pic
pic
  • ۱۲۱

    للشك في الصحة والشك في الوجود، كما تشمل الشك في أثناء العمل والشك بعد العمل، وهذا المعنى العام يستوعب مدلول قاعدة الفراغ ومن هنا فلا حاجة إلى جعل قاعدة مستقلّة بعنوان قاعدة الفراغ.

    مناقشة نظرية الإمام الخميني(ره):

    والظاهر أنّ استفادة هذا المطلب من موثقة إسماعيل بن جابر غير تام لأنّ صدر الرواية إنّما بيّن موردين من الشك (الشك في الركوع بعد إكمال السجود والشك في السجود بعد القيام) وكلاهما يعودان إلى الشك في أثناء العمل وهاذان الموردان قرينة على أنّ المراد من ذيل الرواية حيث يقول الإمام(ع): (كلّ شيءٍ شك فيه مما قد جاوزه) فيراد به أيضاً الشك في أثناء العمل وإن كان إطلاق (كلّ شيءٍ شك فيه) من غير ملاحظة تتمة الرواية شاملاً للشك بعد العمل والشك في الصحة الذي هو مجرى قاعدة الفراغ.

    إنّ عبارة (مما قد جاوزه ودخل في غيره) ظاهرة في الشك حين العمل ومن أنكر هذا الظهور فإنّ أقصى ما يمكن أن يدّعيه هو أنّ الرواية مجملة من هذه الجهة.

    وقد ذكرنا فيما سبق أنّ المتكلّم إذا ذكر مثالاً واحداً قبل بيان الكبرى الكلّيّة فإنّ ذكر الكبرى يكون قرينةً على تعدّي الحكم عن ذلك المثال الواحد أمّا لو ذکر أمثلة متعددة ولها محور واحد كانت الأمثلة قرينة على الكبرى وانحصرت القاعدة الكلّيّة في تلك الأمثلة، وفي هذه الرواية ذكر الإمام(ع) قبل بيان القاعدة الكلّيّة مثالين لهما محور واحد وهو الشك حين العمل فلابدّ من أن تختص الكبرى المذكورة في الرواية بالشك حين العمل.

    الرواية الثانية التي تمسّك بها الإمام الخميني هي موثقة محمد بن مسلم (كلّما

  • ۱۲۲

    شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو)(1) قائلاً: (ليس معناه كلّما شككت في صحّته بعد الفراغ منه بل معناه أنّه كلّما شككت في وجوده جزءاً كان أو شرطاً أو نفس العمل ممّا قد مضى محلّه المقرّر الشرعي فأمضه كما هو فيكون مفاده إعطاء قاعدة التجاوز)(2).

    فالإمام الخميني(ره) يرى أنّ الضمير في (فيه) الوارد في الرواية يعود إلى وجود العمل سواء كان نفس العمل أو جزئه أو شرطه ولا يعود الضمير إلى صحة العمل.

    مناقشة رأي الإمام الخميني(ره):

    الظاهر أنّ رأي المرحوم في هذه الرواية يمكن الإشكال عليه من جهات عديدة:

    1 ـ إنّ هذا الكلام منه يحتاج إلى تقدير كثير من الألفاظ لكونه خلاف الظاهر.

    2 ـ إنّ لفظة ـ من ـ المذكورة في الرواية بيانيّة لا تبعيضية فتكون الرواية ظاهرة في كلّ العمل فيكون المراد بالشك الشك بعد العمل، وعليه تختصّ الرواية بقاعدة الفراغ دون قاعدة التجاوز.

    3 ـ إنّ ما تفضّل به الإمام الخميني(ره) في تفسير الرواية من أنّ معنى (قد مضى) أي قد مضى محلّه المقرّر الشرعي فهل يصدق تجاوز محل العمل على تجاوز العمل نفسه أولا؟ ذلك أنّ المحلّ أمر تعبّدي ولا يمكننا أن نعرف متى يتحقق التجاوز عن المحل ولابد للشارع من أن يوضّح لنا ذلك، فمثلاً يستفاد من


    1 . محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة ج8باب23من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ص238حديث3.

    2 . الاستصحاب ص320.

  • ۱۲۳

    كلمات الشارع أنّ محلّ الركوع قد تجاوز عند تحقق السجود، أمّا العرف فلا يفهم ذلك كما لا يدرك العرف الفرق بين الجزء الركني وغير الركني.

