pic
pic
  • ۱۴۱

    وبعبارة أوضح فإنّ استفدنا العلّية من العنوان كان قابلاً للتعميم والتعدّي إلى سائر الموارد المماثلة ـ بخلاف ما لو كان العنوان حكمة، فعلى سبيل المثال في حرمة الربا لو سلّمنا بأنّ الحرمة ناشئة من كون الربا معنون بعنوان الظلم وكان هذا العنوان علّة جاز لنا أن نعمّم حكم الحرمة حتى في الروايات الدالة على جواز التحيّل في الربا.

    أمّا لو كان عنوان الظلم حكمة لم يكن له هذا الأثر، وقد اشتهر أنّ (العلّة تعمّم والحكمة لا تعمّم) مع إمكان المناقشة في هذه القاعدة بأنّ الحكمة لم لا تكون معمّمة؟ فلابد من التفريق بين العلّة والحكمة من جهة العدم أي يلزم من عدم العلّة عدم الحكم ولا يلزم من عدم الحكمة عدم الحكم.

    ولا قرينة في التعبير الوارد في موثّقة بكير بن أعين على علية هذا التعبير مضافاً إلى إمكان دعوى أنّ العلّة في عدم الاعتناء بالشك هو قوله(ع): (مما قد مضى) وليس الأذكرية كما سبق آنفاً في التعبير الأوّل أو يمكن القول بأنّ كليهما معاً علةً لا لوحده، وعليه يمكن أن يكون مفاد قوله(ع): (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشكّ) تعميم مجاري قاعدة الفراغ على جميع أبواب الفقه.

    التعبير الثالث: المذكور في روايات قاعدة الفراغ الذي يستفاد منه تعميم جريان القاعدة في جميع أبواب الفقه هو عموم التعليل الوارد في ذيل رواية محمد بن مسلم (وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك)(1) وهذه العبارة كناية عن أنّ المكلّف قد أنهى عمله كاملاً ولها عنوان التعليل فتجري في جميع أبواب الفقه من باب أنّ العلّة تعمّم.

    ويأتي في هذا التعبير والإشكال عليه جميع ما سبق في التعبير السابق من أنّ


    1 . محمد بن حسن الحر العاملي: وسائل الشيعة ج8باب37من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ص246حديث3.

  • ۱۴۲

    العليّة التامّة إنّما هي لمضيّ العمل والفراغ منه ولا عليّة تامّة للأذكرية فلا يمكن استفادة العموم من رواية محمد بن مسلم.

    هذا ولكن لمّا كان التعبير الأوّل (كلّما شككت فيه مّما قد مضى) تعبيراً عاماً استنتجنا من ذلك أنّ قاعدة الفراغ عامة تجري في جميع أبواب الفقه وليست مختصّة بباب الصّلاة.

    دراسة عموم قاعدة التجاوز:

    والمهمّ أن نبحث حول قاعدة التجاوز التي دلّت الأدلّة عندها على أنّها غير قاعدة الفراغ وهي تجري في أثناء العمل هل هي أيضاً عامة تجري في جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات.

    يرى المحقّق النائيني(1) بأنّ قاعدة التجاوز مختصّة بباب الصلاة واستدلّ على رأيه بدليلين:

    الأول:

    ما أشرنا إليه في الأبحاث السابقة من أنّ أكثر روايات قاعدة الفراغ ظاهرة في الشك في كلّ العمل والروايات المعدودة المتعلّقة بقاعدة التجاوز حاكمة على روايات قاعدة الفراغ وألحقت الشك في الجزء بالشك في الكلّ وحكمت بوجوب عدم الاعتناء بالشك في الجزء كما هو الشأن في الشك في كلّ العمل بعد الفراغ منه، وعليه فلو شك في الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللاحق لا يعتنى به وإلحاق الشك في الجزء بالشك في الكلّ يوجب التوسعة التي لابدّ فيها من الاكتفاء على ما دلّت عليه الروايات لأنّ الحكومة عنوان تعبّدي لابدّ فيه من


    1 . السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات479:2، محمد علي الكاظمي الخراساني: فوائد الأصول626:4.

