pic
pic
  • ۹۱

    اللحاظين)(1).

    الإشكال على نظرية المحقق النائيني:

    ظهر مما سبق أنّ رد الميرزا النائيني لا يشكلّ جواباً عن الإشكال بل هو إقرار وقبول الإشكال، وذلك أنّه أقرّ بأنّ التعبير الواحد لا يمكنه أن يبيّن الشك في المركّب والشك في الجزء معاً بل لابد من إثبات قاعدة الفراغ أولاً ثمّ يستفاد قاعدة التجاوز من الأدلّة الحاكمة، وعليه فإنّه يركز في جوابه عن الإشكال، على عدم كون القاعدتين في عرض واحدٍ وهذا قبول الإشكال.

    وبعبارة أخرى إنّ المحقق النائيني لو كان يردّ على إشكال (اجتماع لحاظين متغايرين على ملحوظ واحدٍ) بالاعتماد على فرض القاعدتين في عرضٍ واحد لم يردْ على ردّه إشكال لكنّه غيّر صورة فرض المسألة في مقام الإجابة، وهذا اعتراف وتسليم للإشكال لا جواب عنه.

    2 ـ نظرية المحقق الخوئي:

    ذكر السيد الخوئي في مقام الإجابة عن الدليل الثاني للمحقق النائيني ثلاثة أجوبة، وها نحن نذكرها بغرض مناقشتها:

    أ ـ الأوّل أنّه لا اختصاص لقاعدة الفراغ بالشك في صحّة الكلّ بل تجري عند الشك في صحّة الجزء أيضاً ولعله المشهور، فعلى تقدير تعدد القاعدتين أيضاً يلزم تعلّق اللحاظ الاستقلالي والتبعي بالجزء في جعل نفس قاعدة الفراغ فما به الجواب على تقدير التعدّد يجاب به على تقدير الاتحاد أيضاً(2).


    1 . السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات ج4ص216-217.

    2 . السيد محمد سرور الواعظ الحسيني: مصباح الأصول273:3.

  • ۹۲

    إنّ الجواب الأوّل للسيد الخوئي في الواقع جواب نقضي على الدليل الثاني حيث إنّ إشكال اجتماع لحاظين متغايرين على ملحوظٍ واحد يرد في قاعدة الفراغ أيضاً على مبنى قاعدة تعدّد القاعدتين، لأنّ قاعدة الفراغ كما تجري في موارد الشك بعد إتمام العمل، كذلك تجري في موارد الشك في صحة الجزء فإنّ من شكّ حالة السجود في صحّة ركوعه المأتي به جرت في حقّه قاعدة الفراغ في هذا الجزء المفروغ منه وعليه يُستشكل في مجرى قاعدة الفراغ أنّ الشارع المقدّس يجب أنْ يلاحظ الجزء استقلالاً وتبعاً في مقام جعل القاعدة.

    الإشكال على جواب السيد الخوئي الأوّل:

    الظاهر أنّ جواب السيد الخوئي غير تامّ إذ ـ كما بيّنا سابقاً وسيأتي في فروع المسألة لاحقاً ـ أنّ قاعدة الفراغ لا تجري في الشك في الأجزاء بل هي مختصّة بالفراغ من مجموع العمل أمّا في الشك في الأجزاء فتجري قاعدة التجاوز فقط، فلو شك في أصل وجود الجزء دلّ منطوق قاعدة التجاوز على عدم الاعتناء بالشك، أمّا لو شك في صحّة الجزء المأتي به فإنّ قاعدة التجاوز تدلّ بمفهوم الأوّلوية على عدم الاعتناء بالشك إذ لو لم يجب الاعتناء بالشك في أصل وجود الشيء لم يجب الاعتناء بالشك في صحّته بطريق أولى.

    ب: الثاني: إنّ الجمع بين القاعدتين ممكن بإلغاء الخصوصيّات على ما ذكرناه فإنّ لحاظ الكلّ والجزء بما هما كلّ يستلزم اجتماع اللحاظ الاستقلالي والتبعي في الجزء بخلاف لحاظهما مع إلغاء خصوصيّة الجزئية والكلّية بأنْ يلاحظ لفظ عام شامل لهما كلفظ الشيء ويحكم بعدم الاعتناء بالشك فيه بعد الخروج عن محله فإنّه لا محذور فيه أصلاً(1).


    1 . السيد محمد سرور الواعظ الحسيني: مصباح الأصول273:3.

