pic
pic
  • ۴۷۱

    وَسُلطَانِهِ»، فعندما نذكر الله‌ بالعظمة فهذا يعني أنّ هذا الموجود في ذاته عظيم، وكذلك في سلطانه وحكمه على عالم الوجود، فهذا الموجود العظيم لا مجال ليوصف بالصغر ولا إمكان لأن يوصف بغير العظمة في جميع أبعاده وجهاته.

    «وَأَعظَمُ مِنْ أَنْ يُوصَف»، والله‌ تعالى أكبر وأعظم من أن يستطيع عباده أمثالنا وسائر مخلوقات العالم وصفه وتصوّره، فلا موجود في عالم الخلقة والطبيعة يملك القدرة على توصيف الباري تعالى، وما يصدر منّا من ذكر صفات الجلال والجمال للباري تعالى هو إشارة فقط إلى زاوية من زوايات صفات الله‌ الحقيقيّة، وإلاّ فلا أحد يستطيع درك وفهم صفات الاُلوهيّة واقعا.

    والآن إذا أراد المصلّي أن يقول في ركوعه «سُبحَانَ رَبِّي العظِيمِ وَبِحَمْدِهِ»، فكما قال أميرالمؤمنين عليه‌السلام: بأنّ المصلّي عندما يقول هذه الكلمة «سُبحَانَ رَبِّي» يجب أن يلتفت إلى قلبه ووجوده وأنّه راكع مقابل موجود عظيم لا مجال لأي عيب ونقص فيه، ولا حاجة له لركوعنا وعبادتنا، بل نحن الذين نحتاج إلى عبادته، ونحن الذين نتقرّب إليه خطوة بهذا الركوع وبهذه العبادة ونزيح عن قلوبنا الحجب والموانع، وعندما نقول: «رَبِّي العظِيمِ»، نلتفت إلى أنّ هذا الربّ العظيم هو خالقنا وهو الذي يهتمّ بتربيتنا وتدبير أمورنا.

    وعندما نصل إلى كلمة عظيم نلتفت إلى عظمة الذات الإلهيّة وعظمة الملك والسلطان الإلهي، وأنّه أكبر وأعظم من أن يوصف، فإذا تحقّق مثل هذا الالتفات والعلم في هذه الصورة يكون للذكر في الركوع روح وحال أخرى ولذّة لا توصف.

    ثمّ قال الإمام عليه‌السلام: «قَوْلُهُ سَمِعَ الله‌ لِمَنْ حَمِدَهُ فَهُوَ أَعْظَمُ الكَلِماتِ»، ولها وجهان وجه منه «مَعنَاهُ َسمِعَهُ»، أي أنّ هذا الذكر من أعظم الكلمات وله معنيان: أحدهما: أنّ الله‌ تعالى يسمع هذا التسبيح «الوَجْهُ الثّاني يَدعُو لِمَنْ حَمِدَ الله‌ فَيقُولُ

  • ۴۷۲

    اسمَعْ لِمَنْ حَمِدَكَ»[1].

    نسأل الله‌ تبارك وتعالى أن يوفّقنا جميعا لفهم حقيقة الركوع ودرك حقيقة الصّلاة وأسرارها في قلوبنا.


    1. مستدرك الوسائل، ج 4، ص 442، باب النوارد.

  • ۴۷۳

    153ـ حديث المعراج والتوجّه لعظمة الحقّ في الركوع


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ينقل المرحوم صاحب الوسائل رواية مطولة معروفة بحديث المعراج عن الإمام الصادق عليه‌السلام، ويبتديء في هذه الرواية بمسألة الأذان والذي أبلغه جبرئيل إلى النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بأمر الله‌ تبارك وتعالى، وأخبره بكيفيّة الأذان وكيفيّة الإقامة وكيفيّة الصّلاة إلى أن يصل إلى مسألة الركوع.

    وعندما يصل إلى مسألة الركوع يأتي الخطاب من قِبل ربّ العالمين إلى النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ويقول: «فَاُنْطُر إِلى عَرشِي».

    «قَالَ رَسُولُ الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فَنَظَرتُ إِلى عَظَمةٍ ذَهَبتْ لَها نَفسِي وَغُشِي عَلَيَّ»، فلا أحد يستطيع النظر إلى عظمة الله‌ تعالى، فحتّى النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وهو أشرف المخلوقات وأكمل أفراد البشر والعقل الأوّل لم يتمكّن أن يرى عظمة الباري تعالى، عندها اُمر بالنظر إلى العرش ونظر النبيّ إلى عظمة الله‌ التي تجلّت في عرشه اُغمي عليه.

    «فَأُلهِمتُ أَنْ قُلتُ سُبحَانَ رَبِّي العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ لِعِظَمِ مَا رَأَيتُ، فَلَمَا قُلتُ ذَلِكَ

  • ۴۷۴

    تَجَلَّىْ الغَشْيُ عَنِّي حَتَّى قُلْتُها سِبعَا أُلهِمَ ذَلِكَ فَرَجَعتُ إِلى نَفْسِي كَمَا كُنْتُ»[1].

