pic
pic
  • ۱۶۱

    الطهارة التي هي أثر تلك الغسلات والمسحات(1).

    ومن الجدير بالذكر هنا في إشكال السيد الخوئي أنّ بعض تلامذة السيد قد صرّحوا بأنّ هذا الإشكال منه إنّما نشأ من عدم ذكره نظرية الشيخ الأنصاري على وجهها الصحيح في تقريراته، فإنّ السيد الخوئي قال في تقريره لدليل الشيخ الأنصاري:

    ما ذكره شيخنا الأنصاري وهو أنّ التكلّيف إنّما تعلق بالطهارة وإنّما الغسل والمسح مقدّمة لحصولها فالشك في تحقق شيءٍ من الغسل والمسح يرجع إلى الشكّ في حصول الطهارة وهي أمر بسيط فلا تجري فيه قاعدة التجاوز(2).

    لكن بالرجوع إلى كلام الشيخ الأنصاري الذي ذكرناه في الأبحاث السابقة يتّضح لنا أنّ الشيخ لم يركّز نظره على أنّ المأمور به في باب الوضوء هل هو أفعال الوضوء أو الطهارة بل نظر إلى أنّ الوضوء في الخارج وإن اعتبر عملاً مركباً إلاّ أنّ الشارع لاحظه شيئاً واحداً واعتبر لأفعاله وحدة اعتبارية.

    وعليه فإن إشكال المحقق الخوئي الأوّل غير وارد على نظرية الشيخ الأعظم.

    الإشكال الثاني:

    يقول المحقق الخوئي: لو سلّمنا بأنّ المأمور به في باب الوضوء هو الطهارة وأنّ أفعال الوضوء من الغسلات والمسحات مقدمة للمأمور به.

    لكن لابدّ من الالتزام بأنّ قاعدة التجاوز إنّما لا تجري في هذه المقدمات فيما لو كانت مقدمات عقلية خارجية كما لو أمر المولى عبده بقتل رجلٍ وكان قتله


    1 . وهذا نصّ عبارة السيد الخوئي: (وفيه أولاً أن ظاهر الآيات والروايات كون نفس الوضوء متعلّقاً للتكليف كقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) وكقوله(ع): (افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) والوضوء مركب فلا مانع من جريان قاعدة التجاوز فيه).

    2 . مصباح الأصول289:3.

  • ۱۶۲

    متوقّفاً على مقدمات فإنّه لو شك في هذه المقدمات لم تجر قاعدة التجاوز لأنّ ذا المقدمة أي القتل عنوان بسيط والشك في المقدمات يكون من قبيل الشكّ في محصّل العنوان وهو مجرى الاحتياط، لكن الغسلات والمسحات التي هي مقدمة للطهارة في باب الوضوء تعتبر مقدّمات شرعية لأنّ الشارع هو الذي أمر بها، ومن الواضح جريان قاعدة التجاوز في الأجزاء والمقدمات الشرعية المركبّة(1).

    وما يمكن القول في هذا الإشكال هو أن صحّة هذا الإشكال مبتنية على القول بأنّ قاعدة التجاوز قاعدة تعبّدية محضة وعلى هذا يكون من وجوه التفريق بين قاعدتي الفراغ والتجاوز أنّ قاعدة الفراغ أمر عقلائي دون قاعدة التجاوز.

    ومن هنا لا يرد هذا الإشكال على قول من يرى قاعدة الفراغ والتجاوز قاعدة واحدة ترجعان إلى عنوان واحد هو عدم الاعتناء بالشك بعد تجاوز المحل وهو عنوان عقلائي كما هو مذهب الإمام الخميني والمحقق البجنوردي، لأنّ التفريق بين المقدمات العقلية والمقدمات الشرعية إنّما يتمّ فيما لو كانت هاتان القاعدتان قاعدتين مستقلتين.

