pic
pic
  • ۵۱

    12ـ المقصود من القلب في الروايات


    بسم الله الرحمن الرحيم

    «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ»[1]

    وصلنا في البحث إلى معنى القلب وما يتعلّق به بشكل عامّ، ويقول الإمام الخميني قدس‌سره[2]: «في موجودات العالم، فإنّ نورانيّة وكمال كلّ موجود ترتبط بالصورة النوعيّة والكمال الآخير له، أمّا في الإنسان فإنّ كماله وسعادته مرتبطة بنفسه الناطقة وهي النفخة الإلهيّة التي يقول عنها الباري تبارك وتعالى: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي...»[3]، ومقصودنا من القلب هو الحقيقة الإنسانيّة التي جعلها الله‌ وديعة في الإنسان، وهي الروح التي نفخت في هذا البدن المادّي وتستوعب جميع وجود الإنسان وتشكل حقيقته، ونحن في بحثنا عن أسرار العبادات نواجه مثل هذه الحقيقة، ونحن في مقام بيان هذه المسألة، وهي أنّ هذه الحقيقة الإلهيّة كيف يمكنها أن تكون أكثر نورانيّة، وكيف يمكن أن تفقد هذه النورانيّة، وكيف


    1. سورة الأعراف، الآية 179.

    2. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 15 ـ 16.

    3. سورة الحِجْر، الآية 29.

  • ۵۲

    تصل هذه الحقيقة إلى كمالها المنشود، وكيف لا تصل إلى الكمال؟ ثمّ بحثنا فيما يتّصل بالصّلاة والعبادات ما هو المقدار التي ترتبط هذه الحقيقة بفعل الإنسان، ولعلّه يمكن القول إنّ الله‌ تبارك وتعالى نفخ في وجود الإنسان هذه النفخة الرحمانيّة، والإنسان بدوره ينفخ في أفعاله من هذه النفخة الإلهيّة المودعة عنده، ويمنح أفعاله الحياة، وكلّما كانت رابطة الإنسان مع هذه النفس ومع أفعاله أشدّ وأقوى كان ذلك بمعنى حضور القلب.

    النقطة الثّانية فيما يتّصل بالقلب، هي أنّ مراد من القلب بشكل عام، يعني بغض النظر عن مسألة الصّلاة، فقد ورد في الروايات الشريفة مسائل كليّة تتّصل بهذه الموضوع: «إِذا أرَادَ الله‌ بِعَبْدٍ خَيرا جَعَلَ لَهُ وَاعِظا مِنْ قَلبِهِ»[1].

    فلو أراد الإنسان أن يفهم أنّ الله‌ تعالى هل يهتمّ ويعتني به أم لا؟ فإنّ إحدى العلامات لذلك هو أن يرى هل أنّ قلبه يسدي له الموعظة والنصيحة له أم لا؟ فعندما يجلس وحيدا في مكان ما ويفكّر في ارتكاب الذنب، فهل أنّ قلبه سينهاه عن ذلك ويلومه ويُوبّخه أم لا؟ هل أنّ قلبه يشوقه ويدعوه إلى أعمال الخير ويلفت نظره إلى الآثار والمعطيات الجيدة والسيّئة لأعماله أم لا؟ فربّما نرى البعض منّا وللأسف الشديد يرتكب بعض الأعمال المخالفة ولكنّه لا يجد في نفسه رادعا عنها ولا يجد قلبه يلومه عليها، وهذا يعني أنّ قلبه ليس واعظا له.

    وكذلك ورد في بعض التعابير الأخرى: «مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ قَلبِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيهِ مِنَ الله‌ حَافِظٌ»[2].

    وهذا هو ما ورد عن القلب بشكل عام عبارة اسوداد القلب كما نقرأ في هذا النص: «قَلْبُ المُؤمِنِ أَجرَدُ فِيهِ سِرَاجٌ يَزهَرُ وَقَلْبُ الكَافِرِ أَسْوَدُ»[3].