    4 ـ مضافاً إلى كون مضيّ المحل أمراً تعبّدياً فإنّ العرف لا يرى صدق تجاوز المحلّ على ما لو فرغ المكلّف من العمل فلا يقال فيه: مضى محلّه بل يقال: مضى أصله وكلّه.

    ولهذا كلّه (أي للإشكالات المذكورة) ذهب المشهور إلى أن معنى (كلّما شككت فيه) هو أنّه كلّما شككت في نفس العمل لا في جزئه أو شرطه، ولعلّ هذا هو السر في أن يحتمل الإمام الخميني(ره) بعد أسطر من كلامه السابق أنّ الرواية مختصّة بالشك في العمل فلا تشمل الشك في الجزء أو الشرط فهو يقول:

    (يقرب احتمال آخر في قوله (كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو) وهو أنّه بصدد بيان موردٍ من موارد قاعدة التجاوز أي الشك الحادث بعد مضي العمل المتعلّق بكلّ ما اعتبر فيه... فالشك الحادث بعد العمل كالحادث بينه بعد مضيّ المحلّ لا اعتبار به...)(1).

    فهو في كلماته هذا يرى أنّ الموثّقة مختصّة بالشك بعد مضي العمل، وعليه تكون الرواية في صدد بيان أحد موارد التجاوز وهو الشك بعد الانتهاء من العمل، وحينئذٍ فلا دلالة لها على الشك في أثناء العمل.

    5 ـ الإشكال الخامس هو أنّه(ره) استند إلى كلمة (مضى) في هذه الرواية بأنّ لها معنى عاماً يشمل مضيّ الجزء كما يشمل مضيّ كلّ العمل ونحن نقول بأنّ التعبيرات المختلفة قد وردت في الروايات من أمثال (بعدما ينصرف) (بعدما يصلّي) (بعدما يفرغ) وهي غير قابلة للحمل على معنى التجاوز بل لها ظهور في


    1 . الاستصحاب، ص321.

  • ۱۲۴

    قاعدة الفراغ، ومن البعيد جدّاً أن يستفاد عنوان التجاوز عن المحلّ من هذه التعبيرات.

    الرواية الثالثة التي استند إليها الإمام الخميني(ره) موثقة ابن أبي يعفور: (وعن المفيد، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبدالكريم بن عمرو، عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله(ع) قال: (إذا شككت في شيءٍ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيءٍ إنّما الشك إذا كنت في شيءٍ لم تجزه)(1).

    حيث يقول الإمام الصادق(ع) في هذه الرواية بأنّك كلّما شككت في جزءٍ من الوضوء ولم تدخل في غيره فشكّك لا يعتنى به ثمّ يبيّن الإمام(ع) قاعدة كلّيّة بقوله: (إنّما الشك إذا كنت في شيءٍ لم تجزه) يعني أن الشك إنّما يعتنى به فيما لو لم يتجاوز محل المشكوك ولم يدخل في غيره.

    وفي هذه الرواية بحثان لابدّ من التدقيق فيهما: أحدهما في الضمير الغائب في (غيره)، والآخر في القاعدة الكلّيّة التي بيّنها الإمام(ع) في ذيل الرواية.

    أمّا البحث الأوّل فيتمثّل في السؤال عن مرجع الضمير الغائب في قوله(ع) (دخلت في غيره) فإن كان مرجعه لفظ (شيء) بمعنى أنّ الإمام(ع) يقول: (إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غير الشيء) كان مفاد الرواية قاعدة التجاوز وحينئذٍ يرد الإشكال على هذا الاحتمال بأنّه مخالف للفتاوى والنصوص لقيام الإجماع القطعي على عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء.

    والاحتمال الثاني أن يكون مرجع الضمير الغائب كلمة الوضوء بمعنى أنّ


    1 . محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة ج1باب42من أبواب الوضوء ص470حديث2.

  • ۱۲۵

    الإمام(ع) يقول: (إذا شككت في شيءٍ من الوضوء وقد دخلت في غير الوضوء) وعليه يكون مفاد الرواية قاعدة الفراغ.

    هذا ولكنّ الذي ينبغي أن يذكر هو أنّ الرواية الظاهرة في معنى لا يمكن رفع اليد عن ظهورها بسبب مخالفة هذا الظهور للفتاوى، ولا يمكن التصرّف في ظاهر الرواية بواسطة الإجماع فالإجماع أو الفتاوى لا يكون قرينة على التصرف في المراد الاستعمالي والمراد الجدّي بل يمكن الالتزام بطرح الرواية المخالفة للإجماع. وهذا ينطبق على هذه الرواية مورد البحث.