    هذا مضافاً إلى ما سبق في الإشكال السابق من أنّ إشكالات السيد الخوئي إنّما نشأت من تفسيره الخاطئ لنظرية الشيخ الأنصاري فلو فُسِّرتْ نظريته على الوجه الصحيح لم ترد عليه هذه الإشكالات. نعم لا ننكر تلك الإشكالات


    1 . مصباح الأصول289:3: (وثانياً على تقدير تسليم كون الطهارة هي المأمور به وأنّ الوضوء مقدمة لها أنّ عدم جريان قاعدة التجاوز في المقدمة مع كون ذيها بسيطاً إنّما هو في المقدمات العقلية الخارجية كما إذا أمر المولى بقتل أحد وتوقف القتل على عدّة من المقدمّات فالشك في بعض هذه المقدمات لا يكون مورداً لقاعدة التجاوز لأن المأمور به وهو القتل بسيط لا تجري فيه قاعدة التجاوز والشك في المقدمات شكّ في المحصّل فلابدّ من الاحتياط هذا بخلاف المقام فإنّ الوضوء من المقدمات الشرعية لحصول الطهارة إذ الشارع جعله مقدمة لها وأمر به وبعد تعلق الأمر الشرعي به وكونه مركباً لا مانع من جريان قاعدة التجاوز فيه).

  • ۱۶۳

    السابقة التي أوردها المحقق العراقي على نظرية الشيخ الأنصاري فأنّها تامة مقبولة ولا داعي إلى إعادتها.

    وحاصل ما ذكرنا إلى هنا عدم إلحاق الغسل والتيمم بالوضوء وأنّ قاعدة التجاوز تجري في هذه الأبواب الفقهية، وقد خرج منها باب الوضوء بالدليل الخاصّ الدال على عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء خاصة.

    المؤيّد لجريان قاعدة التجاوز في الغُسل:

    يذكر الإمام الخميني بعد هذا الكلام بعض الروايات التي يستفاد منها جريان قاعدة التجاوز في الغسل كصحيحة زرارة التي ذكرناها سابقاً: (قال زرارة: قلت له: رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده في غسل الجنابة؟ فقال: إذا شك ثمّ كانت به بلّة وهو في صلاته مسح بها عليه، وإن كان استيقن رجع وأعاد عليه الماء ما لم يُصب بلّةً فإنْ دخله الشكّ وقد دخل في حال أخرى فليمض في صلاته ولا شيء عليه)(1).

    فإنّ الإمام الخميني يرى أنّ المستفاد من إطلاق عبارة الإمام(ع): (فإن دخله الشكّ وقد دخل في حال أخرى فليمض في صلاته ولا شيء عليه).

    إنّ قاعدة التجاوز تجري من دون أيّ مانع فيما لو كان المكلّف منشغلاً بغسل الجنابة قبل الصلاة وقد دخل من جزءٍ إلى جزءٍ آخر ثمّ شك في الجزء السابق(2).

    يقول الإمام الخميني: هناك عبارة أخرى في صحيحة زرارة هذه عدا تلك العبارة السابقة يستفاد منها أن الشكّ بعد تجاوز المحلّ لا اعتبار به في غسل الجنابة.


    1 . ثقة الإسلام الكليني: الكافي33:3ج2باب الشك في الوضوء.

    2 . الاستصحاب ص327وهو يقول: (وكذا يمكن أن يقال: إنّ قوله في ذيلها (فإن دخله الشك وقد دخل في حال أخرى) يدلّ بإطلاقه على أنّ من شك في غسل ذراعه أو بعض جسده من الطرف الأيسر وقد دخل في حال أخرى أيّة حالة كانت لا يعتني بشكّه).

  • ۱۶۴

    بحث جريان قاعدة التجاوز في جزء الجزء:

    من جملة ما يُبحَث عنه في قاعدة التجاوز هو أنّ قاعدة التجاوز هل هي مختصّة بالأجزاء الأصلية للعمل أو أنّها تجري في أجزاء الأجزاء أيضاً. الشكّ في الأجزاء الأصلية بعد تجاوز المحلّ كما لو شكّ المكلّف حين السجود في إتيان الركوع، أمّا الشكّ في جزء الجزء فكما لو شك أثناء قراءة السورة في الصلاة في أنّه هل قرأ الآية السابقة أولا؟ في هذا البحث آراء مختلفة في كلمات الأعاظم.

