pic
pic
  • ۴۶۱

    للباري تعالى ليحظى باللياقة والقابلية على التقرب من الذات المقدّسة، نسأل الله‌ تبارك وتعالى أن يلهمنا أسرار الصّلاة ويعمق حقيقة الصّلاة في قلوبنا وأعماق وجودنا إن شاء الله.

  • ۴۶۲

    149ـ الركوع، إظهار العجز والخضوع في مقابل الله


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام في سياق هذه الرواية المذكورة: «فَارْكَعْ رُكُوعَ خاضِعٍ لله‌ عَزَّ وَجَلَّ بِقَلبِهِ»، ويقول الشهيد الثاني في كتابه «التبيهات العليّة»[1]: عندما تصل إلى الركوع فاستشعر قلبك من جهة عظمة الله‌ تعالى، ومن جهة أخرى ضعفك وحقارة وذلّتك وتفاهة كلّ ما سوى الله‌ وغير الله، فلو أنّ قلب الإنسان لم يخضع في الركوع فإنّ هذا الركوع ليس بركوع حقيقي وصحيح.

    ويتابع الإمام الصادق عليه‌السلام قوله: «مُتَذَلِّلٍ وَجِلٍ تَحْتَ سُلطانِهِ خَافِضِ لله‌ بِجَوارِجِهِ خَفْضَ خَائِفٍ حَزِينٍ عَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنْ فَوائِدِ الرَّاكِعِينَ»[2]، فهذا الشخص الراكع يستشعر الخوف والقلق في ركوعه لئلا تفوته فوائد وبركات الركوع ويعيش حالة القلق لئلا يخسر أفضل لحظة في حياته لكسب المقامات المعنوية والتزيّن بنور بهاء الله، ويخشى أنّه يركع ببدنه ويرفع رأسه من الركوع ولكن لا يحظى بهذه المواهب الإلهيّة.


    1. التنبيهات العليّة، ص 123.

    2. مصباح الشريعة، ص 61.

  • ۴۶۳

    والركوع إنّما يكون مؤثرا فيما لو كان قلب المصلّي مؤمنا ومصدقا بعظمة الباري تعالى وعزّته وعلوّه، ويعلم أنّ الله‌ تعالى أعظم من كلّ عظيم، وأساسا فإنّ العظمة له خاصّة، ففي هذه الصورة سوف ينفتح لسانه تلقائيا بذكر الحقّ تعالى ويقول: «سُبحَانَ رَبِّي العَظِيمِ بِحَمدِهِ»، وهذا التسبيح وهذا البيان لعظمة الله‌ تعالى إنّما يتحقّق واقعا فيما لو استشعر قلب الإنسان هذه العظمة الإلهيّة وأدرك أنّ هذه العظمة تستوعب جميع وجوده، فلو أنّ عظمة الله‌ تعالى استوعبت جميع وجود الإنسان فسوف يستشعر الخوف والهيبة ويخشى أن لا يحظى بشيء من هذه المائدة الإلهيّة ومن بساط السلطة والكبرياء الإلهي أو يطرد من فناء هذا البلاط والديوان.

    وطبعا فالمصلّي يعيش إلى جانب هذا الخوف، الرجاء والأمل والاطمئنان بفضل الله‌ ورحمته وعنايته، ويقول: إنني أركع في صلاتي بتوفيق الله‌ تعالى ولا يمكن أن يدعوني الله‌ الرحيم إليه ثمّ لا يستجيب دعائي ولا يسمع مناجاتي، ولا يمكن أن يحرمني الله‌ تعالى من وعده وثوابه، وكذا يستشعر المصلّي بالأمل والرجاء بأنّ الله‌ تعالى سيزيّنه بنور بهائه، وبعد أن يحصل المصلّي على مثل هذه الحالة في الركوع ويذكر تسبيحة الركوع، يرفع رأسه من الركوع بهذا الأمل ويقول باطمئنان تام: «سَمِعَ الله‌ لِمَنْ حَمِدَهُ»، والشخص الذي يستطيع قول هذه الجملة باطمئنان كامل هو من كان ركوعه ركوعا صحيحا واقعا، وبذلك يجيبه الله‌ تعالى فيقول: «سَمِعَ الله، أَي أَجَابَ الله‌ لِمَنْ حَمِدَهُ وَشَكَرَهُ».