  • ۹۳

    يذكر المحقق الخوئي في هذا الجواب أنّه كما بيّنا في الجواب عن الدليل الأوّل أنّ متعلّق الشك هو عنوان الشيء بعد المضيّ الشامل للصحة والوجود فإنّ هنا أيضاً لا يلزم إشكال اجتماع لحاظين متغايرين على ملحوظ واحد فيما لو ألغينا خصوصية الكلّية والجزئية بجعل لفظ عام كلفظ (الشيء) بعنوان الكبرى.

    الظاهر أنّ هذا الجواب تامّ وصحيح(1) لأنّ اجتماع اللحاظين المتغايرين إنّما يلزم فيما لو لاحظ الشارع المقدّس في الكبرى الكلّية الجزء والكلّ بخصوصياتها أمّا لو اُلغيت الخصوصية عنهما واستعمل في الكبرى عنوان عام كلّي بحيث يشمل الجزء والكلّ معاً فلا يلزم المحذور.

    ج ـ (الثالث ما ذكرناه أخيراً من أنّ الشك في صحة الصلاة مثلاً بعد الفراغ منها يكون ناشئاً من الشك في وجود الجزء أو الشرط فيكون مورداً لقاعدة التجاوز ويحكم بوجود المشكوك فيه فلا حاجة إلى جعل قاعدة الفراغ مستقلاً)(2).

    الجواب الثالث للسيد الخوئي يعاكس جواب المحقق النائيني وذلك أنّ الميرزا النائيني كان يرى أنّ هناك مجعولاً شرعياً واحداً يسمّى بقاعدة الفراغ، أمّا


    1 . أورد بعض الفضلاء بأنّ عنوان عدم الاعتناء بالشكّ في الشيء بعد المضي عنه لا يمكن أن يكون جامعاً بين قاعدتي الفراغ والتجاوز إذ كما ذكر الأستاذ المعظّم في الأبحاث السابقة أنّ القدر الجامع يجب أن يكون قريباً بين عنواني الصحة والوجود وليس كذلك عنوان الشيء بعد المضيّ لشموله لعناوين أخرى كالموالاة والترتيب أو الركعة مع أنّ قاعدة الفراغ والتجاوز لا تجري فيها ولم يحكم أحدٌ بأنّ من شك في الركعة الثالثة من الثلاثية هل جاء بالركعة الثانية أولا؟ بوجوب البناء على الإتيان بل تبطل الصلاة بهذا الشك، إلا أن نقول بأنّ عنوان الشيء الوارد في الروايات لا يشمل العناوين التي ليس لها ما بإزاء مستقل وكانت من العناوين الانتزاعية كما التزم بذلك المحقق العراقي في الموالاة والترتيب (نهاية الأفكار ج3/4ص39) لكن يجب عليه حينئذٍ أن يلتزم بأن قاعدة الفراغ الجارية في الشك في الشيء بعد الفراغ لا تجري في كلّ من العبادات والمعاملات لأن عناوين العبادات كالصلاة والصوم والمعاملات كالبيع والنكاح برمّتها عناوين انتزاعية.

    2 . السيد محمد سرور الواعظ الحسيني: مصباح الأصول273:3.

  • ۹۴

    المحقق الخوئي فيرى أنّ الشك في الصحّة راجع إلى الشك في الوجود وبالتالي يكون من مصاديق قاعدة التجاوز ويُحكم فيه بوجود الجزء المشكوك فيه، ومن هنا فلا حاجة إلى جعل مستقل لقاعدة الفراغ حتى يُستشكل بأنّ في جعل قاعدة الفراغ لابد من لحاظ الأجزاء على نحو التبعية والاندكاك، وفي قاعدة التجاوز على نحو الاستقلالية، وعليه فلا يمكن جعلهما بخطاب وتعبير واحد.

    والظاهر أنّ هذا الجواب غير تام لأنّه قبولٌ وإقرار بالإشكال وليس ردّاً عليه كما سبق ذلك في جواب المحقق النائيني.

    الدليل الثالث: محذور الجمع بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي:

    المحذور الثالث هو أنّه لو تضمّنت الكبرى الكلّية الواحدة على بيان قاعدتي الفراغ والتجاوز أدّى ذلك إلى لزوم استعمال لفظ واحد في كلا معنييه الحقيقي والمجازي واستعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي معاً مشكل ومحال.

    توضيح ذلك: هو أنّ مجرى قاعدة التجاوز هو التجاوز عن محل الجزء المشكوك بينما مجرى قاعدة الفراغ هو التجاوز عن نفس العمل المركّب والتجاوز عن الشيء نفسه، والجمع بينهما في التعبير والخطاب الواحد غير ممكن.