  • ۱۴۳

    الاكتفاء على القدر المتيقّن الذي هو أجزاء الصلاة.

    الدليل الثاني:

    هو أنّ القاعدة الأولية في المركّبات هي أنّ مجموع العمل المركب شيء واحد ولا يلاحظ الأجزاء لحاظاً استقلالياً، فمثلاً أنّ أجزاء الوضوء من حيث المجموع تعتبر عملاً واحداً ولم يلاحظ الشارع كل جزءٍ من أجزائه على نحو الاستقلال. والمورد الوحيد الذي خرج من هذه القاعدة حيث لاحظ الشارع أجزاء المركّب مستقلّة هو الصلاة، وعليه فإنّ قاعدة التجاوز يمكن إجراؤها في الصلاة فقط أمّا سائر المركبّات حيث لا لحاظ استقلالي لأجزائها فلا تجري فيها هذه القاعدة(1).

    والظاهر أنّ كلا الدليلين قابلٌ للمناقشة، أمّا الدليل الأول فقد ذكرنا سابقاً بأنّ في باب الحكومة يعتبر في حكومة أحد الدليلين على الآخر أن يكون الدليل الحاكم ناظراً عرفاً إلى الدليل المحكوم أمّا بتوسعة موضوعه أو بتضييقه مع أنّ روايات قاعدة التجاوز ليست ناظرة عرفاً إلى روايات قاعدة الفراغ وعليه فلا حكومة هنا.

    وأمّا الدليل الثاني فنقول فيه: ما الدليل على أنّ الشارع لاحظ الأجزاء في الصلاة فقط على نحو الاستقلالية؟ إنّ الروايات الواردة في قاعدة التجاوز هي ثلاث روايات يستفاد من جميعها عموم جريانها في جميع أبواب الفقه، وقد استند إليها القائلون بعموم هذه القاعدة كالإمام الخميني(2) وصاحب الجواهر(3).


    1 . وهذا نصّ كلام المحقّق النائيني في فوائد الأصول626:4: (وبما ذكرنا ظهر اختصاص قاعدة التجاوز بأجزاء الصلاة ولا تجري في أجزاء سائر المركبات الأخر لاختصاص مورد التعبّد والتنزيل بأجزاء الصلاة).

    2 . الاستصحاب، ص320.

    3 . محمد حسن النجفي: جواهر الكلام355:2.

  • ۱۴۴

    الرواية الأولى: صحيحة زرارة التي يستفاد من إطلاقها العموم حيث جاء في ذيل الرواية: (يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء)(1) فإنّ لكلمة (شيء) اطلاقاً يشمل جميع المركبّات من العبادات وغيرها.

    لا يقال بأنّ الإطلاق يتوقف على تمامية مقدّمات الحكمة التي من جملتها عدم وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب حيث لو كان موجوداً بين المتكلّم والمخاطب لم يجز التمسّك بالإطلاق وهذه المقدّمة مفقودة في المقام حيث إنّ القدر المتيقن موجود في الرواية وهو سؤال زرارة المتعلّق بالصلاة فيكون هذا السؤال قرينة على أنّ المراد بلفظ شيء في ذيل الرواية هو أجزاء الصلاة أي (شيء من أجزاء الصلاة لاشيء من أجزاء العمل) لأنّا نقول:

    أولاً: بأنّ هذا الإشكال مبنائي أي أنّه يتمّ على قول من يرى أنّ وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب مضرٌّ بالإطلاق لكنّ كثيراً من المحقّقين لم يرتضوا هذا المبنى ولا يرون أنّ القدر المتيقّن في مقام التخاطب مخلّ بالإطلاق.