  • ۴۶۴

    150ـ كـيفيـّة الـركـوع: حالة الذلة والخضوع، عدم التسرع والعجلة الوقار والسكينة في القيام


    بسم الله الرحمن الرحيم

    تقدّم الكلام لحدّ الآن أنّ الإنسان المصلّي إذا التفت في ركوعه إلى المقامات والبركات التي سيحصل عليها من هذا الركوع، فإنّه لا يسارع أبدا في إنهاء ركوعه، والاستعجال في رفع رأسه من الركوع.

    يقول المرحوم السيّد بن طاووس في كتابه «فلاح السائل» في ذيل باب أدب الركوع والسجود: «يَنبَغِي أَن يَركَعَ بِذُلٍ وَاستِكَانَةٍ وَخُضُوعٍ»، ولكن نوع البشر لا يلتفتون إلى هذه الحقيقة، وهي لماذا يركعون؟ ولماذا يظهرون الخضوع والخشوع الكبير في حال الركوع، الإنسان الذي يرى ويشاهد عظمة الباري تعالى وقدرته المطلقة من جهة، ومن جهة أخرى يشاهد ضعفه وذلّته، فإنّه بلا شك سيطأطى‌ء برأسه تعظيما للذات المقدّسة ويجد نفسه يقول تلقائيا في حال ركوعه:

    «اللّهُمَّ لَكَ خَشَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ وَعَلَيكَ تَوَكَّلْتُ وَأَنْتَ رَبِّي، خَشَعَ

  • ۴۶۵

    لَكَ سَمْعِي وَبَصرِي وَشَعرِي وَ عَصَبِي وَمُخِّي وَعَظِامِي»، فجميع وجودي وقواي خشعت لك ولجلالك وجبروتك، وهذه هي حالة الاستكانة والذلة، والشخص الذي يعلم أنّه يقف في مقابل الخالق العظيم والمالك الحقيقي لكلّ شيء في عالم الوجود فإنّه سيجد هذه الحالة من الخضوع والخشوع أمامه.

    ولو لم يستشعر بهذه الحالة في الركوع، فعندما يقول: «سُبحَانَ رَبِّي العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ»، فإنّه لا يستطيع أن يعتقد بأنّه هو المتكلّم بهذا الكلام، لأنّه لو لم يكن قلبه خاضعا وخاشعا، فلو قال ألف مرّة هذا الذكر وهذا التسبيح في ركوعه فلا ينفعه بشيء.

    وأحد الآداب الأخرى في الركوع ما ذكره المرحوم السيّد بن طاووس في هذا المجال: «أَنْ لا يَستَعْجِلَ بِرَفْعِ رَأسِهِ قَبْلَ استِيفاءِ أقْسامِ ذُلِّ العُبُودِيَّةِ لِمَولاهُ»، وأين ركوعنا وحالتنا في الركوع من هذا الكلام؟ نحن لا نستشعر في ركوعنا أيّة حالة من الذلّة، الحقارة، الضعف، العجز، الجهل، والمسكنة والعدميّة، ولذلك نسارع في رفع رأسنا من الركوع.

    ومن آداب الركوع أن لا يستعجل الإنسان في ركوعه ولذلك يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «كَانَ عَليّا عليه‌السلام يَرْكَعُ فَيسِيلُ عَرَقُهُ حَتَّى يَطأَ فِي عَرَقِهِ مِنْ طُولِ قِيامِهِ»، وهذا الكلام ليس كلاما اسطوريا، بل هو حقيقة نجدها في عبادة الأولياء والأئمّة والأنبياء، وللأسف نحن محرومون منها.