    اختلفت كلمات الأعاظم وتضاربت آراؤهم في هذه المسألة

    نظرية المحقق النائيني:

    ذهب المحقق النائيني ومن تبعه من الأعاظم إلى أنّ قاعدة التجاوز مختصّة بالشك في أجزاء العمل الأصلية ولا تجري في جزء الجزء كالشك في الآية السابقة بعد الدخول في غيرها(1).

    والدليل على هذا المنع كما يستفاد من كلماته أمران:

    الأمر الأوّل: إنّ روايات التجاوز حاكمة على روايات الفراغ وهي أي روايات التجاوز تلحق الشكّ في الجزء بالشك في الجزء فإنّ الشارع أمر بعدم الاعتناء بالشك في أجزاء الصلاة أثناء الصلاة كما لا اعتناء بالشك في كلّ الصلاة بعد الفراغ منها ولم يجعل الشارع جزء الجزء بمنزلة كلّ العمل فلا تجري قاعدة التجاوز في جزء الجزء، وبعبارة أخرى فإنّ أدلّة التنزيل لا تشمل الشكّ في جزء الجزء(2).


    1 . فوائد الأصول634:4.

    2 . هذا نصّ عبارته: (لأن شمول قوله(ع): (كلّ شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه) للشك في الأجزاء إنّما كان بعناية التعبّد والتنزيل ولحاظ الأجزاء في المرتبة السابقة على التركيب فإنّه في تلك المرتبة يكون كل جزء من أجزاء الصلاة وأجزاء أجزائها من الآيات والكلمات بل الحروف شيئاً مستقلاً في مقابل الكلّ.
    وأمّا في مرتبة التأليف والتركيب فلا يكون الجزء شيئاً مستقلاً في مقابل الكلّ بل شيئية الجزء تندكّ في شيئية الكلّ كما تقدم فدخول الأجزاء في عموم الشيء في عرض دخول الكلّ لا يمكن إلاّ بعناية التعبّد والتنزيل وحينئذٍ لابدّ من الاقتصار على مورد التنزيل والمقدار الذي قام الدليل فيه على التنزيل هو الأجزاء المستقلّة بالتبويب).

  • ۱۶۵

    ونحن أوردنا فيما سبق على هذا الدليل وذكرنا أنّ قاعدة الفراغ والتجاوز إنّما يستفاد كلّ منهما على نحو الاستقلال من الروايات ولا ناظرية لإحداهما إلى الأخرى وقد ناقشنا مسألة التنزيل وعليه فلابدّ من طرح هذا الدليل.

    الأمر الثاني: أنّ المستفاد من روايات قاعدة التجاوز إنّا لو دخلنا من الجزء إلى الجزء الآخر فلابدّ من استفادة عنوان الخروج من المحل والدخول في غيره، والمراد بالمحل هو المحل الذي حدّده الشارع.

    مثلاً إن لركوع الصلاة خصوصيّتين: أـ أنّه مأمور به، ب ـ أنّ له محلاً معيّناً من قبل الشارع، ففي مثل هذه الأجزاء التي لها محلّ معين شرعاً مضافاً إلى كونها مأموراً بها تجري قاعدة التجاوز بحيث أن يكون هذا المحل المعيّن من قبل الشارع دخيلاً في كونها مأموراً بها بمعنى أنّ المكلّف لو أتى بالركوع بعد السجود كان آتياً بجزء المأمور به لكنّه قد أخلّ بترتيب الصلاة.

    وعلى هذا فلا تجري قاعدة التجاوز في الأجزاء التي ليس لها محل معيّن شرعاً، كما لو قدّم وأخرّ المكلّف ألفاظ السورة وقال بدل (الله الصمد): الصمدُ اللهُ ـ أو قال بدل (الله أكبر): أكبر الله، لم يمكن الالتزام بأنّه قد أتى بالمأمور به لكنّه أخلّ بالترتيب، لأنه لم يأت بالمأمور به هنا على الإطلاق فإن الترتيب بين الكلمات له مدخلية في ماهية السورة والكلام فلا تجري في هذه الموارد قاعدة التجاوز لأنّ الشكّ فيها يساوي الشكّ في أصل إتيان المأمور به ووجوده.

