pic
pic
  • ۱۸۱

    يمكن الحكم بالصحّة في هذه الموارد تمسكاً بقاعدة التجاوز؟

    نجيب عن هذا التساؤل: بأنّنا لو جعلنا قاعدتي الفراغ والتجاوز قاعدة واحدة ـ كما ذهب إلى ذلك المحقق البجنوردي والإمام الخميني(ره) ـ التزمنا بعدم التفريق بين الشكّ في صحّة الكلّ والشك في صحّة الجزء.

    لأنّ المستفاد من الروايات مثل (كلّما شككت فيه مما قد مضى) هو الحكم الكلّي والقاعدة العامّة أي (عدم الاعتناء بالشكّ بعد المضيّ) وهذا الحكم الكلّي يشمل الأجزاء كما يشمل كلّ العمل أي سواء كان الشكّ بعد الفراغ من العمل أم بعد التجاوز من محل الشيء، وسواء كان الشكّ في أصل وجود ذلك الجزء أم كان الشكّ في صحة الجزء المأتي به فإنّ هذه الموارد كلّها مشمولة للحكم الكلّي المستفاد من قاعدة الفراغ والتجاوز.

    أمّا لو لم نعتبرهما قاعدة واحدة كما ارتأينا ذلك وقلنا بأنّ قاعدة الفراغ متعلّقة بكلّ العمل وبما بعد العمل، بينما تختصّ قاعدة التجاوز بالشك في الأجزاء وبأثناء العمل فمن المشكل إجراء قاعدة التجاوز عند الشكّ في صحّة الجزء لأنّ أخبار قاعدة التجاوز ظاهرة في الشكّ في أصل وجود الجزء لا في صحّته بعد الفراغ من أصل وجوده.

    نعم قد يقال: بأنّ الأخبار وإن كان لها ظهور بدوي في الشكّ في أصل وجود الجزء إلاّ أنّنا نحكم من خلال تنقيح المناط بعدم التفريق بين الشكّ في أصل وجود الجزء والشك في صحّته، بل ربّما يدّعى الأولويّة هنا، لأنّ الشكّ في أصل الوجود إذا كان داخلاً في القاعدة فإنّ الشكّ في صحة الجزء بعد الفراغ من وجوده يكون داخلاً في القاعدة بطريق أولى.

    هنا وقد شكّك بعض الأعاظم في هذا الدليل من جهة أنّ هذه الأولويّة لو

  • ۱۸۲

    كانت أولوية قطعية لأمكن قبولها لكن لمّا كانت قاعدة التجاوز أمراً تعبّدياً شرعياً ولا يمكن تحصيل القطع بالملاك في الأمور التعبّدية فإن الأولويّة المذكورة لا تكون قطعية ولا يصحّ التمسّك بها.

    أمّا جريان قاعدة الفراغ في هذا البحث ففيه رأيان فقد ذهب بعض الأعاظم إلى عدم جريان قاعدة الفراغ في هذا الفرع لأنّها مختصّة بما إذا شك المكلّف في صحّة مجموع العمل بعد الفراغ منه.

    بينما تمسّك بعض آخر من الأعاظم كالمحقق الخوئي(ره)(1) وبعض تلامذته بإطلاق موثّقة ابن بكير في هذا الفرض وقالوا: بأنّ لجملة (كلّما شككت فيه ممّا قد مضى) إطلاقاً يشمل الجزء كما يشمل كلّ العمل ومن هنا فإنّهم صرّحوا بأنّ قاعدة الفراغ كما تجري عند الشك في صحّة كلّ العمل كذلك تجري عند الشك في صحّة الجزء أيضاً.

    والظاهر أنّ هذا الاستدلال غير تام أولاً لأنّا قد ذكرنا مراراً بأنّ لفظة من في (ممّا قد مضى) بيانية وليست تبعيضية والفاعل في (مضى) ظاهر في كلّ العمل.

    وبعبارة أخرى لا إطلاق لهذه الرواية وعليه فلا تجري قاعدة الفراغ في المقام.

    ثانياً: لو سلّمنا إطلاق هذه الرواية إلاّ أنّ هناك تعبيرات في الروايات الأخرى في هذا الباب تكون مقيّدة لإطلاق هذه الرواية مثل (بعد ما تفرغ من صلاتك) ومثل (بعد ما ينصرف) و (بعد ما صلّى) حتّى إنّ التعبير بالأذكرية المذكور في روايات الفراغ له ظهور فيما بعد العمل.

    والحاصل: أنّ قاعدة الفراغ تكون مختصّة بما بعد العمل ولا تجري في الشك في صحّة الأجزاء أثناء العمل.


