pic
pic
  • ۴۱

    السفر الثاني ينتهي بصفات الحقّ تعالى والوصول إلى الاُفق الأعلى، وهذه الملاحظة مذكورة في كلام العرفاء وهي أنّ السفر الأوّل وهو الوصول إلى الاُفق المبين وهي مرحلة أدنى من الاُفق الأعلى، أمّا السفر الثاني فالإنسان يصعد إلى اُفق أعلى بكثير، ثمّ يعود مرّة أخرى في السفر الثالث من الوحدة إلى الكثرة: «من الحقّ إلى الخَلق»، وهي مرحلة الشهادة للتوحيد ونفي غير الله‌ والشهادة برسالة نبي الإسلام صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، وفي السفر الرابع: «من الخَلق إلى الحقّ»، يرى بعين الوحدة متّجها نحو الكثرة فيشاهد الجميع أنّهم من عباد الله‌ الصالحين.

    وهكذا ترون أنّ هذه المنازل والأسفار الأربعة جمعت كلّها في هذه العبادة، ألا ينبغي أن نهتمّ بهذه العبادة ونؤدّيها على وجهها الأكمل؟! ألا ينبغي أن ننتبه إلى أنفسنا ونقول: لا ينبغي أن نضيع هذا الرأسمال المعنوي الذي منحنا الله‌ تعالى إيّاه؟ ونسعى الاستفادة منه بنحو الأكمل، وذلك بأن نقيس صلاتنا في كلّ يوم بالصّلاة في الأيّام السابقة ونرى الفرق بينها وما هو امتياز الذي حقّقناه في هذه الصّلاة، وقد ذكر الأعاظم ـ وهو الحقّ ـ بأنّ أولياء الله‌ عزّ وجلّ في كلّ صلاة تفتح لهم أبواب جديدة، وفي كلّ صلاة تنكشف لهم حقائق وتتجلّى على قلوبهم حِكم وتجري على ألسنتهم...، ينبغي أن نعرف قدر هذه الصّلاة ونطلب من الله‌ تعالى أن يلهمنا معرفة قدر الصّلاة في قلوبنا ونفوسنا.

  • ۴۲

    10ـ الصّلاة، طريق الوصول إلى اليقين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ»[1]

    يقول الله‌ تبارك وتعالى في القرآن الكريم: «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ»، وهذا خطاب إلهي إلى الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يأمره بالعبادة والدوام عليها إلى أن يكتب له اليقين، وبالرغم من أنّ الروايات التفسيريّة الواردة في هذا الشأن تقرّر أنّ اليقين هنا بمعنى الموت، ولكنّه لا يتنافى مع المعنى الأوّل، ونحن نختار هذا المعنى أيضا، ففي ذات الوقت نقول إنّ إحدى النقاط المستفادة من هذه الآية الشريفة هي أنّ الصّلاة أفضل وسيلة لوصول الإنسان إلى مرحلة اليقين، المرحلة التي يعيش فيها الإنسان حالة الإيمان من جميع الجهات ويتحقّق له الإيمان بالمقدار الممكن والمقدور، فمرحلة اليقين بحسب ما ورد في الروايات الشريفة هي أعلى من مرحلة التسليم والتفويض ومرتبة فوق أصل الإيمان.

    ومن الجلي أنّ هذه الآية الشريفة لا تختصّ بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، فكلّ إنسان


    1. سورة الحِجْر، الآية 99

  • ۴۳

    مصلي إذا أراد أن يمتلى‌ء قلبه بالإيمان بالله‌ تعالى ويفنى في الحقّ ومشاهدته، فإنّ الصّلاة تعدّ أفضل وسيلة للوصول إلى مرتبة اليقين، والإنسان عندما يفنى في ذات الحقّ تبارك وتعالى فسوف تتساقط عنه الرذائل والقبائح ويعيش الصفاء والنقاء في قلبه ويمتلى‌ء قلبه بالنورانيّة، ومثل هذا الشخص يستطيع أن يجد الطريق لساحة الذات المقدّسة.

    إنّما الحُبّ فَناءٌ كُلُّه رحم الله‌ امرءً قال بهِ
    إنّ مَنْ أضحى بقلبِ سالم لم يذرْ مِنهُ سوى قالبه
    فِي ضلال الشوق قلبي راقدٌ مِنْ هَجير الهجر قد قال بهِ