    يقول المحقق النائيني في هذا المجال:

    الرابع أنّ الميزان في جريان قاعدة التجاوز هو التجاوز عن محلّ الجزء المشكوك كما إذا دخل في التشهّد وشكّ في وجود الجزء السابق عليه كالسجدة والميزان في جريان قاعدة الفراغ هو التجاوز عن نفس المركب فكيف يمكن إرادة التجاوز عن المحل والتجاوز عن نفس الشيء من لفظ التجاوز الوارد في

  • ۹۵

    الرواية معاً(1).

    يقول المحقق السيد الخوئي في توضيح هذا الدليل:

    الوجه الثالث أنّ الجمع بين القاعدتين يستلزم استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمعنى العنائي وهو لا يجوز. وذلك لأنّ التجاوز عن الشيء في مورد قاعدة الفراغ هو التجاوز الحقيقي إذ الشك متعلق بصحّته مع العلم بوجوده فيصدق التجاوز عنه حقيقة بخلاف التجاوز في مورد قاعدة التجاوز فإنّه لا يصدق التجاوز الحقيقي عن الشيء مع الشك في وجوده، فلابدّ من إعمال عناية بأنْ يكون المراد من التجاوز عن الشيء هو التجاوز عن محلّه على طريقة المجاز في الكلّمة أو في الإسناد أو في الحذف، بأن يراد من الشيءِ محلّه أو يُسند التجاوز إليه بالإسناد المجازي أو يقدّر المضاف وهو لفظ المحلّ فالجمع بين القاعدتين في جعل واحد يستلزم الجمع بين المعنى الحقيقي والعنائي وهو لا يجوز)(2).

    الإشكالات على الدليل الثالث:

    أجيب عن الدليل الثالث (محذور الجمع بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي بجوابين أحدهما للمحقق النائيني والآخر للسيد الخوئي.

    أمّا جواب المحقق النائيني عن الدليل الثالث:

    1 ـ نظرية المحقق النائيني:

    أنّ هناك عنواناً عاماً هو (التجاوز عن الشيء) وله مصاديق مختلفة أي أنّ


    1 . السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات215:4، محمد علي الكاظمي الخراساني: فوائد الأصول 3: 622.

    2 . السيد محمد سرور الواعظ الحسيني: مصباح الأصول274:3.

  • ۹۶

    هناك أمرين يوجبان تحقق ذلك العنوان أحدهما الفراغ من العمل، والمصداق الآخر هو التجاوز عن المحلّ المعيّن وعليه فلا يلزم إشكال الجمع بين المعنيين الحقيقي والمجازي.

    (إنّ المراد من التجاوز الوارد فيها هو التجاوز عن نفس الشيءِ مطلقاً غاية الأمر أنّ التجاوز عن محلّ المشكوك بعد تعيّن وقوعه فيه يوجب صدق التجاوز عن المشكوك، فمحقق التجاوز عن الشيء أمران أحدهما التجاوز عنه بالفراغ عنه والثاني التجاوز عنه بتجاوز محلّه المتعيّن وقوعه فيه كما في موارد التجاوز)(1).

    2 ـ نظرية المحقق الخوئي:

    أجاب المرحوم السيد الخوئي عن هذا الإشكال بما يُشبه جوابه عن الإشكال الثاني وهو أنّ الشك في الصحة ناشئ عن الشك في الوجود ومتى أمكن إجراء قاعدة التجاوز لم يبق مجال لقاعدة الفراغ.

    يظهر الجواب عن هذا الاستدلال مما ذكرناه من أنّ الشك في الصحة دائماً ناشئٌ من الشك في وجود الجزء أو الشرط فالتجاوز في مورد قاعدة الفراغ أيضاً هو التجاوز عن محلّ الشيء المشكوك فيه سواء كان جزءاً أو شرطاً فلا فرق بين قاعدة الفراغ والتجاوز عن هذه الجهة ولا يلزم بين المعنى الحقيقي والعنائي(2).

    الدليل الرابع محذور التدافع:

    الإشكال الأخير على اتحاد قاعدة الفراغ والتجاوز هو محذور التدافع الذي


    1 . السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات216:4، والجدير بالذكر أنّ جواب المحقّق إنّما قرّره المحقق الكاظمي بوجه وبيان آخر حيث قال: (إنّ المراد من التجاوز إنّما هو التجاوز عن محلّ المشكوك فيه مطلقاً فإنّ الشك في قاعدة الفراغ أيضاً يكون بعد التجاوز عن محلّ الجزء المشكوك فيه الذي كان سبباً للشك في وجود الكلّ) فوائد الأصول262:3.