    البحث الثاني هو أنّ ذيل الرواية (إنّما الشك إذا كنت في شيءٍ لم تجزه) يمكن أن يؤيّد رأي الإمام الخميني(ره) في أنّ الروايات ناظرة إلى قاعدة التجاوز والملاك الوحيد هو التجاوز عن المحلّ، لأن ذيل الرواية بقرينة كلمة إنّما الظاهرة في الحصر عند مشهور الأدباء يحصر الشك المعتنى به في الشك فيما لم يتجاوز عن الشيء، ولاسيما إذا التزمنا في البحث الأوّل بأنّ مرجع الضمير الغائب هو الوضوء ليكون مفاد الرواية قاعدة الفراغ. ذلك أنّ ملاك قاعدة الفراغ هو التجاوز عن المحل بحسب الرواية في هذه الصورة دون الفراغ منه.

    ولابد من الالتفات إلى ما ذكرناه في البحث الأوّل من أنّ مخالفة رواية للفتاوى والإجماع لا توجب رفع اليد عن ظهورها فلا يمكن التصرّف في مدلول الرواية بسبب الإجماع والفتاوى والطريق الوحيد الذي يمكن التصرف به في مدلول الاستعمالي هو وجود رواية أخرى ناظرة إلى هذه الرواية وطالما أنّ هكذا رواية مفقودة في المقام فإنّ موثقة ابن أبي يعفور تكون مؤيدة لرأي الإمام الخميني(ره) وإنْ لم يؤكّد عليه هو. فبما لم نجد جواباً عن ذلك كانت نظرية الإمام الخميني(ره) راسخة صحيحة إلاّ أنّ التحقيق يقتضي عدم قدرة الرواية على

  • ۱۲۶

    إثبات رأي الإمام الخميني(ره) وذلك:

    أ ـ إذ لو كان صدر الرواية ناظراً إلى قاعدة التجاوز لوجب بحسب ظاهرها جريان هذه القاعدة في الوضوء أيضاً مع أن صحيحة زرارة نفت جريان قاعدة التجاوز في الوضوء، كما أنّ إجماع الفقهاء على خلاف هذا الجريان.

    نعم لا يمكن أن يكون هذا الإجماع سبباً للتصرّف في المدلول الاستعمالي للرواية إلاّ أنّه يُسقطها عن الحجية فإذا صار صدر الرواية مختصّاً بقاعدة التجاوز وجب اختصاص ذيلها الوارد لبيان القاعدة الكلّية بقاعدة التجاوز بقرينة السياق.

    وبعبارة أخرى أنّ لفظة (شيء) الواردة في ذيل الرواية هي نفس لفظة (شيء) الواردة في صدرها فإذا كانت هذه اللفظة في صدر الرواية بمعنى الجزء (شيء من الوضوء أي جزء من الوضوء) كان كذلك في ذيل الرواية.

    ب ـ حتى لو قيل في الاحتمال الثاني بأن صدر الرواية ذو احتمالين حيث يحتمل أن يكون ناظراً إلى قاعدة التجاوز وكذلك إلى قاعدة الفراغ فإنّ الرواية على هذا تصبح مجملة لقابلية حملها على كلا الاحتمالين على حدّ سواء فلابد من طرحها.

    فعلى مبنى صحة التفکيك في حجية الروايات كما نذهب إليه فإنّنا نوضّح المراد من ذيل الرواية ولا علاقة لنا بصدرها فإنّ المدّعى هو أن قوله(ع): (إنما الشك في شيءٍ لم تجزه) ظاهر في نفسه في أجزاء المركب ويشمل مجموع المركب فيختص ذيل الرواية بقاعدة التجاوز ولا علاقة له بقاعدة الفراغ، إذ لو عمّت الرواية لقاعدة الفراغ التي تتعلّق بصحة العمل بعد الانتهاء منه كان مفاد


    1 . يقال في هذا المبنى: إنّه لو انتفت حجيّة جزء من الرواية ولم يمكن الاستناد إليه لم يخلّ بحجّية باقي الرواية ويبقى سائر أجزاء الرواية على حجيتها.