    1 . مصباح الأصول310:3.

  • ۱۸۳

    الرأي المختار: وعلى ما استفدناه من روايات قاعدة الفراغ والتجاوز من الفرق بين القاعدتين حيث إنّ قاعدة الفراغ مختصّة بالشك فيما بعد العمل وقاعدة التجاوز بالشك في أثناء العمل وأنكرنا نظرية المشهور في الفرق بين القاعدتين من جهة أنّ مورد قاعدة التجاوز هو الشك في أصل الوجود ومورد قاعدة الفراغ هو الشك في الصحة.

    وعليه نستنتج أنّ قاعدة التجاوز تجري في الشك أثناء العمل مطلقاً سواءً كان الشك في وجود الشيء أم في صحّته. ولا داعي حينئذٍ إلى تنقيح المناط والأولوية في البحث.

    ما المراد من المحلّ في قاعدة التجاوز؟

    لابدّ من قاعدة التجاوز من التجاوز عن المحلّ والسؤال هنا هو إنّه ما معنى التجاوز عن المحل؟ وما معنى المحلّ؟

    ذُكِرَ في الجواب عن هذا السؤال ثلاثة احتمالات:

    الاحتمال الأوّل: أنّ المراد بالمحل هو المحل الشرعي المقرر الذي حدّده وعيّنه الشارع المقدّس.

    الاحتمال الثاني: إنّ المراد هو المحلّ العقلي فإنّ العقل يجعل للأشياء والأشياء محلاً معيناً عن طريق الملاكات المختلفة فعلى سبيل المثال إن جملة (الله أكبر) من حيث الوضع اللغوي لهذه الهيئة التركيبية يكون لفظ الجلالة مقدّماً فيها على لفظة (أكبر) فالمراد بالمحلّ العقلي هو المحلّ الذي لم يتعيّن من قبل الشارع بل تعيّن وفقاً لضابطة أخرى كالقانون الوضعي.

    الاحتمال الثالث: أن يكون المراد بالمحلّ هو المحلّ العادي وهو ما تحقّق بحسب العادة سواء كانت عادةً شخصية أم نوعية، فمثلاً من كانت عادته التوضؤ

  • ۱۸۴

    بعد كلّ حدثٍ أصغر، فلو صدر منه الحدث الأصغر ومضى عليه نصف ساعةٍ مثلاً فهل تجري في حقّه قاعدة التجاوز؟ وبالنسبة إلى هذه الاحتمالات وجريان قاعدة التجاوز فيها لابدّ من القول بأنّ قاعدة التجاوز جارية من غير شكّ وترديد فيما تجاوز محلّه الشرعي فإنّ محل الركوع في الصلاة قبل السجود، فلو شكّ المصلّي حال السجود في إتيان الركوع جرت في حقّه قاعدة التجاوز لمضيّ محلّ الركوع.

    وإنّما الكلّام في الاحتمالين الثاني والثالث فهل تجري قاعدة التجاوز مع تجاوز المحلّ العقلي أو العادي أولا؟

    فقد بيّنا بالنسبة إلى المحل العقلي بأنّ العقل بنفسه لا يعيّن محلّ الأشياء والأجزاء بوجه من الوجوه بل يحكم بوجوب مراعاة القانون والضابط الموجود في المقام، وبالتالي يرجع المحلّ العقلي إلى المحلّ الشرعي فإنّ القانون في المقام قد يكون هو الشرع كما لو عيّن الشارع محلّ الركوع في الصلاة، وقد يكون هو الوضع كما لو حكم الوضع بتقديم لفظ الجلالة على (أكبر) في جملة (الله أكبر) فيكون ذلك هو المأمور به.

    أمّا المحل العادي فقد مثّلنا له بمن كانت عادته التوضؤ بعد الحدث الأصغر فإنّ محلّ الوضوء العادي يكون بعد الحدث الأصغر فلو شك هذا الشخص بعد مضي نصف ساعة على الحدث الأصغر في أنّه هل توضأ أو لا فهل تجري في حقه قاعدة التجاوز من جهة تجاوز محلّ الوضوء العادي عنده؟

    فقد أظهر الشيخ الأنصاري(1) تأملّه في ذلك وذكر أدلّة على جريان قاعدة التجاوز وأخرى على عدم جريأنّها في هذا المورد:


    1 . فرائد الأصول ج3ص330-331.