    2 . السيد محمد سرور الواعظ الحسيني: مصباح الأصول274:3.

  • ۹۷

    ذكر أصله الشيخ الأعظم الأنصاري في الرسائل إلاّ أنّ المحقق النائيني ذكره ببيان أوضح ودقّة أكثر.

    توضيح الإشكال: أنّه لو دلّت الكبرى الواحدة (عدم الاعتناء بالشك بعد المضيّ، على القاعدتين لزم التناقض والتدافع، مثلاً لو شك المصلّي حالة السجود في أنّه هل ركع أو لا؟ دلّ منطوق (عدم الاعتناء بالشك بعد المضي) على عدم اعتنائه بشكه لأنه قد تجاوز عن محل الجزء المشكوك، وبهذا يكون المنطوق مفيداً لقاعدة التجاوز، أمّا بالنسبة إلى جميع الصلاة فلم يحصل المضيّ فيها لأنّ العمل لم تكتمل بعدُ، ومن هنا دلّ مفهوم القاعدة على وجوب الاعتناء بهذا الشك، وبالتالي يكون المفهوم مفيداً لقاعدة الفراغ، وعلى هذا كلّه لا يمكن للكبرى الكلّية الواحدة أن تبيّن الشك في الكلّ والجزء معاً.

    وبعبارة أخرى فإنّ التعبير الواحد (الكبرى الكلّيّة) لو دلّت على القاعدتين فإنّ في الشك في الجزء قبل انتهاء العمل تحكم قاعدة الفراغ بعدم الاعتناء بالشك، أمّا قاعدة الفراغ فتحكم بوجوب الاعتناء بالشك وهذا ليس بصحيح، لأنّ ذلك يعني تدافع القاعدتين(1).

    الإشكالات على الدليل الرابع:

    أجيب عن هذا الدليل بعدّة أجوبة وقد أوردت عليها إيرادات متعدّدة ونحن بدورنا نناقشها ونبحث حولها:


    1 . يقول المحقق النائيني في هذا المجال وتوضيحاً للإشكال: (إنه يلزم التدافع بناءً على اتحاد الكبرى فيما إذا شكّ بعد التجاوز عن محلّ المشكوك فإنّه باعتبار لحاظ الجزء نفسه كما هو مورد قاعدة التجاوز يصدق أنّه تجاوز عن محلّه فلا يعتنى بالشك وباعتبار لحاظ المركّب بما هو يصدق إنّه لم يتجاوز فيجب عليه التدارك فيلزم التدافع من جهة الاعتبارين)السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات213:4، محمد علي الكاظمي الخراساني: فوائد الأصول623:3، السيد محمد سرور الواعظ الحسيني: مصباح الأصول274:3.

  • ۹۸

    نظرية المحقق النائيني:

    إنّ المحقق النائيني بعد أن بيّن أصل الدليل ذكر الإشكالين عليه ثمّ أجاب عنهما:

    الإشكال الأوّل: هو أن محذور التدافع ليس مختصّاً بما إذا أفادت الكبرى الكلّية الواحدة كلتا القاعدتين بل التدافع يبقى حاضراً حتّى لو كانت القاعدتان قاعدتين مستقلّتين لأنّ قاعدة التجاوز تحكم بوجوب عدم الاعتناء بالشك في الجزء قبل الفراغ من العمل كلّه بينما يحكم مفهوم قاعدة الفراغ بلزوم الاعتناء بذلك الشك وذلك لأنّ العمل لم ينته بعدُ.

    الجواب: أجاب المحقق النائيني عن هذا الإشكال انطلاقاً من رؤيته في حكومة قاعدة التجاوز على قاعدة الفراغ بأنّا لو جعلنا القاعدتين مستقلّتين فإنّ قاعدة التجاوز بما أنّها حاكمة على قاعدة الفراغ فلا يلزم محذور التدافع بخلاف ما لو جعلناهما قاعدة واحدة معنونة بعنوان واحد.

    فإن قلت: إذا كان كلّ من قاعدتي التجاوز والفراغ مغايرة للأخرى يلزم التدافع أيضاً إذ بمقتضى قاعدة التجاوز قد تجاوز عن محل الجزء المشكوك وبمقتضى قاعدة الفراغ لم يتجاوز عن المركب فلزوم التدافع من آثار جعل القاعدتين سواء كان بجعل واحد أو بجعلين.

