pic
pic
  • ۱۱۱

    منها قاعدة الفراغ ولمّا سبق البحث السندي لهذه الروايات في المباحث السابقة فإنّنا نركّز في هذا المجال على البحث الدلالي للروايات:

    1 ـ سألته عن رجل يشكّ بعدما سجد أنّه لم يركع، قال(ع): (يمضي في صلاته)(1).

    في هذه الرواية يُسأل الإمام(ع) عن حكم من شكّ بعدما سجد في أنّه هل ركع أولا؟ وقد أجاب الإمام(ع) بأنّ صلاته صحيحة ولا يعتني بشكّه. وعلى هذا فإنّ هذه الرواية نصٌّ في الشك في وجود الركوع (الشك في وجود الجزء) وهو مجرى قاعدة التجاوز ولا يمكن أن تستفاد منها قاعدة الفراغ بوجه من الوجوه.

    2 ـ الرواية الثانية شبيهة بالرواية السابقة: (في رجلٍ شكّ بعدما سجد أنّه يركع، فقال(ع): (يمضي في صلاته حتى يستقين)(2) وهي أيضاً صريحة في الشك في وجود الركوع حيث يقول الإمام(ع): لا يجب الاعتناء بهذا الشك حتّى يتيقّن بعدم إتيانه.

    3 ـ (في الذي يذكر أنّه لم يكبّر في أول صلاته، قال(ع): (إذا استيقن أنّه لم يكبّر فَليُعِدْ ولكن كيف يستيقن)(3).

    النقطة الأولى في هذه الرواية هي أنّ مراد السائل من قوله: (يذكر أنّه لم يكبّر) الشك في الإتيان بتكبيرة الإحرام بمعنى أن يخطر في ذهن المكلّف سؤال بأنّه هل كبّر أولا؟ وليس المراد أنّ المكلّف متيقّن من أنّه لم يكبّر لتجب عليه إعادة الصلاة حينئذٍ. وذلك كما يصرّح به الإمام(ع).

    والنقطة الثانية في الرواية أنّ معنى قوله(ع): (ولكن كيف يستيقن)؟ هو أنّ


    1 . محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة ج4باب13من أبواب الركوع ص317حديث5.

    2 . المصدر نفسه، ج7.

    3 . المصدر نفسه ج6باب2من أبواب تكبيرة الإحرام، ص 13، ح 2.

  • ۱۱۲

    المكلّف الشاكّ كيف يمكنه الوصول إلى حالة اليقين بهذه السرعة أي لا يمكن الاستيقان بهذه السرعة بالنسبة لمن شكّ في إتيان عملٍ ما.

    4 ـ الرواية الرابعة صحيحة زرارة: (رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال(ع): (يمضي) قلت: رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر؟ قال(ع): (يمضي) قلت: رجلٌ شكّ في التكبير وقد قرأ؟ قال(ع): (يمضي) قلت: شك في القراءة وقد ركع: قال(ع): (يمضي) قلت: شك في الركوع وقد سجد؟ قال(ع): (يمضي على صلاته) ثمّ قال(ع): (يا زرارة إذا خرجت من شيءٍ ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيءٍ)(1).

    صدر هذه الرواية نصٌّ في قاعدة التجاوز وقد بيّنت خمسة من موارد قاعدة التجاوز إلاّ أنّ ذيلها في مقام بيان كبرى كلّية مبتنية على أنّه (إذا خرجت من شيءٍ ثمّ دخلت في غيره فشكك ليس بشيء).

    وقد سبق في المقدمة الأولى من مباحث مقام الإثبات أنّ الخروج عن الشيء ظاهر في الخروج عن كلّ الشيء وجميع المركّب بمعنى أنّ هذه العبارة من الرواية إذا خرجت من الشيء ثمّ شك فيه ـ لو كان لها الانصراف في الشك في الصحة حيث لو أكمل عملاً ثمّ دخل في غيره لم يجب الاعتناء بذلك الشك حصل التعارض حينئذٍ بين صدر الرواية وذيلها فكيف يمكن حلّ هذا التعارض؟

    يقول الإمام الخميني(2) في حلّ هذا التعارض: بأنّ ذيل الرواية منفصل عن صدرها تماماً فإنّ صدر الرواية يدلّ على الشك في الوجود بينما يدلّ ذيلها على الشك في الصحة.


    1 . المصدر نفسه 237:8.

    2 . الاستصحاب ص312.