    وهذا الدليل أيضاً غير تام إذ سيأتي في الأبحاث اللاحقة أنّ المراد بالمحل

  • ۱۶۶

    في قاعدة التجاوز ليس خصوص المحل المقرر شرعاً بل المراد به مطلق التجاوز عن محل جزءٍ من الأجزاء. وسنبحث في الأبحاث القادمة مفصّلاً عما هو المراد بالمحلّ في قاعدة التجاوز إن شاء الله.

    نظرية المحقق الأصفهاني:

    الدليل الثالث ما ذكره المحقق الأصفهاني كدليل على عدم جريان قاعدة التجاوز في جزء الجزء حيث قال بأن كلمة الشيء الواردة في رواية قاعدة التجاوز في قوله(ع): (إذا شككت في شيءٍ ودخلت في غيره) منصرفة إلى الجزء نفسه الشامل للأجزاء الأوّلية المبوّبة كالشك في التكبير والقراءة والركوع والسجود ولا يشمل جزء الجزء الذي هو من الأجزاء الثانوية فالشيء كناية عن أجزاء الصلاة ويشمل أجزاء الصلاة الأصلية المبوّبة دون أجزاء الصلاة(1).

    والظاهر أنّ هذا الدليل حسن لا بأس به وإن وقع مخدوشاً فيه من قبل بعض الأعاظم لأنّ الانصراف ليس ممّا يمكن للمرء إنكاره أو قبوله بسهولة بحيث يدّعي أحدٌ الانصراف وينكره الآخر فإنّ الانصراف أمر وجداني، والذي يبدو هنا أنّ الحق مع المحقق الأصفهاني في عدم شمول لفظ الشيء لجزء الجزء.


    1 . نهاية الدراية في شرح الكفاية300:3 (الطبعة الحجرية)، الميرزا حسن سيادتي السبزواري: وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول تقريراً لأبحاث المحقّق الأصفهاني ص803وهذا نص كلمات المحقّق الأصفهاني في وسيلة الوصول: (ثم إنّ الشك في الشيء بعد الدخول في غيره الذي لا يعتنى به بمقتضى قاعدة التجاوز مخصوص بالشك في الأجزاء المبوّية الأولية كالشك في التكبير والقراءة والركوع والسجود ونحوها كما في مورد الرواية أو تعمّ غير الأجزاء الأولية من الأجزاء الثانوية وهكذا كما أفتى به بعض من عدم الاعتناء بالشك في أول السورة وهو في آخرها بل بالشك في أوّل الآية وهو في آخرها بل بالشك في أول الكلمة وهو في آخرها والظاهر هو الأول لأن الشيء وإن كان من الألفاظ العامة إلا أن عمومه باعتبار ما يكنّى به عنه وهو في الرواية كناية عن أجزاء الصلاة كما هي مورد قاعدة التجاوز بمقتضى الرواية فمعنى قوله(ع): (إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء) إذا خرجت من أجزاء الصلاة وأجزاء الصلاة هي الأجزاء الأوليّة المبوّبة).

  • ۱۶۷

    والذي يؤيّد هذا الانصراف تعبير الدخول في غيره الذي لا ينطبق عرفاً على التجاوز من جزء الجزء وبعبارة أخرى فإنّ جزء الجزء عند العرف شيء واحد لا شيئان والعرف يرى جملة (الله أكبر) شيئاً واحداً ولا يفكّك بين (الله) و (أكبر) بحيث يشكّ المكلّف حين التلفظ بـ (أكبر) في أنّه هل تلفّظ بلفظة (الله) أو لا؟ ولو شك كذلك وجب الاعتناء بشكه ولابدّ من إعادة مجموعة جملة (الله أكبر).