    ثانياً: أنّ سؤال زرارة وإن كان عن الصلاة لكنّه ليس بعنوان القدر المتيقّن في مقام التخاطب، لأنّ القدر المتيقّن في مقام التخاطب أمر يحتاج إلى طرفين، مثلاً لو تحدّث اثنان عن الطعام ثم قال أحدهما للآخر (جئني بشيء) حُمل لفظ (شيء) على الطعام ولا قدر متيقّن، كذلك في الرواية فإنّ اختصاص سؤال زرارة بباب الصلاة محلّ تأمّل وترديد، إذ لو استمر الكلام لاحتمل أن تتكرّر أسئلة زرارة حول سائر أبواب الفقه.

    الرواية الثانية: موثقة إسماعيل بن جابر والعموم يستفاد من ذيلها الذي جاء فيه (كل شيءٍ شكّ فيه مّما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه)(2).


    1 . محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة ج8باب23من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ص237حديث1.

    2 . الوسائل 6 / 318، الباب 13 من أبواب الرکوع، ح 4.

  • ۱۴۵

    تقريب الاستدلال هو أنّ هذه العبارة تضمّنت على كلمة (كلّ) التي هي من أدوات العموم وهي تدلّ على العموم من دون الحاجة إلى الإطلاق ومقدمات الحكمة.

    الرواية الثالثة التي يستفاد منها عموم جريان قاعدة التجاوز في جميع أبواب الفقه موثقة ابن أبي يعفور وقد جاء في ذيلها قوله(ع): (إنّما الشك إذا كنت في شيءٍ لم تجزه)(1). وقد بحثنا مفصّلاً فيما سبق حول هذه الرواية وقلنا بأنّ هذه العبارة إن تعلّقت بالشك حين العمل كانت الرواية عامة غير مختصة بباب الصلاة.

    والحاصل أنّ قاعدة التجاوز كقاعدة الفراغ ليست مختصة بباب الصلاة والطهارة بل تجري في جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات.

    نعم وقع النزاع في كلمات الفقهاء في أنّ قاعدة التجاوز هل تجري في الطهارات الثلاث (الوضوء والغسل والتيمّم) أولا؟ مثلاً لو شك المكلّف حين غسل يده اليمنى في أنّه هل غسل وجهه أولا؟ فهل تجري قاعدة التجاوز ويحكم بصحّة الوضوء؟ هذا السؤال ما سنجيب عليه فيما يلي من البحث.

    البحث في جريان قاعدة التجاوز في الطهارات الثلاث:

    قام الإجماع على عدم جريان قاعدة التجاوز في باب الوضوء وقد ألحق الفقهاء به الغسل والتيمّم ولا مجال لهذا البحث من أساسه على مبنى بعض الأعاظم كالمحقق النائيني الذي ذهب إلى اختصاص قاعدة التجاوز بباب الصلاة حيث يكون خروج بحث الوضوء والغسل والتيمّم من جريان قاعدة التجاوز من


    1 . الوسائل 1 / 470، الباب 42 من أبواب الوضوء، ح 2.

  • ۱۴۶

    باب التخصّص فلا تشملها هذه القاعدة(1).

    أمّا على مذهب القائلين بعموم جريان قاعدة التجاوز ـ كما ثبت ذلك عندنا ـ فيكون خروج هذه الأبواب الثلاثة من جريان قاعدة التجاوز من باب التخصيص فالأولى أن نبحث كلاً من الوضوء والغسل والتيمم على نحو الاستقلال لتتّضح لنا المسألة بوضوح أكثر:

    عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء:

    ذُكر في الكتب الفقهية وكلمات الفقهاء ثلاثة أدلّة استدلّوا بها على خروج الوضوء من قاعدة التجاوز الكليّة:

    أ: الإجماع: ذكر الفقهاء أنّ الإجماع قائم على أنّ قاعدة التجاوز غير جارية في الوضوء ومن هنا أفتوا بوجوب إعادة غسل الوجه فيما لو شك المكلّف حين غسل اليدين في أنّه هل غسل وجهه أولا، وعليه لابدّ من إعادة الوضوء وهذا من المواضع التي نُقل فيها الإجماع على نحو الاستفاضة.

