pic
pic
  • ۵۱۱

    165ـ أدب التـشهـد


    بسم الله الرحمن الرحيم

    ذكرنا أنّ التشهد يبيّن هذه الحقيقة، وهي أنّ هذا السفر والمعراج الإلهي يهدف للوصول إلى مرتبة عالية من التوحيد، ومن أجل أن يحقّق المصلّي جميع أقسام التوحيد في وجوده ويرتوي قلبه وعقله من معارف التوحيد وحقيقته، فأدب التشهد هو أنّ المصلّي عندما يرفع رأسه من السجود ويجلس للتشهد يجب أن يستشعر حالة من الخوف والقلق تهيمن على وجوده، لأنّك الآن صليت عدة ركعات وتحدّثت مع الله‌ تعالى ودعوته فلا ينبغي أن تكون هذه الأعمال والكلمات غير مقبولة عند الله‌ تعالى، يجب أن يجلس المصلّي للتشهد بحالة من الخوف والحياء والقلق ولا يعتبر ما أتى به من العبادة لله‌ تعالى شيئا مهمّا في مقابل عظمة الباري تعالى وألطافه وعنايته.

    ونعود هنا إلى أصل وأساس الدين وهو كلمة التوحيد: «أشهدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللهُ»، يعني أنّ هذا القيام والركوع والسجود لا قيمة له في مجال عبادة الذات المقدّسة، ونعود إلى كلمة التوحيد والتي يقول عنها الباري تعالى: «كَلِمَةُ لا إِلَهَ إِلا

  • ۵۱۲

    الله‌ حِصنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصنِي أَمِنَ مِنْ عَداِبي»[1]، فيجب على الناس في مسار العبادة والعبوديّة الدخول في هذا الحصن الإلهي لنكون في أمن من العذاب الإلهي، يجب علينا الشهادة بوحدانيّة الله‌ تعالى والشهادة بنبوّة وعبوديّة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهلأنّ جميع أمور الوجود تعود إلى هاتين الشهادتين، أحدهما الشهادة بالتوحيد، والأخرى الشهادة بنبوّة ورسالة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله.

    يقول المرحوم الشهيد الثاني رحمه‌الله فيما يتّصل بهاتين الشهادتين: «فإنّهما أوّل الوسائل وأساس الفواضل»[2].

    إذا أراد الإنسان أن يفتح باب الحوار والارتباط مع الله‌ تعالى ويجعل نفسه في حصن وحرز الباري تعالى وجب عليه القيام بأمرين: أحدهما، الاعتقاد والتصديق القلبي بالتوحيد، والآخر، الاعتقاد بنبوّة نبيّ الإسلام ورسالته، أمّا ما ورد في الأذكار بأنّه لا يوجد ذكر أهم من ذكر «لا إله إلاّ الله» فهذا يعكس هذه الحقيقة أيضا، فأفضل شيء في مجال العلاقة بين الإنسان وربّه هو أن يجعل الإنسان نفسه في مرتبة التوحيد، ثمّ يتوجّه إلى أحبّ الخلق إلى الله‌ ويؤدّي شهادته بعبوديّة ونبوّة الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى جانب كلمة التوحيد، يعني أننا نعترف ونعلم بأنّ النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله هو عبد من عبيد الله‌ ورسوله إلى الخلق، رغم أنّ الشهادة بالنبوّة وردت إلى جانب الشهادة بالتوحيد.

    وسبق أن ذكرنا أنّ الشهادة بالرسالة والنبوّة تقع في باطن الشهادة بالتوحيد، كما أنّ الشهادة بالتوحيد تكمن في باطن الشهادة بالرسالة والنبوّة، وكذلك فإنّ الشهادة بالولاية كامنة في باطن الشهادة بالتوحيد والنبوّة، وهذه الخصوصيّة موجودة في التشهد.


    1. بحار الأنوار، ج 3، ص 13؛ و ج 90، ص 192.

    2. التنبيهات العليّة على وظائف الصّلاة القلبيّة، ص 127.

  • ۵۱۳

    وعلى هذا الأساس يجب على المصلّي الالتفات إلى أسرار وآداب التشهد، ويهتمّ بمراعاة هذه الآداب لتحظى صلاته بالقبول من قِبل الباري تعالى، ولئلا تذهب أعماله من القيام والركوع والسجود هباءً منثورا، ولذلك ينبغي عليه أن يجلس للتشهد بحالة من الخجل والحياء لأنّه لم يتمكن من أداء هذه العبادة وهذه الصّلاة حقّها ولم يقدّم لله‌ تعالى عملاً جيدا وقيم، والآن يريد أن يشهد بالتوحيد ويشهد بنبوّة الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهلجبران هذا القصور والتقصير ولتنفتح عليه أبواب الرحمة الإلهيّة.

  • ۵۱۴
  • ۵۱۵

    الفصل العاشر: الـسّــلام


  • ۵۱۶
  • ۵۱۷

    166ـ حقيقة التسليم


    بسم الله الرحمن الرحيم

    وآخر قسم من البحث في أسرار الصّلاة، يتمحور حول التسليم في الصّلاة، ولذلك نبيّن هذا القسم بشكل موجز، فالتسليم يعني نهاية هذا السفر المعنوي والمعراج الإلهي، فالنقطة المهمّة هنا هي أنّ المصلّي يستطيع أن يذكر سلام الصّلاة على نحو الحقيقة عندما يشعر واقعا بأنّه غاب عن عالم الدنيا وعالم الكثرات ويعيش في عالم الآخر عندما كان في صلاته ثمّ رجع إلى هذا العالم مرّة أخرى بالتسليم، ولكن ذلك الشخص الذي كان في صلاته يعيش أجواء الدنيا ويفكّر في مطلباتها، أي أنّه لم يكن غائبا عن هذا العالم المادي ولم يسافر في صلاته نحو الله‌ تعالى في معراج القرب، فإنّ هذا التسليم لا يساوي شيئا في عالم الحقيقة والمعنى سوى لقلقة اللسان، لأنّ الخروج من الدنيا والعروج إلى عالم الملكوت لم يتحقّق لدى هذا الشخص ليكون لسلامه في نهاية الصّلاة معنى وحقيقة.