  • ۱۸۵

    فقد ذكر دليلين على جريان القاعدة:

    الدليل الأوّل: هو الإطلاق حيث إنّ إطلاق روايات الباب يشمل التجاوز عن المحلّ العادي أيضاً فإنّ المراد بالشيء في قوله(ع): (جاوزت عن شيءٍ) هو مطلق الشيء.

    والدليل الثاني: هو التعليل الوارد في رواية زرارة الصحيحة (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشكّ)(1) يرى الشيخ أنّ هذا التعليل يدلّ على أنّ الظاهر هو المقدّم فيما لو دار الأمر بين الظاهر والأصل، فمثلاً من توضأ ثمّ شكّ بعد الانتهاء من الوضوء في أنّه هل مسح رأسه أولا؟ فإنّ الأصل عدم إتيان المسح فلابدّ له من الإتيان بالمسح ثانية لكنّ ظاهر حال المكلّف في مقام امتثال أمر المولى يشهد بأنّ المكلّف قد جاء بجميع الأجزاء والشرائط، وبعبارة أخرى فإن الظاهر على إتيان العمل.

    وهذا التعليل يدلّ على أنّ الظاهر مقدّم على الأصل فيما لو تعارضا حتى لو كان منشأ هذا الظهور عادة المكلّف(1).

    هذان الدليلان ذكرهما الشيخ على جريان قاعدة التجاوز في التجاوز عن المحل العادي لكنه يذكر دليلين آخرين على عدم جريان القاعدة في المقام:

    الدليل الأوّل: هو أنّ ذلك يستلزم إحداث فقه جديد حيث لم يُفتِ أحدٌ من الفقهاء بأنّ من كانت عادته أن يتوضأ بعد الحدث الأصغر وشك بعد مرور نصف ساعة على الحدث في أنّه هل توضأ بعد ذلك الحدث الأصغر أولا حُكِمَ


    1 . محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة332:1باب42من أبواب الوضوء حديث7.

    2 . وهذا نص كلام الشيخ: (الظاهر من قوله(ع) فيما تقدم: (هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك) أن هذه القاعدة من باب تقديم الظاهر على الأصل فهو دائر مدار الظهور النوعي ولو كان من العادة).

  • ۱۸۶

    على أنه متطهرٌ وجاز له الدخول في الصلاة(1)، وعليه فإنّ إجراء قاعدة التجاوز في التجاوز عن المحل العادي مستلزم لتأسيس فقه جديد.

    الدليل الثاني: مضافاً إلى أنّ جريان القاعدة في المقام يخالف الاطلاقات الكثيرة الدالة على وجوب الإتيان بالوضوء كلّما شك المكلّف قبل الصلاة في أنّه هل توضأ أولا سواء كانت عادة المكلّف أن يتوضأ بعد كلّ حدث أصغر أم لم تكن.

    ومن هنا فإن الشيخ الأنصاري رأى أنّ الأمر مشكل وأمر بالتأمل فهو متوقف عملياً ولا بد حينئذٍ من الرجوع إلى أصل الاستصحاب.

    أدلة اختصاص القاعدة بالمحل الشرعي:

    وهناك أدلّة أخرى يستفاد منها أنّ قاعدة التجاوز مختصّة بالتجاوز عن المحل الشرعي:

    الدليل الأوّل: قد ذكرنا في مسألة تعدّد القاعدتين أنّ المستند الوحيد لقاعدة التجاوز هي الروايات، ومن هنا كانت هذه القاعدة أمراً تعبديّاً شرعياً، وبالرجوع إلى روايات قاعدة التجاوز يتّضح لنا أنّ المحلّ العادي لم يذكر في أية واحدةٍ من تلك الروايات، والمذكور في جميع الروايات هو التجاوز عن المحل الشرعي، وقد ذكرنا سابقاً أنّ كثرة الأمثلة توجب تحديد الضابطة.

    الدليل الثاني: على مبنى المحقق النائيني القائل بحكومة روايات قاعدة التجاوز على روايات قاعدة الفراغ وإلحاق الشك في الجزء بالشك في الكلّ فإنّ


    1 . وهذه هي عبارة الشيخ: (مع أنّ فتح هذا الباب بالنسبة إلى العادة يوجب مخالفة إطلاقات كثيرة فمن اعتاد الصلاة في أوّل وقتها أو مع الجماعة فشكّ في فعلها بعد ذلك فلا يجب عليه الفعل وكذا من اعتاد الوضوء بعد الحدث بلا فصل يعتدّ به أو قبل دخول الوقت للتهيّؤ فشكّ بعد ذلك في الوضوء، إلى غير ذلك من الفروع التي يبعد التزام الفقيه بها).