  • ۱۱۳

    هذا وإن كان(ره) قد ذكر أولاً بأنّه من غير المستبعد أن نجعل صدر الرواية قرينة على التصرف في ذيلها ونحكم بأنّ المراد من عبارة (الخروج من الشيء) الواردة في الرواية هو الخروج من جزء الشيء والتجاوز عن محلّه. لكنّه ذكر في الأدلّة بأنّ هذه التوجيه لا يخلو من مناقشة وإشكال يتمثّل في أنّ صدر الرواية وذيلها لكلّ منها ظهور غير ظهور الآخر والظهوران يتعارضان ثمّ يتساقطان فلا يمكن الاستدلال بأيّ واحدٍ من الظهورين.

    والذّي أعتقده هو أنّ ظهور الصدر والذيل إذا تساويا وتكافا صارت الرواية مجملةً، هذا ويمكن جعل كلّ من صدر الرواية وذيلها قرينة على الآخر حيث إنّ صدر الرواية نصٌ في الشك في الصحّة بينما ذيل الرواية ظاهرٌ في الشك في الوجود فيُقدّم الصدر على الذيل لكونه نصّاً أو أظهر.

    ومن ناحية أخرى يمكن القول بأنّ الإمام الخميني(ره) إنّما كان كلامه حول ذيل الرواية في مقام إفادة قاعدة كلّية، ومن هنا ذكر عدّة موارد على سبيل المثال مما يكون ذلك قرينة على التصرف في صدر الرواية إذ كلّما ذُكر في الكلام أمران أحدهما على نحو التمثيل والآخر على نحو القاعدة الكلّيّة فإنّ العرف يحكم بأنّ القاعدة قرينة على الأمثلة قطعاً ولا يحكم ـ فيما لو ذكر المتكلّم مثالاً ثمّ بيّن القاعدة الكلّية ـ بأن القاعدة منحصرة في هذا المثال بل يرى أنّ القاعدة تجاوزت عن حدود هذا المثال بحيث سرتْ إلى سائر الموارد.

    وبهذين التقريرين يمكن إخراج الرواية من إجمالها ولكنّ الإنصاف أن التقرير الأوّل هو الأولى والأرجح إذ أنّ في صدر هذه الرواية ذكرت ثلاثة موارد على سبيل المثال ثمّ ذكرت القاعدة الكلّيّة مما يدل ذلك على أنّ هذه الموارد قرينة على انحصار القاعدة في هذه الأمثلة.

  • ۱۱۴

    والذي ندّعيه هو أنّه لو ورد في الكلام مثال واحد لم تكن القاعدة منحصرة به بل تتعدّى إلى سائر الموارد.

    أمّا لو وردت في صدر الرواية موارد عديدة على سبيل المثال ثمّ ذكرت في ذيل الرواية قاعدة كلّيّة فإنّ الكلام يكون ظاهراً في أنّ القاعدة مطابقة للأمثلة ومنحصرة فيها وتكون كثرة الموارد المذكورة في صدر الرواية قرينة عند العرف على هذا الانحصار والاختصاص. وفيما نحن فيه لمّا كانت الأمثلة المذكورة في صدر الرواية متعلّقة بالشك في الوجود وقاعدة التجاوز فإنّ القاعدة الكلّية المذكورة في ذيلها يجب حملها على قاعدة التجاوز أيضاً.

    والحاصل أنّ ثلاثاً من هذه الروايات الخمس تدلّ على جريان قاعدة التجاوز في خصوص الصلاة والرواية الرابعة ظاهرة في جريان قاعدة التجاوز في الوضوء، والرواية الخامسة لها سعة وشمولية وليست مختصّة بالصلاة وذلك بملاحظة القاعدة المذكورة في ذيل هذه الرواية.

    ب ـ روايات قاعدة الفراغ:

    الطائفة الثانية هي الروايات الظاهرة في قاعدة الفراغ ولا يستفاد منها قاعدة التجاوز:

    1 ـ الرواية الأولى الدالة على قاعدة الفراغ: (في الرجل يشك بعدما ينصرف من صلاته قال: فقال(ع): (لا يعيد ولا شيء عليه)(1) والسؤال فيها عمّن فرغ من صلاته ثمّ شكّ في صحّتها وعليه يكون مورداً لقاعدة الفراغ والإمام(ع) يحكم بصحّة صلاته وعدم الاعتناء بشكّه.

    2 ـ (كلّ ما شككت فيه بعدما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد)(2) قد سبق


    1 . محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة346:8.

