pic
pic
  • ۶۱

    الرواية التاسعة فلا حاجة إلى الإعادة.

    (أحمد بن محمد) هو أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله الأشعري القمي شيخ القميين وفقيههم ومن ثقات الإمامية(1).

    (أبيه) هو محمد بن عيسى بن عبد الله الأشعري القمي الذي يصفه النجاشي بشيخ القميين ووجه الأشاعرة لكنّه لا يوثقّه(2).

    (عبد الله بن المغيرة) هو عبد الله بن المغيرة أبو محمد البجلي من ثقات الإمامية(3).

    (إسماعيل بن جابر) هو إسماعيل بن جابر الجعفي الخثعمي الكوفي الذي روى حديث الأذان وهو من ثقات أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)(4).

    دلالة الرواية: يقول الإمام(ع) في هذه الرواية لو شك المكلّف بعد السجود في الركوع لا يعتني بشكه ويبني على أنه فعله وكذا لو شك في السجود بعد القيام ثمّ يبيّن الإمام(ع) قاعدة كلّية في ذيل الرواية بقوله: (كلّ شيءٍ شك فيه


    1 . أحمد بن علي النجاشي: رجال النجاشي ص81رقم198، محمد بن حسن الطوسي: الفهرست ص135 رقم75، السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: معجم رجال الحديث ج2رقم780و897 و898و901و902.

    2 . أحمد بن علي النجاشي: رجال النجاشي ص338رقم905، السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: معجم رجال الحديث ج17رقم11506و11507 لكن الشهيد الثاني صرّح بوثاقته في شرح الشرائع (مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائح الإسلام31:12)، ويذكر الشيخ عبد النبي الجزائري بأنّ توثيق محمد بن عيسى أمر مستبعد نظراً إلى وجود القرائن (حاوي الأقوال242:2رقم602).

    3 . يقول النجاشي في ترجمته: (كوفي ثقة ثقة لا يعدل به أحدٌ من جلالته ودينه وورعه روى عن أبي الحسن موسى(ع)...) رجال النجاشي ص215رقم561. ويعدّه الكشّي من أصحاب الإجماع (اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي ص599 رقم1050).

    4 . أحمد بن علي النجاشي: رجال النجاشي ص32رقم71، محمد بن حسن الطوسي: رجال الطوسي ص124 رقم (1246)18، أبو علي الحائري: منتهى المقال في أحوال الرجال49:2 رقم337، السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: معجم رجال الحديث115:3رقم1302.

  • ۶۲

    مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه).

    ويمكن أن يقال في هذه الرواية: بأنّ صدر الرواية لمّا كان مرتبطاً بركوع الصلاة وسجودها وقيامها فإن الصدر يخصص ذيل الرواية ويكون قرينة على أنّ المراد من (كلّ شيءٍ شك فيه) هو كلّ شيء من أجزاء الصلاة شك فيه، وعليه فلا تعم القاعدة سائر أبواب الفقه، هذا ولكن لمّا كان المورد لا يخصص الوارد كما بيّنا ذلك مراراً في الأصول فإن صدر الرواية فيما نحن فيه وإن كان متعلقاً بموردين من باب الصلاة إلا أنّه لا يقيد ذيل الرواية بل تبقى القاعدة المبينة في الذيل على كليتها، وبالتالي تصلح هذه الرواية لأن تكون من أدلّة قاعدة الفراغ والتجاوز.

    وفي هذا المجال يرى الإمام الخميني(ره) بأن المستفاد من هذه الرواية هو الضابط الكلّي ولا تكون هذه الرواية أقل من الصحيحة في باب الاستصحاب في إفادة القاعدة(1).