    وعلى هذا الأساس فما يجب الالتفات إليه في حال الركوع، عظمة الحقّ تعالى وصغر وتفاهة ما دونه، وبذلك تعيش قلوبنا في مقابل الباري تعالى في حالة الخضوع والخشوع، ونستطيع بهذه الطريقة إدراك حقيقة الركوع.


    1. وسائل الشيعة، ج 5، ص 466.

  • ۴۷۵

    154ـ حُسن الركوع الصحيح يزيل وحشة القبر


    بسم الله الرحمن الرحيم

    وأحد الآثار والثمرات للركوع الصحيح والحسن ما ورد في كلام الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال: «مَنْ أَتَمَّ رُكُوعَهُ لَمْ تَدْخُلْهُ وَحْشَةَ فِي القَبْرِ»[1]، وهذا يعني أنّ المصلّي لو أتى بالركوع مع رعاية آدابه ومستحبّاته وطريقة انحنائه ورفع رأسه من الركوع كما ذكر في الكتب الفقهيّة، فهذا من شأنه منح الإنسان الاستقرار والطمأنينة والسكينة في حال الركوع وعندما يرفع رأسه منه، فكأنّه يرفع رأسه في مقابل نظر مولاه.

    وأحد الآثار المهمّة لمثل هذا الركوع هو أنّ المصلّي لا يبتلي بعذاب القبر، فالإنسان الذي يعيش في الدنيا في مقابل عظمة الباري تعالى ويعيش حالة الهيبة والدهشة من عظمة الله‌ فإنّه يكون مصونا من الوحشة في عالم القبر.

    وأرجو الالتفات إلى حال الركوع في هذه الرواية التي وردت عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهأنّه عندما قال: «فَنَظَرتُ عَرشِ رَبِّي... إِلى عَظَمةٍ ذَهَبتْ لَها نَفسِي


    1. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 321.

  • ۴۷۶

    وَغُشِي عَلَيَّ فَأُلهِمتُ أَنْ قُلتُ سُبحَانَ رَبِّي العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ... قُلْتُها سِبعَا ألهِم ذَلِكَ فَرَجَعتُ إِلى نَفْسِي كَمَا كُنْتُ»[1].

    هنا يقول الإمام الخميني رحمه‌الله في عبارة بليغة ودقيقة جدّا: انظر أيّها العزيز إلى مقام وعظمة سلوك سيّد البشر، وهادي السبل صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وهو في حال الركوع بحيث نظر إلى مادون الله‌ تعالى فرأى نور العرش، وبما أنّ نور العرش في نظر الأولياء هو جلوة من تجليات الذات المقدّسة بدون واسطة وانتشار بدون مرآة، هنا يجب أن يتخلى الإنسان عن نفسه ويترك التعينات النفسانيّة فيصاب حالة الغشوة والإغماء، وفي هذه الحالة من الغشية يتخلّى الإنسان عن نفسه وذاته ويغمى عليه فيأخذ الله‌ تعالى بيده، وعندما تكرر هذا الذكر من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله سبعة مرّات وهو يشمل التسبيح والتعظيم والتحميد عادت إليه نفسه وأفاق من حالة الفناء في الله، وقد ثبت في محلّه وتؤيده الروايات الشريفة وكذلك كلمات العرفاء أنّ هذه المرّات السبعة بعدد الحجب السبعة.

    يقول الإمام الراحل رضوان الله‌ عليه: والآن إذا كان النبيّ العظيم الشأن صلى‌الله‌عليه‌و‌آله واجه مثل هذه الحالة، فنحن الذين لا نجد طريقا إلى خلوة الاُنس ولا مكانا في مقام القرب فينبغي الاعتراف بذلّتنا وقصورنا وعجزنا ليكون هذا الاعتراف والاقرار رأسمالنا للوصول إلى المقصد وحجّة في الوصول إلى المطلوب، فنحن لا نترك التمسّك والتثبت بمقصودنا إلى أن ترتوي قلوبنا من شرابه، وإذا لم نكن رجل هذا الميدان فينبغي لنا أن نطلب الهداية من رجال هذا الطريق وهذا الميدان ونستعين بروحانية الكمل من الأولياء فلعل رائحة من معارفهم الإلهيّة تصل إلى مشامنا ويهب نسيم من لطائفهم على قلوبنا[2].


    1. وسائل الشيعة، ج 5، ص 466.

    2. اُنظر: آداب الصّلاة، ص 352.

  • ۴۷۷

    وهكذا نرى أنّ هذا الرجل الإلهي كيف يتحرّك بمنتهى التواضع والخضوع لتحصيل المعارف والحقائق الإلهيّة وغرسها في أرض قلبه وأعماق ذاته ولا يكتفي بذلك حتّى يوصي الآخرين بهذه التوصية ويقول: إنّ عادة الحقّ تعالى الإحسان إلى الخلق وشيمته التفضل والإنعام، فلا يمكن أن يطلب منه عبده بجميع وجوده معارف ولطائف وأسرار ولكنّه لا يحصل على شيء ولا يستجيب له الباري تعالى.

