pic
pic
  • ۴۸۱

    156ـ درك عظمة الله، يستجلب الخضوع


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام في مقطع آخر من الرواية المذكورة في «مصباح الشريعة»: «وَانْحَطَّ عَنْ هِمَّتِكَ فِي القِيامِ بِخدْمَتِهِ إِلاّ بِعَونِهِ»، يقول عليه‌السلام: لا ينبغي أن يتصوّر الشخص وهو في الحال الركوع أنّه يعبد الله‌ تعالى بهمّته وإرادته وأنّه يتحرّك في مسار السير والسلوك إلى الله‌ بحوله وقوّته، وعندما يرد في منزل من منازل السلوك ويريد أن يتحدّث عن عظمة الله‌ ويسبّحه ويقدّسه فينبغي أن يتخلّى عن نفسه وينزع جلد أنانيّته ولا يرى ذاته، ولا ينبغي أن يفكّر بتدبير معيّن لنفسه ويتصوّر أنّه ركع لله‌ بتدبير منه «إِلاّ بِعَونهِ»، فعليه أن يؤمن بأنّ هذا الركوع وهذه العبادة صدرت منه بتوفيق من الله‌ تعالى وبعونه، وبذلك وصل إلى هذا المنزل، ولو أنّ الشخص تبادر إلى ذهنه هذا المعنى وأدرك هذه الحقيقة فأنّه قد وصل إلى حقيقة الركوع.

    يقول بعض الأكابر فيما يتّصل بأسرار الصّلاة: «حَقِيقَةُ الرُّكُوعِ أَنْ يَكُونَ قَلْبُ العَبْدِ عَلَى صِفَةِ التَّوَكُّلِ وَعَمَلُهُ عَمَلَ المُتَوكِّلِينَ وَلا يَرى مُدَبِّرا وَلا فَاعِلاً بِالإستِقلالِ

  • ۴۸۲

    إِلاّ بِالله‌».

    ويتابع الإمام عليه‌السلام في هذه الرواية ويقول: «وَفِرَّ بَالقَلْبِ مِنْ وَسَاوِسِ الشّيطَانِ وَخَدَائِعِهِ وَمَكَائِدِهِ»، وهذه النقطة عجيبة، يعني أنّ الشيطان يستعمل جميع خدعه ومكائده لإغواء المصلّي في حال الركوع، فلو أنّ الشيطان في حال القيام استخدم بعض خدعه ووساوسه للمصلّي، ولكنّه في حال الركوع وأكثر من ذلك، وفي حال السجود، يستعمل جميع خدعه وينصب جميع مصائده وفخاخه لإغواء المصلّي، فيجب على المصلّي أن يفرّ من هذه الوساوس والمكائد، فالشيطان أحيانا يوسوس للإنسان في حال الركوع بأنّ الله‌ تعالى لا يحتاج إلى تسبيحك وركوعك فلماذا تصلّي لله‌؟ وهكذا يخدع الإنسان بهذه الطريقة ويحرفه عن مساره في السلوك إلى الله.

    أو يقوم الشيطان بأعمال أخرى ويتلاعب بذهن الإنسان ويوسوس له بأنّك لا تطل في صلاتك كثيرا وسارع في إتمامها لتصل إلى أعمالك الأخرى، فإنّ الله‌ لا يحتاج إلى صلاتك، هذه كلّها من وساوس الشيطان، حيث يوصينا الإمام الصادق عليه‌السلام بأن نفرّ من هذه الوساوس: «فَإِنّ الله‌ تَعالى يَرْفَعُ عِبادَهُ بِقَدْرِ تَواضُعِهِم لَهُ»، وكلّما كان الإنسان في مقابل الباري تعالى ذليلاً ويرى نفسه حقيرا وتافها ويعيش الذلّة والحقارة في مقابل عظمة الله‌ بجميع وجوده، فإنّ الله‌ تبارك وتعالى سيرفع مقامه ومكانته بمقدار تواضعه، «وَيَهدِهِهِم إِلى أُصُولِ التَّواضُعِ وَالخُشُوعِ بِقَدْرِ اطّلاعِ عَظَمَتِهِ عَلَى سَرائِرِهِم»، فكيف نحصل على حال التواضع؟ وكيف نستشعر الخضوع والخشوع في مقابل عظمة الله‌ ونحقّق في أنفسنا حالة الخضوع والتواضع؟