    هناك ثلاث روايات أخرى في هذا الباب من كتاب (وسائل الشيعة) وهي شبيهة بالرواية السابقة ولا شيء زائد فيها ومن هنا فإنّنا نكتفي بذكرها من غير تعليق عليها:

    16 ـ وعنه (أي سعد)(2) عن أبي جعفر يعني أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد،(3) عن فضالة، عن العلاء بن رزين(4) عن محمد بن مسلم عن أحدهما(ع)


    1 . الإمام الخميني: الاستصحاب ص307-308.

    2 . سعد بن عبد الله الأشعري القمي ثقة (أحمد بن علي النجاشي: رجال النجاشي ص177رقم467، ومحمد بن حسن الطوسي: الفهرست ص135رقم316).

    3 . الحسين بن سعيد بن مهران الأهوازي ثقة (أحمد بن علي النجاشي: رجال النجاشي ص58رقم137، والسيد أبو القاسم الخوئي: معجم رجال الحديث ج5رقم3414و3415).

    4 . العلاء بن رزين القلاء ثقفي ثقة وجهاً جليل القدر (أحمد بن علي النجاشي: رجال النجاشي ص298رقم811، والسيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: معجم رجال الحديث ج11رقم7763).

  • ۶۳

    قال: سألته عن رجل شك بعدما سجد أنه لم يركع؟ قال(ع): (يمضي في صلاته)(1).

    17 ـ وعنه (أي سعد) عن أبي جعفر، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله [الميمون البصري](2) قال: قلت لأبي عبدالله(ع): رجل أهوى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال(ع): (قد ركع)(3).

    18 ـ محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن العلاء،(4) عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) في رجلٍ شك بعد ما سجد أنّه لم يركع فقال(ع): (يمضي في صلاته حتى يستيقن أنه لم يركع...) الحديث(5).

    ونذكر هنا أيضاً روايتين أخريين كأدلة على قاعدة الفراغ والتجاوز.

    19 ـ محمد بن إدريس في آخر (السرائر) نقلاً من كتاب حريز بن عبد الله(6)


    1 . محمد بن حسن الطوسي: تهذيب الأحكام160:2حديث595، والاستبصار533:1حديث7/1357، محمد بن حسن الحر العاملي: وسائل الشيعة318:6باب13من أبواب الركوع حديث5.

    2 . ثقة من أصحاب الصادق(ع) (السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: معجم رجال الحديث ج9رقم6/6326).

    3 . محمد بن حسن الطوسي: تهذيب الأحكام160:2، والاستبصار533:1، محمد بن حسن الحر العاملي: وسائل الشيعة318:6باب13من أبواب الركوع حديث6.

    4 . يقول الشيخ الصدوق في طريقه إلى العلاء بن رزين: (فقد رويته عن أبي ومحمد بن الحسن (رضي الله عنهما) عن سعد بن عبد الله والحميري جميعاً عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد عن العلاء بن رزين، وقد رويته عن أبي ومحمد بن الحسن (رضي الله عنهما) عن سعد بن عبد الله والحميري جميعاً عن محمد بن أبي الصهبان عن صفوان بن يحيى عن العلاء ورويته عن أبي (رض) عن علي بن سليمان الزراري الكوفي عن محمد بن خالد عن العلاء بن رزين القلاء، ورويته عن محمد بن الحسن (رض) عن محمد بن الحسن الصفّار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال والحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين (من لا يحضره الفقيه405:4) وهو طريق صحيح.

    5 . الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقيه329:1حديث23/1006، محمد بن حسن الحر العاملي: وسائل الشيعة318:6باب13من أبواب الركوع.

    6 . قيل بضعف سند هذه الرواية لأن طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز غير معلوم (السيد محمود الهاشمي: قاعدة الفراغ والتجاوز ص39).

  • ۶۴

    عن زرارة عن أبي جعفر(ع) قال: (إذا جاء يقين بعد حائلٍ قضاه ومضى على اليقين ويقضي الحائل والشك جميعاً فإن شكّ في الظهر فيما بينه وبين أن يصلّي العصر قضاها وإن دخله الشكّ بعد أن يصلّي العصر فقد مضت إلاّ أن يستيقن، لأنّ العصر حائل فيما بينه وبين الظهر فلا يدع الحائل لما كان من الشكّ إلاّ بيقين)(1).