    فلو أراد الإنسان أن تكون له حظوة واعتبار في مقام القرب الإلهي ويصل إلى هذه المرتبة فينبغي أن يتّخذ العبادة وسيلة ولا يمكنه أن يصل إلى هذه المرتبة بدون عبادة، وهنا ينبغي أن نذكر هذه الحقيقة، وهي أنّ بعض الأشخاص البعيدين عن هذه الحقائق يقولون إنّ الإنسان عندما يصل إلى مرحلة اليقين فإنّه لا يحتاج بعدها إلى الصّلاة، ولكن كيف يمكن لهذا اليقين الذي هو معلول الصّلاة أن يبقى في ذات الإنسان عندما يترك الصّلاة؟ إذا أراد الإنسان أن يزداد يقينه يوما بعد يوم ويشتدّ ويتعمق في ذاته يجب عليه أن يزيد في عبادته، والسرّ في أنّ علماءنا وأولياء الله‌ كانوا يعيشون حالات الشوق إلى الصّلاة والعبادة هو أنّهم يرون أنفسهم ينتقلون في كلّ صلاة من مرتبة من اليقين إلى مراتب أعلى، ويجب علينا محاسبة أنفسنا لنرى أننا في هذه الصّلاة التي صلّيناها الآن وانتهينا منها ما هي ثمرتها ومقدار ما حصلنا عليه من زيادة اليقين بالله‌ تعالى؟ فلو أننا رأينا أنفسنا بعد الصّلاة أقرب إلى الله‌ تعالى ورأينا الله‌ تعالى بالمشاهدة أكثر بهذه النفس الناقصة وشعرنا بعظمة الله‌ في قلبنا أكثر وازدادت حالة الخوف والرجاء من الله


    1. الإمام الغزالي، مجموعة رسائل، ص 469.

  • ۴۴

    في قلوبنا، فنعلم حينئذٍ أنّ يقيننا قد إزداد، أمّا لو رأينا بعد الصّلاة أنّ حالنا لم يختلف عمّا كان عليه قبلها فإنّ هذه الصّلاة لم تؤثر فينا ويجب علينا أن نأسف لهذه الحالة، وعلى هذا الأساس عندما نقف للصّلاة بين الله‌ تعالى ونريد أن ندعوه ونناجيه، فيجب علينا الالتفات إلى أننا نريد زيادة يقيننا وإيماننا، ونحن بحاجة إلى زيادة اليقين، ونحن نحتاج يوما بعد آخر إلى غرس اليقين في قلوبنا أكثر فأكثر، ومن هذا المنطلق فإنّ أحد الآثار المهمّة للعبادة هو الوصول إلى مرحلة اليقين وهو التوحيد التام، وقد ذكر العرفاء في محلّه أنّ التوحيد التام لا يعني أنّ الإنسان يقطع بإرادته الارتباط والتوجّه إلى غير الله‌ بل أعلى من ذلك، وهو الانقطاع، فيجب على الإنسان أن يصل إلى مرتبة بحيث يشعر بالانقطاع التلقائي عن غير الله‌ تعالى، ويكون إلتفاته فقط متوجّها إلى الله‌ تعالى ولذلك يتلاشى وجوده في عظمة الحقّ تعالى، فينبغي على الإنسان أن يلاحظ ما مقدار ما حصل عليه بصلاته من القرب الإلهي بحيث يستغرق وجوده في محضر الباري تعالى ويشعر بالمحو في الذات المقدّسة، وهنيئا للشخص الذي يستطيع أن يعيش هذه الحالة في جميع صلاته، وهذا توفيق عظيم للمؤمن ونسأل الله‌ تعالى أن يمنحنا جميعا هذا التوفيق إن شاء الله.

  • ۴۵
  • ۴۶

    الفصل الثاني: حضور القلب في الصّلاة


  • ۴۷
  • ۴۸

    11ـ المقصود من القلب في مقولة «حضور القلب»


    بسم الله الرحمن الرحيم

    «لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ...»[1]

    إنّ هذه الحقيقة جليّة وواضحة للمصلّين وأصحاب السير والسلوك والعبادة، لأنّ الوصول إلى حقائق الصّلاة وفهم حقيقة كلّ عبادة لا يتيسّر إلاّ من خلال العمل بالشريعة والسلوك من الظاهر إلى الباطن، وهذا يعني أننا لا نستطيع أن ندرك حقيقة الصّلاة، إلاّ من خلال ظاهر الصّلاة والعمل بأحكامها وشروطها ورعاية آدابها الظاهريّة، وبدون تحقّق هذا الظاهر فلا يمكن الوصول إلى ذلك الباطن، ومن أجل الوصول إلى ذلك الباطن يجب رعاية الشروط والأعمال الظاهريّة بشكل كامل، يقول الإمام الخميني قدس‌سرهفي تعليقاته على شرح فصوص الحِكم: «إنّ الطريقة والحقيقة لا تحصل للسالك إلاّ من خلال طريق الشريعة، لأنّ الظاهر طريق إلى الباطن، والشخص الذي لا يصل إلى الباطن من خلال العمل بالتكاليف


    1. سورة الأعراف، الآية 179.

  • ۴۹

    الإلهيّة فيعلم أنّه لم يؤدّي الظاهر بشكل صحيح»[1].