    واتفق أن ذكرنا أنّ المراد من القلب ليس هو القطعة من اللحم الموجودة في


    1. بحار الأنوار، طبعة بيروت، ج 70، ص 327.

    2. المصدر السابق.

    3. مرآة العقول، ج 9، ص 413.

  • ۵۳

    الصدر، وهذا يعني أنّ الشخص الكافر قد أظلم نفسه وجعل قلبه أسود بأعماله، وهذه النفس لا تدعوه بالسير نحو الله‌ تعالى وعبادته، وهذه النفس تحوّلت إلى حقيقة مظلمة تماما، ولذلك أنّ الإمام الباقر عليه‌السلام يقول في رواية: «إِنَّ القُلُوبَ ثَلاثَةٌ قَلبٌ مَنكُوسٌ لا يَعي شَيئا مِنَ الخَيرِ وَهُوَ قَلبُ الكَافرِ».

    وهذا يعني أنّ مثل هذا القلب صار بمثابة الإناء والظرف لا ينسجم ولا يتناسب مع أي عمل نوراني.

    «وقَلبٌ فِيهِ نُكْتَةٌ سَودَاءُ فَالخَيرُ وَالشّرُّ فِيهِ يَعتَلجَانِ فَأَيُّهُما كَانَتْ مِنْهُ غَلَبَ عَلَيهِ»[1].

    وهذا هو النوع الثاني من القلوب حيث تزدحم فيه حالة الصراع بين الخير والشرّ.

    «وقَلبٌ مَفتُوحٌ فِيهِ مَصابِيحُ تَزهَرُ وَلا يُطفَأُ نُورُهُ إِلى يَومِ القِيامَةِ وَهُوَ قَلبُ المُؤمِنِ»[2].

    وهذا هو ما ورد التعبير عنه بالنفس النورانيّة الإلهيّة التي منحها الله‌ تعالى للإنسان المؤمن، ولكن الشخص الكافر جعل من هذه النفس التي وهبها الله‌ تعالى إليه ظلمانيّة ولا مجال لاشراق النور فيها، بعكس قلب الإنسان المؤمن ونفسه، فهي محلّ تجلي الأنوار الإلهيّة والخيرات الربانيّة.

    وعلى هذا الأساس، فمن جملة النقاط التي يجب الالتفات إليها هي هذا القلب، فينبغي أن نرى في كلّ يوم يمرّ علينا ما مقدار ما اُضيف إلى قلبنا من نورانيّة أو لا سمح الله‌ مقدار ما قلّ ونقص من نورانيّته ونرى الاختلاف في درجات نورانيّة القلب، وهذا الاختلاف يقع في باطن وحقيقة الصّلاة، نسأل الله‌ تعالى أن يزيد من نورانيّة قلوبنا جميعا.


    1. مرآة العقول، ج 9، ص 413.

    2. الكافي، الطبعة الإسلاميّة، ج 2، ص 422.

  • ۵۴

    13ـ الذنب، سبب لظلمة القلب


    بسم الله الرحمن الرحيم

    «كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»[2]

    تقدّم أنّ القلب هو هذه النفس الربانيّة والإلهيّة التي أودعها الله‌ تعالى في وجود الإنسان ويستطيع الإنسان بواسطتها من إدراك الأمور الحسنة والسيّئة، والخير والشرّ، والصحيح والسقيم، ويميّز بين الحقّ والباطل، وعندما نستعرض الآيات والروايات في هذا المجال فسوف يتبيّن لنا المراد من القلب ما هو؟

    يقول الباري تبارك وتعالى في القرآن الكريم: «وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ»[2] أو قوله:«وَطَبَعَ الله‌ عَلَى قُلُوبِهِمْ...»[3]، أو أنّ الله‌ يطبع على قلوب الأشخاص المذنبين، وفي دائرة الثقافة القرآنيّة لو أنّ الإنسان سقط في وادي الذنوب ولم يرجع عنها ويتوب، فعندما أذنب لأوّل مرّة لم يتب، واستمر في ارتكاب الذنب الثاني والثالث ولم يحدث نفسه عن التوبة والإنابة، ثمّ تراكمت


    1. سورة المصطفين، الآية 14.

