pic
pic
  • ۵۰۱

    والسجدة الطويلة في كلّ يوم فإنّ الله‌ تعالى سيفتح أمامه أبواب المعارف، ونقرأ في سيرة أصحاب الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام والرواة الكرام أنّ أحد أعمالهم العبادية يتمثّل في السجدة الطويلة، يقول الكشي في كتابه «اختيار معرفة الرجال»: «إنّه وجد في كتاب أبي عبدالله‌ شاذاني بخطه: سمعتُ أبا محمّد الفضل بين شاذان يقول: دخلت العراق فرأيت واحدا يعاتب صاحبه ويقول له: أنت رجل عليك عيالٍ»، أي يجب أن تذهب للكسب والعمل لتحصيل الرزق، فلماذا تطيل السجود، وأنا أخشى عليك أن تذهب عينك بسبب هذا السجود الطويل، «فلمّا أكثر عليه قال لو ذهبت عين أحد من طول السجود لذهبت عين ابن أبي عمير فَمَا ظَنُّكَ بِرَجلٍ سَجَدَ سَجدَةَ الشُّكر بعد صلاةِ الفجرِ فَما رفعَ رأسهُ إلاّ عِندَ الزَّوال». وهكذا كان حال ابن أبي عمير في سجوده الطويل بحيث إنّه بعد انتهاء من الصّلاة الصبح يسجد سجدة الشكر ويستمر في سجوده إلى آذان الظهر.

    وجاء في رواية أخرى أنّ رجلاً جاء إلى ابن أبي عمير، وقال: أنت طويل السجدة؟ فقال ابن أبي عمير: «لَو رأَيتَ جَميل ابن درّاج»، ويقول هذا الشخص: أتيت جميل بن درّاج فرأيتُ أنّ سجوده يستغرق وقتا طويلاً، فقلت له: ما أطول سجودك، فقال: لو رأيت معروف بن خربوز، فسجودي لا يقارن بسجوده، وهذه هي سيرة ومنهج أصحاب الأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام .

    يجب على كلّ مسلم أن يضع في برنامج حياته سجدة طويلة في كلّ يوم، فإذا استمر واقعا بهذا العمل وداوم عليه فسوف تنحلّ الكثير من مشكلاته ويجد الطريق مفتوحا في مسيرة الإيمان والعبادة والقرب إلى الله‌ تعالى ويعيش النورانيّة في حياته بما لا يستطيع تصوّره.

    نسأل الله‌ تعالى أن يوفّقنا جميعا للسجود الطويل، إن شاء الله.

  • ۵۰۲
  • ۵۰۳

    الفصل التاسع: أســرار التّشـهـد


  • ۵۰۴
  • ۵۰۵

    163ـ سرّ الشهادة بالتوحيد والنبوّة في بداية الصّلاة ونهايته


    بسم الله الرحمن الرحيم

    نصل إلى مسألة التشهد، والذي يجب أن يأتيه المصلّي في الركعة الثانية والركعة الأخيرة من صلاته، ويجب في التشهد أن يتشهد المصلّي الشهادتين، الاُولى الشهادة بالتوحيد والإقرار بواحدانيّة الباري تبارك وتعالى ويقول: «أشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلاّ الله‌ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه»، والثانية: الشهادة بنبوّة ورسالة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهأنّه عبد الله‌ ورسوله، وأحد النقاط المطروحة هنا، سواءً في الشروع بالصّلاة أو في وسطها أو في نهايتها، مسألة الشهادة بالتوحيد والشهادة بالرسالة والنبوّة، فما هو سرّ الكامن في هذه الشهادة، بحيث يجب على المصلّين الاتيان بها في أوّل صلاته وآخرها ويشهد بتوحيد الباري وتعالى ورسالة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله؟ يجب علينا التأمّل والتدبّر في هذه المسألة، وهل يوجد ارتباط عميق بين أوّل الصّلاة وآخرها؟ ألا نستوحي أنّ الصّلاة تتضمّن مثل هذا المفهوم وأنّ هذا العمل العبادي من شأنه إيصالنا إلى مراتب عالية من التوحيد، والإيمان بوحدانيّة

  • ۵۰۶

    الباري تعالى.

