pic
pic

مقدمه بر کتاب اُصول الشيعة لاستنباط أحكام الشريعة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله‏ ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا الأكرم الّذي هو صاحب أعظم شريعة في العالم وعلى أوصيائه المعصومين، الّذين هم باب علوم الأوّلين والآخرين، وقد انتهى بهم جميع معارف الدين اُصوله وفروعه.

وأمّا بعد فلا يخفى على من له ممارسة بالعلوم أنّ علم الفقه من أشرف العلوم غاية بعد معرفة اللّه‏ تبارك وتعالى وصفاته وأفعاله، فإنّ سعادة البشر دنيويّاً واُخرويّاً في ظلّ الفقه والأحكام الّتي وصلت إلينا من طريق القرآن والعترة الطاهرة، ومن أهمّ المقدّمات لتحصيل ملكة الاستنباط والنيل إلى درجة الاجتهاد، هو علم اُصول الفقه.

فهذا العلم يجعل صاحبه ذا قوّة عميقة لفهم المنابع الاستدلاليّة ويعينه على فهم الكتاب.

فهو ليس منطق الفقه فقط بل هو منطق لكثير من العلوم العالية كالفقه والتفسير والعقائد والتاريخ، فإنّ البحث عن حجّيـّة خبر الواحد ليس منحصراً بالأحكام الفرعيّة ـ على ما حقّقناه في محلّه ـ بل هو حجّة حتّى في الروايات التفسيريّة والعقائديّة والتاريخيّة، كما أنّ مباحث القطع صالحة للمسائل الاعتقاديّة أيضاً وهكذا مسألة الحسن والقبح العقليـّين الّتي هي الركن الركين للمباحث الاعتقادية الجديدة أيضاً.
وبناء عليه تجب إعادة النظر في تعريف علم اُصول الفقه و نقول بأنّه ليس آلة للفقه بل هو آلة ومنطق للعلوم المهمّة نعم نفعه للفقه أكثر من سائر العلوم وبالجملة لا شكّ في أنّ من لا معرفة له بعلم اُصول الفقه لا معرفة له بالأحكام الشرعيّة ولا حظّ له من فهم القرآن و الأخبار.