    2. سورة الأعراف، الآية 100.

    3. سورة التوبة، الآية 93.

  • ۵۵

    عليه الذنوب والمعاصي إلى درجة أنّ هذه الذنوب غطت قلبه واستولت عليه، والقرآن يعبّر عن هذه الحالة بأنّ الله‌ تعالى يطبع على مثل هذا القلب الملوّث بالذنوب والمليء بالخطايا وبالتالي لا يتحرّك هذا الإنسان في طريق النور والحقّ والحقيقة، وجاء في آية أخرى: «كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»، وهذا هو مقصود من الرين على القلب، أو أنّ الأعمال السيّئة التي يقترفها الإنسان من شأنها أن تستولي على قلبه إلى درجة أنّ هذا الشخص لا يستطيع بعدها التمييز بين الحقّ والباطل، وبين الخير والشرّ، وهكذا يصاب قلب الإنسان بحالة الرين والطبع.

    ونقرأ في رواية زرارة عن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ إِلاّ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيضاءٌ فَإذا أَذْنَبَ ذَنبَا خَرَجَ فِي النُّكْتَةِ نُكْتَةٌ سَوَداء، فإنْ تَابَ ذَهَبَ ذَلِكَ السَّوادُ، وإِن تَمادَى فِي الذُّنُوبِ زَادَ ذَلِكَ السَّوادُ حَتَّى يُغطِّي البَياضَ، فإذَا غَطّى البَياضَ لَمْ يَرجَعْ صَاحِبُهُ إِلى الخَيرِ أَبَدا...»[1].

    ثمّ يقول الإمام عليه‌السلام مستشهدا بهذه الآية الكريمة وهو قول الله‌ عزّ وجلّ: «كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ». وهذا هو معنى الرين على القلب.

    وهكذا تبيّن المراد من القلب في النصوص، أي القلب الذي يعيش حالات الظلمة والنورانيّة، القلب الذي يتقبّل السعادة والشقاوة، القلب الذي يملك إقبالاً وإدبارا، وهذا هو المقصود من حضور القلب في الصّلاة.


    1. الكافي المطبعة الإسلاميّة، ج 2، ص 273.

  • ۵۶

    14ـ آثار توجّه القلب وإقباله إلى الله


    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الإمام الباقر عليه‌السلام: «لَيسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤمِنٍ يُقبِلُ بِقَلْبِهِ عَلَى الله‌ عَزَّ وَجَلَّ فِي صَلاتِهِ وَدُعائِهِ إِلاّ أَقْبَلَ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيهِ بِقُلوب المُؤمِنين؛...».

    النقطة الثّالثة فيما يتّصل بقلب الإنسان وهو نفسه وروحه الإنسانيّة، هي أنّ الإنسان إذا أقبل على الله‌ تبارك وتعالى في أي عمل وعبادة وخاصّة في صلاته، فإنّ هذا الأمر يتسبّب بأنّ الله‌ تعالى سيقبل عليه أيضا.

    يقول الإمام الباقر عليه‌السلام: «فَإذا صَلَّيتَ فَأَقبِل بِقَلْبِكَِ عَلَى الله‌ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ لَيسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤمِنٍ يُقبِلُ بِقَلْبِهِ عَلَى الله‌ عَزَّ وَجَلَّ فِي صَلاتِهِ وَدُعائِهِ إِلاّ أَقْبَلَ الله‌ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيهِ بِقُلوب المُؤمِنينَ إِلَيهِ وَأَيَّدَهُ مَعَ مَودَّتِهِم إِيَّاهُ بِالجَنَّةِ»[1].