  • ۱۲۷

    الرواية حينئذٍ أنّه لو تجاوزتْ العمل فلا تعتن بشكّك وإلاّ فاعتن به ـ ولمّا كان ملاك التجاوز هو الدخول في الجزء الآخر أي أنّ (لم تجزه) بمعنى لم تدخل في غيره، فلو أنّ المكلّف شكّ في صحّة صلاته بعد الانتهاء من صلاته وقبل الدخول في أي عمل مناف آخر وهو جالس على مصلاه فلابدّ من الحكم بعدم الاعتناء بشكّه بمفاد هذا الرواية مع أنّ أحداً من الفقهاء لم يلتزم بذلك ولم يُفت به.

    ج ـ لو سلّمنا بموافقة موثقة ابن أبي يعفور لما ذهب إليه الإمام الخميني(ره) من أنّ كلمة الشيء الواردة في الرواية تشمل كلّ العمل وجزأه وإن جملة (لم تجزه) أعمّ من التجاوز عن المحل والتجاوز من نفس الشيء كانت موثقة ابن أبي بكير دالة حينئذٍ على القدر الجامع بين القاعدتين لا أنّها دالة على قاعدة واحدة.

    ومن هنا فإنّ الروايات الواردة في باب قاعدتي الفراغ والتجاوز ثلاث طوائف:

    إحداها: تختص بقاعدة الفراغ والشك بعد العمل.

    والثانية: تتعلّق بقاعدة التجاوز والشك حين العمل.

    والثالثة: روايات تعمّ كلّتا القاعدتين بمعنى أنّ مفادها يشمل الشك بعد العمل وكذلك الشك حين العمل، ومن هذا القسم الثالث موثقة ابن أبي يعفور.

    دراسة رواية موثقة بكير بن أعين:

    بقيت رواية أخرى وهي موثقة بكير بن أعين التي لابدّ من دراستها بدقّة وإمعان لعل المستفاد منها الملاك الواحد على كلتا القاعدتين.

    وهذا نص الرواية: (عن بكير بن أعين، قال: قلت له: الرجل يشكّ بعدما يتوضّأ قال(ع): (هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك)(1).


    1 . الشيخ الطوسي: تهذيب الأحكام101:1باب صفة الوضوء ج114.

  • ۱۲۸

    ولابد من البحث في عدة نقاط من هذه الرواية:

    1 ـ ما هو متعلّق الشك في قوله: (الرجل يشك بعدما يتوضّأ)؟ هل شك المكلّف في صحة مجموع العمل بمعنى أنّه يعلم بإتيانه جميع أجزاء الوضوء إلاّ أنّه يشك في صحّتها أو أنّه قد شك في وجود جزءٍ من أجزاء الوضوء أو أنّه يشمل الأعم منهما ـ الشك في وجود الجزء والشك في صحّة مجموع العمل؟ الظاهر أنّ الاحتمال الثالث هو الصحيح من بين هذه الاحتمالات الثلاثة، وعليه يمكن أن يكون متعلّق الشك صحة مجموع المركّب، وكذا الجزء المعيّن من أجزاء العمل، وعليه فإنّ مورد الرواية هو الشك بعد العمل ـ في الوجود أو في صحّة العمل ـ الذي هو مجرى قاعدة الفراغ لأنّ ملاك قاعدة الفراغ كما ذكرنا سابقاً هو الشك بعد الانتهاء من العمل.

    2 ـ النقطة الثانية هي: أنّ ملاك الأذكرية هل يوجد في قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز؟

    للإجابة عن هذا السؤال لابدّ من القول بأنّ التعبير بقوله(ع): (هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك) ليس تعبّداً شرعياً وليس الإمام(ع) فيه بصدد بيان الملاك الشرعي، بل في هذا التعبير إشارة إلى أمر واقعي عقلائي، وعليه فلابد من الرجوع إلى العقلاء لمعرفة أنّ الأذكرية عندهم هل هي معتبرة بعد العمل فقط بمعنى أنّهم يقولون: إذا شككت في صحة العمل أو في وجود جزء من أجزاء العمل بعد الانتهاء من العمل فلا تعتن بشكّك لأنّك حين العمل كنت أذكر، أو أنّ العقلاء يلتزمون بهذا المقال في الشك في أثناء العمل أيضاً فيقولون مثلا: لو سجد المكلّف ثمّ شك في أنّه ركع لم يعتن بشكّه لأنّه حين الركوع كان أذكر؟

    والذي نعتقده هو أنّ الأذكرية تامّة قطعاً في الشك بعد العمل إذ كلّ عامل

  • ۱۲۹

    حين اشتغاله بالعمل أذكر من زمن الفراغ من العمل، ذلك أنّ المكلّف حين العمل يركز كلّ اهتمامه على إتيان العمل على ما هو عليه.