ولأجل هذا نرى أنّ الأكابر من المجتهدين قد اهتمّوا اهتماماً كثيراً بالغور حول مباحث هذا العلم ونرى تطوّره في هذا الزمان ما لا يرى مثله في العلوم المسانخة له، فانظروا إلى مباحث الاُصول العمليّة كيف تطوّرت وتكاملت في طيّ القرون المتعدّدة، حتّى صارت مجموعة مفصّلة عظيمة نافعة، وشكّلت كتاباً جامعاً ضخماً، فكانت البرائة العقليّة في فترة من الزمن قسماً من الاستصحاب والمحقّق الحلّي في المعتبر والشهيد في الدروس قد جعلاها من الأدلّة العقليّة القطعيّة، واستدلاّ عليها بقاعدة أنّ «عدم الدليل دليل على العدم»، وفي الزمن الثاني جعلوها من الأمارات الظنّيـّة كصاحب المعالم، وفي الزمن الثالث قد طرحت بعنوان الأصل العملي، ولعلّ أوّل من تنبّه لذلك هو صاحب شرح الوافية السيّد جمال الدين وقد تكاملت في زمن الوحيد البهبهاني، ثمّ الشيخ الأعظم الأنصاري، فيا أيّها العالم والسالك سبيل الاستنباط، لا تغترّ بظاهر ما ذكره بعض من التورّم في هذا العلم ولا تجعل بينك وبينه فصلاً وبوناً وعليك بالاتّصال الأكيد والاُنس الشديد والممارسة الدائميّة بقواعده ومسائله واجعل فكرك خالصاً وفارغاً لتحصيل قواعده الجديدة للوصول إلى الأحكام الدقيقة ولا أقصد بذلك الدفاع عن التطويل بلا طائل والإطناب المملّ المضرّ، بل المقصود أنّ هذا التعبير لا يوقفك عن التحقيق والتعميق، سيّما في العصر الحاضر من جهة أنّ النظام البشري محتاج جدّاً إلى تنسيق اُمورهم مع المباني الشرعيّة، ومن الواضح أنّ من كان له قوّة في هذا العلم يقدر على هذا التنسيق والتوفيق ويصل في جنبه إلى نكات جديدة وقواعد بديعة ومبانٍ خاصّة لاستنباط الأحكام الدينيّة والإجابة على الأسئلة الكثيرة المتوفّرة، كما أنّ بعض التقسيمات المهمّة للحكم كانقسامه إلى الأوّليّ والثانوي وإلى الشخصي والولايي وأيضاً إلى الحكومي وغيره يجعل المُباحث أقوى استنباطاً وأقدر إجابة على الموضوعات الجديدة في العلوم المختلفة كالطبّ والقضاء والاجتماع ونظائرها فأنتم تعلمون أنّ انقسام الخطاب إلى الشخصي والقانوني الّذي أسّسه الاُصولي المحقّق الإمام الخميني قدس‏سره وتبعه تلميذه الفقيه الوالد المحقّق رضوان اللّه‏ عليه مضافاً إلى تأثيره في حلّ بعض من المشكلات العلميّة في هذا العلم له دخل حقيقي في استخراج الأحكام الشرعيّة كما أنّ القول بعدم وجود المجعول في الأمارات والاُصول العلميّة ـ قبال من قال بجعل المؤدّى كالشيخ الأعظم أو المعذّريّة والمنجّزيّة كالمحقّق الخراساني أو الحجّيّة كالمحقّق الإصفهاني أو الوسطيّة في الإثبات كالمحقّق النائيني ـ الّذي اختاره الإمام الراحل ونحن قبلناه وأثبتناه وأكّدنا أنّه من هذا الطريق ترتفع مشكلة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري وليس عندنا في الشريعة حكم يسمّى بالحكم الظاهري حتّى نحتاج إلى الجمع بينه وبين الحكم الواقعي، له دخل عظيم في حلّ المشكلات الفقهيّة.

وبالجملة لكلّ واحد من الاُصوليّـين سهم وافر في توسعة هذا العلم وتعميقه وفي العصر الحاضر كان والدي سماحة العلاّمة الفقيه الاُصولي المدقّق آية اللّه‏ العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني رضوان اللّه‏ عليه أحد أركان هذا العلم وله سهم كثير في تشريح مباني القوم سيّما المباني المبتكرة لاُستاذيه البروجردي والخميني ولبحثه ودروسه مضافاً إلى حضور مئات من الفضلاء امتيازات عديدة ومن أهمّها إحاطته الواسعة على المدرسة الاُصوليّة في النجف وقم ونحن نشاهد هذا بوضوح في طيّ بحوثه وهذه الخصوصيّة نادرة في عصرنا والمجموعة التي بين أيديكم من أوّلها إلى آخر البرائة تقرير الدورة الثانية ومن بداية أصالة التخيير إلى آخر المجموعة تقرير الدورة الاُولى من اُصوله بيد الفاضل العالم حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد حسين اليوسفي دامت تأييداته فقد أتى بجميع مطالبه ودقائق مباحثه بقلم واضح لا تعقيد فيه، فجزاه اللّه‏ خير الجزاء ونسأل اللّه‏ تبارك وتعالى أن يجعل هذا ذخراً له ولاُستاذه ولجميع من ساعده في مركز فقه الأئمّة الأطهار عليهم‏السلامسيّما مدير المركز سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّدرضا الفاضل الكاشاني دامت بركاته.

والسلام عليه وعلى جميع الفقهاء والاُصوليّـين يوم ولدوا ويوم ماتوا ويوم يبعثون و رحمة اللّه‏ وبركاته.

محمّد جواد الفاضل اللنكراني
شوّال المكرّم 1430ق.


نظر شما

کد امنیتی
مطالب بیشتر...