    وهذا يؤيّد أنّ أوّل ثمرة لحضور القلب والدعاء هي إقبال الله‌ تعالى على هذا العبد المؤمن «وَأَيَّدَهُ مَعَ مَودَّتِهِم...»، أي أيّد هذا الإنسان المؤمن بمودّة ومحبّة المؤمنين له.


    1. من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 209.

  • ۵۷

    ونقرأ في رواية أخرى عن الإمام الباقر عليه‌السلام أيضا أنّه قال: «إِذا قَامَ العَبْدُ المُؤمِنُ فِي صَلاتِهِ نَظَرَ الله‌ أو قَالَ أَقبَل الله‌ عَلَيهِ حَتّى ينْصرِف، وَأَظَلَّتْهُ الرَّحمَةُ مِنْ فَوقِ رَأسِهِ إِلى أُفقِ السَّماءِ؛

    وهذا كناية عن أنّ مطر الرحمة الإلهيّة ينزل على هذا الشخص المصلّي الذي ارتبط قلبه بالصّلاة.

    وَالمَلائِكَةُ تَحُفُّهُ مِنْ حَولَهُ إِلى أُفُقِ السَّماءِ، وَوَكَّلَ الله‌ بِهِ مَلَكا قَائِمَا عَلَى رَأَسِهِ، يِقُولُ لَهُ أَيُّها المُصَلِّي لَو تَعلَمُ مَنْ يَنظرُ إِلَيكَ وَمَنْ تُناجِي مَا التِفتَ وَلا زِلتَ مِنْ مَوضِعِكَ أَبَدا»[1].

    إذن فإقبال القلب يؤدّي إلى إقبال الباري تبارك وتعالى على الإنسان، وهذه العبارة وردت أيضا في كلمات الإمام الخميني (رضوان الله‌ تعالى عليه) حيث يقول: «والله‌ يعلم في هذا الإقبال من الله‌ على عبده ماذا يحصل العبد على كرامات وأنوار لا يدركها عقل أي بشر ولا تخطر على قلب أحد»[2].

    وهكذا هو إقبال الله‌ تعالى على الإنسان وليس مثل إقبال إنسان على إنسان آخر من قبيل إقبال الملك أو رئيس البلاد على بعض أفراد الشعب، أو من قبيل إقبال العالم على الجاهل، فإقبال الله‌ تعالى على عبده لا يقارن بمثل هذه الحالات من الإقبال، إذن فالصّلاة التي يصلّيها المؤمن بحضور القلب والتوجّه إلى الباري تعالى ستكون عاملاً على إقبال الباري تعالى عليه ونظره إليه وبالتالي فسوف تفتح عليه جميع أبواب السعادة ومعرفة الحقائق وتملأ وجوده الرحمة الإلهيّة، وتفتح له الأبواب الطرق إلى الكمال المعنوي، فهل يعقل أنّ الله‌ تعالى يُقبل على الإنسان وينظر إليه بنظر الرحمة ولا يؤثر هذا النظر فيه؟ الإنسان يستطيع بنظر


    1. الكافي، المطبعة الإسلاميّة، ج 3، ص 265.

    2. سرّ الصّلاة معراج السالكين، ص 27.

  • ۵۸

    واحدة من الله‌ تعالى عليه أن يكشف الغموض عن الكثير من الحقائق العلميّة وتنحلّ أمامه العقد والمشاكل التي يواجهها في حياته، فيجب علينا أن نستثمر هذه الكرامات من الله‌ ونقبل عليه في صلاتنا.

  • ۵۹

    15ـ مراتب حضور القلب


    بسم الله الرحمن الرحيم

    بالنسبة لحضور القلب في الصّلاة لابدّ من ذكر مسائل كثيرة، فماذا يعني حضور القلب في الصّلاة؟ وما هي مراتبه وأسبابه وموانعه؟ وإذا تيسّر لنا إن شاء فسوف نبسط الكلام عن هذه النقاط المهمّة بلطف الله‌ تعالى وفضله، وسنتحدّث عن أهمّ هذه المسائل.