    يقول عليه‌السلام: إنّ كلّ إنسان يحقّق حالة الخضوع في نفسه بمقدار علمه بعظمة الله‌ تعالى، فإنّ الله‌ تعالى ينظر إلى قلوب عباده ويرى مقدار ما يشعرون به من عظمة

  • ۴۸۳

    الله‌ تعالى وما يعيشونه في مقابل عظمة الذات المقدّسة، فالشخص الذي يفكّر بارتكاب الذنب فإنّه لا يستشعر عظمة الله‌ في نفسه، وكيف الأمر بذلك الشخص الذي، ونعوذ بالله‌ يرتكب الذنب، فالإنسان المذنب لا يستطيع القول بأنني أشعر بعظمة الله‌ وأعتقد بها.

    إذا أدرك الإنسان عظمة الباري تعالى فسوف لا يسمح لنفسه أبدا بأن يفكّر بارتكاب الذنب، وكلّ إنسان ترسخت عظمة الله‌ تعالى في قلبه فإنّه يكون متواضعا أكثر، وكلّ إنسان يعيش حالات التواضع فإنّ الله‌ تعالى يرفعه أكثر ويزيح الحجب من أمامه، نسأل الله‌ تعالى أن يرزقنا التوفيق لإدراك عظمته في قلوبنا إن شاء الله.

  • ۴۸۴
  • ۴۸۵

    الفصل الثامن: أســرار الـسجـود


  • ۴۸۶
  • ۴۸۷

    157ـ أسرار وآداب السجود


    بسم الله الرحمن الرحيم

    بعد الانتهاء من موضوع الركوع، نشرع بالبحث في موضوع السجود، فما هي أسرار السجود، وما هي الآداب التي ينبغي للمصلّي مراعاتها عند السجود ليكون سجوده سجودا حقيقيا، وما هي النقاط الدقيقة في ذكر السجود، وما هو السرّ في تكرر السجود في الركعة الواحدة خلافا للركوع، وما هي الدقائق التي يمكن استفادتها من المنابع الروائية في هذا المجال؟

    وكمقدّمة لابدّ من القول إنّ السجود، بغض النظر عن الصّلاة، ورد الترغيب والندب إليه كثيرا في الروايات الشريفة، ونفس السجود، وعندما يتوضأ الشخص ويسجد لله‌ تعالى، هو من الأمور المندوبة جدّا، وقد ورد التشويق إليه بشدّة وأنّه عمل مستحب، وتطويل السجود، سواءً في سجود الصّلاة أو في السجود بعد الصّلاة أو السجود المستقل، من جملة الأمور التي ورد الاهتمام بها في الروايات الشريفة، ولكن ما هي حقيقة السجود؟

    يقول المرحوم الشهيد الثاني رحمه‌الله فيما يخصّ السجود: «وَهُوَ أَعظَمُ مَرَاتِبُ

  • ۴۸۸

    الخُضُوعِ وَأَحْسَنُ دَرَجاتِ الخُشُوعِ»[1]، يعني أنّ الإنسان الذي يسجد أمام الباري تبارك وتعالى، فإنّ هذه الحالة لا يوجد أعلى منها في تحقّق حالة الخضوع لله‌، فالسجود هو غاية مراتب الخضوع في مقابل الله‌ تبارك وتعالى، والخضوع موجود في القيام أيضا ولكن مقدار الخضوع الذي يشعر به الإنسان في قيامه يختلف عن حالة الخضوع الذي يجدها الإنسان في ركوعه.