    ب ـ الروايات: استدلّ مضافاً إلى الإجماع بعدّة روايات في هذا المجال وها نحن نبدأ بدراستها وتحليلها:


    1 . رأيه هو أنّه: (لا خصوصية للطهارات الثلاث حتى قال: إنّها خارجة عن عموم قاعدة التجاوز بالتخصيص للأخبار والإجماع فإنّه لا عموم في القاعدة حتّى يكون خروجها بالتخصيص)فوائد الأصول626:4.

    2 . على سبيل المثال: المحقق العراقي في نهاية الأفكار ج4قسم2ص46 يقول: (فإنّهم أجمعوا على أن الشاكّ في فعل من أفعال الوضوء قبل إتمام الوضوء يجب عليه العود لإتيان المشكوك فيه)، ويقول المحقّق البجنوردي في القواعد الفقهية351:1: (أمّا بالنسبة إلى الوضوء فمضافاً إلى الإجماع على عدم جريان القاعدة صحيحة زرارة)، ويقول الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول336:3: (فإنّهم أجمعوا على أن الشاك في فعلٍ من أفعال الوضوء قبل إتمام الوضوء يأتي به وإن دخل في فعل آخر).

    3 . على سبيل المثال يقول المرحوم النجفي في جواهر الكلام354:2: (وكذا لو تيقّن ترك غسل عضو أو مسحه أتى به إجماعاً محصّلاً ومنقولاً وسنةً بالخصوص).

  • ۱۴۷

    1 ـ صحيحة زرارة عن الإمام الباقر(ع) حيث يقول فيها الإمام(ع): (إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا، فأعدّ عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله تمسحه، ممّا سمّى الله ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت عن الوضوء وفرغت منه، وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوئه، لا شيء عليك)(1).

    نظراً إلى صدر هذه الرواية لا تجري قاعدة التجاوز في الوضوء وبالنظر إلى ذيلها تجري قاعدة الفراغ في الوضوء، وعليه يمكن تخصيص العمومات التي مفادها جريان قاعدة التجاوز في جميع أبواب الفقه بواسطة صدر هذه الصحيحة.

    نعم يمكن أن يدّعى هنا بأنّ الإجماع المدّعى من قبل المجمعين قد يكون مستنداً إلى هذه الصحيحة وبالتالي يكون الإجماع مدركياً فلا حجيّة له.

    2 ـ موثقة ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق(ع) حيث يقول(ع): (إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه)(2).

    وقد سبق أنّ مرجع الضمير في قوله(ع) (في غيره) فيه احتمالين:

    أحدهما أن يكون مرجعه الوضوء، والآخر أن يكون الضمير راجعاً إلى (شيءٍ) والاستدلال بهذه الرواية على عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء إنّما يتمّ فيما لو رجع الضمير إلى الوضوء حيث يكون مفهوم الحديث على هذا الاحتمال أنّه إن لم تدخل في غير الوضوء كان شكّك معتبراً لابدّ من الاعتناء به.


    1 . محمد بن حسن الحر العاملي: وسائل الشيعة ج1باب42من أبواب الوضوء ص469حديث1.

    2 . محمد بن حسن الحر العاملي: وسائل الشيعة ج1باب42من أبواب الوضوء ص470حديث2.

  • ۱۴۸

    أمّا لو عاد ضمير (غيره) إلى (شيءٍ) كان مفاد الحديث جريان قاعدة التجاوز في الوضوء أيضاً وعليه تتعارض موثقة ابن أبي يعفور مع صحيحة زرارة فتتساقطان ثمّ يجب الرجوع إلى عمومات روايات التجاوز الحاكمة بجريان قاعدة التجاوز في الوضوء أيضاً، ومن هنا فلابدّ من إيجاد حلٍّ لهذا التعارض، فقد ذهب الشيخ الأعظم إلى طريق لحلّ هذا التعارض سنذكره في حديثنا تحت عنوان الدليل الثالث.