    20 ـ محمد بن الحسن بإسناده(2) عن موسى بن القاسم(3)، عن عبد الرحمن بن سيابة(4)، عن حماد(5)، عن حريز(6) عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن رجل طاف بالبيت فلم يدر ستة طاف أو سبعة، طواف فريضة، قال(ع): (فليعد طوافه) قيل: إنّه قد خرج وفاته ذلك، قال(ع): (ليس عليه شيء)(7).


    1 . أحمد بن إدريس الحلّي: كتاب السرائر588:3، محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة283:4 باب60 من أبواب المواقيت حديث2.

    2 . طريق الشيخ الطوسي إلى موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب هو كالتالي: (فقد أخبرني به الشيخ أبو عبد الله عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه عن محمد الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار وسعد بن عبد الله عن الفضل بن عامر وأحمد بن محمد عن موسى القاسم)تهذيب الأحكام390:10وهذا الطريق طريق صحيح.

    3 . موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب البَجلي ثقة ثقة جليل واضح الحديث (أحمد بن علي النجاشي: رجال النجاشي ص405رقم1073، السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: معجم رجال الحديث77:2رقم12863).

    4 . المذكور في الرواية عبد الرحمن بن سيابة الذي هو من أصحاب الإمام الصادق(ع) وهو لا يقع في هذه الطبقة المذكورة في الرواية بل يجب أن يكون الراوي هنا عبد الرحمن بن أبي نجران وهو من ثقات أصحاب الإمام الرضا(ع) والإمام الجواد(ع) وهو الذي يروي عن حماد بن عيسى وليس عبد الرحمن بن سيابة وعليه فالظاهر أنّ هنا حصل خلطٌ وسهوٌ ما.

    5 . حمّاد بن عيسى (أبو محمد الجهني) من أصحاب الصادق والكاظم والرضا(عم) ثقة رجع عن الوقف (أحمد بن علي النجاشي: رجال النجاشي ص142رقم370، والسيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: معجم رجال الحديث ج6 رقم3962).

    6 . حريز بن عبد الله السجستاني أبو محمد الأزدي من أهل الكوفة، ثقة من أصحاب الصادق(ع) (أحمد بن علي النجاشي: رجال النجاشي ص144رقم375، السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: معجم رجال الحديث ج4 رقم2637).

    7 . محمد بن حسن الطوسي: تهذيب الأحكام128:5حديث356، محمد بن حسن الحرّ العاملي: وسائل الشيعة359:13باب33من أبواب الطواف حديث1.

  • ۶۵

    هذه أهم الروايات التي استدلّ بها على قاعدة الفراغ وإلاّ فإن هناك روايات أخرى في هذا المجال، ويستفاد من جميعها هذه القاعدة الكلّية.

    كما لا شكّ في دلالة هذه الروايات على الأمور التالية:

    1 ـ عدم الاعتناء بالشك، والبناء على صحة العمل المأتي به فيما لو شك المكلّف في صحة العمل بعد الفراغ والانتهاء منه بشكل كامل، سواء كان العمل بسيطاً أو مركباً وسواء كان منشأ الشكّ في صحة عمله هو الشكّ في الإخلال بالجزء أو بالشرط أو الشكّ في وجود المانع (قاعدة الفراغ).

    2 ـ عدم الاعتناء بالشك، والبناء على إتيان الجزء المشكوك فيما لو شك المكلّف في إتيان جزءٍ من المأمور به المركب فيما لو تجاوز محل ذلك الجزء المشكوك ودخل في الجزء التالي (قاعدة التجاوز).