  • ۴۷۸

    155ـ سرّ الانحناء واستقامة الرقبة في الركوع


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنّ أحد المندوبات في الركوع، أنّ المصلّي يجب عليه الانحناء في ركوعه ومدّ عنقه بحيث يتساوى ظهره مع رأسه بشكل مستقيم، فلا ينبغي أن يكون انحناءه ناقصا ولا أكثر من اللازم، فكلا هذين الأمرين غير صحيح، بل يجب أن يكون في انحنائه مستوي الظهر.

    جاء في بعض الروايات: «كَانَ رَسُولُ الله‌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إِذا رَكَعَ لَو صُبَّ عَلَى ظَهرِهِ مَاءً لاسْتَقَرَّ»[1].

    وجاء في نفس هذه الرواية التي وردت في كتاب «مصباح الشريعة» أنّ الإمام الصادق عليه‌السلام قال: «استَوْفِ رُكُوعَكَ باِستِواءِ ظَهْرِكَ»[2]، يعني أنّ كمال الركوع بأن تجعل ظهرك مستويا، ثمّ يمدّ الراكع عنقه بموازاة ظهره، ويفسّر الإمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام هذه الحالة بأنّك عندما تركع فأنّك تخاطب الله‌ تعالى بالقول:


    1. بحار الأنوار، مطبعة بيروت، ج 73، ص 345.

    2. مصباح الشريعة، ص 62.

  • ۴۷۹

    «آمَنْتُ بِكَ وَلَوْ ضَرَبتَ عُنُقِي»[1].

    وذكر الشيخ الكليني رحمه‌الله في كتابه «الكافي» تحت عنوان باب الركوع وذكر التسبيح الوارد فيه، رواية عن الإمام الباقر عليه‌السلام قال: «إِذا أَرَدتَ أَنْ تَركَعَ فَقُلْ وَأَنْتَ مُنتَصِبٌ الله‌ أَكبَرُ»، وهذه الرواية تعتبر دليلاً جليا على أنّ كلمة الله‌ أكبر قبل الركوع تعدّ من مقدّمات الركوع لا من متممات القيام والقراءة.

    «ثُمَّ ارْكَعْ وَقُلْ...»، إلى أن يقول الإمام في هذه الرواية: «وَتَصُفُ فِي رُكُوعِكَ بَيْنَ قَدَمَيكَ، وَتَجعَلُ بَينَهُما قَدْرَ شِبرٍ، وَتُمَكِّنَ رَاحَتَيكَ مِنْ رُكْبَتَيكَ، وَتَضَعُ يَدَكَ اليُمنى عَلَى رُكْبَتِكَ اليُمنَى قَبْلَ اليُسرى وَبَلِّغْ بِأَطرَافِ أَصَابِعِكَ عَيْنَ الرُّكبَةِ، وَفَرِّجْ أَصَابِعَكَ إِذا وَضَعتَها عَلَى رُكْبَتِكَ، وَأَقِمْ صُلبَكَ وَمُدَّ عُنُقَكَ وَليَكُنْ نَظَرُكَ بَيْنَ قَدَمَيكَ، ثُمَّ قُلْ سَمِعَ الله‌ لِمَنْ حَمِدَهُ وَأَنْتَ مُنتَصِبٌ قَائِمٌ»[2]، أي بعد أن تذكر تسبيح الركوع ترفع رأسك وتقول: «سَمِعَ الله‌ لِمَنْ حَمِدَهُ»، هذه آداب الركوع، والشخص الذي يريد أن يأتي بالركوع كاملاً وصحيحا يجب عليه رعاية هذه الآداب ليكون المصداق لتلك الرواية الواردة عن الإمام الباقر عليه‌السلام قال: «مَنْ أَتَمَّ رِكُوعَهُ لَمْ تَدْخُلْهُ وَحْشَةٌ فِي القَبرِ»[3]، فيجب علينا نحن المصلّين، أن نتأملّ في صلاتنا ونرى هل أنّ ركوعنا مقترن بآدابه الصحيحة أم لا؟ هل أنّ هذا الركوع يحتوي على جميع الخصوصيات المذكورة في الروايات الشريفة، أو أننا لا نلتفت مع الأسف إلى الكثير من آدابه من قبيل كيفيّة الإنحناء في الركوع وكيفيّة رفع الرأس منه وقد نغفل عن الاتيان بالذكر الصحيح وقد نستعجل بالركوع.

    ألا ينبغي لنا أن نتأسف على انقضاء سنوات مديدة من عمرنا ولحدّ الآن لم


    1. مستدرك الوسائل، ج 4، ص 442، باب النوارد.

    2. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 319.

    3. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 321.

  • ۴۸۰

    يأت بصلاة واحدة تتوفّر فيها الشرائط والآداب والمستحبات المطلوبة، ما أعظم هذا الخسران الكبير الذي لا يقبل الجبران.

    نسأل الله‌ تعالى بلطفه وعنايته أن يوفّقنا فيما بقي من عمرنا للإتيان بالصّلاة مع آدابها وشروطها كما يريدها الله‌ تعالى منّا.

۹۹,۰۷۹ بازدید