  • ۱۸۷

    الحكومة لمّا كانت أمراً تعبّدياً فلابدّ من الالتزام بدائرة التعبّد الدالة على المحل الشرعي فقط وإن كنّا قد ناقشنا مبنى المحقق النائيني هذا في المباحث السابقة.

    الدليل الثالث: ما أشار الإمام الخميني(ره) وهو أنّ المشرّع إذا عين محلاً لأفعال قد أوجبها هو ثمّ أعطانا قاعدة كلّيّة بأنّه كلّما تجاوز عن محل تلك الأفعال ثمّ شككتم فيها لم يجب الاعتناء بها فإنّ العرف والعقلاء إنّما يفهمون من هذا المحلّ ذلك الذي ذكره المشرّع نفسه لا المحل العادي بحسب عادة الشخص أو النوع.

    وعلى هذا فإنّ القول بجريان قاعدة التجاوز في التجاوز عن المحلّ العادي لإطلاق الأدلة مشكل وغير قابل للقبول(1).

    ما المراد بالغير في قاعدة التجاوز؟

    مما وقع فيه الخلاف في بحث قاعدة التجاوز هو أنّه ما المراد من الغير الذي لابدّ من الدخول فيه في قاعدة التجاوز؟ وهل التعبير بقوله(ع): (دخلت في غيره) قيدٌ توضيحي بمعنى أن التجاوز عن الشيء إنّما يتحقّق بالدخول في الغير ولولا الدخول في الغير لما حصل التجاوز.

    أو أنّ التجاوز عن المحل عنوان مستقل سواء حصل الدخول في الغير أم لم يحصل؟


    1 . الاستصحاب ص326: (لأن الشارع المقنّن إذا قرّر للأشياء محلاً فجعل محلّ القراءة بعد التكبير ومحلّ الركوع بعد القراءة وهكذا ثم جعل قانوناً آخر بأنّ كل ما مضى لا يفهم العرف والعقلاء منه إلا ما هو المحلّ المقرّر الجعلي لا ما صار عادة للأشخاص أو النوع فإن العادة إنّما تحصل بالعمل وهي لا توجب أن يصير المحلّ العادي محلاً للشيء بل المحلّ بقول مطلق هو ما يكون محلاً مقرّراً قانونياً لا ماصاً عادة حتى يختلف باختلاف الأزمنة والأحوال وبالجملة إسراء الحكم إلى المحل العادي بدعوى إطلاق الأدلة في غاية الإشكال بل لا يمكن التزامه).

  • ۱۸۸

    المستفاد من كلمات الشيخ الأعظم الأنصاري هو أنّ الدخول في الغير قد يكون محصّلاً للتجاوز، وقد يحصل التجاوز من غير أن يحصل الدخول في الغير.

    وحتى يتّضح هذا البحث لابدّ من توضيح المراد من الغير، فهل المراد به هو الغير الذي يترتّب على الجزء المشكوك شرعاً أو أنّ المراد به مطلق الغير والجزء التالي وإن لم يترتب شرعاً على الجزء المشكوك؟ فإنّ السجود في الصلاة جزءٌ مترتّب شرعاً على الركوع مع أنّ العمل الواقع قبل السجود أي الهويّ إليه جزء آخر غير مترتّب شرعاً على الركوع.

    وكذلك هل يراد بالغير الأجزاء الأصلية كالركوع والسجود والقيام أو أنّه يشمل الأجزاء غير الأصلية أيضاً كالهويّ إلى السجود والنهوض للقيام.

    رأي الشيخ الأنصاري: أنّه يرى أنّ المراد به هو الأجزاء الأصلية للعمل وهو ظاهر صحيحة إسماعيل بن جابر إذ يقول الإمام(ع) في صدر الرواية: (إنّ شك في الركوع بعدما سجد فليمض وإن شك في السجود بعدما قام فليمض)(1).

    وهذه العبارة مقدّمة للقاعدة الكلّيّة المذكورة في ذيل الرواية (كلّ شيءٍ شكّ فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه).

    يقول الشيخ الأعظم بأنّ صدر الرواية في صدد تشخيص المصاديق بينما يبيّن ذيل الرواية قاعدتها الكلّيّة أي أنّ المراد من الدخول في الغير هو الدخول في الأجزاء الأصلية يعني الغير الذي رتّبه الشارع على الجزء المشكوك كالركوع والسجود والقيام لا أيّ جزء وإنْ لم يكن أصلياً(2).


    1 . محمد بن حسن الحر العاملي: وسائل الشيعة318:6باب13من أبواب الركوع حديث4.

    2 . فرائد الأصول ج3ص332-333.