    ج ـ مجموع أفعال الوضوء فعل واحد:

    فقد سلك الشيخ الأنصاري لإخراج أفعال الوضوء من مفاد قاعدة التجاوز ولحلّ التعارض بين موثقة ابن أبي يعفور وصحيحة زرارة مسلكاً آخر مفاده أنّ الوضوء بجميع أجزاءه من المسحتين والغسلتين إنّما هو فعل واحد في نظر الشارع لأنّ مسبّبه وأثره واحد وهو الطهارة، وعليه فليست أجزاء الوضوء عند الشارع كأجزاء الصلاة التي لها لحاظات استقلالية فلم يلاحظ أجزاء الوضوء على أنّها أفعال مستقلّة كأجزاء الصلاة حتّى يُتصوّر لكلّ واحد منها محلّ خاص بحيث يكمن تصوّر التجاوز منه كما يتصور مجموع القراءة في الصلاة فعلاً واحداً لا أنّ كلّ أية تعتبر جزءاً مستقلاً كما سنتحدّث عن ذلك فيما سيأتي تحت عنوان جزء الجزء، وهل تجري قاعدة التجاوز في جزء الجزء أولا؟ فقد ذهب المشهور إلى عدم الجريان ومن هنا يمكن القول بانّ الشارع المقدّس كما اعتبر مجموع القراءة جزءاً واحداً كذلك جعل مجموع أفعال الوضوء جزءاً واحداً.

    وعليه فطالما لم ينته المكلّف من الوضوء لم يصدق في حقّه التجاوز عن المحل فلا تعارض هنا بين الروايتين(1).


    1 . هذا نصّ كلام الشيخ(ره): (ويمكن أن يقال لدفع جميع ما في الخبر من الإشكال: إنّ الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعل واحد باعتبار وحدة مسبّبه وهي الطهارة فلا يلاحظ كل فعل منه بحياله حتى يكون مورداً لتعارض هذا الخبر مع الأخبار السابقة ولا يلاحظ بعض أجزائه كغسل اليد مثلاً شيئاً مستقلاً يشكّ في بعض أجزائه قبل تجاوزه أو بعده ليوجب ذلك الإشكال في الحصر المستفاد من الذيل وبالجملة فإذا فرض الوضوء فعلاً واحداً لم يلاحظ الشارع أجزاءه أفعالاً مستقلّة يجري فيها حكم الشك بعد تجاوز المحل لم يتوجّه شيء من الإشكالين في الاعتماد على الخبر ولم يكن حكم الوضوء مخالفاً للقاعدة إذ الشك في أجزاء الوضوء قبل الفراغ ليس إلا شكاً واقعاً في الشيء قبل التجاوز عنه) فرائد الأصول337:3.

  • ۱۴۹

    إشكالات المحقق العراقي على مسلك الشيخ الأنصاري:

    أورد المحقق العراقي على كلام الشيخ الانصاري إشكالين:

    الأوّل: إن كلام الشيخ بأنّ الشارع قد لاحظ الوضوء بمنزلة شيء واحد لا ينسجم مع ظاهر الموثقة حيث جاء فيها (إذا شككت في شيءٍ من الوضوء) حيث استعملت فيها من تبعيضيّةً لبيان أجزاء الوضوء فيكون الشارع هنا قد لاحظ أجزاء الوضوء كلحاظ أجزاء الصلاة.

    الإشكال الثاني: للمحقق العراقي هو إنّ استدلال الشيخ الأعظم بوحدة المسبب وهو الطهارة على وحدة الوضوء غير تام، لأنّ وحدة المسبّب (الطهارة) ليست دليلاً (لا تدلّ) على وحدة السبب أبداً وإلاّ لقلنا بذلك في كثير من العبادات كالصلاة والحجّ لوحدة المسبّب في الصلاة وهو النهي عن الفحشاء والمنكر والتقرب إلى الله.

    كما أنّ مسبّب الحج كذلك واحد وهو كونه ذكر الله(1).

