضح لنا هذه المسائل بالمقدار الممكن.

    بالنسبة للتكبير قبل الركوع، فيطرح هذا البحث: هل أنّ هذا التكبير يتعلّق بحال القيام أو يتعلّق بحال الركوع؟ يعني أنّ المصلّي عندما ينتهي من قراءة الحمد والسورة يكبّر، وهذا التكبير يعود إلى سورة الحمد وما فيها من صفات الله‌ وعظمته، فيقول المصلّي الله‌ أكبر من هذه الصفات ونحن لا نستطيع وصف الباري تعالى كما هو حقّه وعاجزون عن فهمه عظمه الباري تعالى.

  • ۴۵۶

    الاحتمال الثاني: أن يكون هذا التكبير غير متعلّق بالقراءة، بل هو من متعلقّات الورود إلى الركوع والاستعداد له، ويرى الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه في كتابه «آداب الصّلاة»[1]، اختيار هذه النظرية، ويقول: الظاهر أنّ هذا التكبير من متعلّقات الركوع وإعلان المصلّي استعداده للورود إلى منزل الركوع، فمنزل الركوع أهم بكثير من منزل القيام، فبذلك يجب قبل الورود إلى هذا المنزل، التكبير، فالتكبير هنا هو أدب الورود إلى هذا المنزل وأنّ الإنسان يقرّ من جهة بعظمة الباري تعالى وكبريائه ويلتفت إلى مقام الربوبيّة، والمالكيّة، والخالقيّة لله‌ تعالى، ومن جهة أخرى يرى ضعفه وذلّته ومهانته ومع إلتفاته إلى هذه الحالة يقول: «الله‌ أكبر» أي أنّ الله‌ تعالى منزّه عن كلّ وصف، ويعترف بأنّ الله‌ تعالى غير قابل للتوصيف، ثمّ يدخل في حال الركوع.

    ويؤيد قول الإمام الخميني رحمه‌الله ما ورد في الرواية التي ذكرها الشيخ الكليني في كتابه «الكافي» في باب الركوع: «إِذا أَرَدْتَ أَنْ تَرْكَعَ فَقُلْ وَأَنتَ مُنْتَصِبٌ الله‌ أَكبرُ»[2]، ويتبيّن من ذلك أنّ هذا الذكر وهذا التكبير يتعلّق بالورود إلى الركوع.


    1. آداب الصّلاة، ص 348.

    2. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 319.

  • ۴۵۷

    147ـ آثار الركوع، التزين بنور البهاء، الاستظلال تحت مظلّة كبرياء الله‌ ارتداء لباس الخاصّيين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    بالنسبة للركوع فقد وردت رواية رائعة جدّا في كتاب «مصباح الشريعة»[1] عن الإمام الصادق عليه‌السلام، وتشير هذه الرواية إلى آثار وآداب وأسرار الركوع، يقول الإمام عليه‌السلام: «لا يَركَعُ عَبْدٌ للهِ رُكُوعا عَلَى الحَقِيقَةِ إِلاّ زَيَّنَهُ الله‌ تَعالى بِنُورِ بَهائِهِ وَأظلَّهُ فِي ظِلالِ كِبريَائِهِ وَكَسَاهُ كِسوَةَ أَصفِيائِهِ»، فهنا يقرر الإمام عليه‌السلام أنّ الله‌ تعالى يمنح هذا الراكع ثلاثة أنوار ويزيّنه بثلاث خصوصيّات، أحدها أنّه يزيّنه بنور بهائه، وهذه هي أحد آمال المؤمنين ودعائهم الباري تبارك وتعالى في الأسحار وبخاصّة أسحار شهر رمضان: «اللّهُمَّ إِنّي أَسأَلُكَ مِنْ بَهائِكَ بِأَبهَاه وَكُلُّ بَهائِكَ بَهيّ»، فهذا البهاء هو النور الساطع من الذات الإلهيّة المقدّسة، فلو أنّ المصلّي أتى بالركوع الحقيقي فإنّ الله‌ تبارك وتعالى يزيّنه بنور جماله وبهائه، وثمّة نقاط وحقائق كثيرة جدّا في معنى نور البهاء، وعلى سبيل الإجمال نقول: إنّ هذا النور


    1. مصباح الشريعة، ص 61.

  • ۴۵۸

    الصادر من الذات الإلهيّة المقدّسة ينور وجود الإنسان ويمنحه القيمة والاعتبار، ومن هذه الجهة فإنّ أحد المقامات العالية جدّا التي يطلبها العرفاء والأكابر من الله‌ تعالى هو مقام نور البهاء.

    والشخص الذي يصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى مقام الأسماء على حدّ تعبيرهم، ومقام الأسماء هو ما ورد في الآية الشريفة: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا...»[1]، وهذا يعني أنّ الشخص المزيّن بالنور الإلهي يحصل على مثل هذا المقام، والنور الإلهي ليس كمثل الأنوار الظاهريّة التي يصل شعاعها إلى ظاهر الإنسان فقط، كلاّ، النور الإلهي من شأنه اخراج الإنسان من ظلمات الجهل والذلّ والحقارة ويوفّقه للوصول إلى فهم ودرك مقام الأسماء الإلهيّة، يقول علماء الكلام: إنّ جميع الصفات الإلهيّة الثبوتيّة لها عنوان الجمال، ومن بين هذه الصفات الثبوتيّة والتي تشترك جميعها بعنوان الجمال، فإنّ بعضها يختصّ بعنوان البهاء، فمرتبة البهاء هي مرتبة أعظم وأعمق من مرتبة الجمال الإلهي.