    إنّ سرّ تكليف الناس بالصّلاة هو أنّ الاتيان بالصّلاة في كلّ يوم من شأنه تقوية التوحيد في وجودهم وقلوبهم وتكميل مسيرة اتّباع النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله والاستنان بسنّته، فالصّلاة يجب أن تحلق بالإنسان في كلّ وقت وفي كلّ لحظة في معراج المعنويّات وفي درجات التوحيد، ولو أراد شخص معرفة: هل أنّ صلاته صحيحة أم لا؟ فينبغي أن يلاحظ توحيده وإيمانه بعد الصّلاة إلى أي مرحلة وصل؟ هل أن توحيده يزداد ويتعمّق ويرتفع شيئا فشيئا، أم لا ؟

    هل أنّ أهواءه وتمنياته وجميع ما جعله صنما له في نفسه، يتأثر في كلّ صلاة يصلّيها وتضعف هذه الرغبات الدنيويّة والنوازع النفسانيّة بعد الصّلاة أم لا؟ إنّ الصّلاة لغرض إيصال الإنسان إلى مرتبة عالية من التوحيد، والصّلاة تهدف إلى إفهام الإنسان بشكل أعمق وأشدّ بوحدانيّة الباري تعالى ويؤمن بهذه الحقيقة الحاسمة في قرارة نفسه، وعلى حدّ قول العرفاء لا توجد لذّة أعلى من درك معنى التوحيد.

    ولو علم الإنسان أنّه لا يوجد إله غير الله‌ يستحق العبادة وأنّ كلّ شيء بيده وبمشيئته، وأنّ العزّة والذلّة، والغنى والفقر، والسلامة والمرض، والراحة والابتلاء بيده فقط، فسوف يجد هذا الشخص لذّة كبيرة وانبساطا وبهجة في حال التقرب والإرتباط بالله‌ تعالى.

    يقول الإمام الخميني رضوان الله‌ تعالى عليه: هناك فرق بين الشهادة بالتوحيد في أوّل الصّلاة والشهادة بالتوحيد في آخر الصّلاة مع وجود ارتباط وثيق وعميق بينهما، ولكن الفرق في المرتبة والدرجة، فالشهادة بالتوحيد في أوّل الصّلاة هي الشهادة قبل السلوك وقبل العمل وقبل المعراج، والشهادة في آخر الصّلاة تعني نهاية هذا السفر والمعراج الإلهي.

  • ۵۰۷

    الشهادة قبل الصّلاة تعبير عن شهادة تعبّديّة أو تعقّليّة، فنحن على أساس التعبّد بأوامر الله‌ تعالى أو التعقّل والتفكّر نؤدّي الشهادة بالتوحيد، وأمّا في آخر الصّلاة فهي شهادة تحقيقيّة وحضوريّة، يعني بعد أن يأتي المصلّي في الركعة الاُولى والثانيّة ويقرأ سورة الحمد ثمّ يركع ويسجد ويطوي مراحل السلوك إلى أن يصل إلى درجة القرب الإلهي في السجدة الثانية، عندها يحين وقت التشهد وأداء الشهادة على التوحيد، يعني أنّ هذا التوحيد قد تحقّق في باطننا ووجودنا، ونعود مرّة ثانية إلى هذا العالم والدنيا لنأخذ منه الزاد والمتاع في سفرنا وعروجنا الإلهي، ولذلك ورد التعبير أنّ الشهادة في آخر الصلاة هي شهادة حضوريّة، وفي هذه الشهادة خطر عظيم، لأنّها عبارة عن ادعاء حصول التوحيد في الذات والقلب، ولكن الشهادة في أوّل الصّلاة لا تحمل هذا العنوان والادعاء، وعلى هذا الأساس يجب أن نتدبّر في سرّ هذه الشهادة والتشهد، ونلتفت إلى تحقّق التوحيد في جميع وجودنا وواقعنا النفساني، إن شاء الله‌ تعالى.

  • ۵۰۸

    164ـ حقيقة التشهد


    بسم الله الرحمن الرحيم

    جاء في كتاب «مصباح الشريعة»[1] رواية رائعة جدّا عن الإمام الصادق عليه‌السلام تتضمّن الأداب القلبيّة وحقائق وأسرار التشهد، يقول عليه‌السلام: «التَّشَهُّدُ ثَنَاءٌ عَلَى الله‌ تَعالى، فَكُنْ عَبدَا لَهُ فِي السِّرِّ خَاضِعا لَهُ فِي الفِعْلِ كَمَا أَنَّكَ عَبدٌ لَهُ بِالقَولِ وَالدَّعوى»، فنحن عندما نتشهد ونعترف بالتوحيد، أي التوحيد في العبادة، والتوحيد بالذات، والتوحيد بالفعل، فكما أننا في مقام القول والادعاء نعتقد ونقرّ أننا عبيد لله‌ تبارك وتعالى فيجب أن نكون كذلك في باطننا وسرّنا، أي نعيش حالة العبوديّة والخضوع لله‌ تعالى في مقام العمل والفعل.