    نعم يمكن القول بانفصال كلّ آية عن الأخرى في القرآن فيصحّ التفكيك فيها عرفاً، وعليه فلو شك حين قراءة (مالك يوم الدين) هل أتى بـ (الرحمن الرحيم) أولا؟ جرتْ في حقه قاعدة التجاوز لأنّ العرف يرى هاتين الآيتين شيئين مستقلين.

    وحاصل رأينا هو أنّه لا يلزم في جريان قاعدة التجاوز أن يلاحظ المحل مقرراً شرعاً بل المحل مطلق وإنما تجري قاعدة التجاوز في الأجزاء التي يلاحظها العرف على نحو الاستقلال من حيث الدخول والخروج.

    وهنا يمكن أن يتساءل المرء بأنّه هل يمكن أن يستفاد من عنوان الأذكرية الوارد في الروايات جريان قاعدة التجاوز في جزء الجزء أيضاً؟

    ويمكن الإجابة عن هذا التساؤل من وجهين:

    الأوّل: كما ذكرنا سابقاً في الأبحاث الماضية أنّ الأذكرية تتعلّق بروايات قاعدة الفراغ ولا تجري في قاعدة التجاوز، وهذا هو أحد الفروق بين هاتين القاعدتين.

    والثاني: أنّ الأذكرية لها عنوان الحكمة لا عنوان العليّة.

    جريان قاعدة الفراغ والتجاوز في الجزء الأخير من المركّب

    من الأبحاث الهامّة في هاتين القاعدتين أنّ قاعدة التجاوز والفراغ هل

  • ۱۶۸

    تجريان في الجزء الأخير من المركب أولا؟ مثلاً لو شك المصلّي بعد الفراغ من الصلاة في أنّه هل سلّم أولا؟ أو أنّه هل جاء بالتسليم على الوجه الصحيح أولا؟ وكذا لو شك الحاج في باب الحج في أنّه هل جاء بطواف النساء وصلاته اللذي هو الجزء الأخير من واجبات الحجّ؟ وكما لو غلب النعاس على المصلّي في السجود بحيث لا يعلم هل هذا هو سجود صلاته الأخير أو كان سجود الشكر؟ فهل تجري قاعدة الفراغ والتجاوز في هذه الموارد؟

    الحق في الإجابة عن هذا السؤال هو عدم إمكان جريان قاعدة الفراغ بمقتضى التعبيرات الواردة في روايات هذه القاعدة مثل قوله(ع): (بعد ما تفرغ من صلاتك) و (بعد ما ينصرف) و (بعد ما يصلي) لوجود الترديد والشك في تحقق عنوان الفراغ أو الانصراف في الموارد السابقة فلا مجال لجريان هذه القاعدة.

    نعم لو حملنا الدخول في الغير الوارد في قاعدة التجاوز بالمعنى الأعمّ وحملنا المحلّ على الأعم من المحل الشرعي والعادي وكان المصلي قد خرج من محلّ صلاته ودخل في عمل آخر أو كان الحاج قد خرج من مكة جاز لنا إجراء قاعدة التجاوز إلاّ أن نلتزم باختصاص قاعدة التجاوز بأثناء العمل فلا يكون للعمل بعد الفراغ منه محل كما استفدنا ذلك من الروايات.

    هذا وقد فصّل بعض المحققين(1) في هذه المسألة وذكر عدة صور:

    1 ـ يجب تدارك العمل المشكوك فيه فيما لو شك في الجزء الأخير ولما يدخل المكلّف في العمل الآخر.

    2 ـ أمّا لو دخل المكلّف في العمل الآخر فللمسألة صور عديدة:


    1 . السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات222:4.

  • ۱۶۹

    الأوّلى: أن يشكّ في التسليم بعد الدخول في تعقيبات الصلاة أو في سجدتي السهو أو صلاة الاحتياط مما شرعه الشارع بعد الفراغ من الصلاة.

    ولا شك هنا في جريان قاعدة الفراغ لأنّ الشكّ هنا من مصاديق الشكّ في الشيء وبعد الدخول في غيره.