    ومن الآداب الأخرى للركوع: «إِذا رِفَعَ رَأسَهُ فَلْيَكُنْ رَفْعَ رَأسِهِ لِوقَارٍ وَسَكِينةٍ فَإِنَّ مَولاهُ يَراهُ»، لماذا لا ينبغي العجلة في رفع الرأس من الركوع؟ لأنّ الله‌ تعالى يراه، ثمّ يقف ليقول: «سَمِعَ الله‌ لِمَنْ حَمِدَهُ»، وعلى هذا فإنّ أحد النقاط المهمّة التي يجب على المصلّين الأعزاء الالتفات إليها والتأمل فيها، هي الحالة التي هم عليها أثناء الركوع، وما هي حالتهم عندما يرفعون رؤوسهم من الركوع؟ فلو كانو

  • ۴۶۶

    يعيشون هذه الحالة المذكورة في الروايات ووردت على لسان الأكابر من علمائنا فحين ذاك يمكنهم تذوق لذّة الصّلاة وسيذيقهم الباري تعالى حلاوة العبادة والصّلاة في أعماق وجودهم، فهذا الانحناء للركوع ثمّ القيام ورفع الرأس من شأنه أن يمنح الروح الذروة في التحليق والعروج في المراتب المعنويّة والسمو في عالم الملكوت بحيث لا يرغب المصلّي أن ينقطع عن هذا الحال لحظة واحدة.

    جعلنا الله‌ تعالى من أهل الركوع الحقيقي.

  • ۴۶۷

    151ـ آثار طول الركوع وذكره


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ الحالات الموجودة في الصّلاة من (القيام، الركوع، السجود، الجلوس)، هي تكاليف موجودة في أصل الصّلاة وقد أمر الله‌ تبارك وتعالى بها، فقد ورد في رواية معراج النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «أَمَرَنِي جِبرئِيلُ أَنْ قَرأَ القُرآنَ قَائِما، وَأَنْ أَحْمَدَهُ رَاكِعا وَأَنْ اُسَبِّحَهُ سَاجِدَا»[1].

    ونرى من المناسب الإشارة إلى هذه المسألة، وهي أنّ علماء العرفان قالوا إنّ الله‌ تبارك وتعالى خلق الإنسان كونا ووجودا جامعا، يعني أنّ جميع الحالات الموجودة في سائر الكائنات التي تعبد الله‌ تبارك وتعالى أوجدها في الإنسان.

    فثمّة طائفة من الملائكة يعبدون الله‌ تبارك وتعالى في حال القيام دائما، وطائفة أخرى يعبدون الله‌ في حال الركوع، وطائفة ثالثة في حال السجود، ولكن الله‌ تعالى وعلى أساس عنايته بالإنسان، قد جمع له هذه الحالات الثلاث في صلاته، القيام، الركوع والسجود، ليستطيع الإنسان في عبادته أن يأتي بهذه


    1. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 90، ص 313، باب آداب الدعاء وذكر؛ مستدرك الوسائل، ج 4، ص 427.

  • ۴۶۸

    الحالات الثلاث ويعبد الله‌ قائما وركعا وساجدا، وأحد النقاط التي يجب الالتفات إليها طول الركوع والسجود.

    وينقل الشيخ الكليني رحمه‌الله في كتابه «الكافي» رواية يقول فيها الإمام عليه‌السلام: «عَلَيْكُم بِطُولِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنّ أَحَدَكُم إِذا أَطَالَ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ هَتَفَ إِبليسُ مِنْ خَلفِهِ وَقَالَ يَا وَيلَهُ أَطاعَ وَعَصيَتُ وَسَجَدَ وَأَبَيتُ»[1].