    وعلى هذا الأساس فأوّل ثمرة للركوع الحقيقي هي أنّ الله‌ تعالى يزيّن هذا الراكع بنور البهاء.

    الثمرة الثانية، يقول: «وَأظلَّهُ فِي ظِلالِ كِبريَائِهِ»، أي جعله تحت مظلّة الكبرياء الإلهي، يقول أهل المعرفة، إنّ هذا الظلّ للكبرياء الإلهي هو ظلّ الأسماء الإلهيّة القهريّة، وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرتبة واستقرّ في هذا المقام فهذا يعني أنّه نسي أنانيّته ونفسه وهو مقام الفناء، أي فناء عقله عن ذاته، وعندما يستقرّ الإنسان في ظلّ الكبرياء الإلهي فإنّه سوف لا يرى أي كبير لموجود غير الله‌ تعالى حتّى لنفسه، ويرى كلّ عظمة وكبرياء لله‌ تعالى، وكلّ مدح وثناء وعظمة، وكلّ جلال وجبروت، وكلّ شيء إنّما هو من متعلّقات الباري تبارك وتعالى.


    1. سورة البقرة، الآية 13.

  • ۴۵۹

    148ـ الركوع أدب، والسجود قرب إلى الله‌ تعالى


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «فِي الرُّكُوعِ أَدبٌ وَفِي السُّجودِ قُربٌ»

    مع ما تقدّم من آثار وثمارات كبيرة ومهمّة للركوع، فهل من الانصاف أن يستعجل بعض الأشخاص في أدائه، بحيث إنّهم قبل الاستقرار في حال الركوع ينهضون منه؟ أي الركوع يأتي به هذا المصلّي بهذا العجلة؟! بديهي أنّ هؤلاء الأشخاص لا يشعرون بلذّة من ركوعهم، ويتبيّن أنّ هؤلاء الأشخاص يشعرون بالتكلّف والثقل من صلاتهم وركوعهم في حين أنّهم لو علموا ما في الركوع من أسرار وبركات فسوف لا يملّون من الركوع.

    ويحكى عن الربيع بن خثيم وهو أحد الزهاد الثمانية الكبار، أنّه كان يبقى مستيقظا من أوّل الليل إلى طلوع الفجر ويقضي هذه المدّة كلّها في حال الركوع، لأنّه يجد لذّة خاصّة في ركوعه، فلماذا نقصّر في ركوعنا، لماذا نشعر بالتعب والملل من ركوع قصير بمقدار دقيقة واحدة لا بل عشر أو عشرين ثانية، وماذا شاهد أولئك الأولياء بحيث إنّ ركوعهم يستغرق ليلة كاملة إلى طلوع الفجر ولا

  • ۴۶۰

    يشعرون بالتعب؟ وعندما يصبح الصباح يرفعون رؤوسهم ويقولون بأسف شديد: «آه سَبَقَ المُخلِصُونَ وَقُطِعَ بِنا»[1]، أي أننا متخلّفون عن الركب ولم نحصل على شيء، إذن يجب علينا أن نهتمّ بركوعنا، يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: الإنسان الذي يأتي بالركوع بشكل حقيقي فإنّ الله‌ تعالى في المرتبة الاُولى يزيّنه بنور بهائه وجماله، فثمّة نورانيّة خاصّة تستغرق جميع وجوده ويهيمن عليه جمال عجيب، ليس الجمال الظاهري بل جمال الوجود الزاخر بالعلم والحياة والفهم والإدراك وكلّ شيء، وفي المرتبة الثانية يجعله الله‌ تعالى في ظلّه عزّته وكبريائه.

    الأثر الثالث: «وَكَسَاهُ كِسوَةَ أَصفِيائِهِ»، يعني أنّ الله‌ تعالى يجعله واحدا من أصفيائه وأوليائه، وأصفياء الله‌ هم الأشخاص الذين دخلوا دائرة عناية الباري تعالى ووضعوا يديهم بيد الله، فكانت يدهم يد الله‌ وعينهم عين الله‌ واُذنهم اُذن الله‌ وجميع وجودهم هو وجود الإلهي، وبذلك صار وجودهم رشحة من رشحات الباري تبارك وتعالى.

    ويتابع الإمام الصادق عليه‌السلام قوله: «وَالرُّكُوعُ أَوَّلٌ والسُّجُودٌ ثَانٍ فَمَنْ أَتَى بِمَعْنَى الأَوَّلِ صَلَحَ للثَّانِي وَفِي الرُّكُوعِ أَدَبٌ وَفِي السُّجُودِ قُربِ، وَمَنْ لا يُحْسِنُ الأَدَبَ لا يَصْلُحُ لِلقُرْبِ»، فالشخص الذي لا يراعي آداب الركوع فسوف يفقد الصلاحية للقرب من الله‌ تعالى، فإذا أراد الإنسان التقرب إلى عالم جليل القدر فيجب عليه مراعاة الأدب في الوهلة الاُولى، والشخص الذي لا يراعي الأدب في محضر هذا العالم بشكل جميل لا يملك اللياقة للحضور بين يديه، وهكذا الحال في الصّلاة، فيجب في المرتبة الاُولى رعاية أدب العبادة والعبوديّة والخضوع والخشوع، فالركوع في مقابل الحقّ تبارك وتعالى يعني الخشوع والخضوع، وبعد مرحلة القيام يصل الإنسان إلى هذا المنزل، وهو مرتبة الركوع ويجب عليه أن يخضع


    1. مصباح الشريعة، ص 62.

۹۹,۰۶۸ بازدید