    إشكال: يبدو أنّ هذا الكلام تام بالنسبة إلى قاعدة التجاوز، وقد ذكرنا سابقاً أنّ أحد وجوه الفرق بين قاعدتي التجاوز والفراغ أنّ الدخول في الغير غير معتبر في قاعدة التجاوز خلافاً لقاعدة الفراغ.

    نعم لا يرد هذا الإشكال على من يعتبر في قاعدة الفراغ الدخول في الغير كالمحقق النائيني(1) الذي يعتقد بأنّ هذا الاشتراط يستفاد من أدلّة قاعدة الفراغ بغض النظر عن اتّحاد القاعدتين ـ حيث لا يمكن أن يكون منشأ لهذه النظرية ـ فإنّ أدلّة قاعدة الفراغ طائفتان فقد ورد هذا القيد في بعضها كصحيحة زرارة حيث يقول فيها الإمام(ع): (إذا خرجت من شيءٍ ثمّ دخلت في غيره فشكك ليس بشيءٍ). بينما لا وجود لهذا القيد في بعضها الآخر كموثقة ابن بكير حيث جاء فيها: (كلّما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) وكذلك موثقة ابن أبي يعفور: (إنّما الشكّ إذا كنت في شيءٍ لم تجزه).

    ولا بد هنا إمّا من حمل المطلق على المقيّد أو جعل القيد من القيود الواردة في مقام الغالب، وبالتالي لا يكون مقيّداً للإطلاقات.

    والتحقيق هو الأوّل لا لأجل وجود المفهوم في القيد ولا لأجل حمل المطلق على المقيد بل إنّ هذا المطلّق ينصرف إلى الفرد الغالب لقصوره الذاتي بالنسبة إلى الفرد غير الغالب، بمعنى أن التجاوز عن الشيء غالباً ما يصدق مع الدخول


    1 . أجود التقريرات321:4.

  • ۱۷۰

    في الشيء الآخر، ونادراً ما يحصل مع عدم الدخول في الشيء الآخر.

    نعم من الواضح أنّ مجرد الغلبة في الوجود الخارجي لا يكون سبباً للانصراف إلاّ أنّنا ندّعي أن المطلق في حقيقته وماهيته له قصور عن الفرد النادر.

    وتحقيق القول هو أنّنا ذكرنا في دراستنا لروايات قاعدة التجاوز أنّ صحيحة زرارة هي من الروايات الدالة على قاعدة التجاوز فقط ولا تستفاد منها قاعدة الفراغ كما أنّ الأمثلة الواردة في صدر الرواية هي من مصاديق قاعدة التجاوز والشك في أثناء العمل، وهذه الأمثلة قرينة جليّة على أنّ القاعدة الكلّيّة المذكورة في ذيل الرواية أيضاً محمولة على قاعدة التجاوز وعليه فلا يمكن الالتزام بأنّ من روايات قاعدة الفراغ ما يدل على اعتبار الدخول في الغير بل إنّ روايات قاعدة الفراغ أمّا صريحة في الانصراف عن أصل العمل (بعدما ينصرف من صلاته) أو أنّها صريحة في الفراغ من العمل (بعدما تفرغ من صلاتك)، أو أنّ الوارد فيها مجرد عنوان (ما مضى).

    نعم هناك صحيحة أخرى لزرارة تقول: (إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أغسلتَ ذراعيك أم لا؟ فأعد عليهما فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو غيرها فشككت فلا شيء عليك)(1).

    وهي كما ذكرنا سابقاً تدلّ على قاعدة الفراغ وقد جاء فيها قيد (وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو غيرها) وعلى هذا يمكن اعتبار الدخول في الغير في قاعدة الفراغ بناءً على هذه الرواية فلا تفترق عن قاعدة التجاوز من هذه الناحية إلاّ من جهة أنّ الغير في قاعدة التجاوز هو العمل المترتّب شرعاً على الجزء السابق بينما في قاعدة الفراغ هو الفعل المباين للعمل المشكوك فبحسب هذه الرواية


    1 . محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة ج1باب42من أبواب الوضوء ص469حديث1.

۲۲,۰۸۰ الزيارة