    2 . المصدر نفسه346:8.

  • ۱۱۵

    الكلام في هذه الرواية في المباحث السابقة وقلنا بأنّ قوله(ع): (كلّ ما شككت فيه) له إطلاق يشمل الشك في إتيان الجزء كما يشمل الشك في كلّ المركّب، ولما ذكر في تتمة الرواية قوله(ع): (بعد ما تفرغ من صلاتك) يتّضح لنا أنّ المراد من الشك هو الشك في مجموع المركّب بعد الفراغ من العمل ومن هنا: حكم الإمام(ع) بأنّه لو شك في صحة الصلاة بعد الفراغ منها لا يعتنى بالشك وتكون صلاته صحيحة.

    يرى الإمام الخميني(ره) أنّ هذه الرواية من مصاديق قاعدة التجاوز وتدلّ على أنّ المكلّف إذا شك في العمل المأتي به بعد الفراغ منه سواء كان الشك في الأجزاء أو الشرائط أم كان الشك في الوجود والصحة لابد من عدم الاعتناء بذلك الشك ـ وهو يصرّح: بأنّ التجاوز عن مجموع العمل هو الملاك طبقاً لهذه الرواية. هذا ولكنّ الظاهر أنّ هذا الاستنتاج خلاف الظاهر لظهور قوله(ع): (بعدما تفرغ من صلاتك) في قاعدة الفراغ.

    3 ـ (كلّ ما شككت فيه مّما قد مضى فامضه كما هو)(1).

    وفي هذه الرواية تكون عبارة (مّما قد مضى) قرينة على أنّ المراد بالشك هو الشك في صحة الكلّ والمجموع، وعليه يكون ذيل الرواية قرينة على اختصاص الرواية بقاعدة الفراغ.

    4 ـ (رجلٌ شك في الوضوء بعدما فرغ من الصلاة، قال(ع): (يمضي على صلاته ولا يعيد)(2).

    لو شكّ المكلّف بعد أن فرغ من صلاته في أنّه هل توضّأ أولا، أجاب


    1 . المصدر نفسه358:13.

    2 . المصدر نفسه468:1.

  • ۱۱۶

    الإمام(ع) لا يعتني بشكّه وصلاته صحيحة ولا حاجة إلى الإعادة. وهذه الرواية أيضاً صريحة في قاعدة الفراغ لحصول الشك بعد الفراغ من العمل.

    5 ـ صحيحة زرارة: (قال(ع): إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أغسلتَ ذراعيك أم لا فأعدْ عليهما، فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى من الصلاة أو غيرها فشككت فلا شيء عليك)(1).

    في هذه الراوية يبدو لأوّل وهلة أنّها من روايات باب قاعدة الفراغ بقرينة قوله(ع): (فرغت) كما يظهر ذلك من أكثر الأعاظم لكنّ الذي يقتضيه دقيق النظر ـ كما بيّنا ذلك في مقدّمات البحث في مقام الإثبات ـ إن مجرّد استعمال كلّمتي الفراغ والتجاوز في الرواية لا يكون دليلاً على حمل الرواية على تلك القاعدة بل لابّد من ملاحظة الملاك الموجود في الرواية فإن كان متعلّقاً بالشك في صحة كلّ المركّب كانت الرواية مختصّة بقاعدة الفراغ وإن كان الملاك شاملاً للشك في إتيان الجزء كانت الرواية مبنيّة لقاعدة التجاوز.

    المشهور في قاعدة الفراغ أنّها تجري عند الشك في الصحة بعد إكمال العمل إلاّ أنّ في صحيحة زرارة يقع البحث في أنّ المكلّف قد شكّ في وجود غسل اليدين ليكون المراد بالشك الوارد في صدر الرواية هو الشك في وجود الجزء ويكون ذلك قرينة على ذيل الرواية القائل: (فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه) لكون الذيل تفريعاً على الصدر.

    نقد مبنی الإمام الخميني في تعدد القاعدتين

    والسؤال المطروح هنا هو أن هذه الصحيحة مختصّة بقاعدة الفراغ أو التجاوز؟ وكيف يمكن توجيه ذلك؟


    1 . المصدر نفسه ج1باب42من أبواب الوضوء ص469حديث1.