    والمصلّي إذا كان في هذا السفر في سلامة من تصرفات الشيطان وتسويلات

  • ۵۱۸

    النفس الأمارة وكان قلبه في هذا المعراج المعنوي سليما وغير ملوث بشوائب الأنانيّة وحبّ الدنيا فإنّ تسليمه يكون ذا حقيقة ومعنى وإلاّ لا سلام له[1].

    وجاء في كتاب «مصباح الشريعة» رواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام بالنسبة لمعنى السلام في نهاية الصّلاة، فقال الإمام عليه‌السلام: إنّ معنى السلام في ختام كلّ صلاة عبارة عن الأمان: «مِنْ أدّى أَمرَ الله‌ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله خَالِصا للهِ خَاشِعا فِيهِ فَلَهُ الأَمَان مِنْ بَلاءِ الدُّنيا وَبَراءَةٌ مِنْ عَذابِ الآخِرَةِ».

    ويتابع الإمام بقول: «السَلامٌ اسْمٌ مِنْ أَسمَاءِ الله‌ تَعَالى أَودَعَهُ خَلقَهُ، لِيسَتَعْمِلُوا مَعنَاهُ فِي المُعَامَلاتِ وَالأَمَانَاتِ وَالإِنصَافَاتِ وَتَصدِيقُ مُصَاحَبَتِهِم فِيمَا بَينَهُم وَصِحَّةُ مُعَاشَرَتِهِم»، فلو أنّ الإنسان في جميع أموره وجميع معاملاته وتواصله مع الآخرين استند واستعمل اسم الله‌ تبارك وتعالى واقعا فإنّه سيكون مصحوبا بالسلامة والأمن من كلّ أمر وفي كلّ فعل من أفعاله ولا يستطيع الشيطان أن يتدخل ويلوّث أعماله وسلوكياته بشوائب غير إلهيّة، هذه الحقيقة مركوزة في التسليم في الصّلاة.

    ثمّ يقول عليه‌السلام: «وَإِذا أَرَدْتَ أَنْ تَضَعَ السَّلامَ مَوضِعَهُ، فَاتَّقِ الله‌ وَلَيُسلَمْ مِنْكَ دِينَكَ وَقَلْبَكَ وَعَقلَكَ، وَلا تُدَنِّسَها بِظُلمَةِ المَعاصِي»، وهذا يعني أنّ التقوى الإلهيّة شرط ليتحقّق السلام في نفس الإنسان على نحو الحقيقة ويسلم بوسيلة التقوى دين الإنسان وقلبه وعقله بشرط أن لا يتلوّث بظلمة المعاصي ولوث الذنوب.

    يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: إذا أردت أن تدرك المعنى الواقعي للسلام فيجب عليك أن تحقّق في نفسك حالة التقوى، وهذا يعني أنّ الشخص الذي لا يعيش حالة التقوى، ويتلفظ بالسلام، الذي هو اسم من أسماء الله‌، سواءً في صلاته أو في غير صلاته، فهذا السلام لم يقع موقعه المناسب، ويجب أن يتحلّى الإنسان في


    1. اُنظر: آداب الصّلاة، ص 367.

  • ۵۱۹

    دينه وقلبه وعقله بالسلامة ويراقب دينه وقلبه وعقله لئلا تتلوّث بشوائب الذنوب، وعندها يتحقّق السلام الحقيقي، ثمّ يقول عليه‌السلام: ينبغي أن تكون الملائكة الحفظة في أمانٍ منك، فالملائكة الموكّلون بالإنسان لمراقبة أعماله وأفعاله وكلماته، سيشعرون بالألم والاستياء عندما يصدر عمل قبيح من هذا الشخص.

    وثمّة نقاط مهمّة في سياق هذه الرواية مورد البحث، حيث يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: أنّ معنى السلام هو أن يكون صديقك في أمان منك وكذلك عدوّك.

    «وَمَنْ لا يَضَعُ السَّلامَ مَوَاضِعَهُ هَذهِ فَلا سَلامَ وَلا تَسلِيمَ وَكَانَ كَاذِبا فِي سَلامِهِ وإِنْ أَفشَاهُ فِي الخَلْقِ»[1]، فلو أنّ دينه ونفسه وعقله لم يكن في أمان منه ولم يكن أصدقاؤه وأرحامه وأهله في أمان منه وحتى لو سلّم عليهم فإنّ السلام هذا لا واقعيّة له ويعتبر سلاما كاذبا.

    نسأل الله‌ تعالى أن يوفّقنا للإتيان بالصّلاة الحقيقيّة ونستطيع أن نحقق هذا الاسم من أسماء الله‌ الحسنى في جميع أبعاد حياتنا ومعيشتنا، وظاهرنا وباطننا بحقّ محمّد وآله الطاهرين صلوات الله‌ عليهم أجمعين.


    1. بحار الأنوار،، ج 82، ص 307.

۹۹,۳۰۴ بازدید