    وعلى هذا فإنّ قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز كلتيهما تستفادان من الروايات السابقة، هذا ولكن المهم الذي وقع النزاع فيه هو أن القاعدتين هل هما مجعولتان بجعل واحد أو أنّهما قاعدتان منفصلتان مستقلتان؟ وهل قاعدة الفراغ والتجاوز قاعدة عامة تجري في جميع أبواب الفقه أو هي مختصة بباب الصلاة والوضوء التي سنبحث عنها في المباحث القادمة إن شاء الله.

    ولا بد قبل الخوض في البحث عن اتحاد القاعدتين أو تعدّدهما من معرفة المراد من (الشكّ) الوارد في الروايات السابقة.

    ما المراد من الشكّ في الشيء؟

    هناك أربعة احتمالات في خصوص المراد من الشكّ في الشيء المذكور في الروايات:

  • ۶۶

    1 ـ الشكّ في أصل وجود العمل وتحققه.

    2 ـ الشكّ في صحة العمل (بعد إحراز أصل وجوده).

    3 ـ إنّ الروايات مطلقة تشمل كلا الشكلّين الشكّ في الصحة والشك في الوجود.

    4 ـ إنّ الروايات مجملة لا دلالة لها على الشكّ في الوجود أو الشكّ في الصحة.

    ولمعرفة إنّ المتعيّن هو أي واحد من هذه الاحتمالات الأربعة لابدّ من البحث أولاً عن إمكان الجمع بين قاعدتي الفراغ والتجاوز في مقام الثبوت ووجود قدر جامع بينهما أو عدمه ثمّ البحث في مقام الإثبات في تعيين الاحتمال الصحيح في الروايات السابقة.

    هذا وإن كان الإمام الخميني(قده) ذهب في هذا البحث إلى أنّ المراد بالشك في الشيء هو الشكّ في أصل وجود العمل وتحققه الشامل للشك في تحقق الجزء أو الشرط في العمل، ويرى أنّ الشكّ في صحة العمل ليس موضوع قاعدة التجاوز وهذا يوافق المتفاهم العرفي مضافاً إلى تأييد هذا الاحتمال من قبل الروايات الأخرى، لأنّ المتفاهم عرفاً من الشكّ هو الشكّ في الوجود لا الشكّ في الصحة(1).

    وعلى هذا فإنّنا نبحث أولاً عن مسألة الجمع بين قاعدتي الفراغ والتجاوز:

    إتحاد قاعدتي الفراغ والتجاوز أو تغايرهما:

    هناك نزاع هام في هذه القاعدة حول وجود قاعدتين إحداهما قاعدة الفراغ والأخرى قاعدة التجاوز أو أنّهما مجعولتان بجعل واحد في الشريعة؟ وقد


    1 . الإمام الخميني: الاستصحاب ص312-314.

  • ۶۷

    ذُكرت في هذا المجال ثلاثة فروق بين قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز مما يمكن جعلها سبباً في ظهور الاختلاف والتغاير بين القاعدتين وهذه الفروق الثلاثة هي كالتالي:

    1 ـ مورد قاعدة الفراغ الشكّ في الصحة بينما مورد قاعدة التجاوز هو الشكّ في وجود العمل وتحققه.

    2 ـ تجري قاعدة الفراغ في الأعمال البسيطة والمركبة بينما تجري قاعدة الفراغ في خصوص الأعمال المركّبة ولا تجري في الأعمال البسيطة.

    هذا مضافاً إلى الفرق بينهما في الأعمال المركبة التي تجري فيهما كلتا القاعدتين حيث لا فرق في مورد قاعدة الفراغ بين أن يكون الشكّ في الصحة ناشئاً من احتمال الإخلال بالجزء أو الشرط أو من جهة وجود المانع، أمّا قاعدة التجاوز فأنّها تجري في الجزء المشكوك دون موارد احتمال وجود المانع، مع وجود الخلاف في موارد احتمال الإخلال بالشرط.