    «وَصِل صِدْقَ لِسَانِكَ بِصَفاءِ صِدْقَ سِرِّكَ»، يعني كما أنّك تعيش حالة العبوديّة والعبادة في الظاهر، يجب عليك أن تستشعر هذه الحالة من العبوديّة والعبادة في باطنك أيضا.

    «فَإِنَّهُ خَلَقَكَ عَبْدَا وَأَمَرَكَ أَنْ تَعْبُدَهُ بِقَلْبِكَ وَلِسَانِكَ وَجَوارِحِك».


    1. مصباح الشريعة، ص 68، باب 17، التشهد.

  • ۵۰۹

    أحيانا يطرح البعض هذه الشبهة ويقول: إنّ العبادة لله‌ تعالى، وحينئذٍ يكفي التوجّه القلبي لله‌ في العبادة، ولا يحتاج إلى ذكر اللسان وفعل الجوارح من القيام والركوع والسجود، والجواب: إنّ الإنسان مركّب من ظاهر وباطن، وكما أنّ الإنسان له باطن فله ظاهر أيضا، وأنّ الله‌ تبارك وتعالى أراد أن يتحرّك الإنسان في مسار العبادة والعبوديّة بظاهره وباطنه معا، فعندما يقف الإنسان ببدنه أمام الحقّ تبارك وتعالى ويفني ظاهره في الله‌ تعالى فهذا يكشف عن أنّ هذا الإنسان يعيش في باطنه هذه الحالة أيضا، أمّا الشخص الذي يتحرّك بجوارحه وأعضاء بدنه في طلب الدنيا، وتكون عينه ويده وفكره و... وسائر أعضائه وقواه تسير في طلب الدنيا وفي مسير غير الله، فكيف يستطيع قلبه أن يتوجّه إلى الله‌ تبارك وتعالى؟ إنّ اللسان الذاكر هو الذي أدخل هذا الذكر والتسبيح إلى قلب الإنسان، يجب أن تكون أجزاء وجوارح الإنسان وأبعاده الوجوديّة كلّها مرتبطة بالتوحيد، ولذلك يقول الإمام عليه‌السلام في سياق هذا الحديث:

    «وَأَنْ تُحَقِّقَ عُبُودِيَتَكَ لَهُ بِرِبُوبيِّتِهِ لَكَ»، وهذا يعني أنّ حقيقة العبوديّة تستدعي طلب ربوبيّة الله‌ تعالى، فما لم تكمل وتتمّ العبوديّة من العبد فلا يحصل على القرب من مقام الربوبيّة، ولو أنّ الإنسان أراد الحصول على القرب من الحقّ تعالى وأن يجعل الله‌ تعالى حاكما ومهيمنا على وجوده وكيانه فيجب عليه تقوية أواصر العبوديّة والشعور بالرقيّة لله‌.

    «وَتَعْلَمَ أَنَّ نَواصِي الخَلْقِ بِيَدِهِ، فَلَيسَ لَهُمْ نَفَسٌ وَلا لَحظَةٌ إِلاّ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ إِتيَانِ أَقَلَّ شَيءٍ فِي مَمْلَكَتِهِ إِلاّ بِإِذنِهِ وَبِإِرَادَتِهِ»، فجميع العباد والمخلوقات عاجزون على فعل أي عمل مهما كان صغيرا بدون مشيئة الباري تعالى وإذنه، لأنّ كلّ عمل يقع في دائرة مملكته وقدرته تعالى.

    «قَالَ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله

  • ۵۱۰

    وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ»[1]»، هذا يعني أنّه لا اختيار للعباد في أفعال الله‌ تعالى وأنّه تعالى منزّه عمّا يتصوّر الخلق وما يجعلون له من شرك، وكلّ هذه الحقائق هي آثار للتوحيد الخالص، وهو أن يعلم الإنسان أنّ الله‌ «يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ»، فالخلق بيد الله‌ تعالى ولا تأثير للناس فيما يختاره الله، وهذا هو الغرض من التشهد والصّلاة بأن نصل إلى مراتب عالية من التوحيد والكمال المعرفي بالله‌ تعالى، إن شاء الله.


    1. سورة القصص، الآية 68.

۹۹,۰۷۷ بازدید