    أمّا في أثناء العمل فإنّ الأذكرية بالنسبة إلى الجزء السابق فمحل تأمّل، إذ لو وجب القبول بالأذكرية هنا لوجب القبول بها قبل الدخول في المحل والجزء الآخر أيضاً، فمن هوى إلى السجود مثلاً وشك في الركوع قبل أن يضع جبهته على ما يصحّ السجود عليه فلابد من الالتزام بأنّه في حالة الركوع كان أذكر وعليه فلو جرت الأذكرية في قاعدة التجاوز وجب الالتزام بجريأنها قبل الدخول في الجزء الآخر أيضاً، وهو محلّ تأمل وغير قابل للقبول.

    لو سلّمنا جريان ملاك الأذكرية في قاعدة التجاوز أيضاً فهل يمكن أن تكون وحدة الملاك في القاعدتين سبباً لاتّحاد القاعدتين؟ وهل يتوقّف تغاير القاعدتين على تغاير الملاك فيهما؟

    الجواب بالنفي وليست وحدة الملاك دليلاً على وحدة القاعدتين لوجود موارد كثيرة في الفقه يجمعها ملاك واحد مع بقاء التعدّد والتغاير على حاله، فمثلاً في باب الخيارات فإنّ الملاك في خيار الغبن وخيار العيب وخيار تخلّف الشرط واحد وهو (لا ضرر) فهذه الخيارات المتعدّدة ملاكها واحد وهي متغايرة ومتعدّدة.

    وعليه فالحاصل أنّ الأذكرية إنّما تجري في قاعدة الفراغ فقط ولو جرت في قاعدة التجاوز أيضاً لزم التالي الفاسد مضافاً إلى أنّ ذلك لا يوجب وحدة قاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ، ومن هنا فإنّ موثقة بكير بن أعين لا يمكن إثبات وحدة القاعدتين بها أيضاً.

    وبالجملة فإنّ المستفاد من الروايات أيضاً هو وجود قاعدتين مستقلتين لهما

  • ۱۳۰

    ملاكان مختلفان وهما الشك بعد العمل والشك حين العمل.

    ثمّ أنّه لابد هنا من التعرض لإشكالين تكملة للبحث وإثباتاً للمدّعى.

    الإشكال الأوّل: ما يستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري(ره) وبعض الأعلام(1) تبعاً له وهو أنّ في خمس عشرة رواية من روايات هذا الباب تکون وحدة السياق والتعبير، ومن المعلوم أنّ السياق قرينة عرفية على جعل الشارع المقدس حكماً واحداً.

    جواب الإشكال الأوّل:

    الظاهر أنّ هذا الإشكال غير وارد:

    أولاً: لأنّ قرينية السياق محلّ تأمل وإشكال فمثلاً في القرآن الكريم وردت قبل آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(2) آيات عديدة تتحدّث عن أمور تتعلق بنساء النبي(ص) فلو سلّمنا قرينية السياق لزم القول بشمول الضمير (عنكم) في آية التطهير لجميع نساء النبي(ص) والحق يقتضي خلاف ذلك وأنّ آية التطهير لا تشمل نساء النبي(ص).

    ثانياً: لو سلّمنا قرينية السياق فأنّها في كلام المتكلّم الواحد بحيث تكون الجمل متّصلة لا في الجمل المنفصلة كما هو الشأن فيما نحن فيه حيث إنّ الرواية من الإمام الباقر(ع) والأخرى من الإمام الصادق(ع) حتى الروايات الواصلة من الإمام الواحد كالإمام الصادق(ع) فإنّ رواتها مختلفون فلا يمكن


    1 . السيد أبو القاسم الخوئي: أجود التقريرات467:2وهذا نصّ كلامه: (إن روايات الباب آبية عن حملها على جعل قاعدتين مستقلّتين فإنّ الرجوع إليها يشرف الفقيه على القطع بكون المجعول فيها أمراً واحداً ينطبق على موارد الشك في الأجزاء والشك بعد العمل فإنّ اتّحاد التعبير في موارد الأخبار الواردة في موارد التجاوز عن الأجزاء والفراغ من العمل يكاد يوجب القطع بوحدة القاعدة المجعولة).

    2 . سورة الأحزاب: الآية33.

۲۱,۹۷۱ الزيارة