    وعلى هذا الأساس، نقول إنّ المصلّي إذا أقام الصّلاة بكامل أحكامها وشروطها، مثلاً الصّلاة في المكان المغصوب أو باللباس النجس وغير الطاهر، أو الصّلاة بدون رعاية استقبال القبلة بشكل صحيح، وكذلك سائر الأجزاء والشروط المعتبرة في الصّلاة، مثل هذا الشخص سوف لن يصل أبدا إلى معرفة أسرار وباطن وحقيقة الصّلاة.

    وبعد أن ذكرنا المسائل السابقة بوصفها مقدّمة لهذا الموضوع، فإنّ أوّل مسألة في باب أسرار الصّلاة وقعت مورد إلتفات الأكابر من العلماء، مسألة حضور القلب في الصّلاة، فبعض الأكابر مثل المرحوم الميرزا جواد الملكي (رضوان الله‌ تعالى عليه)، ومن أجل أن يستطيع الإنسان أن يؤدّي صلاته بصورة كاملة ذكر لذلك ست مراتب:

    ـ المرتبة الاُولى: حضور القلب. ـ المرتبة الثّانية: التفهّم.
    ـ المرتبة الثّالثة: التعظيم. ـ المرتبة الرّابعة: الهيبة.
    ـ المرتبة الخامسة: الرجاء. ـ المرتبة السّادسة: الفناء.

    وقال رحمه‌الله: يجب أن يحصل للمصلّي هذه المراتبة الست، ليتمكن من أداء الصّلاة بصورة تامّة وكاملة، ولكن في كلمات الآخرين كالمرحوم الشهيد الثاني رحمه‌الله أو الإمام الراحل قدس‌سره في كتابه «سرّ الصّلاة» لم يرد التفكيك بين هذه الحالات والمراتب، وقد يكون هذا هو الصحيح، وذلك أن نطرح كلّ هذه المراتب كلّها مرّة واحدة بعنوان «حضور القلب»، بمعنى أنّ حضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والفناء جميعها متعلّقة بمسألة حضور القلب كما سيأتي توضيحه.

    ومن أجل أن يصل الإنسان إلى حقيقة الصّلاة يجب عليه أن يعيش حضور


    1. تعليقات على شرح فصوص الحكم.

  • ۵۰

    القلب وحضور القلب يعني أن يلتفت في قلبه بشكل كامل للصّلاة، وهنا من المناسب أن نذكر ثلاث نقاط فيما يتّصل بكلمة «قلب»، النقطة الاُولى: ما هو المراتب من كلمة «قلب»؟ وهل أنّ المراد من القلب في هذه المسائل هو تلك القطعة الصنوبريّة من اللحم، أو المقصود دماغ الإنسان الذي هو عضو من أعضاء بدنه، من الواضح أنّ المقصود ليس ذلك، والمراد من القلب في هذه المسائل تلك اللطيفة الربانيّة التي يطلق عليها أحيانا بالنفس، وأحيانا أخرى بالروح، وقد ورد في الآيات والروايات الشريفة: «لَهُم قُلُوبٌ لا يَعقِلُونٌ بِها»، فهؤلاء لهم قلوب ولكنّهم لا يستطيعون فهم هذه المسائل الدينيّة، وهذا يعني أنّ المراد من القلب هو وسيلة الإدراك والفهم، والقلب الذي له إقبال وإدبار، وله علاقة بشيء معين وله نفور من شيء آخر، وتارة يتّجه نحو شيء وأخرى يعرض عن شيء، والمقصود هو القلب الذي يملك البصر والعمى، وما ورد في الروايات من «طبع القلب» هو القلب الذي يعيش الرين والغشاوة، والقلب الذي طبع عليه، والقلب الذي يملك نورانيّة وظلمانيّة، فلو أجرينا مقارنة بين القلب اللحمي للمؤمن مع قلب الكافر فسوف لا نجد أي فرق بينهما، ولكن الروايات تقول إنّ قلب المؤمن نوراني وقلب الكافر ظلماني، فقلب الأشخاص الذين يملكون البصيرة والنورانيّة يرى الحقائق، وهذا هو ما يقال أحيانا في كلمات الناس بأنّه يرى بعين القلب، أو يجب أن‌ترى ذلك بعين القلب، ما هو المقصود من القلب هنا؟ القلب هو ما يعيش حالات القبض والبسط ويملك جميع الصفات الأخلاقيّة الحميدة، والفضائل الإنسانيّة تتعلّق بهذا القلب، وكذلك أنّ جميع الصفات السيّئة والرذيلة تتعلّق بهذا القلب أيضا، وهذا هو ما يبقى من الإنسان بعد موته، إذن فالمقصود من القلب في بحثنا هو هذا القلب.

۹۹,۰۸۷ بازدید