    3 ـ في قاعدة التجاوز يكون الدخول في الجزء التالي قيداً واقعياً مقوّماً لحقيقة التجاوز، لأنّ التجاوز عن الجزء إنّما يتحقّق فيما لو دخل الإنسان في الجزء التالي من المركّب، أمّا في قاعدة الفراغ فإننا لو اعتبرنا الدخول في الجزء التالي (على الخلاف فيه) فإنّه يكون قيداً اعتبارياً تعبدياً لا واقعياً بمعنى أنّ الشارع يقول: لو تمّ عملك ودخلت في العمل الآخر فلا تعتن بالشك في عملك السابق، فإنّ الشارع هنا يعتبر الدخول في العمل التالي قيداً تعبّدياً وقد كان يمكنه أن لا يذكر هذا الشرط بل يقتصر على ملاحظة انتهاء العمل السابق فقط.

    مضافاً إلى ما سبق هو أنّ الفقهاء استفادوا من الروايات الواردة في قاعدة الفراغ عمومية هذه القاعدة والتزموا بجريانها في جميع أبواب الفقه حتى

  • ۶۸

    المعاملات من العقود والإيقاعات، بينما التزموا باختصاص قاعدة التجاوز بباب الصلاة وعدم جريانها في سائر أبواب الفقه كالوضوء والغسل و... نعم ذهب بعض الفقهاء على خلاف المشهور إلاّ أنّ قاعدة التجاوز أيضاً تجري في جميع أبواب العبادات عدا الوضوء، وعليه فلو قلنا بأنّ القاعدتين قاعدتان مستقلّتان صحّ بالتفكيك المذكور آنفاً، أمّا لو قلنا بأنّهما قاعدة واحدة مجعولة بجعل شرعي واحد لم يتمّ ذلك التفكيك حيث يجب الالتزام إمّا بعمومية هذه القاعدة وجريأنها في جميع أبواب الفقه وإما بعدم شموليتها.

    ومن هنا كان البحث في أنّ قاعدة الفراغ والتجاوز شاملة لجميع أبواب الفقه أم أنّها مختصّة ببعض هذه الأبواب كالصلاة ـ سبباً آخر للنزاع في أنّ قاعدة الفراغ والتجاوز هل انّهما قاعدتان أو قاعدة واحدة؟

    هناك خمسة أقوال هي مجموع الآراء في مسألة اتحاد القاعدتين أو تغايرهما وهي:

    1ـ إنّ قاعدة الفراغ والتجاوز قاعدة واحدة وليس للشارع في باب الفراغ والتجاوز إلاّ مجعول شرعي واحد، غاية الأمر أنّه قد يعبر عن هذا المجعول الواحد بقاعدة الفراغ وتارة بقاعدة التجاوز.

    2ـ ويفهم من كلمات المرحوم الآخوند وجمع كثير من الفقهاء أنّهما قاعدتان مستقلتان والمجعول في قاعدة الفراغ مختلف تماماً عن المجعول في قاعدة التجاوز(1).

    3 ـ ذهب المحقق النائيني(ره) إلى أنّ القاعدتين وإن كانتا اثنتين بحسب الظاهر إلاّ أنّ قاعدة التجاوز ترجع إلى قاعدة الفراغ وعليه يكون المجعول الشرعي واحداً(2).


    1 . محمد كاظم الخراساني: كفاية الأصول ص432.

    2 . السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات (تقريرات الميرزا النائيني)315:4، محمد علي الكاظمي الخراساني: فوائد الأصول (تقريرات الميرزا النائيني)ج4ص623-624.

  • ۶۹

    4ـ يرى الشيخ الأنصاري(ره) والإمام الخميني(ره) أنّ هناك قاعدة واحدة لا أكثر وهي قاعدة التجاوز أمّا قاعدة الفراغ فمآلها إلى قاعدة التجاوز.

    5ـ إنّ المستفاد من الأدلّة قاعدة الفراغ فقط ولا وجود لقاعدة تسمّى بقاعدة التجاوز.