  • ۱۱۷

    يمكن القول بأنّ مجرى قاعدة الفراغ هو الشك في الوجود سواء كان هذا الشك بعد تمامية العمل أم في أثناء العمل كما ذهب إلى ذلك المرحوم الإمام الخميني(ره)(1) من أنّ القاعدتين في أصل المسألة قاعدة واحدة وهي قاعدة التجاوز الجارية في الشك في الوجود والشك في الصحّة، أثناء العمل وبعد الانتهاء منه. فلو التزمنا بهذا المبنى أمكن لنا استفادة قاعدة التجاوز من التعبير بالفراغ في هذه الرواية.

    هذا ولكنّ الذي أراه هو أنّ هذا المبنى ورأي المرحوم الإمام الخميني(ره) لا يتلاءم مع مجموع الرواية، لأنّ قاعدة الفراغ التي تتعلّق بالشك في صحّة مجموع العمل تشمل ما لو كان الشك في مجموع العمل ناشئاً من الشك في الجزء أو الشرط المعيّن وما لم يكن ناشئاً من الشك في الجزء المعيّن بل شكّ بعد الفراغ من العمل في أنّ العمل المأتي به هل كان صحيحاً أولا؟ ويستفاد هذا المطلب من صحيحة زرارة بشكل واضح.

    هذا مضافاً إلى وجود رواية أخرى يستفاد منها أيضاً هذا المطلب وهي: (رجل شك في الوضوء بعدما فرغ من الصلاة، قال(ع): (يمضي في صلاته ولا يعيد)(2) فعلى ما يستفاد من هاتين الروايتين يكون مورد قاعدة الفراغ أعمّ من الشك في الصحة والشك في إتيان جزءٍ معين وعدمه وبالتالي تكون صحيحة زرارة مختصّة بقاعدة الفراغ دون قاعدة التجاوز خلافاً لما ذهب إليه المرحوم الإمام(ره) من أنّها مختصّة بقاعدة التجاوز.

    الفرق بين قاعدتي الفراغ والتجاوز:

    فالأنسب هنا بيان الفارق بين قاعدتي الفراغ والتجاوز. فإنّ القائلين بتغاير


    1 . الاستصحاب، ص315.

    2 . محمد بن حسن الحر العاملي: وسائل الشيعة ج1باب42من أبواب الوضوء ص468 حديث5.

  • ۱۱۸

    القاعدتين كالمرحوم المحقق الهمداني والمرحوم المحقق العراقي والمرحوم الأخوند الخراساني يرون الفارق من جهة متعلّق الشك ويوجّهون التغاير بين القاعدتين عن طريق التغاير بين الشك في الوجود والشك في الصحة بمعنى أنّ قاعدة التجاوز تختص بمورد الشك في الوجود والإتيان، بينما تختص قاعدة الفراغ بالشك في الصحّة.

    وعلى مبنى هؤلاء الأعاظم تكون النسبة بين قاعدتي الفراغ والتجاوز عموماً من وجه، مادّة الافتراق من جهة قاعدة التجاوز ما إذا شك المكلّف حالة الصلاة في أنّه هل أتى بالجزء السابق أولا؟ ففي هذا المورد تجري قاعدة التجاوز دون قاعدة الفراغ.

    وأمّا مادّة الافتراق من جهة قاعدة الفراغ ففيما لو شك المكلّف بعد الانتهاء من الصلاة في صحّتها من جهة فوات الموالاة أو الإخلال بالترتيب حيث تجري هنا قاعدة الفراغ دون قاعدة التجاوز.

    وأمّا مادّة الاجتماع فهي فيما لو شك المكلّف بعد الفراغ من العمل في إتيان جزءٍ معيّن حيث تجري هنا قاعدة التجاوز من جهة الشك في الوجود كما تجري قاعدة الفراغ من جهة الشك في وجود ذلك الجزء يؤدّي إلى الشك في صحّة مجموع المركّب وعدم صحّته.

    لكنّ الظاهر أنّ هذا المبنى لا يستفاد من الروايات، والّذي يستفاد منها بعد المزيد من التأمّل.

    أولاً بأنّ الفرق بين هاتين القاعدتين إنّما يتجسّد في حصول الشك بعد الانتهاء من العمل أو في أثنائه بمعنى أنّ الشك بعد انتهاء العمل موردٌ لجريان قاعدة الفراغ سواء كان الشك في صحّة العمل أم في وجود الجزء المعيّن، أمّا لو حصل

  • ۱۱۹

    الشكّ أثناء العمل جرت قاعدة التجاوز، ومن هنا فلو لم تكن روايات قاعدة التجاوز لكان الواجب بمفاد روايات قاعدة الفراغ أن يُرتّب الأثر على الشك حين العمل ويجب الاعتناء به.