    قلت: إذا كان جعل قاعدة التجاوز مغايراً لجعل قاعدة الفراغ فلا محالة تكون قاعدة التجاوز حاكمة على قاعدة الفراغ فإنّ الشك في صحة العمل وفساده في مفروض الكلام مسبّب عن الشك في وجود الجزء المشكوك وعدمه فإذا حكم بمقتضى قاعدة التجاوز بوجود الجزء فلا يبقى شك في صحة العمل وفساده فالتدافع بوحدة الجعل ليس إلاّ(1).


    1 . السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات213:4.

  • ۹۹

    الإشكال الثاني: لا فرق في حكومة أحد الدليلين على الدليل الآخرين أن يكون الدليلان مجعولين بجعل واحد أو بجعلين مختلفين، ومّما يشهد على ذلك ما قلنا في مبحث الاستصحاب من أنّ الاستصحاب السببي حاكمٌ على الاستصحاب المسبّبي مع أنّ دليل حجيّتها أمر واحد وهو (لا تنقض اليقين بالشك أبداً).

    ومن هنا فإنّ الحكومة آتية حتّى فيما لو كانت القاعدتان مجعولتين بجعل واحدٍ وبالتالي لا يلزم التدافع هنا.

    الجواب: أجاب المحقّق النائيني بأنّ قياس قاعدتي الفراغ والتجاوز على الأصل السببي والمسببي قياس مع الفارق، وذلك إذ لابدّ في باب الحكومة من وجود المقتضي لجريان كلا الدليلين، ومع جريان أحدهما لم يبق مجال لجريان الآخر، لوجود المانع أمامه كما هو الحال في الأصل السببي والأصل المسبّبي، وليس الأمر كذلك فيما نحن فيه إذ مع جريان قاعدة التجاوز لا يبقى مورد لقاعدة الفراغ.

    وبعبارة أخرى أنّ قاعدة الفراغ لا تجري في الشك في الجزء قبل الفراغ من العمل بوجهٍ من الوجوه سواء كانت قاعدة التجاوز حاكمة عليها أم لم تكن. وعليه ففي قاعدة الفراغ والتجاوز لو تكفلّت الكبرى الواحدة لبيان كلتا القاعدتين لم يكن ذلك من باب حكومة أحد الدليلين على الآخر بل يكون اعتباران في مورد واحد.

    فإن قلت: لا فرق في حكومة أحد الأصلين على الآخرين ما إذا كانا مجعولين بجعل كحكومة الاستصحاب على البراءة وبين ما إذا كانا مجعولين بجعل واحد كما في حكومة أحد الاستصحابين على الآخر فإذا كان شمول

  • ۱۰۰

    القاعدة لمورد التجاوز عن الجزء موجباً لعدم التدافع من جهة حكومتها على قاعدة الفراغ فلا يفرق بين الجعل الواحد والجعلين.

    قلت: حكومة أحد الأصلين المجعولين بجعل واحد على الآخر تتوقّف على كون المورد في حدّ ذاته قابلاً لجريان كلّ منهما وكون فعليّة الجريان في أحدهما مانعةً عن الجريان في الآخر لارتفاع موضوعه به كما في موارد الأصل السببي والمسبّبي ولو كانا من سنخٍ واحدٍ، ومحلّ الكلام ليس من هذا القبيل إذ جريان قاعدة الفراغ فرع الفراغ عن العمل وهو غير متحقّق في مفروض المثال فقبل الفراغ لا موضوع لجريان القاعدة حتّى يتكلّم في حكومة قاعدة التجاوز عليها بل المتحقّق فيه هو عكس القاعدة.

    ولا ريب أنّه مع اتّحاد الكبرى المجعولة ولحاظ الجزء أمراً مستقلاً عند لحاظ المركّب بما هو، يندرج مفروض المثال في القاعدة وعكسها باعتبارين وأين هذا من حكومة أحد الأصلين على الآخر؟ وبالجملة حكومة بعض أفراد الأصل على البعض الآخر وإن كان مّما لا ينكر إلاّ أنّه ليس في المقام فردان من الأصل بل اعتباران في مورد واحد يكون المورد داخلاً في نفس القاعدة باعتبار وفي عكسه باعتبار آخر، ولا معنى لدعوى حكومة أحد الاعتبارين على الآخر، وهذا بخلاف ما إذا كان هناك قاعدتان مجعولتان على نحو الاستقلال فإنّ الشك في مفروض المثال داخل في كلّ من القاعدتين في حد ذاته لكن شمول قاعدة التجاوز له يمنع عن شمول القاعدة الأخرى له باعتبار عكسه بالحكومة فدعوى الحكومة تنحصر بصورة تعدد القاعدتين ليس إلاّ)(1).


    1 . السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات ج4ص213-214.

۲۲,۰۷۵ الزيارة