    قبل البحث عن صحة هذه الآراء أو بطلانها لابدّ من الإشارة إلى أنّ هذا البحث قد وقع في كلمات الفقهاء في مقامين منفصلين:

    أ ـ مقام الثبوت ب ـ مقام الإثبات.

    ففي مقام الثبوت فقد وقع البحث في أنّ قاعدة الفراغ والتجاوز مع قطع النظر عن الروايات السابقة هل هما قاعدتان أم أنهما قاعدة واحدة لوجود الجامع بينهما؟ والآراء المذكورة آنفاً إنّما تذكّر في هذا المقام حيث لا بد من البحث عن صحتها أو عدم صحتها.

    ثمّ نأتي إلى مقام الإثبات فيما لو توصّلنا إلى عدم وجود جامع بينهما وإنّ قاعدة الفراغ مختلفة عن قاعدة التجاوز ولا بد حينئذٍ بملاحظة الروايات المذكورة من التماس دليل خاص على كلّ من قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز، أمّا لو التزمنا باتّحاد القاعدتين كان لابدّ من دراسة الروايات السابقة لمعرفة الروايات المتكفّلة بإثبات القدر الجامع التي تفيد كلتا القاعدتين.

    وبعد بيان هذه المقدمة نبدأ بدراسة الآراء والنظريات الواردة في وحدة قاعدة الفراغ والتجاوز أو تعددهما ونعقد البحث في مقامي الثبوت والإثبات.

    مقام الثبوت:

    أدلّة القائلين بتغاير القاعدتين:

    استدلّ القائلون بتعدّد قاعدتي الفراغ والتجاوز على مدّعاهم بأربعة أدلّة، ذكر الميرزا النائيني الأدلّة القائمة على التعدد في مقام الثبوت وهي الأمور التالية:

  • ۷۰

    الدليل الأوّل عدم وجود القدر الجامع بين القاعدتين:

    الدليل الأوّل الذي أقيم على تعدد القاعدتين هو أن الموضوع في قاعدة الفراغ هو الشكّ في الصحة وفي قاعدة التجاوز هو الشكّ في الوجود ولا جامع بين الموضوعين.

    وقد ذكروا هذا الدليل بثلاثة وجوه وبيانات مختلفة:

    البيان الأوّل للمحقق النائيني:

    عرض الميرزا النائيني الدليل الأوّل بهذا التقرير: وهو أنّ موضوع الشكّ ومتعلقه في قاعدة الفراغ هو صحة العمل لمفاد کان الناقصة أي أن المقصود إثبات وصف الصحة لعمل خارجي، أمّا موضوع الشكّ ومتعلقه في قاعدة التجاوز هو وجود الجزء أو عدمه بمفاد كان التامة أي أنّ قاعدة التجاوز تُعبّدنا بالبناء على وجود الجزء المشكوك فلا جامع بين الأمرين لتغاير متعلّق التعبد في كلّ من القاعدتين ففي قاعدة الفراغ يُبحث عن أنّ هذا الموجود صحيح أو لا؟ بينما في قاعدة التجاوز نتساءل: هذا الجزء موجود أولا؟ وكلّ منهما يحتاج إلى جعل مستقل.

    كلام الشيخ الأنصاري:

    ذهب المرحوم الشيخ الأنصاري(قده) ـ كما ذكرنا ـ إلى اتّحاد القاعدتين ويشكلّ كلامه جواباً عن الدليل الأوّل حيث فسّر قاعدة الفراغ بحيث يكون مآلها إلى قاعدة التجاوز كما أنّه جعل مفاد قاعدة الفراغ مفاد كان التامة حيث قال: (إنّ الشكّ في صحة الشيء المأتي به حكمه حكم الشكّ في الإتيان، بل هو هو، لأنّ مرجعه إلى الشكّ في وجود الشيء الصحيح)(1).


    1 . مرتضى الأنصاري: فرائد الأصول342:3.

۲۲,۰۸۷ الزيارة