  • ۱۸۹

    وعلى هذا فمن شك حال الهويّ إلى السجود في أنّه هل ركع أو لا يجب عليه الاعتناء بشكه ولابد من الإتيان بالركوع ولا تجري حينئذٍ قاعدة التجاوز.

    ويؤيد هذا الرأي رواية أخرى يسأل فيها الراوي من الإمام(ع): (رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل أن يستوي جالساً فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد، قلت: فرجل نهض من سجود فشكّ قبل أن يستوي قائماً فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال: سجد)(1).

    وهذه الرواية صريحة في أنّ الدخول في الأجزاء غير الأصلية غير كافٍ.

    رأي المحقق الأصفهاني:

    يقول المحقق الأصفهاني في مقابل الشيخ الأنصاري بأنّ الموارد والأمثلة المذكورة في صدر الرواية ليست لتحديد القاعدة الكلّيّة المذكورة في ذيل الرواية بل ذُكرت من باب الأمثلة توطئةً لذكر القاعدة الكلّية(2) وعليه فإنّه يرى أنّ قاعدة التجاوز تجري في الأجزاء غير الأصلية أيضاً، فلو شك المكلّف حال الهويّ إلى السجود في أنّه هل ركع أولا يجب عليه الإتيان بالركوع.

    قد يقال ردّاً على المحقق الأصفهاني بأنّه لو كان الأمر كما تقولون فلِمَ لم يمثّلْ الإمام(ع) في الرواية بالأجزاء غير الأصلية فلا أقلّ من ذكر مثال واحد على ذلك؟ أليس عدم ذكره دليلاً على عدم جريان القاعدة في الأجزاء غير الأصلية؟


    1 . العلامة المجلسي: بحار الأنوار160:88.

    2 . نهاية الدراية في شرح الكفاية309:3 (الطبعة الحجرية) فهو يقول: (إلاّ أنّ الظاهر أن هذه الخصوصيات من باب التمثيل توطئة لضرب قاعدة كلية لا تحديد للغير وكما أنّ إطلاق الغير في مقام ضرب قاعدة كليّة يوجب التعدّي إلى غير ما ذكر في الروايتين من الأجزاء كذلك يوجب التعدّي إلى مقدماتها الأمر أوسع من ذلك).

  • ۱۹۰

    وقد التفت المحقق الأصفهاني إلى هذا الإشكال وأجاب: بأنّ الإمام(ع) إنّما لم يذكر هذه الموارد في صدر الرواية لندرة وجودها فإنّ الشك في إتيان الركوع وعدمه عادةً يقع حال السجود ولا يقع لمن هو في حالة الهويّ إلى السجود وقبل وضع الجبهة على ما يصحّ السجود لقرب عهده من الجزء المشكوك فهذا الشك الذي منشؤه الغفلة غالباً ما يقع في السجود والجزء التالي للسجود(1).

    وهو في مقام الإشكال على الشيخ الأنصاري يقول: بأنّ قبول كلام الشيخ الأنصاري يوجب الاكتفاء بتلك الموارد والأمثلة المذكورة في صدر الرواية من غير إمكانية التعدّي إلى موارد أخرى.

    ثمّ قال: لو سلّمنا بأنّ ذكر موردي الشك إنّما هو من باب التمثيل ولا اختصاص بهذين الموردين بل لو شككنا حالة القيام بأنّه هل كبّرنا أولا، لابدّ من عدم الاعتناء بهذا الشك.

    ومن ناحية ثانية لو التزمنا بوجوب حمل الغير على التحديد وفكّكنا بالتالي بين موضوع الشك من جهة ومعنى الغير من جهة أخرى فإنّ هذا التفكيك لا دليل عليه بل هو تحكّم محض(2).

    ويقول أخيراً بأنّ هناك روايات تدلّ على أنّ الدخول في مقدمات الأفعال والأجزاء غير الأصلية كافٍ ويوافق القاعدة كرواية عبد الرحمن حيث يسأل


    1 . يقول: (وعدم تعرضه للانتصاب والهويّ والانتقال إلى السجود ليس دليلاً على عدم الاعتبار بالدخول فيها بل حيث أن الغفلة الموجبة للشك بحسب العادة لا تعرض للمصلّي مع قرب الانتصاب والهويّ إلى الركوع فلذا لم يتعرّض لهما بل عقّب الأمثلة العادية بنصب قاعدة كلية والعبرة بمفاد القاعدة لا بموردها الخاص (نهاية الدراية في شرح الكفاية309:3).

    2 . المصدر نفسه.

۲۲,۰۸۱ الزيارة