    هذا وقد أيّد المحقق العراقي بعض تلامذته كالمحقق البجنوردي(2) حيث أقرّ


    1 . يقول محمد تقي البروجردي النجفي في نهاية الأفكار ج4 قسم2ص50: (وفيه مضافاً إلى أنّ ما ذكر من الوحدة خلاف ظاهر تبعيضية من في صدر الرواية أنّ مجرد بساطة أثر الوضوء لا يقتضي هذا الاعتبار في مؤثره الذي هو نفس الوضوء وإلا لاقتضى جريان المناط المزبور في سائر العبادات أيضاً كالصلاة بالنسبة إلى آثارها المترتّبة عليها من نحو الانتهاء عن الفحشاء والمقرّبية فيلزم أن يكون الشك في كلّ جزء منها قبل الفراغ عنها شكّاً فيه قبل التجاوز عن ذلك الجزء باعتبار وحدة السبب الناشئ عن وحدة الأثر وبساطته).

    2 . القواعد الفقهية352:1.

  • ۱۵۰

    بتمامية هذين الإشكالين.

    إشكالات نظرية المحقق العراقي:

    أجاب بعض الأعاظم(1) في مقام الردّ على المحقق العراقي أمّا عن إشكاله الأوّل فبأنّ مراد الشيخ الأنصاري هو أنّ الشارع قد لاحظ للوضوء المركّب من الأجزاء المتعدّدة وحدة اعتبارية وهي فرع لكون العمل في الظاهر مركبّاً فهو(ره) لا ينفي التركيب للوضوء فلا تنافي بين كلام الشيخ الأنصاري وبين ما قاله العراقي من كون (من) تبعيضيّة مفادها أنّ الوضوء ذو أجزاء.

    الظاهر أنّ هذا الجواب في غير محلّه إذ ليس البحث في أنّ الوضوء في الخارج عمل مركب أولا؟ فإنّ الشيخ الأنصاري يرى أنّ الشارع يلاحظ مجموع الوضوء جزءاً واحداً ويعتبر له حكماً واحداً وعليه يكون إشكال المحقق العراقي في محلّه حيث إنّ الشارع بيّن في صدر الموثّقة الحكم للجزء المشكوك من الوضوء ممّا يدلّ بوضوح على أنّ الشارع قد لاحظ أجزاء الوضوء لحاظاً استقلالياً.

    أمّا جوابهم عن الإشكال الثاني للمحقق العراقي فهو أنّ الأثر في باب الوضوء يختلف عن أثر الصلاة كلّيّاً ذلك أنّ هناك قسمين من الآثار أحدهما هو الأثر


    1 . يقول السيد عبد الصاحب الحكيم في منتقى الأصول تقريراً لأبحاث السيد محمد الروحاني307:7: (وكلا الوجهين مخدوش فيهما أمّا الأول فلأن الواحد بالاعتبار لابد وأن يكون مركّباً في نفسه وواقعه وإلا لما احتيج إلى اعتبار وحدته فالتعبير في الصدر بالشك في شيءٍ من الوضوء لا ينافي اعتبار الوحدة لو ثبت وتم الدليل عليه.
    وأمّا الثاني فلأنّ الأثر التي يترتّب على العمل تارةً يكون تكوينياً وأخرى يكون جعلياً والآخر المترتّب على الوضوء وأخويه أثر شرعي نسبته إلى ذيه نسبة المسبّب إلى السبب فملاكية وحدة السبب لاعتبار وحدة الوضوء إنّما تقتضي اطراد ذلك في كل أمر يترتب عليه أثر نسبته إليه نسبة المسبّب إلى السبب دون كلّ أمر يترتب عليه أثر ما، وهذا إنّما يكون في العقود لأنها سبب في ترتب آثار عليها أمّا الصلاة ونحوها من العبادات فآثارها تكوينية لا جعلية فلا تصلح مادّة النقض على الاطراد لعدم اعتبار الوحدة فيها بل النقض إنّما يتوجّه بباب العقود).

۲۲,۰۷۸ الزيارة