    وفي الركوع أيضا يجد الإنسان حالة الخضوع والخشوع، ولكن مرتبة الخضوع والخشوع في الركوع لا تصل أبدا إلى مرتبة الخضوع والخشوع في السجود، فالمصلّي يهييء نفسه من خلال القيام والركوع للاتيان بأعلى مراتب الخضوع والخشوع في سجوده: «وَأَعْلَى مَراتِبِ الإِسْتِكانَة»، السجود نهاية مرتبة اظهار الذلّة والاستكانة والعبوديّة بين الله‌ تعالى، ومن هذه الجهة نرى أنّ الله‌ تبارك وتعالى يأمر نبيّه الكريم صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهبالسجود، فنفس السجود وبالاستقلال عن الصّلاة مطلوب ومحبذ ومندوب، ولكن، وحسب ظاهر بعض الآيات الشريفة، السجود واجب بالنسبة للنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، وينبغي علينا أن نعلم أنّ أفضل حالات الصّلاة هي حالة السجود، وأفضل وأعلى درجة من الخضوع والخشوع والذلة هي في حال السجود، فنحن نتذكر في سجودنا عظمة الباري تبارك وتعالى، فعندما يضع الإنسان رأسه على التراب ويسجد لله‌ فقبل أن يتلفظ بذكر السجود يستشعر عظمة الله‌ تعالى، وهو ذلك الموجود الذي نضع جبهتنا أمامه على التراب لأنّ الموجود الجدير للعبادة والسجود له هو الله‌ تعالى، وبما أنّ السجود يعتبر نهاية درجة الحضور، فإنّ هذه المرتبة من الخضوع مختصّة لله‌ تبارك وتعالى ولا يصحّ السجود لغير الله.

    يقول الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه في كتابه «آداب الصّلاة»: سرّ


    1. التنبيهات العليّة على وظائف الصّلاة القلبيّة، ص 124.

  • ۴۸۹

    السجود لدى أصحاب العرفان ترك النفس والتعلق بغير الله[1].

    وعندما يسجد الإنسان فلا يبقى معنى للالتفات لغير الله‌ تعالى، والويل لذلك الشخص الذي يسجد ولكنّه يفكّر في نفسه أو يفكّر في الدنيا وما سوى الله، فالإنسان عندما يسجد يجب عليه أن يترك نفسه وينسى ذاته ويوصد فكره وعينه عن غير الله‌ وينبغي أن يعلم أنّ السجود، على حدّ تعبير العرفاء، هو المعراج اليونسي، أي أنّ الإنسان يجد نفسه في مجموعة ظلمات الدنيا، ومع ذكر السجود فإنّ المصلّي يطلب النجاة من هذه الظلمات والتقرّب إلى الله‌ تبارك وتعالى.

    نسأل الله‌ تعالى أن يهب لنا جميعا السجود الحقيقي إن شاء الله.


    1. آداب الصّلاة، 357.

  • ۴۹۰

    158ـ أهمّيّة السجود


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «وَجَدْتُ النُّورَ فِي البُكاءِ والسَّجْدَةِ»

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «السُّجُودُ مُنتَهى العِبادَةِ مِنْ بَنِي آدَم»[1]، فلو أنّ الإنسان أراد أن يصل في عبادته إلى الذروة والنهاية، فالمرتبة العالية التي لا يمكن تصوّر مرتبة أعلى منها تكمن في السجود.

    ويتبيّن أنّ حال السجود من بين جميع العبادات هو أفضل عبادة وأعلاها مرتبة، ويختلف السجود عن جميع أجزاء الصّلاة وأقسامها الأخرى وكذلك يختلف عن سائر العبادات الواردة في الشريعة، يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «السُّجُودُ مُنتَهى العِبادَةِ...»، ولا ينبغي للمصلّي أن يغفل عن هذه الحقيقة، وأساسا عندما يقف الإنسان للصّلاة بين يدي الباري تعالى فهو يعيش الأمل أن يصل إلى الركوع وينال مرتبة أكثر من التواضع والخضوع في عبادته، وفي الركوع يأمل أن يصل إلى السجود بشوق بالغ، ومع رعاية آداب الركوع يجد في


    1. بحار الأنوار، مطبعة بيروت، ج 82، ص 164.

۱۰۷,۶۸۲ بازدید