    وسبق أنّ بيّنا أنّ بعض الأكابر ذكروا أنّ حضور القلب في الصّلاة يعتبر أحد الحالات المهمّة في طريق السلوك إلى الله، وذكروا لحضور القلب مراتب عدّة، المرتبة الأولى أنّ الإنسان يعلم أنّه يقف في محضر الله‌ تعالى وفي حضوره وهو في حال الحديث مع الله‌ ومناجاته ويمتثل لأمره، وفي هذه الصورة فما لم يلتفت الإنسان إلى هذا الموقع ولا يفهم ماذا يقول وما يؤدّي ولا يعلم ما هي حقيقة هذه الأفعال والأركان ولا ينتفع من هيئة الصّلاة، في هذه المرحلة ربّما لا يلتفت أيضا إلى قراءته الصحيحة في الصّلاة بلحن عربي دقيق.

    والمرتبة الثّانية، أن يؤدّي هذه الكلمات وظاهر هذه الأفعال كما أراده الله

  • ۶۰

    تعالى منه وأمر به، فيهتمّ كيف يقف بين يدي الله‌ في حال القيام؟ وكيف ينحني في حال الركوع والسجود؟ وكيف يتلفّظ بكلمات القراءة في قيامه وركوعه وسجوده؟ هذه مرتبة أخرى من حضور القلب.

    أمّا المرتبة الثّالثة، أن يتوجّه إلى حقيقة هذه الأفعال والأذكار ويعلم ما هي حقيقة الركوع وفرقه مع القيام، ويعلم أنّ حقيقة السجود هي الفناء المحض في تبارك وتعالى، وما هو فرقه عن الركوع ويعلم ما هي معاني الأذكار بشكل كامل؟ كأن يدرك معنى قوله «الله‌ أكبر»، فعندما يبتدى‌ء المصلّي بالتكبيرات الابتدائيّة وبعد تكبيرة الإحرام عليه أن يفهم ماذا يقول وما معنى الكلمات والعبارات التي يتلفّظها في حال الصّلاة، وأنّ قصده ونفسه وعواطفه مصدقة لما يجري على لسانه أم لا؟ ويفهم ما هي حقيقة الذكر في الركوع وسائر الأذكار الأخرى.

    والمرحلة الأعلى، أن يتوجّه بشكل كامل إلى الله‌ تعالى ويفنى في وجوده المبارك بحيث يستغرق في وجوده بالله‌ تعالى وتدخل الكلمات إلى قلبه، مضافا إلى أنّه في المرحلة السابقة فهم معنى «الحمد لله‌ ربّ العالمين»، فيفتح قلبه لمثل هذه الحقيقة بمعناها الواسع، وهذا المعنى الواسع هو أنّ الحمد من أي شخص يصدر ومن أي حامد ولأجل أي شيء فهو في الحقيقة حمد لله‌، فلو أنّ شخصا مدح عالما لعلمه، أو أكرم صالحا وزاهدا أو فنانا أو عارفا، فإنّه في الحقيقة إنّما يحمد الله‌ ويثني عليه فلا موجودة يستحق الحمد والثناء سوى الله‌ تعالى، فلو أنّهم أحضروا هذا المعنى العميق في قوله فإنّه يعني كما يقال أكابر علماء الأخلاق حضور القلب في الصّلاة، وبعد حضور القلب، نصل إلى الحالة الثّانية في الصّلاة، وهي حال التفهّم، فالكثير من آثار الصّلاة وثماراتها من قبيل المنع من الفحشاء والمنكر «إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ...»[1]، تتعلقّ بحالة التفهّم، يعني


    1. سورة العنكبوت، الآية 45.

۱۰۶,۴۲۵ بازدید