    وعلى هذا يكون بين القاعدتين نسبة التباين ولا تجمعهما مادّة الاجتماع أبداً، لأنّ القاعدتين حينئذٍ متغايرتان تماماً، مضافاً إلى أنّ الفراغ من العمل في قاعدة الفراغ يُعتبر ملاكاً عرفياً وعقلائياً حيث لو شكّ في العمل بعد الانتهاء منه لا يعتنى بالشك، أمّا في قاعدة التجاوز فهي مجرّد تعبّد من الشارع حيث حكم بعدم الاعتناء تعبداً بالشك فيما لو تجاوز محلّ الجزء المشكوك.

    ثانياً: بناءاً على مفاد الروايات فإنّ قاعدة الفراغ تجري في الشك في الصحة كما تجري في الشك في الوجود، أمّا قاعدة التجاوز فالظاهر اختصاص مدلول روايات التجاوز المطابقي بالشك في الوجود ولا تجري قاعدة الفراغ في هذه الموارد لاختصاص الشك بما بعد العمل.

    لكنّنا في مثل هذه الموارد نتمسّك بمفهوم الأولوية لقاعدة التجاوز ونقول: لو جرت قاعدة التجاوز عند الشك في أصل وجود جزءٍ في أثناء العمل فأنّها تجري بطريق أولى عند الشك في صحّة ذلك الجزء فالمدلول المطابقي لقاعدة التجاوز يختص بالشك حين العمل في وجود الجزء لا في صحّة الجزء الموجود. أمّا موارد الشك في الصحة فيستفاد حكمها من مفهوم الأولوية لهذه القاعدة.

    ثالثاً: إنّ قاعدة التجاوز لا تجري في جميع أنواع الأجزاء فإنّ هناك نوعين من الأجزاء لا تشملها هذه القاعدة:

    1 ـ الأجزاء غير المستقلّة: والمراد بها ما كان كالترتيب والموالاة في الصلاة، فلو شككنا أثناء الصلاة في أنّه هل روعي الترتيب أو الموالاة في الصلاة أولا، لم

  • ۱۲۰

    يمكن لنا إثبات صحة الصلاة بقاعدة التجاوز، نعم لو وقع هذا الشك بعد الانتهاء من الصلاة جرت قاعدة الفراغ وصحّت الصلاة بها.

    والدليل على عدم جريان قاعدة التجاوز في الأجزاء غير المستقلّة هو قوله(ع): (خرج منه ودخل في غيره) الذي له ظهور واضح في الأجزاء المستقلّة.

    2 ـ الجزء الأخير للمركب: هو من الأجزاء التي لا تجري فيها قاعدة التجاوز كالتسليم في الصلاة، فلو شكّ المكلّف في أصل تسليم صلاته لم يصدق عليه(ع): (خرج منه ودخل في غيره) لأنّه لم يدخل في عمل آخر.

    دراسة وتحليل رأي الإمام الخميني(ره) في استفادة قاعدة التجاوز من الروايات

    المسألة الاخری تحليل رأي المرحوم الإمام حول استفادة قاعدة التجاوز من خلال الروايات وأنّ التجاوز أعمّ مطلق من الفراغ:

    ذكرنا أنّ الإمام الخميني(ره) حمل صحيحة زرارة(1) على قاعدة التجاوز وصرّح بأنّ التجاوز عن المحل والفراغ من العمل لا مدخلية لهما كملاك للقاعدتين(2).

    والذي أراه أن نظرية الإمام الخميني(ره) غير قابلة للاستفادة من الروايات. أُولى هذه الروايات وعمدتها التي يمكن التمسّك بها موثقة إسماعيل بن جابر:

    (إسماعيل بن جابر، قال: قال أبو جعفر(ع): إنْ شكّ في الركوع بعدما سجد فليمض وإن شك في السجود بعدما قام فليمض، كلّ شيءٍ شك فيه مّما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه)(3).

    فهو يرى بمقتضى هذه الرواية أنّ قاعدة التجاوز أعمّ مطلق باعتبار شمولها


    1 . محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة ج1باب42من أبواب الوضوء ص469حديث1.

    2 . الاستصحاب، ص315.

    3 . محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة ج6باب13من أبواب الركوع ص318حديث4.

۲۲,۰۸۸ الزيارة