    وجاء في رواية أخرى عن إسحاق بن عمّار عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «سَمِعْتُ أَبا عَبْدِللهِ عليه‌السلام يَعِظُ أَهلَهُ وَنِسَاءَهُ وَهُوَ يَقُولُ لَهُنَّ: لا تَقُلنَ فِي رُكُوعِكُنَّ وَسُجُودِكُنَّ أَقلَّ مِنْ ثَلاثَ تَسبِيحات، فَإِنَّكُنَّ إِنْ فَعَلتُنِّ لَمْ يَكُنْ أَحسَنَ عَمَلاً مِنْكُنَّ»[2]، وهكذا ينبغي علينا أن نتقيد بمقدار معيّن في صلاتنا، فلماذا نختصر الركوع والسجود في الصّلاة؟ ونرى بعضهم يكتفي بمقدار أقل من الذكر ويرفع رأسه في حين أنّ طول الركوع من شأنه أن يوصل الإنسان إلى مقامات معنويّة عالية ويحلق به في مراتب القرب الإلهي.

    وأحد الأذكار المستحبة في الركوع والسجود، يقول الإمام الباقر عليه‌السلام: «مَنْ قَالَ فَي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهَ وَقِيامِهِ صلّى الله‌ على مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدًٍ كَتَبَ الله‌ لَهُ ذَلِكَ بِمِثلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالقِيَامِ»[3]، أي أنّ الثواب والآثار المترتبة على الركوع والسجود والقيام ستكتب له عندما يقول اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد.

    يجب علينا الاهتمام علينا بالركوع، وعندما يوصي القرآن الكريم بالصّلاة، فتارة يذكر الصّلاة بهذه الكلمة «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»، وتارة أخرى يذكر الصّلاة بكلمة


    1. الكافي، مطبعة دار الكتب الإسلاميّة، ج 2، ص 77 باب الورع.

    2. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 82، ص 120.

    3. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 324.

  • ۴۶۹

    الركوع والسجود: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا...»[1]، أو «وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ»[2]، وهذا يبيّن لنا أهميّة الركوع والسجود في الصّلاة والعبادة.

    نرجو من الله‌ تعالى أن يوفّقنا جميعا للاستفادة من أسرار الركوع وحقيقته.


    1. سورة الحج، الآية 77.

    2. سورة البقرة، الآية 43.

  • ۴۷۰

    152ـ معنى الركوع في كلام أميرالمؤمنين عليه‌السلام


    بسم الله الرحمن الرحيم

    بالنسبة للركوع، فقد ورد عن أميرالمؤمنين عليه‌السلام أنّ رجلاً سأله: «مَا مَعنَى الرُّكُوعِ»؟، ويتبيّن من جواب الإمام عليه‌السلام أنّ مقصود هذا الشخص ليس المعنى اللغوي للركوع بل هو في صدد فهم حقيقة وأسرار الركوع، فأجابه الإمام عليه‌السلام فقال: «مَعنَاهُ آمَنْتُ بِكَ وَلَوْ ضَرَبتَ عُنُقِي»، يعني أنّ الركوع يبرز إيمان هذا الشخص بالله‌ تبارك وتعالى، وبهذا الشكل والخصوصيّة يريد الإنسان الإعلان عن هذه الحقيقة وهي: إلهي! إذا أراد أعداؤك قتلي وضرب عنقي لأتخلّى عنك وأكفر بك وأترك الإيمان بك، فإنني سوف لا أفعل ذلك حتّى لو ضربوا عنقي.

    ويتابع الإمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام ويقول: «وَمَعنَى قَولِهِ سُبحَانَ رَبِّي العَظِيمِ بِحَمْدِهِ، فَسُبحَان الله‌ أَنَفَةٌ لله‌ عَزَّ وَجَلَّ وَرَبِّي وَخَالِقِي»، أي أنّ معنى الذكر في الركوع هو أنّ الله‌ تعالى منزّه من كلّ عيب وعار من كّل نقصان، وأساسا لا يمكن وجود أي عيب ونقص في حريم ربوبيّته واُلوهيته.

    «وَالعظِيمُ هُوَ العَظِيمُ فِي نَفسِهِ غَيرُ مَوصُوفٍ بِالصِّغَرِ وَعَظِيمٌ فِي مُلكِهِ

۹۹,۳۳۶ بازدید